حميد حسن جعفر: تحـولات النّـص* تحـولات التنــاص .. في (طريدون) (2/1)

(1)

يبدو – وهذا ما هو متوفر بوضوح – إننا – معشر القراء – نقف أمام منحنىً جديد هو [منحى استبدال الواقع بالخيال والمستحيل بالممكن واللزوم بما لا يلزم. والدخول في فضاءات متحاذية أو متماثلة واتخاذ منجز إبداعي آخر فضاءً لإطلاق كتاباته المختلفة عما سبقها في وسط قد تمكن منه كتاب النصوص القصصية.
فإذا ما كان هناك بعض الرضا عما يطرحه الإبداع السردي، فأن السارد الذي نحن بصدده يبدو عليه الرفض. مستبدلاً وقوفه بالحركة. هذه الحركة التي تطمح أن تجد نفسها خارج التقسيمات أو التحديات والقوالب، خارج المتحف. فالكتابة تحت لافتات وعناوين أخرى غير السائدة [ أقصد فضاءات إبداعية تعود لأسماء يتماهى خلفها الكاتب متخذاً من قوتها في التخفي وسيلة للوصول الى القارئ، أيّاً كان هذا القارئ، بشرط أن يمتلك القدرة على التلقف والفحص سواء كان هذا القارئ شيخاً حكيماً أو طفلاً مشاكساً، أو ما بينهما من شهداء وقتلة ] فالكاتب وسط مكان كهذا –  مكان غير أرضي –  بحاجة الى قارئ لا يعير أهمية لقلق وعدم استقرار المساحة التي يقف فوقها، أو عندها قارئ كهذا لا بد له من أن يمتلك إسطرلابه الخاص – وليست بوصلته وحسب – لأنه يقف وسط جغرافية مائية متحركة، بعيداً عن بوصلة الأرض التي كثيراً ما تفقد القدرة على تحديد الاتجاهات. وإذا استطاع أن يؤشر أو يوحي للاتجاه الصحيح، فليس ذلك سوى لعبة الفنان في خلق حالة من المتاهةِ لمواجهة القارئ، تلك المواجهة التي كثيراً ما تجنذ الخصوم / الأعداء. من أجل ضرب المقابل وتدميره. فمن على سطح جغرافية مطاردةٍ يبدأ القاص / الروائي، رحلته محاولاً أن يدخلنا ذاكرة غاصة بالبحار والمراكب والبحارة. حتى تحولت هذه الذاكرة الى صحراء فسيحةٍ مليئة بالمتاهات. بل لم تعد الدلالات سوى بعض الأمواج التي لن تكون سوى كثبانٍ رمليةٍ متحركةٍ حالها حال المياه. فالطرق تغير مساراتها كما لو كانت قوافل إبلٍ، أو مجاميع زوارق.
(2)

وتبين إن القراءة في ((طريدون)). وطريدون هي الجمهورية أو الأرض / البوتوبيا التي يحاول القاص أن ينشأها / يخلقها، ليأوي اليها الفقراء المسالمون.
فكما يعمل محمد خضير على خلق مدينة بصرياثا، كذلك يعمل القاص – جابر خليفة جابر – على خلق جزيرة / بحر اسمها – طريدون –
[هل كان يعمل على طريقة البغدادي – السندباد البحري – الذي ما إن تمسَّ قدماه الأرض / اليابسة حتى يمتلئ شوقاً للبحر؟] هذه القراءة – وكما يريد لها الكاتب – يبدو أنها تبدأ من المنعطف الذي الصقه القاص على طريقة الكولاج على آخر صفحات الغلاف. نازعاً إياه من وسط آخر نصوصه فاضحاً بعض التمويه، كاشفاً للقارئ بعض اسرار الكتابة. غذ أن القاص عند هذه النقطة يكون قد وضع بعض مفاتيح، قد يكون لها من القدرة ما تصنع بين يدي القارئ بعض الرموز – إذ من الممكن أن تشكل بعض البورد / اللوحة لوح المفاتيح للنص الذي يشكل بعض هنيئآت الحاسوب. ومن غير البورد / المفتتح يتحول الكاتب القصصي الى حشد من المبهمات.
وتسمية الكتاب القصصي كما يصر على هذه التسمية القاص في معظم ما منح إيّانا من معلومات. عما نشر وعما كتب من مخطوطات قد سبق القاصَ اليها آخرون من قبل خاصة كتاب القصة البصريين مقل محمد خضير ولؤي حمزة عباس وسواهما.
إن القاص يحاول، ويعمل، ويصر على وجوب دخول القارئ الى فضاءاته المائية / البحرية. من خلال بوابة لم نرها. ولا توجد إلا في ذهنية الكاتب / قماش اللوحة ومن ثم ليفلقها علينا. نحن قراءه وكائناته التي ستمنحه تبعيتها ((فهنا لا يوجد سوى درب اللاعودة [درب الصدّ ما رَدْ] وما على المتلقي سوى أن يودع كل ما لديه كل ما يملك من ذاكرةٍ عند عتبة الباب / الوهم. لكي يحق له الولوج. إذ أن الباب لا يدخل عبرها إلا من كان أبيض، فلا تاريخ إلا في المستقبل. أما الماضي فلن يكون سوى بعض المكونات التي يجب التخلي عنها.

(3)

هل استطاع القاص عبر الافتتاحيات / المقابسات التي قد تتشكل بعضاً من حالات التناص، أن يوفر للقارئ نقاط / أزرار ، اللوحة / البورد لكي يتمكن بالتالي من الوصول الى العناوين / الأيميـلات . فقد اختار القاص نماذج شعرية لخمسة من الشعراء هم كريم جيخور وعادل حردان وطالب عبد العزيز ومصطفى عبد الله وأخيراً حيدر الكعبي ، هل استطاعت هذه النصوص الشعرية المجتراة حتماً من قصائد ، أن تفتح أمام القارئ آفاقاً أو نوافذ ، أو أن تلغي ضبابيـة ، وتمحو تلغيـزاً . أم إن النصوص القصصية كانت تطمح في أن تتعكز على الشعراء في ايصال طروحاتها.
إن القارئ بتنوعه من الممكن أن يتخذ من هذا النص الشعري أو ذاك بوابةً يفتحها بنفسهِ لكي لا تغلق من بعده . أو تتخذ من سواه جسراً أو معبراً – الى مدنٍ ومعابد ، ومخازن ، وشوارع استطاعت الحروبُ أن تشطب على الكثير منها ، ولكن الشعر بما يمتلك من قدرات هو وحده المتمكن من استحضار الجغرافية أو التاريخ، أو الكائنات البشرية .

(4)

القاص في نصوصه هذه يشدد من قبضته على عنق القارئ. لن يترك له فسحةً في أن يحك رأسه كما يقال. فالإيحاءات والتوجيهات وعلامات المرور وإشارات السير. بدءاً بما يقتبسُ من البصريين الشعراء وبما يحاول أن يبثه هو على فضاء الشبكة التي ينشرها تؤكد تبعية القارئ للكاتب.
القارئ الذي لن يكون جديداً على حرفة الكتابة. فما بين – كتاب قصصي – يؤكد تواشج المكتوب مع سواه – الى الاعلان عن النصوص التي تؤكد انفتاح أفق الكتابة فما بين هذا وذاك يعمل القاص على تدمير أكاديمية الكتابة والخروج من قانون وجوب ما لا يجب والنزول الى البحر. كل هذا فوضَ الكاتب في أن يلج ما يشاء وأن يستعين بالشعر والرسم والجغرافية والماء ومن يسكن فيه ومن يمشي فوقه. إن تعدد حلقات المواجهة . منحت القاص القدرةَ على تبني بناءها، ومعادلتها بتعدد النتائج والأحوال والتأويلات، فهو كثيراً ما يضع أمام القارئ العديدَ منها، مما يوفر العديد من الاختبارات أو الاحتمالات وإلغاء النتيجة الواحدة .
وبالتالي تتوفر حالة من اللا استقرار ، حالة من الرفض ، في محاولة من الكاتب في سحب القارئ الى صناعة النص . فالقاص كثيراً ما نجده واقعاً تحت خيمة تعدد المنافذ أو الاتجاهات ، أو تعدد الفرص . [ فهو يلغي الثقة / يزيح اليقين . موفراً حالةً من عدم الدقة أو التحديد ، تفاصيل غير مستقرة، وأحداث متشابكة. فليست هناك حقائق محددة، بل يوجد شريط من الصور الخيالية ] ص7-8
فالقاص يخطط لخلق حال من التصادم داخل النص، وفي ذهنية / مخيلة القارئ تلك الحال التي من الممكن أن تكون مناهضة للسكونية التي قد تقتل الفعل القصصي محولة إياه الى كومة من الركامات الخيالية من الحياة، فالقاص لم يكتبْ ولم يتحدثْ ولم يروِ أو يسرد عن مدن قائمة ثابتة. بل عن مدن / مراكب عائمة متحركة. أو عن إحداث دخلت التاريخ أو أناس كانوا وما زالوا يمارسون الحياة بنمطية قاتلة بل نراه يعمل على خلق هذه المدينة الطافية ((طريدون)) كما خلق سواه مدنهم وجغرافياتهم [هل هي اطلنطا الطافية وليس اطلنطا التي ابتلعها البحر؟] إنه يبني مدينته لا من ركام المدن المنهارة الغابرة ولا يعمل على اعادة ترتيب مدينة قائمة.
بل إن ما يريد فعله، هو أن يمد يديه الى اللامكان، الى الميتافيزقي ليمسك بالصلصال. هل من الممكن أن تتداخل حالات الخلق ما بين الإنسان والجغرافية؟ هذا ما يعمل القاص على تأكيده. فهو يعمل على انشاء جغرافيةِ مدينةٍ من نفس مادة الإنسان الأول ((آدم)) وهي الصلصال. الخزف الطيني، المفخور. التراب الممزوج بالماء. المهنة التي يجيدها صديقه – الكواز – والذي قتلته سلطة البندقية. إن ملامح تلك المدينة التي يعمل على تشييدها القاص تمتلك من نقص الأشكال والتكوينات، والأبعاد، والدلائل، ما لا يمكن للقارئ أن يضعها ضمن تصنيفات المدن التي تعيش فيها. والتي تكتوينا بكل أبعاد بيوتاتها ومحلاتها، كل شطوطها وبساتينها، بكل عتمتها ونصاعة بياضها. إنها المدينة التي تتناسل. كل واحدة من محالها تخرج من رحم الأخرى. ولكن بجينات أخرى. وحامض نووي غير الأصل. عاملاً – أي القاص – على خلق مجموعة من الرواة [قد لا يراهم القارئ، أو يحسَّ بهم المتتبعُ لافعالهم،  أو لما ينسجون من أقوال] كل منهم يقدم رؤيته التي قد لا تتطابق مع الآخرين. بل قد تخلق حالة من التصادم الذي قد يؤدي الى حالة تواصل. إن المستقبلين/ القراء لنصوص القاص لا يملكون مكاتب بل يمتلكون الحياة. ولذلك فأن القاص يعمل جاهداً على عدم تحويل بطله الى ريبورت. وعلى الرغم من إنه يصنع مجموعة كائناته لكي يحاكوا بطل قصه إلا أنه منحهم القدرة على أن يحاولوا تأويل ما تقوم به الشخصية الرئيسة.
فهو يمتحن تلك الكائنات عبر تعطيل حواسها. تاركاً لها أهم الحواس قاطبة ألا وهي اللمس، إذ تتحول الأصابع الى مجموعة مسابير تتمكن من النظر والسمع والشم والتذوق وبعض التفكير والتوقع. بل إن الكثير من هذه الأصابع قد تتحول الى حناجر تمتلك القدرة على الصراخ، أو على العزف والغناء، أو على ما لا يمتلكه الجسد بأكمله. إذ إن الراوي يعلم جيداً بأن ما يقوم به لن يذهب أدراج الرياح. بل سيتحول الى نشيد يهدر في صحراء المياه. بل إن من سيأتي بعده سيوصل العقدة بالعقدةِ.
إذ إن الافتراضات التي تقوم عليها وبها عملية القص هذه، تدفع بالقارئ الى البحث عن مرتكزات أخرى غير التي يستند عليها حالياً. لأن القاص / الراوي لا بد له من أن يسلبه إياه، تاركاً جسده طافياً وسط السائل الذي يشكل مادة البحر / العمل الأدبي. الذي يتحرك البطل ( باك ) في فضائه.
فحين يفترض القاص، فما على المتلقي سوى أن يغير أدوات استقباله لما يقرأ. وإلا تحول طرفا العملية الإبداعية الى تناقض / تناظر، لا الى عملية إرسال واستقبال .
إن الحالة الثانية – عملية التوافق بحاجة الى فضاء مفتوح. من غير عوائق، من غير نهايات كما هو حال الدائرة – فكل نقطة بداية وكل نقطة نهاية. فالبدايات لا تعد ولا تحصى وكذلك حال النهايات. مما يتيح لعملية القص بين يدي المبدع مدياتٍ لا تعد وخطوط شؤوع قد تدخل فضاء التمويه. لا علم للقاص وكذلك القارئ بتحركه من عندها أو الوصول اليها.
فالتداخل بين الأشياء والكائنات شيء وارد حتى يجد القارئ نفسه وسط ركام هائل من التوقعات غير المحسوبة. إن الراوي قد يكون – الحكيم باك – أو من سيخلفه من القباطنة والغواصين. إذ إن التحديد هنا غير وارد. بل وغير مستساغ. لأن حركة التبدل التي تشكل كافة مفاصل القصصي هي التي تقرر، لا القاص أو الراوي البديل. ولا القارئ المستلقي. إذ إن الكتابة هي التي تشكل نفسها بنفسها. فمن بين يديها تخرج حركة الأشخاص. وتوفر الزمان، والقدرة على الرؤية أو عدمها. حتى إن خلفية – باك – وكما يقول هو. لم يستطع مسياره وسط فضاء متحرك لا يعترف برؤية العين، ولا بكتلة الجسد التي تخلق الوجود. فما ان يتجلى المركب حتى يصطدم بالجدران ليتوفر للقارئ الإحساس بالبحر وباليابسة، والقاص يعمل على خلق حالةٍ من التشخيص / خلق البدائل. إذ كثيراً ما يبث أشباهاً له أو لسواه ولنقع نحن، وهو كذلك وسط مطبات تحديد الشخص المقابل. بل إن عملية خلق الأشباه باتت عملية من السهولةِ بحيث اعتادت عليها الكائنات التي تجوب جادات البر، وطرقات البحر. ولتشكل عملية الخلق والإبداع هذه عالماً مشابهاً لما يدور ويقاوم على يدي معمار / كاتب.
إن تعدد حالات الخلق / البناء، ولّدت / أنشأت تعدداً للأزمنة، وأطباقاً للأمكنةِ وبالتالي ليتمكن الكاتب من ولوج ما يشاء، والوصول الى ما يرغب، فكل الطرق مفتوحة أمامه، وكل الطرق مقفلةٌ وما على القاص سوى أن يخلق عملية استبدال / تعويض. فلا قوانين تتحكم بالبدايات ولا حدود تعلن حالة الانتهاء.
[ لم تتنهِ الحكاية إذن، وربما لم تبتدئ بعد ] ص25
ولديه من الشخصيات التي انبثقت من بين يديه ما يبعد عنه القناعة بوجوب التوقف عن النسيج / الحكاية. فقد اخترع ولم يكتشف شخصية (( بانك )) المحورية القادرة على امتلاك المستقبل. بل كثيراً ما يبثُ نبوءاته بين ثنايا قماش القصص ليلغي ما تشيعه النمطية والسكون من قناعة قاتلة، وقبول لا يؤدي إلا الى حالة السباتٍ. والقاص هنا يقدم – وهو في فضاء البحر / الماء يحفر حفرياته التي تكونت بفعل التقلبات، ومن ضمنها الحروب المنتجة للموت ولسلطات القمع. ورغم الاعتراف بالوحدة وانعدام التكوينات البشرية وما تنتجه من ضعف وخيبة، إلا إن السارد لا يُظهر ما يعتري الكائن الإنساني من مخاوف. بل يبدو إن الوحدانية هذه منحته شيئاً من التفرد الصانع للمهابة والسمو.

(5)

إن مدينة – جابر خليفة جابر – مدينة مختلفة، مؤتلفة من بقايا مدنٍ وشعوب واحداث وتواريخ لم تقعْ، ولن تحدث. بين أطرها يتوالف البحر مع الصحراء. رغم ما يتوفر للتصادم من عناصر ومبررات قادرة على خلق حالة من التنافر الذي لا بد من أن يفضي الى إقصاء الآخر والاستحواذ على المكان. ولأنها تابعة. أي أنها أشتقت دلالاتها من الإنسان الذي صنعها وسكنها، الإنسان الطريد / المطارد من قبل سلطة القوة السوداء. والذي بات هدفاً لخصم أعمى. فهي مكان متحرك بعيد عن مرمى الخصم، فكانت على هيأة باخرة، أو مجموعة زوارق، أو جزيرة وسط فضاء المياه. فما كان من الكاتب إلا أن يمنحها حالة من التبعية / المرجعية للإنسان. على خلاف ما متعارف عليه، من وجوب تبعية الإنسان / الكائن الى الأرض / الوطن.
فكانت الأرض الجديدة / المدينة المفترضة وطريدون ))
فوق سطح ((طريدون))كما هي تتماهى الأشياء، وتضيع الأبعاد، زمنياً ومكانياً. لينفرد السرد بالإنسان، والسارد بالأحداث. وحين يمسك الزمان / الأخطبوط، تتحول الأوقات / الزمن الى طينةٍ طريةٍ يسويها حسب ما يرتأي أو يرغب، لاغياً حضور الزمن المتعارف عليه. الزمن الفيزيائي، الوحدات الزمنية. ليتحول الى كائن بهيأة البطل الذي كثيراً ما يكون هو السارد / الساحر. ليصنع منه سحراً حلالاً.
إن الخلق. خلق الكلمة المكتوبة، وانشاء السرد، لا تحتاج الى مقدمات توضع بين يدي [ الكابتن شهاب البحر ] بل كل الأشياء تحدث تلقائياً. وما على الكاتب سوى أن يمدَّ يديه الى خرجه / خزينه. ليخرج / يقول ما يريد. وليضع بين يدي القارئ ما يرغب بعيداً بعيداً عن المساءلة والكيفية.
فالقاص ليس بحاجة لسببٍ ليقول. وليس بحاجة لسببٍ لكي يتوقف عن الكتابة الجغرافية تحول بين يديه، والأحداث تصطف من غير أوامر، إنها تحولات الحياة. فهو – أي القاص – لا يتوانى في استخدام أي شيء / منجز يبيح له حرية الإبداع / الخلق فاللوحة التشكيلية / المنجز الإبداعي للرسِم. تنتج جغرافيةً رطبة ويابسةً . واليابسة تنتج دارة من طين. والدارة تنتج غرفاً عشراً. واحدة فقط تختلف عن الأخريات بشكلها الدائري . [ والدائرة أكمل الأشكال الهندسيةِ ] الذي وظفت نفسها للكتاب / المكتبة أجمل ما ينجز الإنسان.
إن الكتب في هذه المساحة الضيقة من الأرض تجد نفسها بمواجهة الحرب التي قد تحتل ما تبقى من المساحة / الغرف . كمعادل موضوعي لعملية الإزاحة والقتل أو لعملية الهدم التي تركها الآخرون على رفوف المكتبة. فلم تترك الحرب من ورائها منجزاً سوى [ بصمات بسطال أسود محفورة أخاديده بقسوة ] ص32 .
هذا المنجز الذي دفع بـ اشهاب البحر ككاتب – أن يدفع يحنجرته الى أن تطلق صراخها (( من رسم هذا على سجل الباخرة، من لطخ بدلتي بالوحل ] ص33 .

(6)

إن اقتراحات / مقترحات القاص في القراءة وتداخلاته في الاستقبال، محاولة منه في وضع دليل قراءاتي، قد يدفع بالقارئ / المتلقي الى البحث عن أسباب هذه البرامجيات المقترحة. هل توفر هذه الحالة جماليات؟ أم تفتح أبواباً في الجدار الذي لا يراه أحد! أم تصنع اسطرلاباً بين يدي المتلقي ليتخلص من حالة ضياع متوقعة قد تحدث وسط البحر / الصحراء . فالطرق غير آمنة ، والدروب موحشة والخصوم يبثون عيونهم عند كل منحنى وساحل وعند كل قيدوم مركب فالقاص يقدم فهرست أول ص3 وفي الصفحة التي تليها يقدم فهرساً ثانياً ، بعنوان اقتراح آخر للقراءة . محاولاً خلق فضاءات ، ربما تكون متجانسة أو متقابلة، فضاءات تحرض الفرد على الاقتناع ، بما يحصل عليه ، وما عليه سوى أن يتحول الى جانب ثانٍ ، فضاءات قد تتوحد تحت سقفها الألوان أو الظلال أو المتحركات مؤخِراً أو ما في الفهرست الأول الى آخر الفهرست المقترح ، ومقدماً ما في أواخر الفهرست الأول الى افتتاحية المقترح الثاني ، أملاً في أن يتحول القارئ الى قناص ، والنصوص الى سهوب من العتمة ومسطحات من المياه المتلاعبة بالانكسارات ، وبالظلال المائية وما توحي به . إذ يبدو إن القاص لم يضع في حساباته أي قارئ كسول . بل يعر على أن يحول لهو القارئ الى همٍ ، محولاً إياه من سلبية الاستقبال الى ايجابية التلقي . من أجل أن يربح قارئاً لا أن يخسر نصاً .

شاهد أيضاً

شوقي كريم حسن: حامد عبدالحسين حميدي…. فاعلية النقد.

*سمعت، ذات محاضرة لاستاذ هجر كتابة القصة القصيرة، التي كان مغرماً بها الى حد، لم …

محمد الماغوط: تراتيل المواجع على أرصفة المقاهي
إبراهيم مشارة

محمد الماغوط (سلمية ،حماه 1934/دمشق2006 ) ظاهرة شعرية حديثة بامتياز في الأدب العربي الحديث وهو …

نـجيــب طــلال: باب ما جاء في احتفالية النــضــال (02) !!

بــاب الــنـضـــال : وبناء على ما سبق قوله ؛ فالنضال أساسا وظيفة ذاتية تلقائية لا …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *