حسب الله يحيى : تحلل وانهيار المجتمع قي رواية أبواب الفردوس (ملفات/8)

hasaballah yahiaإشارة : هذا الملف الذي تقدمه أسرة موقع الناقد العراقي عن القاص والروائي والناقد والمترجم المبدع الأستاذ “ناطق خلوصي” يحتفي بتجربة عريضة وثرة تمتد على مساحة أكثر من نصف قرن من العطاء المتواصل في حقول إبداعية متنوّعة أغنى بها خلوصي المكتبة العراقية بالعديد من النتاجات التي تستحق التقدير والإحتفاء .

المقالة :
من طبيعة المجتمعات أن تتفاعل وتتواءم ويلتحم أفرادها انطلاقا ً من طبائع بشرية أزلية تقوم على التعاون والتآزر والمصالح المشتركة التي تجمع أفراد العائلة الواحدة مع العوائل الأخر ليشكلوا مجتمعا ً متآخيا ًومنفتحا ً بعضه على الآخر . لكن افرازات المشاكل السياسية والاقتصادية من شأنها أن تهدد هذه الطبيعة الاجتماعية الموحدة وتعمل على تفكيكها وتحليلها ومن ثم انهيارها أفرادا ً وجماعات وصولا ً إلى واقع اجتماعي ممزق يعيش تصدعا ً وصراعا ً وانحدارا ً في صميم قيمه الأخلاقية .
صحيح ان السياسة كنظام يراد من خلاله سيادة العدل والمساواة من خلال قوانين ترعى مصالح الجميع وعلى حد سواء .. وصحيح أيضا ً أن يكون اقتصاد البلاد منظما ً بحيث يبني ويعمر البلاد ويرقى بحياة المجتمع.. ولكن الأمر سيكون معكوسا ً اذا ما تحولت السياسة إلى سلطة والاقتصاد إلى هدر للمال العام ، وهذا ما عملت رواية ( أبواب الفردوس ) لناطق خلوصي على تناوله وكشف وقائع هذه الأبواب التي تعد( فردوسا ً ) لصاحبها ، فيما هي ( جحيم ) لقيم وحاجات ومتطلبات مجتمع بأسره .
ان شخصية نذير الحسيبي محور هذه الرواية شخصية لها جذر عائلي في البلاد فيما هي تعمل تجاريا ً في الخارج حتى لنجد الزواج هناك له حساباته التجارية لا الاجتماعية الأسرية المتعارف عليها .
نعم .. هناك عمل تجاري محدود في داخل البلاد لكنه عمل ضخم وأوسع خارج البلاد .
ومحدودية هذه التجارة في الداخل انعكست على تحلل أفراد عوائل عديدة في مقدمتها عائلة ( نذير) نفسه وما يحيطها ويربطها بعوائل أخر . .
الأب على خلاف مع أخيه اليساري والخال مخبر يرتدي ثياب الورع والتقوى ليستغل محلات في عهدته وعائلة ينتمي اليها ويريد التنكيل بأفرادها لأنها تتعارض مع مصالحه . والأخت راغبة في أخيها والنساء مفتونات بجمال هذا الأخ الذي لا يتورع عن اقامة علاقة محرمة مع زوجة أبيه ومدرّسة أخته وموظفة الجامعة . ويسكت عن مشهد غرامي لأخته مع ابن عمها ، وابن العم هذا لا تحول نزواته دون إقامة علاقة محرمة أخرى مع زوجة عمه الأخرى كذلك .
أنماط مختلفة ومتشابكة من العلاقات الاجتماعية المحرمة وغير المقبولة في الأعراف والقيم والمبادىء الدينية والاجتماعية . وفاء مفقود بين الأزواج والزوجات ودعوات مستمرة من الاغراءات والتحلل والتفكك الاجتماعي يملأ صفحات هذه الرواية التي تبلغ ( 348 ) صفحة .
والروائي ينتقل من علاقة إلى أخرى ومن مشهد إلى آخر وفي جعبته أحداث مفصلة لما جرى ولما فسد وانهار وتبدد .. حتى لنجد ان اللحمة الاجتماعية والمؤسسة الاجتماعية في بناء الحياة الزوجية تفقد معانيها حين تشتبك مع دوائر أخرى ولا يمكن الاطمئنان إليها إلى ما لا نهاية . ذلك ان نهاياتها تنهار شيئا ً فشيئا ً ضمن نوازع فردية ومصالح أنانية وطموحات رغبات سلبية لا تجد سبيلها إلى نتائج ايجابية أبدا ً .
nateq  2وحتى يضفي عليها الروائي دلالات ويعطيها أبعادا ً يحيلها في نهاية الأمر إلى الحروب المتتالية ومن ثم إلى احتلال الكويت وانقطاع أواصر التجارة بين البلدين .. ومشاهدة الحياة التي تتحول اجتماعيا ً إلى عزلة وتفكك ودمار ومن ثم إلى رماد . من هنا نجد ان قراءة هذه الرواية على وفق هذه الرؤية قد يعطيها بعدا ً ينشده كاتبها .. وهو ما يوحي به ويومىء إليه في أكثر من مكان .
لكننا إذا قرأنا الرواية على وفق الوقائع المادية التي كتبت بها فإننا عندئذ نجد في هذا السرد الطويل ما يجعله قائما ً لذاته ـ مشدودا ً إلى بعضه ، مشوقا ً إلى تسلسله ، راغبا ً في إمتاع قارئه بمشاهد عاطفية ليس بوسع أحد العدول عنها والتخلص من هيمنة قراءتها ومعرفة تفاصيل مشاهدها الشيقة .
غير اننا من منطق ثالث لابد أن نجد في لغة ( الفردوس ) الإيحائية التي يدعو إليها الروائي في مواقع عديدة كما يشيرإلى أن ( الفردوس ) الذي تعنى به الرواية ليس فردوسا ً ميتافيزيقيا ً متخيلا ً وإنما هو فردوس حياتي يمكن الوصول إليه والتمتع به والعيش في ضوئه الذي يوحي به ويشدنا نحوه.
وقد يكون الحرمان الاجتماعي والطقوس المحيطة بالجو الحميمي الموجع والثقيل والمكبل لعوالم الشخصيات هي التي تجعل من هذا الجو فردوسا ًمرتجى وبالميسور الوصول إليه ، بعيدا ً عن الخطين : اليساري / المنكسر وغير الفاعل في هذه الرواية ، والديني/ المكشوف أمره وتوجهه ورجعيته وخطابه المقترن بالكذب والاستغلال .
نعم .. هناك ملامح بعيدة وغير أساسية ، وإطار غير مرئي تماما ً.. في عالم هذه الأبواب الفردوسية ، لكن ناطق خلوصي كان حذرا ً قبل الخوض في عمقها والاندفاع التفصيلي إلى مؤثراتها على شخصيات روايته وهو الأمر الذي جعل المتلقي يقرأ هذه الرواية بشكل احادي يغلب عليه الطابع المرئي مجردا ً عن اللامرئي الذي تومىء إليه هذه الأبواب التي ظلت مقفلة على العاطفة مجردة من أبواب أخر تنفتح على آفاق أرحب وأدل وأشمل كان بمقدور هذه الرواية أن تتناوله على وفق سبل أكثر انفتاحا ً واهتماما ً وانتباها ً . إلا ان حذر الروائي جعله ينشد إلى الأحداث الاجتماعية المفككة والمنهارة ، أكثر بكثير من تناول أسبابها ، وهي أسباب سياسية واقتصادية على نحو دقيق . لكن ناطق خلوصي عزف عنها لئلا يسقط في المباشرة أو ينقل الفن الروائي إلى رسالة واضحة الدلالة . لقد انتهى بهوية لا يريد البوح ولا التصريح بها ، مع انه يؤمن بها وينطلق من خلالها ويصدق صدقا ً نبيلا فيها . kh natek 4
لقد اختارت رواية ” أبواب الفردوس ” لنفسها طريقا ً أحاديا ً جعلها رواية رومانسيةممتعة ومكتوبة بلغة صريحة واضحة خالية من الايحاءات التي اختفت في ثناياها دلالات منطقية ظلت تشكل خلفية غيرمرئية .. إلا في حدود ضيقة قديستشفها قارىء نابه ، فيما يفضلها قراء هم من الكثرة التي ترى في هذه الصفحات الطويلة متعة في وقت سقيم نحتاج فيه إلى مثل هذه الأبواب التي تفتح أمامنا فردوس العواطف التي تكاد تنطفىء وهي في خريف أعمار تساقطت سنواته .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
جريدة الزمان 8 شباط 2014

شاهد أيضاً

أنتِ تشبهينني تماماً للعراقي سعد جاسم: طقسٌ أنثوي يُشبهُ قصيدة واحدة
قراءة: صالح الرزوق (ملف/36)

إشارة: يسرّ أسرة موقع “الناقد العراقي” أن تقدّم لقرّائها الأعزاء هذا الملف الأسبوعي الثر عن …

صانع المفاجآت
شعر/ ليث الصندوق (ملف/1)

( إلى قيس مجيد المولى شاعراً ) بهدوءٍ سحبتَ الجسرَ من تحت قدميك طويته في …

كريم عبدالله: إلى روح الشاعر العظيم قيس مجيد المولى (ملف/2)

الأوتوبيوغرافيا في مَزاغل قيس مجيد المولى سياحةٌ في ديوان ( مَزاعل للعُتمةِ .. وخفايا للأنباء …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *