عبد الزهرة علي : أثر التلفزيون في رواية ( المزار ) (ملف/5)

abdulzahra ali* بغداد
اهتم الروائي ناطق خلوصي بالحياة الشعبية لمدينة بغداد واعطاها مساحة واسعة في كتاباته السردية ، متخذا ً من المكان منطلقا ً لبناء شخصياته الروائية الشعبية . فأغلبهم من الطبقة الوسطى ( موظفون ، كتـّاب ، تجار صغار ) ممن يتواجدون دوما ً في المقهى والمشفى والأضرحة والأسواق ، وهم يعيشون في بيوت متواضعة ، منحدرين من طبقة فقيرة ( عمالية ، فلاحية ). وقد اتضح ولعه بالأجواء الشعبية والتقاليد الاجتماعية لهذه الطبقات في روايته ( المزار) وكذلك ما ترجمه من قصص وروايات منها رواية ( ليس من أخ أفضل منه ) للكاتب الاذربيجاني ( مقصود ابراهيم بيكوف ) حيث يقول في مقدمة الترجمة : ” شعرت بأنها قريبة من نفسي بفعل طبيعة مضمونها والأجواء الشعبية التي تتناولها ، وهي أجواء قريبة من أجوائنا بما تتوفر عليه من قيم وتقاليد اجتماعية … ” .
وقد كان أمينا ً على مبادئه الأخلاقية والاجتماعية ، وهذا ما لمسناه في قصصه المنشورة في الصحف العراقية ، وبالأخص في روايته ( المزار ) ، حيث انحيازه التام للواقعية في الأدب واخلاصه لها . ولم تستطع المدارس الأدبية الأخرى أن تبهره رغم امتلاكه ناصية اللغة الانكليزية بجانب اللغة العربية اللتين تتيحان له معرفة كاملة بتلك المدارس الحديثة ، ليعطي مثالا ً حيا ً على حيوية المدرسة الواقعية وقدرتها على التطور .
اعتمد القاص ( ناطق خلوصي ) على الصورة في كتاباته السردية وقد ابتعد عن التأويل بقدر ، مما يجعلنا أمام تساؤل مشروع : هل كان الكاتب ينوي في كتاباته الروائية والقصصية أن تمثل سينمائيا ً أو تلفزيونيا ً ؟ هذا التساؤل جاء بعد أن قرأت روايته ( المزار ) التي تضج بالدراما وتفكيك الأحداث اليومية ألى لقطات متعاقبة من أجل تصوير الواقع . إن كتابات ناطق خلوصي الواقعية التي تثقف عليها، جعلته يسير على سكة الترتيب الزماني لسرد الأحداث الروائية . وإذا ما أراد أن يتلاعب بأزمنة الأحداث ، يذهب إلى أحداث فنية معروفة في المجال السينمائي والتلفزيوني من ( الفلاش ياك ) والتقطيع ( التوليف ) . ولا ريب في ذلك إذا علمنا انه مارس الكتابة النقدية للدراما التلفزيونية ، مما جعل التأثير والتلاقح واضحا ً في ممارسته السردية التي تناغمت مع ثقافته الدرامية واشتغالاته التلفزيونية حيث الكاميرا المحمولة والتوليف اللتان كانتا السمة الرئيسية في بنائه السردي . ولو أخذنا مثالا ً عن صوره السينمائية في رواية ( المزار ) :
” خلّف وراءه البنايات الهاحعة تحت شمس العصر . تلكم العالية التي على يمينه والأخريات الواطئة التاي تعلوها منارة جامع الأزبك على يساره وصار يرتقي الجسر . خطى متمهلة ، هادئة ، تحت سماء لا يشوبها سوى غيوم متناثرة تبدو مثل ندبف قطن أبيض منفوش ، سابحة في الفضاء . لا أحد غيره من السابلة يمر الآن. غير ان الجسر يعج بحركة المركبات ” ( ص 5 ) . ولم يكترث بالأشياء الصغيرة من أفعال وصور ، فهو يحرك كاميرته سريعا ً على موجودات المكان وكأنه يكتب ما تصوره العين فقط ، كما جاء في ( ص 107 ) : ” انعطف يسارا ً وسار مخلّفا ً باعة الوجبات السريعة ، وباعة الدمى وأكشاك المرطبات . وإذ التفت يمينا ً ، داهمه منظر النهر عبر فسحة تمتد بين المقام وإحدى دعامات الجسر ” . ومن خلال هذه اللقطة نعرف بأنه يريد تحديد مكان الكاميرا لتلتقط عدستها الصورة الكامنة بين المقام ودعامات الجسر .
أما اشتغاله في القطع السينمائي أو التلفزيوني فنأخذ عنه هذا المثال :
بينما كان ( ساهر عبد السلام ) يشغل وقته بقراءة ( المخطوط القرمزي ) ، تقطع اللقطة وتدور الكاميرا على ( مريم ) الأرملة التي تتوسد فراشها مع طفلها ( ص 39 ) .
وهناك قطع آخر عندما كان ( ساهر) في الحافلة وهاجس خفي يلح عليه أن يلتقي بمريم ، تنزاح الكاميرا إلى قدري ( أخ زوج مريم ) وهو يستأجر سيارة صغيرة يقتفي أثر مريم ( ص 57 ) . كذلك حبه للتلفاز لم يغب في روايته ( المزار ) . فعندما أراد أن يدخل الحلم في السرد الروائي يجيء نتيجة رؤية البطلة لأحد البرامج التلفزيونية : ” حلم أسود ، رأت كائنا ً بشع الخلقة له أذرع مثل أذرع أخطبوط كانت قد رأته في أحد برامج التلفزيون ” ( ص 77 ) .
ان البطل الروائي التوليفي ذا الجذور السينمائية اعتمد على توليف حكايتين في الرواية هما حكاية الاستاذ ( ساهر عبد السلام ) وحكاية ( قدري ) ، وقد ارتبطت الحكايتان بشخصية الأرملة ( مريم ) . وقد ختم روايته هذه بنهايتها السعيدة التي تجمع بين ساهر ومريم ، حيث يخرجان من المحكمة بعد عقد القران ، وزواج مديحة من ( هوبي الفحام ) وقد خابت كل منغصات قدري لتتبين العلاقة الوثيقة بين الدراما وسرده الروائي وذلك بانتصار الخير على الشر . ولم يتخذ النهايات المفتوحة على احتمالات وأسئلة متنوعة .
لقد تميزت روايته بالثقة في الانسان وبالروح التفاؤلية والنظرة المشرقة للمستقبل . إننا أمام مبدع يمتلك مبادىء أخلاقية لا يحيد عنها وقد انعكست هذه المبادىء على أبطال الرواية حيث نرى تحفظه على تصرفات ( قدري ) المشينة التي تجرا بفعل بعضها . الا ان الكاتب سارع في إدانتها على لسان أبطال آخرين في الرواية . ويتميز أيضا ً بالنزعة الانسانية التي يحتل مركز الصدارة فيها الفرد المتحرر من الاستغلال وتطوره الحر الشامل . وأخيرا ً تقول في شخصية الكاتب ان مغريات الحياة لم تسلبه الشغف بالقراءة والكتابة ، فهو مستمر في انتاجه الابداعي في القصة والرواية والترجمة والمقالات النقدية التلفزيونية عندما كانت الدراما العراقية في أوج نضوجها الفني ، رغم ثقل السنين التاي تراكمت فوق كتفيه ، وظل ذلك الراهب المنعزل في صومعته ، لم يحب التظاهر ولا يحث الخطى نحو بهرجة الضواء ، هادئا ً ، منزويا ً ، له مبادؤه الأخلاقية والاجتماعية التي لا يحيد عنها ، حتى انها تركت أثرا ً واضحا ً في إبداعه الأدبي ، حيث نرى جميع أبطاله في القصة والرواية ضمن هذا الشرط الأخلاقي المحدد س

شاهد أيضاً

سلام إبراهيم: وجهة نظر (17) أفكار حول الرواية العراقية للنقاش -2- (ملف/131)

حافظة للوحدة الوطنية في ظل ظروف الدكتاتورية والحروب المتواصلة التي أدت إلى أحتلال أمريكي عمل …

ثامر الحاج امين: الإنسانية المنتهكة في رواية (حياة ثقيلة) (ملف/130)

إشارة: مثل قلّة لامعة من الروائيين العالميين كإرنست همنغواي وإريك ريمارك وغيرهما خطّ الروائي العراقي …

من رسائل القرّاء والكتّاب الموجّهة إلى الروائي سلام ابراهيم (31) (ملف/129)

إشارة : تجربة رائعة يقوم بها الروائي المبدع “سلام ابراهيم” وهو يؤرشف رسائل قرّائه الكرام …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *