حمد علي حسين : رواية “الخروج من الجحيم” لناطق خلوصي إنتصار للذات الأنثوية (ملف/3)

hamadإشارة : هذا الملف الذي تقدمه أسرة موقع الناقد العراقي عن القاص والروائي والناقد والمترجم المبدع الأستاذ “ناطق خلوصي” يحتفي بتجربة عريضة وثرة تمتد على مساحة أكثر من نصف قرن من العطاء المتواصل في حقول إبداعية متنوّعة أغنى بها خلوصي المكتبة العراقية بالعديد من النتاجات التي تستحق التقدير والإحتفاء .

المقالة :

تعد رواية ” الخروج من الجحيم ” للروائي ناطق خلوصي ، الرواية الثانية له ( 2001) بعد رواية منزل السرور ( 1989 ) رواية الحياة التي تتحدى الموت و رمز من رموز الموت و الأنبعاث و هي بانوراما صراع إرادات : إرادة شعب متسلح بعشق الحياة و بأيمانه بحقه في العيش كريما في وطنه ومتنعم بخيراته وإرادة عدو وحشي متوسل بكل وسائل الدمار الأشد فتكا ، إرادة عدو غاشم يريد النيل من عزيمته و تدمير وطنه و منجزاته لطوال عقود ، أنها احدى روايات أدب الحرب بموضوعها و شخوصها و شواخصها المكانية و الزمانية وبأجوائها و نتائجها على الإنسان و الطبيعة . حكايتها حكاية دار أيتام اثناء العدوان على العراق في مطلع عام 1991 ( علما أن الروائي لا يحدد التأريخ ) كان القرار بأخلاء الدار من الأطفال اليتامى تفاديا قصفه من قبل طائرات العدو و تناط عملية الأخلاء بمديرة الدار (خديجة منصور ) و بمساعدتها ” رجاء ” وعاملة و سائق حافلة الدار ” سالم ” لأن ليس هناك من مكان معين تقصده المديرة ، توجب عليها اختيار مكان آمن لهولاء الصبية . تقرر اللجوء إلى مكان معين تحسبه بعيدا عن الخطر ( لا يذكره الروائي ) و لكن تقوم طائرات العدو بقصف الجسر الذي يوصلهم الى المكان فتصاب ” رجاء ” اصابة بليغة و بعدها تفارق الحياة ، كما يستشهد احد الأطفال ويجرح آخران و يتولى المسوؤلون في المنطقة رعاية الأطفال . تعود ” خديجة منصور” إلى مدينتها لتجد دار الأيتام قد دمرته تماما طائرات العدو وعندما تذهب لبيتها تجد عائلتها ، زوجها و ابنه و أبنتها،قد لجأت إلى مدينة أخ زوجها فتسافر لهمو هي مثقلة بالأحزان على الأطفال وعلى “رجاء ” و يطال قصف العدو لهذه المدينة أيضا . ثم يلتحق بهم ولدها البكر ” منير” العسكري الذي يقاتل في منطقة حفر الباطن ليعلن لهم برغبته بإنجاز عرسه من خطيبته في ذلك اليوم و بعد أن وافق أهلها و يتم العرس وسط فرحة الأهل وزغاريدهم وهو مفعم بالتفاؤل و يغادر منير في اليوم التالي يلتحق بالحبهة .
يوظف الروائي قي منجزه الأبداعي المزاوجة بين أسلوب السرد بضمير المتكلم ، المنولوج ، للكشف عن النوازع إلى الخير و نبل المشاعر عند الشخصيات لا سيما الشخصية المحورية ، خديجة منصور” ، و بين أسلوب ضمير الغيبية في محاولة للتقرب من الشخصيات الأخرى و التعرف على مواقفها الأنسانية والأخلاقية و الوطنية ، إزاء محنة البلد . و بذلك ظهرت الشخصيات كلها ذات حضور إيجابي و بعيدة عن أية إشكالية فردية ، و ليس هناك من بينها مـَنْ يعاني من جدب عاطفي ، كما أنها كانت جميعها على مستوى واحد في الأداء و هي متماسكة نفسيا كما هي متماسكة اخلاقيا ف” خديجة ” يتغلب واجبها الأخلاقي و الوطني نحو الأيتام الذين يسكنون الدار التي هي مسؤولينها ، على نزعتها العاطفية اتجاه عائلتها ، وهذه ثنائية الواحب الرسمي و الأمومة في ظروف حرب وحشية .
natek 4أن لغة الرواية ،كما هي عادة عند خلوصي ، بمفرداتها المألوفة و طراوتها مما يجعلها لغة مشهدية قادرة بإنسيابية على رسم صور حية و ثرية ، أنها تقترب من لغة التواصل المعبرة التي هي نتاج الفطرة الأبداعية التي التي تتوافر في اعمال الكثير من الروائيين و القاصصين المتميزين والبعيدة عن التكلف والحذلقة والأستعراضية. من الجدير بالملاحظة أيضا ، إبتعاد الروائي عن نزعة الوعظ و أسلوب الخطابة و الميل كلية إلى أسلوب الأيحاء من خلال الرمز في محاولة لتسجيل وقائع العدوان و توثيقه و يصف الروائي التأثيرات على المدن و ناسها بأستعادة صور الحياة قبل القصف ثم توقفها بعد القصف .ان اللغة اداة احساس و ليست اداة أفكار مجردة و هكذا هي ثرية بالإيحات و الدلالات و المعاني وبأسلوبها الخطابي الموجه إلى حواس القارئ وعواطفه بما يحفز أفكاره . من الجدير بالملاحظة ، أن الروائي لا يجعل البناثية التشكلية في الرواية هدفا ذا أولية بل يجعله تحصيل حاصل من خلال السرد .
لا تتمثل النزعة الروماتيكية لدى الروائي بالبطل الأشكالي ، أي الأرتكاز أساسا على فردانية البطل و مشكلاته الخاصة التي كثيرا ما تتمثل في عدم انسجامه مع المجتمع الذي يعيش فيه و انكفائه على الذات نتيجة مرض نفسي و اجتماعي، بل أنه يحاول ، من خلال رسمه شخصياته ، التوكيد على أرتباط البطل الفرد بالمجتمع و السمو به ليتماهى مع الآخرين أنسانيا وبذلك يتوحد الخاص ،همومه الذاتية ، بالعام ،هموم الآخرين .
من الواضح لنا تماما قصدية الروائي من أختياره لشخصياته لتكون رموزا مختارة أختيارا واعيا و صورا بمدلالاتها الفكرية والرمزية . من المسلم به ، لا يمكن أن يكون الرمز ذاتيا بل جماعيا و أنسانيا في الوقت نفسه مما يجعله دلالة لكل انسان و بهذا يمكن توصيف “خديجة منصور ” ، مديرة دار الأيتام ، بالمعادل للوطن و الأرض.لا يلجأ الروائي إلى الفردانية في تعامله مع شخصيلته فما من شكوى فردية ولا عواطف شخصية تشكل إشكالية ، حالة مرضية ،كما في روايات أخرى كثيرة وهكذا يصبح الهم الفردي هما جماعيا.
من المفاهيم الخاصة بكتابة الرواية غير التأريخية ، أن الروائي ليس بمؤرخ تأريخ كما هو أيضا ليس براوية أحداث ، غير انه يقترب من تلك الأحداث من خلال تناول الرموز والمشاعر و العواطف و المواقف ، و أحسب هذا ما ذهب إليه أبن خلدون بمقولته المشهورة) أن التأريخ في ظاهره لا يزيد عن الأخبار و في بطنه نظر و تحقبق ( أن الروائي بما يمتلك من بصيرة و أدراك حسي و عاطفة يصبح قادرا على رؤية الأحداث من زاوية الفنان المرهف الحس اكثر من المؤرخ ، ومن هذا المفهوم نجد الكثير من الروائيين قد نجحوا أن يوثقوا للحرب بأعمال خالدة : تولستوي في( الحرب و السلام (و أرنست هيمنغوي في ( وداعا للسلاح ) على سبيل المثال. لقد نجح خلوصي كثيرا في توثيق مواقف شخصياته في زمن الحرب . أنها شخصيات لناس بسطاء و عاديين بأحلامهم و آمالهم و ربما بؤس حياتهم ، غير أنهم متميزون بعواطفهم الأنسانية و الوطنية، أنهم شخصيات لا تهزمهم أيام الخسارات و الأنكسارت . لقد وظف خلوصي بكل جدارة هذه المواقف في الكشف عن عالم هؤلاء البسطاء الذين يتصورهم البعض يعيشون على هامش الحياة دون أن يكون لهم وجهة نظر بما يجري في الوطن . أنهم كبيرون بعطائهم ، بعبارة أدق أن خلوصي أنتقى شخصايته من شرائح أجتماعية واسعة بسيطة لذا لا نجد من بينها شخصية بطل ملحمي عملاق يصارع قوى العدوان بقوي سحرية كما لا نجد البطل ذالك الشخص المأزوم المنزي في ذاته أو الهائم في عالم خاص به ، بل انه الفرد الذي يحمل خصائص الجماعة و له رؤية تعبر عن طبيعة الحياة الجماعية .
أعتمد الروائي ، كما يوحي العنوان ، موضوع الخروج من الحربالعدوانية التي شنت على العراق عام 1991، و مواصلة الناس الحياة رغم المحن و الخراب الذي لحق بالوطن ، و عودة الحياة إلى طبيعتها. لقد جسدت هذه الرواية أسطورة الاله تموز وعودته إلى الحياة ، تلك الأسطورة السومرية الشديدة الترميز ، بدلالاتها التي عبرت عن إيمان العراقيين قديما في الأنبعاث و الحياة بعد الموت . أن الأنبعاث بعد الموت موروث عراقي تمتد جذوره إلى الأنسان القديم و قد تمثل بعودة عشتار إلى الحياة فتخصب الأرض و تجود الثمار و تزهر الأزهار. أن عرس “منير” الأبن البكر لخديجة منصور ، في نهاية الرواية ، كناية عن المعادل للوطن و الأرض و المعادل الرمزي لتحدي الموت الذي تجلبه الحرب ، كا أنه يعبر تماما عن إيمان الروائي بالحياة وأستمراها و أن الأحتفال بالعرس هو أحتفاء بالحياة التي عاد نسغها يسري في نفوس الناس أملا و في قلوبهم فرحا .أن أسطورة الاله تموز و عشتار تعبر عن ابعاد متجذرة في النفس العراقية خاصة والبشرية عامة .أن الأنسان لم يفقد يوما الأمل الأخضر بالحياة ، فلقد عرفت الشعوب الوثنية أسطورة الموت و الأنبعاث كما عرفتها شعوب الأديان السماوية فيما بعد فكانت هناك شعائر أستسقاء المطر للتغلب على الجدب تأكيدا على دورة الحياة ، من الولادة إلى الموت ثم الأنبعاث من جديد , هكذا تكون رواية ا”لخروج من الجحيم ” رمزا من رموز الموت والأنبعاث وأنتصار الحياة على الموت الذي وزعه العدو على مدن العراق و قراه و شوارعه و طرقاته . أن فكرة الأنبعاث و أستمرا رالحياة تشكل نقطة أرتكاز في البناء الحكائي للرواية ، أنها عمودها الفقري الذي يشد أجزاءها إلى بعضها بحرفية مقتدرة و جاعلا منها منجزا إبداعيا متماسكا .
ان الوطن عند الروائي ليس بعدا جغرافيا و كيانا ماديا من تراب و شجر بل هو منظومة قيمية إنسانية و حضارية وثقافية و تراكم من عطاء الأنسان عبر عصور طويلة ، بالإضافة إلى عطاء الطبيعة التي ترتوي من أثداء دجلة و فرات و زابيه . أن إيمان الروائي بالحياة ينأى به بعيدا جدا عن نزعة التشاؤم و السودادوية التي قد تكون نتيجة لما أصاب البلد من دمار و خراب كبيرين و خطيرين و لم تنطفئ في روحه ، كأنسان واع ، جذوة الحياة و الأمل الأخضر في الزمن الآت.
للحزن مرافئ و للمرافئ ضفاف تبدأ بعدها ضفاف الفرح ، الفرح الذي يولد من رحم الأحزان و له طعم متميز ، طعم الأنتصار, فعلى الرغم من ضجيج الحرب و دوي القصف الوحشي الذي طال كل مكان ، كانت تعلو بأستمرار أصوات حب الوطن و الولاء له في محنته رافضة الأستسلام ، و كان هناك طقس العرس المعبر عن إرادة الحياة و التمسك ببسالة الصبر والتحمل و التجمل كما أرتفعت أصوات الفرح من خلال الغناء وبهذا يجعل الروائي الغناء ضربا من تحدي الحياة للموت ووسيلة لطرد الخوف و القلق من النفوس ، مستذكرا دور الغناء في حياة الرعاة الذي يطردون به وحشة الفراغ الذي يحيط بهم وكذلك الغناء عند صيادي السمك الذين يبددون أحساسهم بالخوف وهم يواجهون النهر بأعماقه السحيقة ( (ص( 60 و يعكس الأصرار على الغناء في الحافلة التي تقل الأطفال و في خضم تلك الأهوال ، إيمان الروائي بأنتصار نزعة الفرح المتغلغلة في أعماق الناس و وجدانهم و بحتمية أندحار قوى العدوان ، رمز الشر، و بالخروج من الجحيم الذي تمثل بأتون الحرب و نيرانها.

الخاتمة :
في هذه الرواية ينتصر الروائي للذات الأنثوية فيقدمها لنا في صورة جديدة تستحق منا الأحترام و الأعجاب . من المسلم به ، إلى حد ما ، أن المرأة في المجتمع العربي الذكوري الأبوي تتلقى و لا تبادر كونها مخلوق( يهجع عنده العقل و الفعل المبدع ) و تتركز همومها الأنثوية حول ذاتها بالأرتهان الإجتماعي الذي غالبا ما يحدد موقعها بالظل و هذا ما يغرس فيها أحساساً بالدونية الذي يجعلها تعيش في ضعف متوارث و عجز وهمي و هكذا تبدو على انها ضحية تراث التعجيز ،ونجدها في كثير من الأعمال الأدبية ، إمرأة فاقدة لذاتها و أهليتها ، ونراها تتكلم عن نفسها و مشاكلها و حاجاتها بلهجة محايدة فتبدو و كأنها تقص حكايتها على أنها حكاية أمرأة أخرى و ليس حكايتها هي .
في هذه الرواية لا تشكل الأنثى ذاتاً مستلبة بل ذات فاعلة معطاءة وكبيرة الهمة متمتعة بكل صفات الإنسان القوي، فيتصاعد دورها بتواتر من الحالة العادية للمرأة إلى مرتقى الأبداعي في إدائها الوظيفي و الوطني و الإنساني بعد أن يكبر فيها وعيها الإجتماعي و السياسي ، الوعي الذي تتبناه الحبكة الحكائية للرواية و هكذا لا تشكل الموضوعة التقليدية ، صراع المرأة ضد الرجل، جوهرقضيتها . و لا أجدني بعيدا عن الصواب إذا ما نظرتُ لهذه الرواية على أنها من ( أدب الشدائد الفاجعة ) عند خلوصي حسب توصيف الناقد الدكتور حسين سرمك حسن للعديد من منجزات خلوصي القصصية والروائية ، لما تتناوله من محن و فواجع وكوارث بسبب الحروب العدوانية.
. إنها رواية ذات إنسيا ق توثيقي في محاولة لتسجيل الحرب و نتائجها وتأثيرات الكا رثية على الشخصيات ،بشكل رائع و قد تفادى الروائي الأسلوب التقريري التقليدي و تعامل مع الأحداث و الشخصيات بأسلوب فني رائع و بزوع إنساني معبر عن مواقف عاطفية و فكرية تستحق التأمل بعد الإعجاب و بصدقية و بتلقائية وعفوية مما أضفى على الجو العام للرواية بعداً إنسانياً من خلال إستعراض معاناة الناس ليس من وجهة وطنية بل من وجهة نظر إنسانية، و راح يسجل لحظات الحزن و الفرح و الكبوات و النهوض و الموت و الحياة و لم يتخل عن هذه النزعة طوال الرواية .أنه يعبر عن عناق الحياة وسط جحيم الحرب و وحشيتها.
و أخيراً أن الرواية انتصار للحياة التي تتحدى الموت بكل توصيفاته و الصمود امام وسائل التدمير و وحشيتها ، انتصار لجذوة الحياة التي لا تنطفئ و لا تختفي يوما والتي عبرت الشعوب عنها بوسائل عديدة و تبقى ثنائية الحياة و الأنبعاث قضية الأنسان الكبرى و الرغبة الملحة في تغلب الحياة على الموت التي تمثلت بإنتظارالشخص المخلص في معتقدات شعوب عديدة منذ زمن بعيد .
في كلمة أخيرة أن النزعة المحلية في هذه الرواية هي منطلق إلى العالمية لأن الإنسان في المحلية هو الإنسان نفسه في العالمية فقد تختلف مشاكله و أزماته بيد أنه يلتقي في أكثر من مشترك.أن معاناته عبر مسيرة الحياة و تطلعاته و آماله و أحلامه في حياة أفضل فضلاً عن إنكساراته و خيباته. أن العمق الإنساني في هذا المنجز هو الذي يجعله ذا سمة عالمية وخارج حدود المحلية .

شاهد أيضاً

من رسائل القرّاء والكتّاب الموجّهة إلى الروائي سلام ابراهيم (14) (ملف/62)

إشارة : تجربة رائعة يقوم بها الروائي المبدع “سلام ابراهيم” وهو يؤرشف رسائل قرّائه الكرام …

حيدر حسن جابر: البنية السردية في روايات سلام إبراهيم (رسالة دكتوراه) (14) (ملف/61)

إشارة: مثل قلّة لامعة من الروائيين العالميين كإرنست همنغواي وإريك ريمارك وغيرهما خطّ الروائي العراقي …

فاضل البياتي: سنواتُ السبعينات الحُلوة المُرٌّة والذكرى 21 لرحيلِ الشاعر الكبير عبد الوهاب البياتي (ملف/4)

هكذا قررتُ إذن… سأمضي في رحلةٍ ليس بوسعي أن أُحددَ مسافاتها ألآن، ولا أدري ماهي …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *