“رماد الحب” رواية جديدة عن المحنة للمبدع “علي خيون”
قراءة: حسين سرمك حسن – دمشق

( ماذا لو كان هناك ما لم يُكتشف من ضروب الجنون ؟ ضرب خبيث نبدو فيه في غاية العقل والمنطق ، ويقودنا الجنون إلى أفعال مخيفة ، مدمّرة ، نعلم أنها تخالف ما يريد الرب ، وتخالف كل الشرائع التي هبطت مقدسة من السماء ، ثم تركبها كحصان جامح ، وتجاهر بها علنا ، مثل من يقطع رأس جاره من الوريد إلى الوريد في حضرة أولاده وزوجته ، مدّعيا أن ذلك دفاع عن الحق ) .
عن دار الآداب في بيروت صدرت مؤخرا رواية جديدة للروائي المبدع ” علي خيون ” عنوانها : ” رماد الحب ” هي روايته الثامنة . وهي رواية تعالج بذكاء وإحكام المحنة العراقية الراهنة في بعدها الأخلاقي والنفسي من خلال شخصية بطلها ( حامد ) المركبة والمعقدة ، شخصية محملة بمكبوتات سادية مدمّرة منذ الطفولة المبكرة ، فصارت تشيع الخراب في رشدها أينما حلّت . فقد نقم على شمس التي أحبها في أيام الكلية لأنها تركته وتزوجت ممثلا معروفا ظل يتصيد أخطاءه ويحاول إلباسه حتى التهم السياسية . ثم قام أخيرا بوضع نص مسرحي يبلغ الذروة بمشهد عنيف أودى بحياته . وقبلها خرّب حياته الزوجية مع ” سميّة ” التي رزق منها بطفلة أسماها ” شمس ” وذلك لأنها عثرت على رسائله المتبادلة مع شمس الحبيبة بعد أن فتح الحقيبة أحد الجنود الأمريكان خلال هجمة تفتيشية . وعبر سلسلة من المفاجآت الدرامية المحسوبة يصعّد الكاتب التوتر في أجواء الرواية إلى حدوده القصوى ليكشف أن الممثل الذي تسبب حامد في موته هو سبب حياته فقد أنقذه – مضحيا بزوجته – حينما مات أبواه في حادث سيارة ، وسمى ابنه حامدا تيمنا باسمه . ولكن الأهم هو أن وقائع الرواية تجري في مرحلة المحنة الراهنة حيث يجتث العنف الأهوج والقتل على الهوية والصراع الطائفي البشر بسهولة مثل أبي شمس وابنها بعبوة ناسفة ، وصديق حامد الذي يقتل على الهوية .. والعائلات التي تفر من بلدها إلى دول الجوار .. والصديق الذي يقتل صديقه الذي استضافه ويسلبه نقوده .. في حين يغرق حامد في عقده ورغباته الثأرية والعدوانية التي تقتل الحب في النفوس إلى الأبد . هذا الحب الذي يرفض علي خيون – وهذا جانب من فلسفة الرواية – أن يكون – كما قال ” ميغل ده أونامونو ” الذي افتتح الرزايو بمقولته – أنانية متبادلة ، يسعى فيها كلا المحبين لامتلاك الآخر ، فيصبحان طاغيتين وعبدين ، كلاهما طاغية وعبد للآخر في آن واحد ، بل هو هذه القدرة على العطاء المتفهم ، والتضحية الإنسانية النبيلة التي لا تبقي موقعا لعبد أو طاغية في الحب ، بل لعلاقة إنسانية متوازنة تتأسس على صفاء النفس البشرية من نوازع الإثرة والعدوان . وهذا الفهم – الذي يؤكد عليه الخال ( رضوان ) برمزية مهنته كسائق للقطار ، والمخرج ” ماهر السامي ” برؤيته للهوية – هو الكفيل بإزالة كل مظاهر العنف من الحياة البشرية . هذا الحب هو علاج المحنة ، وبخلافه فإن أول من يكون ضحية مثل هذا الفهم الخاطيء لمعاني الحب هو الشخص نفسه ، وهذا ما يتجلى في نهاية ” حامد ” الكارثية التي يموت فيها بالطريقة نفسها التي خطط بها لموت الممثل ” سعيد أدهم ” . يستثمر الكاتب موضوعات شكسبيرية مثل هملت وروميو وجولييت للعب على إيحاءاتها بذكاء يخدم مسارات روايته ويثري نسيجها .
( قال المخرج :
– هنا يكمن القصد . كل منّا من مدينة وكل منا من عائلة تمتد جذورها إلى مكون مختلف عن الآخر . لكننا نلتقي هنا بوصفنا نمتلك هوية وطنية واحدة ، أو في الأصح نملك هويات متعددة يمكن أن تشكل جسرا متينا بيننا ، واحدة منها على سبيل المثال ، هي الفن الذي يجمع بيني وبينك وبين سعيد أدهم . يمكن أن نطرح الموضوع على نحو حضاري .
نهض حامد فجأة وقال :
– لكن لكل شيء حدود .. لابد أن نقول للسارق أنت سارق .. وللمغتصب أنت مغتصب .. ولابد للسافل والضئيل من جزاء عادل .
نهض المخرج بضيق وقال وهو يغادر :
– تلك هي المشكلة ، تحقير الآخر ورؤية جانب واحد من إنسان متعدد الجوانب والأوجه والاتجاهات .. أخشى عليك يا صديقي الكآبة والجنون .. ) .

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| احمد عواد الخزاعي : فنتازيا خضير فليح الزيدي في رواية ” يوتيوب “.

صناعة الشخصية الديناميكية المدورة، سمة امتاز بها الروائي خضير فليح الزيدي، فمعظم شخصياته الروائية، تكون …

| طالب عمران المعموري : تشكيل المكون الروائي في رواية “عاشقة من كنزا ربا” للروائي عبد الزهرة عمارة .

“أنت يا عليما بالقلوب وكاشفا للبصائر .. عيوني متطلعة إليكَ وشفاهي تسبحك  سبع مرات في …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.