علوان السلمان: صراع الذات في امتدادات المظلم والمضيء

القصة القصيرة مغامرة فكرية لاكتشاف اسرار الواقع ورصد لحظات حركته .. كونها فن ابداعي .. فكري يتكأ على اشارتين حددهما موكارفسكي هما : الاشارة الجمالية والاشارة الايصالية .. انها نتاج انساني .. عقلاني ملتصق بواقع الانسان وهمومه .. و تعبير فني لخدمة هدف محدد بذاته عبر التداعيات التي يوظفها القاص بقصدية لتعطي بعض التفسيرات المتسلطة على ذهنه لمعالجة الواقع بكل ابعاده النفسية والاجتماعية .. كونها حياة قائمة بذاتها وليست مجرد خيال وفكر بتوافر الحدث ..
     والقاصة ايمان السلطاني عبر مجموعتها (المظلم والمضيء) التي يسهم عنوانها الجامع للاضداد في توجيه عملية الكشف عن سياق العمل القصصي الاجتماعي والبيئي من خلال جملته الاسمية التي اعتمدت اسلوب العطف منهجا لغويا بنائيا تشكل من مفردتين وهي ترصد بصفحاتها الست والستين  وقصصها العشرة من منشورات ابداع النجف الاشرف /2008بعناوينها( التي هي احد المفاتيح التأويلية والتدخل المبالغ فيه من لدن المؤلف كما يعتقد امبرتو ايكو..)  وهج الانفعالات وتعيد صياغتها بمظاهر الخطاب اسلوبا وبناء ودلالة .. مع استلهامها المتناقضات التي تمتد على خارطة الجسد  الاجتماعي .. كونها تنفعل وتتفاعل مع الاحداث وتوتراتها .. وهي تحاول ان ترأب صدع الواقع بتجسيدها نهايات مستشرقة.. فهي  في حركة واقعها لاتحسم الصراع بل تفتح كوة أمل من خلال الشخصية التي تواصل السير بلا انقطاع ..
   فالقاصة في قصصها ترسم صورة متناهية وطريقة توزيع مناخاتها .. انها تعني بالشخصية ذات العمق النفسي المليئة بمفاجئات السلوك المتفرد المقترن بالزمكانية.. حتى انها تصل في نهايات قصصها بخطى واثقة مرسخة مفهوما ايحائيا من خلال بناء سهل خال من الغموض والتصنع مع وعي امتداداتها التي اعتمدت الحوارات المبنية على احلام اليقظة وحوار ذاتي هاديء .. فعنصر الحركة يشكل أحد معطيات المستوى الحسي .. كونها توظف الاشياء بطريقة موحية اسهمت في تطوير البناء الدرامي للقصة .. اذ توظيف الجزئيات للكشف عن دخيلة الشخصية وتطوير الحدث .. مع التركيز على الجوانب المعتمة للانسان ..     فالقاصة في مجموعتها هذه تبحث من خلالها عن طريق للعدالة الانسانية بمحاولتها الموازنة بين الوجود الانساني من خلال رؤية وقدرة على اختيار المضامين ذات البعد الانساني بلغة متماسكة بعيدة عن التقريرية باقتراب مناخاتها من المناخ الاجتماعي.. وتعبيرها عن الاحداث بالتصاقها بالانسان وهمومه.. وبالذات  (المرأة التي هي اساس الوجود) ومما يعتمل في داخلها محققة مقولة (تودروف) في القصة عندما قال ( هي نوع من توالي القضايا ) .. فهي لاتستغرق الحلم ولاتنعزل ذاتها عن العالم الخارجي من خلال نافذتها الروحية المشرعة على بنات جنسها التي تشكل الموضوع وتهتم بالفكرة ..
        ( كانت الصور والافكار تتلاحق في مخيلتها .. فما أن تنتهي صورة أو فكرة حتى تتبعها أخرى من دون أن تترك الاولى اثرا او تكتسب الاخرى ثباتا ..)  /ص4
    لقد استطاعت القاصة ان تنسج عوالمها وتجيد العزف على مفرداتها بحثا عن موقف رؤيوي انساني .. اذ انها تتابع الاحداث بترتيب زمكاني مع تكثيف الاحساس في صور مركبة داخل بنية ذات مقاطع بعيدة عن الوصفية المباشرة .. اضافة الى تركيز على الوعي مع ايحائية عالية وقوة عاطفية مع مشاركة المتلقي في تحقيق الكشف ..
       ( انهت مهمتها بعد مشقة وراحت تستجمع قوى منهكة كأنها رماد عصفت فيه الرياح .. لملمت ملابسها تاركة شعرها بعشوائية ودلفت من الباب الذي خرجت منه مصممة على قضاء الليلة المقبلة في الحديقة ايضا .. فأناء حياتها بدأ ينفض ملحه ..)   /ص8
        وقولها :
           ( بعد سويعات كانت العائلة تقف حول الجثة المسجاة على السرير بملابس الحداد ولكن بقلوب مفعمة بالامل ومشرقة بالحياة ..) ص13
       وقولها :
         ( أدار محرك السيارة  فانطلقت تجري مع اول خيوط النهار .. وهو في أوج سروره .. أما هي فقد لزمت الصمت منذ ذلك اليوم ..)   ص31
     فالقاصة تستخدم الطبيعة لرفع حدة الصراع الخارجي لتخفف من ثقل الواقع الذي تعيشه الشخصية .. فالصراع الذي يجري في الباطن الوجداني للشخصية والذي ينتهي بالانكسار لابموت الداخل فيقود الى استشراق المستقبل .. لذا فقصصها تتخذ التنوع منهجا بنائيا مما ميزها بالتسجيلية مع قدرتها على التقاط اللحظات العيانية بلغة تستخدم اسلوب الاشارة الذكية والتصوير السريع .. وهذا يعني تطعيم الحدث الواقعي بالوجدان الشعري الذي من خلاله تمكنت القاصة من اضفاء لمحات متميزة عبر الاشارة والدلالة التي تمتلكها لغة الشعر .. وهي توازن بين حركة الشعر داخل القص والقدرة على القص الواقعي وتسجيل الاحداث ..
     ( اموت واحيا .. فارتعش رعشة الموت .. واعيش على بقايا أمل يحتضر في داخلي .. على الرغم من ان خيوط العنكبوت ما فتأت تنسج بيتها على ابواب قلبي حتى غدا مكانا مهجورا ..)    / ص16
    فالواقع المتحرك في قصصها استطاع ان يكون فاعلا في بناء سردها والكشف عن قدرة العطاء وفاعلية الشخصية في معايشة واقعها .. كونها تتفهم طبيعة التناقضات والصراعات ..فايمان السلطاني في (المظلم والمضيء) تركز على الهم الاجتماعي كمحرك مؤثر في توظيفه داخل بنيتها القصصية التي تكشف عن وصف طبيعة العلاقات والصراع القائم داخل المجتمع .. اذ استطاعت القاصة من التقاط الواقع الاجتماعي بلحظاته العيانية وصبه في بودقة لغة حوارية تتناسب مع الوعي الذي تمتلكه الشخصية .. مع اعتماد الحوارية الذاتية للكشف عن دواخل الشخصية ومدى تفاعلها مع الخارج ..
       ( كان هناك اخضرار أمل يطل بين الحين والآخر .. ثم يعاود التلاشي عند بئر جافة .. او عند اطراف صحراء قاحلة .. ولكنه يطل كعادته في لحظة حياة زائر من دون ان تدعوه أو تهلل لرؤيته .. ولكنه احساس لذيذ يمنحه مجيئه اليها..) ص47
     فالقاصة تعتمد السرد القائم على الاهتمام بعنصري الزمكان ووصف وتقديم الشخصيات بواقعية افقية متعاقبة الاحداث ..مع اعتماد اسلوب الاستذكار والاسترجاع .. كون العمل الادبي سلسلة من الاصوات ينبعث منها المعنى ..) كما جاء في نظرية الادب بوصفه وثيقة تاريخية ترصد من وجهة نظر جمالية متغيرات الواقع الانساني ..الاجتماعي ـ النفسي .. لذا تشكل البيئة بكل مكوناتها مؤثرا فاعلا في تعزيز المدركات الحسية كونها مصدر الهام معزز لافكارها المبدعة ..
      ( اهتزت حركة الابرة عشوائيا على قطعة القماش كأنها تاهت في الموضع الذي يجب ان تكون فيه .. وملت الاصابع هذه الحركة الدورانية التائهة .. رفعت وجها بعينين ينطفيء فيهما بريق الحياة ويتملكها جمود صخري .. فكانتا لديه عيني دمية قد ألفها من قبل .. ولكنه اكتشف تلك المشابهة بين النقيضين..)ص46
    فالبيئة تشكل بكل مكوناتها مؤثرا فاعلا في تعزيز المدركات الحسية .. كونها مصدر الهام معزز لافكار المبدع .. فالعلاقة بين الكاتب والبيئة تتحدد على اساس الانتماء للمكان والزمان اللذين يرتبط بينهما المبدع ويسمو من خلالهما بافكاره وطرق ادائه وتكنيكه واسلوبه الفني.. كون العلاقة بين الادب والواقع بوصفه كيان يجمع بين الذاتي والموضوعي بعلاقة جدلية .. اذ ان مصدر الهام المبدع الذي هو نتاج المجتمع بتطوره الحضاري الذي يؤدي الى امتلاكه القدرة على فهم الحياة الانسانية ..والتعبير عن مشكلات الانسان وظروفه وتصوير طموحاته .. وهذا يعني ان الهم القصصي هو تفسير لحظة من الواقع بعد استيعابه وفهمه .. لذا فقصصها لاتخضع لتعقيد وانما هي عطاء حسي مأزوم لفرط حساسية القاصة.. اذ انها تعبر في قصصها عن ذاتية مهمومة تحمل بين طياتها الحياتية معاناتها وتمزقها دون ان تمنح تلك الذاتية تخطي دائرة الضيق التي تقيدها الى حد الاستغراق المبالغ فيه .. لذا فهي تكتب معاناتها من خلال شخوصها مع غلبة الجانب المنطقي الذي يحرك القص .. فكانت المهارة وتكثيف العبارة الشاعرة مع البراعة والدقة .. اذ اعتمادها لغة شاعرية مشحونة بانفعال ذاتي …
     ( رن جرس المنبه .. فاذا بالروح تعاود البدن .. فيرتعش الجسد .. ويستفيق الحلم فيعادر مسرعا .. وتغلق يد كسلى المنبه ثم تستقر تحت الغطاء ..)  ص32
    ايمان السلطاني في (المظلم والمضيء) امتلكت القدرة على التكثيف وخلط الخيال بجسد الواقع ..لذا فهي تمازج بين النسق الواقعي والنسق التخييلي بشكل يكشف عن قدرة قصصية ذات نزعة واقعية انتقادية تركز على رسم الشخصيات بدقة حتى انها تجعل منها المحور الذي تدور حوله الاحداث معتمدة اللغة الشاعرة الشفيفة .. اذ تظهر مشاعرها واضحة العيان .. كونها تنبع من وجدانها بصدق وجدية … مستعينة بسردية فنية منسابة بهدوء باعتماد الحوار الداخلي مع تغليف حدثها بوشاح من الرومانسية الممزوجة بواقعية ليظل عملها قريبا من الطبيعة الفنية للقصة القصيرة مع مسحة من الطابع التسجيلي ..

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| احمد عواد الخزاعي : فنتازيا خضير فليح الزيدي في رواية ” يوتيوب “.

صناعة الشخصية الديناميكية المدورة، سمة امتاز بها الروائي خضير فليح الزيدي، فمعظم شخصياته الروائية، تكون …

| طالب عمران المعموري : تشكيل المكون الروائي في رواية “عاشقة من كنزا ربا” للروائي عبد الزهرة عمارة .

“أنت يا عليما بالقلوب وكاشفا للبصائر .. عيوني متطلعة إليكَ وشفاهي تسبحك  سبع مرات في …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.