مشروع تحليل خمسين رواية عربية نسوية : رواية “كم بدت السماء قريبة!!” لبتول الخضيري (1)

hussein 5د. حسين سرمك حسن
بغداد المحروسة – 1/10/2014
(إنّها فكرة بلهاء ، قضية الإنتماء ، فنحن لا ننتمي إلّا لظلّ أجسامنا التي ترافقنا ، مادمنا أحياء)
(ليتَ صفّ النخيل يرحل عن منامي)
(يبدو أن الوحدة أكثر احتمالاً إن كنّا سنموت بعدها مع الجماعة .. إنّه أشبه بهذا الشعور ونحن على وشك عبور الشارع . فنحن ننتظر لاشعورياً أن نعبر مع جماعة العابرين وليس بمفردنا .. الآن هذه فرصتنا الأخيرة في أن نفهم .. لأننا ، بعد قليل ، سنكفّ عن أن نكون)
(شعرتُ أنني أملكها . تُرى ، أنمتلك أحياء أخرى ثمّ نعذّبها ؟! أم نعذّبها أوّلاً ثم نشعر أننا نمتلكها ؟!)
بتول الخضيري
رواية “كمْ بدتْ السماء قريبة !!”

(تنبض ذاكرتي على رصيف شارع . كان ذلك الرصيف ينزلق تحت قدمينا) (الصفحة السابعة طباعياً والأولى سرديّاً) .
هذا هو السطر الأول من رواية “كم بدت السماء قريبة !!” (1) للروائية العراقية “بتول الخضيري” ، وهي روايتها الأولى وبعدها أصدرت رواية “غايب” (2) . هذا السطر ، بالنسبة إليّ ، يحدّد الرؤية النفسية الحاكمة للرواية ، وهذه الرؤية الحاكمة تصمّم بدورها أفكار ورؤى الشخصية الرئيسية فيها ، وطبيعة علاقاتها ، ونظرتها إلى متغيّرات الحياة . وأنا هنا لا أتفق مع أطروحة أنّ الإستهلال هو “ثريا” للنص كما روّج البعض ، بحماسة ، للعنوان على أنّه الثريا الكاشفة لزوايا النص المظلمة ، بمعنى أن المكتوب يُفهم من عنوانه . أنا أتفق مع “الصورة الكلّية – GESTALT” التي يقوم الناقد – والقارىء إلى حدّ أقل اعتماداً على ثقافته القرائية والنقدية وموقفه من عملية القراءة وغيرها – وفقها ، بإكمال قراءة الرواية ، وتحليل وقائعها ، ورسم الصور النفسية والاجتماعية لشخصياتها ، ثم يقوم بوضع المكوّنات الأخرى لجسد الرواية ضمن “إطارها” لتأخذ موضعها الصحيح والدقيق بالترابط مع المكونات الأخرى ، فتتسق الصورة ، وتتألّق دلالة كلّ مكوّن بالعلاقة الحميمة والوثيقة مع الأجزاء الأخرى ، وفي الظلال المُلهبة لتداعيات الزمان والمكان في نفس القارىء .
وبعد أن أكملتُ قراءة الرواية للمرة الثالثة ، وهذه عادتي حيث تكون القراءة الأولى تمهيدية سريعة ، والثانية تأمّلية عميقة ، والثالثة للتأشير بالقلم الرصاص استعداداً للكتابة ، وتهيّأتُ لكتابة هذه الدراسة مبتدئاً – من جديد – باستهلالها ، استوقفني هذا السطر بجملتيه المترابطتين بوثاقة مدروسة شدّت أواصرهما مفردة “الرصيف” منكّرة في الجملة الأولى ، ومُعرّفة في الثانية – ولكل شكل من شكلي هذه المفردة معنى كما سنرى – أحسستُ – وهذه من المرّات القليلة ، بأنّ مفتاح عذابات بطلة الرواية كلّها ، وسرّ ارتباكات حياتها الجسيمة ، قد ضغطتها – بعنف وسلاسة – في هذا السطر . وهذا السطر يمثّل النواة لحبكة الرواية المركزية ، ولأغلب ثيماتها حين تنضاف إليه – ليس بصورة ميكانيكية طبعاً ، ولكن بتفاعل جدليّ خلّاق – تأثيرات وأفعال الشخصيات والمتغيّرات الأخرى في الرواية ، كما يحصل ، الآن ، حين تنضاف مفردة جزئية هي : “كتفكَ” – للمذكّر – كعلامة على حضور “آخر” تُقسّط الراوية – والرواية تُسرد بضمير المتكلّم الذي لم تتضح طبيعته الجنسية حتى الآن – كشف هويّته كجُرَع لسرّ صغير ، وهذا التجريع الذي يقسّط “السرّ” ، هو جوهر الفن السردي مأخوذاً من أميرة الحكائين “شهرزاد” في سيّدة الحكايات “ألف ليلة وليلة” :
(تنبض ذاكرتي على رصيف شارع . كان ذلك الرصيف ينزلق تحت قدمينا ، وسياج المدرسة الخريفي يمسح كتفكَ معتاداً على مرورنا اليومي) (ص 7)
batol 1ويجعل هذا التجريع – المحكوم بعوامل نفسية عميقة عادة – وليس كلعبة سرديّة مجرّدة ، صورة الطرفين : الراوية / الراوي حتى الآن ، غير محدّدة الملامح من ناحية هويتيهما الجنسيتين (الذكورة والأنوثة) ، ومن ناحية التوازي العمري ، وكأنّ الراوية / الراوي يتعمّد “تعطيل” انكشاف هذه التفاصيل طمعاً في تصعيد التوتر والفضول في نفس القاريء ظاهراً ، وتعبيرا – وهذا هو الأهم – عن رغبة مُلحّة في تغييب “الفوارق” لمصلحة نفسية غائرة قد تتكشّف لاحقاً . تواصل الرواية تقديم جرعة كاشفة أكبر بالقول :
(أنتَ تصرُّ على أن تركن السيارة عند التالة في بداية الشارع لنكمل طريقنا سيراً ، وأنا حينها مثل أنثى البطريق أجرّ قدمي للحاق بك . تسحبني من يدي الصغيرة مسرعاً إلى حيث سأتعلّم أصول المشي الرشيق . فقد قالت لي “مامي” – عذراً أقصد “أمّي” – هذا الصباح إنهم سيعطونني دروساً في أنواع المشي وعادات الجلوس وأشكال الرقص) (ص 7) .
الآن تتضح بصورة قاطعة هوية الراوي الجنسيّة كأنثى ، والعمرية كطفلة صغيرة ، تتعلّق بكفّ أبيها الذي ستتكشّف هويّته بصورة كاملة من خلال إشارة الراوية إلى العلاقة القائمة على الشجار الدائم بين أبويها ، وأحد أمثلتها الخلاف حول قصّ شعر البنت حيث تريده الأم قصيرا عمليّاً ، في حين يريده الأب طويلاً نامياً . كما سنعرف أنّ قرار التحاق الطفلة بمدرسة الموسيقى والباليه ، كان قراراً من الأم ، جاء برغم معارضة الأب الشديدة ؛ الأب الذي يغادرها الآن وهي تنتزع صورة ابتعاده الحركية الآسية من أعماق ذاكرتها وقد ابتعدت عن أعماقها الغائرة لمسافة عقود :
(تُسرع الخطى ، فيبدأ صف النخيل الموازي للسياج بابتلاعك . نخلة بعد أخرى تقتطع جزءاً منك . ألوّح لشبحك ثم أخترق القوس الهائل الذي يزيّن مدخل الفناء) (ص 7) .
وهي حركة أقرب إلى الرحيل والغياب النهائي منها إلى المغادرة الوقتية التي ستليها عودة .
ولم تكن مشاعر “الضآلة” والإحساس بصغر “الحجم” تجاه المحيط ، مرتبطة بوقفتها في ساحة المدرسة ، وهي تنتظر المعلمة التي ستصطحبها إلى الصف ، حيث شعرت وكأنها “نملة” ، بل مرتبطة بكل ما يحيط بها : “كان كل شيء أكبر منّي” (ص 9) حتى نظرات أبيها المُعاتبة لأنها تنادي أمّها بكلمة “مامي” بدلا من “يوم” أو “يمّه” التي يفضّلها ، ولم يكن هناك من “شيء” يشعرها بأنها أكبر منه سوى “خديجة” التي صغّرت اسمها إلى “خدّوجة” ، صديقتها الطفلة إبنة العائلة الفلاحيّة التي تقضي النصف الثاني من النهار معها يومياً .
وتتضح التناقضات بين الأم والأب في سلسلة لا تنتهي من المواقف المبدئية من الحياة من ناحية ، وفي تراكمات ليس لها حد من تفصيلات الحياة اليومية من ناحية أخرى . الأم الإنكليزية تُدخن والأب يكره التدخين ويرفض أصلاً فكرة النساء المدخنات . الأب يعطف على الناس العراقيين البسطاء من الفلاحين الذين يحيطون ببيته ، والأم تزدريهم وتنظر إليهم باحتقار ، فهي – مثلا – ترفض أن تنشيء ابنتها علاقة مع خدّوجة وتصفها بالفتاة القذرة وحاملة البراغيث ، وتخشى أن تنقل إلى ابنتها الأمراض . وهي تنسعر ، وتكاد تُجنّ ، حين تخبرها ابنتها بأنها أكلت في بيت خدّوجة قطعة خبز وقليلا من الجبن ، لأنّ امّها تستخدم روث البقر كي تشعل ناراً تلقي فيه العجين ، كما أن الذباب يغطّي الجبن الذي يتركونه مكشوفاً بعد صناعته بيدين قذرتين (ص 12) . والأم لا ترفض العلاقة مع خدّوجة حسب ، بل ترفض فكرة اختلاط ابنتها بكل الناس المحيطين بهم في منطقة “الزعفرانية” حيث يسكنون ، فهؤلاء هم الغجر المعتوهين الأميين “سئمتُ الزعفرانية وبدائية أهلها” (ص 13) ، في حين أن الأب يدعو ابنته للإختلاط بالناس لتتعلم عادات أهل الريف ، وكي تتعلّق بالأرض والبشر والحيوان كما تربّى هو . ولهذا رفضت الأم أن تلتحق ابنتها بمدرسة البنات هنا ، وأصرّت على أن تلتحق بمدرسة الموسيقى والباليه ، برغم أن الأب كان يرى أنهم أناس يحيون في الشرق وأن تعلّم ابنتهما الرقص والإختلاط قد يضرّ بمستقبلها ، وقد يكلفانها غالياً يوماً ما (ص 13) .
وفي الواقع لم تكن هذه الخلافات تعكس عدم انسجام بين زوجين في حياة عائلية متوترة وقائمة على سوء تفاهم دائم ، بل تناقض بين موقفين حضاريين .. بين شخصيتين شكّلت منظوريهما إلى الحياة والعلاقات الإنسانية والسلوك البشري عوامل ثقافية ودينية واجتماعية مختلفة تماماً . وكانت النتيجة المؤلمة التي نجمت عن هذا الصراع هو شخصنة هذا الصراع والتناقض في النظرتين والموقفين في شخصية البنت التي أصبحت تحتزن هذا الصراع لتنطوي على عالمين متنازعين ارتسمت خطوطهما المتوازية التي لم ولن تلتقي في أخاديد ذاكرتها الغضّة :
(رغم تناقض الرغبات ، لم تتمكّن أنت من منع أمّي من إرسالي إلى تلك المدرسة ، وهي بالمقابل لم تفلح في إقناعك بعدم السماح لي بالنزول إلى المزرعة . خلافكما أدى إلى اختلاطي بالعالمين ، ما عدا البيت الذي كان في حدّ ذاته عالمين) (ص 13)
إن من أكثر الظواهر الأسلوبية المثيرة لدهشة الناقد والقارىء اللمّاح على حدّ سواء ، هي هذه النبرة “المحايدة” في السرد ، التي تطبع طريقة استدعاء الراوية لحكايتها منذ البداية حتى النهاية فيما يتعلق بخلافات ابويها بشكل عام ، وسلوك أمّها المُعاند والمتعالي بشكل خاص . إنّ توازناً مزعوما يجري على سطح السرد ، والبنت “تصف” بعين تشبه عين المراقب الذي يُظهر بكل قواه أمانته الصارخة في عدم الإنحياز إلى أي طرف . وهذه المسحة الهادئة تجري مدعّمة بمخزونات ذاكرة راوية راشدة “تنظر” إلى الحوادث بعد سنين طوال حيث تراكمت على الذكريات رمال الزمن الخانقة الثقيلة وتعرّضت – كما يُفترض – لعوامل التعريّة .
kh batolلكن ذاكرة الآثام المرتبطة بوجدان البنت الصغيرة هي الحي الذي لا يموت ، وهي التي تظل تتلوى لائبة تحت رماد الولاء الذي تفرضه المواضعات الإجتماعية والقيم الدينية . وعليه فإن هذا السرد المحايد يُخفي عملا هائلا لقبضة “الكبت” يستهلك طاقة نفسية كبيرة . وللاشعور أساليبه الماكرة في الإلتفاف على هذا التسلّط الشعوري على فعل “ذاكرته” الحيّة الضاغطة الباحثة عن الثأر من الأنثى المنافسه من جانب ، وفي الظفر بالإشباع لرغبة تتقلب على جمر التأجيل في سعي دائب مستتر لتمرير الدوافع المتعاطفة مع ، والحانية على ، الأب المُتعب في علاقته بالزوجة / الأم من جانب آخر . وأعتقد أن قوى اللاشعور قد لعبت لعبتها الذكيّة في الفواصل التي تستعيد فيها الراوية علاقتها بصديقة طفولتها “خدّوجة” ، فقد استغلت هذه القوى المراوغة ذاكرة مُتخمة بأفعال طفليّة مُبهجة لتُشبع ، وتعطّل ، وتناور ، وتوري ، وتكنّي عبر تمظهرات رمزية شديدة التضليل . فإزاء كل موقف يهيج مشاعر التصارع داخل نفس البنت ، ويكبت الموقف النقدي في اعماقها تجاه أحد الأبوين – الأم عادة – ينحرف العمل السردي نحو طريق فرعي مكتنز بالذكريات السعيدة . فمع استعادة ذكريات يومها الأول المُقلقة في الإلتحاق بمدرسة الباليه ، حيث الإنفصال الأول عن الأب – طبيعيا يجب أن تكون مشاعر الإنفصال عن الأم – تُدخل ذكرياتها مع خدّوجة للمرة الأولى :
(يسألني الكبار :
-كم عمركِ ؟
أبسط اصابع كفّي اليسرى ثم أرفع سبّابة يدي اليمنى وأقربهما قائلة :
-ستّة
بعد أن أتأكّد من عدّها ثانية أضيف دائماً :
-وخدّوجة كذلك ستّة .
-من هي خدّوجة ؟
-هي في المزرعة ولا تذهب إلى المدرسة ، لأنها حافية .
صدّقتُ حينها أن من لا يرتدي حذاء لا يذهب إلى المدرسة ) (ص 9) .
إنّ هذه الذكرى هي انحراف إلى “طريق” فرعي من المسار الرئيس السريع المؤلم لمسرى الذاكرة ، حيث يتمّ “تكثير” الأنا الطفلي الهش ومضاعفته . إن هذا “التماهي” مع خدّوجة الطفلة الفقيرة الحافية ، هو شكل من أشكال لعبة “الرواية العائلية” في الحقيقة ، وعلى مستوى نفسي عميق ؛ لعبة تُشفع بالضغوط الأوديبية التي تتعرض لها البنت عادة في مرحلة الست سنوات من العمر حيث – كما يفرض النمو النفسجنسي الطبيعي للبنت – أن تتماهى البنت مع أمّها لتحلّ مشاعر الغيرة والمنافسة على الرجل الوحيد في حياتهما وهو الأب . هي رواية الطفلة “السندريللا” الفقيرة الحافية التي تنتظر الإنقاذ . كما أنّ هذه العلاقة توفّر متنفّساً لتفريج العدوان المتراكم الذي يخلقه القهر والإهمال الأمومي ، مثلما تقدّم فرصة لا تُعوّض للعب “الدور الأمومي” المُتخيّل الذي تطمح إليه كل بنت في خيالاتها وأحلامها :
(في فضاء كان كلّ شيء فيه أكبر منّي ، حتى نظراتك إليّ عبر مائدة الفطور عندما أنادي أمّي “مامي” بدلا من “يوم ” أو “يمّه” . لم اشعر بحجمي الحقيقي إلّا معها . خديجة ، هذه المخلوقة الوحيدة التي تُشعرني بأن هناك شيئاً اصغر منّي ، صُغّرت أكثر ، بمشيئتي أنا ، فاستحالت إلى خدّوجة ) ( ص 9) .
ومقابل كل ذكرى تشيع الإنكسار في النفس كانت الذاكرة توفّر طريقاً التفافية تعادل بها أحاسيس المرارة . ففي الموقف الذي تُعلن فيه أحاسيسها بـ “الضآلة” والإهمال ، تأتي صور منعشة للعبها لساعات – هي وخدّوجة – بالكتل الصمغية الغامقة التي تفرزها أشجار المشمش ، وكيف تشكّلها أساور وخواتم وحلقات تعلّقها في أذنيها ، أو تزّين بها يديها كأظافر مُستعارة ، أو – وهذه الحركة الأهم – حين تراقب خدّوجة وهي تنحت عجينتها على شكل عصفور ترفعه عالياً وهي تركض به بين الأغصان الواطئة (ص 10) .
هكذا تُصمّم الكاتبة الوظيفة النفسية لجانب مهم من عمل ذاكرتها ، وهي تحاول إعادة تشكيل الذكريات المُختزنة بوعي الرشد كي تداري خبايا طعنات النرجسية الطفلية الجريحة ، التي تتصاعد نداءاتها المكتومة بفعل الخلل المُستتر في العلاقة مع الأم التي تصفها الآن بأوصاف تعبّر عن الإحتقان المؤلم ، فوجهها وذراعاها وساقاها كأنها قطع من تلك الدمى الصينية المستوردة التي تُستخدم في التمثيل الصامت .. وحاوية سكائرها تُصدر معزوفة سئمتها البنت خصوصا حين تمتزج هذه المشاعر بإحساس بالغبن ، لأن الأم تحاول منعها عن اللقاء بـ “قرينتها” خدّوجة . وفي الوقت الذي تتذكّر فيه الراوية أن أمّها تكره المشمش لأنه “يجلب” لها الحساسية ، فإن ذاكرتها تسعفها بما يوازن هذا الميل المُخلّ ، فتعلن عن امتنانها لأن المشمش كان “يجلب” لها خدّوجة ، ثم تقدّم لها ممارسة اللعب الطفلي التي تأتي كـ “ذكرى ستارية” أو “ذكرى حاجبة” حين التحقت في ذاك اليوم بخدّوجة وقامتا بتدمير بيوت النمل وهما تضحكان ، ثم تقومان بـ “صلب” الحلزونات من خلال تثبيتها على جذوع أشجار المشمش بالصمغ السائل الخارج من مساماتها ، وفي نهاية النهار – كما تقول الراوية البنت :
(نجد في جيوبنا أعداداً من حلزونات أبت الخضوع لسحر أغنيتنا ، فأسأل خدّوجة :
-ماذا سنفعل بكل قواقع الزلنطح هذه ؟
تجيب دون تفكير :
-نموّتهم
في الحال تشير إليّ أن أتبعها إلى ما أسميناه فيما بعد بـ “شجرة القصاص”..) (ص 14) .
وعلى شجرة القصاص ؛ شجرة الصلب ، الصلب الرمزي للمنافسين والكابِتِين الذين يتجسّدون في هذه الحيوانات المسكينة “التي تُعاند” . ولعل أخطر استراتيجيات الثأر التي يلجأ إليها اللاشعور هي طرق اللعب الطفلي التي يمتزج بها الجد بالهزل تحت غطاء من العبث واللاقصدية التي تغلّف أخطر الحفزات الساديّة . وفي كل هذه الممارسات المُستعادة تكون الأداة التنفيذية الإفتتاحية لرغبات الراوية هي خدّوجة التي تنبري للفعل حسب أولوية صوت الذاكرة بلسان الغائب لتتحوّل إلى ضمير الجماعة المتكلّم فيتم “توزيع” المسؤولية وانتشارها بما يخفف من استفزازات “الضمير” الراصد المعاقب :
(تتخيّل خدّوجة أن الحلزونات تعاندها ، لذا ترى أن تعاقبها دون تردّد . نقصد الشجرة الأكثر إفرازاً للصمغ في المزرعة . نلصق بها ما تبقى لدينا من قواقع حتى يمتلىء الجذع بأنواع الحشرات والأحياء المُعاقبة في عُرف خدّوجة . ندهس المجموعة القبيحة من بينها فتنفقس تحت أقدامنا مخلّفة بقعاً متداخلة من شظايا كلسية ناعمة وسوائل رمادية رطبة ) (ص 14) .
على شجرة القصاص تتم “إزاحة” المشاعر التدميرية التي تعتمل في النفوس الصغيرة ، لتؤتمن الذاكرة الأم عليها لاحقاً . وبالمناسبة فإن الفن الحكائي يقوم في الحقيقة على الأواليات النفسية نفسها من تكثيف وقلب “إقلاب” وإزاحة ، كما توسّع في ذلك المحلل النفسي الفرنسي “جاك لاكان” . فحكاية بتول الخضيري هذه توجّه منذ البداية إلى ضمير مخاطب هو “ضمير” الأب وليس إلى الأم :
(أبي ، لماذا لم تدع تلك الليلة تمر بسلام ؟! أكان يجب أن تتشاجر معها عندما رأيتها تغسل شعرها في مغسلة المطبخ ؟ عادةٌ لا أفهمها بدوري ، فلسبب ما كانت أمّي تقف أمام حوض الألمنيوم بعد الإنتهاء من غسل الصحون فتشطفه مرّتين بماء مغلي …) (ص 15).

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| زياد جيوسي : مع الشاعرة عبلة تايه وثلاث ورود .

   عبله تايه الشاعرة الكرمية الفلسطينية وابنة أسرة أشتهرت وعرفت بالشعر والأدب، كما عرف أبناء منطقة …

| طالب عمران المعموري : السرد وبناء الرؤى في “أصيغوا الانتباه ما حولنا يهمس” للروائي عامر حميو .

رؤيا فردية كيانية  تنطوي على نزعة انسانية  تعكس تجربة شخصية خاصة ،رؤيا تتناول شتى قضايا …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *