شوقي يوسف بهنام : ستراتيجيات التعامل مع الآخر لدى الإمام الشافعي

shawki yuosif bahnamليس بالأمر الغريب ان يحتل موضوع الآخر ذلك المكان الفريد في الفكر المعاصر ، لأن لا وجود حقيقي للأنا دون وجود ذلك الآخر . وهذه النتيجة كانت المحصلة التي توصلت إليها العلوم الإنسانية كل من دائرة موضوعه في استكناه طبيعة العلاقة بين الأنا والآخر . ولذلك لم يكن هناك مجال أمام هذا الفكر إلا ان يفسح المجال لموضوع الآخر لأن يأخذ دوره اللائق في ثنايا هذا الفكر . والخطاب الديني هو الآخر قد ادرك أهمية هذا الموضوع انطلاقا من مفرداته إلى درجة جعل الأنا موضوعا وسطا بين الآخر والله . ولذلك ألح هذا الخطاب على قضية التوازن في إقامة علاقة سليمة بين هذه الأطراف الثلاثة . وهكذا تصبح شكل هذه العلاقة على النحو التالي :-

الآخر → الأنا ← الله

ويبدو ان محور الاهتمام في العلوم الإنسانية لهذه الشبكة هو الشق الاول ؛ أعني الأنا وعلاقتها بالآخر . بينما يركز الخطاب الديني ، مع مراعاة قضية التوازن ، على الشق الثاني في تلك العلاقة ؛ اعني علاقة الأنا مع الله . ونحن ، هنا ، لا يهمنا تفاصيل تلك العلاقة كما تتجلى في كل من هذين الشقين . و لا طبيعة ونمط تلك العلاقة كما تتجلى في تنظيرات وخطابات العلوم الإنسانية المعاصرة أو الخطاب الديني ، بقدر ما يهمنا الاستفادة من تلك الرؤى لفهم طبيعة تلك العلاقة كما حاول أن يعرض مقوماتها الإمام الشافعي في قراءاته لمفردات الخطاب الديني . إذن نقطة انطلاقنا هو فهم الشافعي وصورته لتلك العلاقة كما تبرز معالمها في نتاجه الشعري .
لا تنوي هذه السطور ، من دون أن يقع في ظن احد ، انها سوف تعالج تفاصيل من الخطاب الفقهي عند الشافعي فيما يخص المعاملات والذي يعد وفق الخطاب الفقهي محاولة لتنظيم العلاقة مع الآخر ، كما هو مستنبط من القرآن والسنة وما تراكم نتيجة ذلك من تأويلات أو قراءات . صحيح ، أننا لا نستطيع أن نجرد الشافعي من صبغته أو هويته الفقهية ، لأنه هو كذلك أولا وقبل كل شيئ .. لأن تلك الصبغة قد اقترنت مع شخصية الشافعي في ذاكرة الوعي الجمعي العربي .. وصحيح أيضا ، ان الشافعي نفسه لم يحاول ان يتجرد أو ان ينفصل أو ينسلخ عن تلك الهوية التي حاول ترجمة معالمها في حياته اليومية لحظة واحدة مما جعلنا ان نلمس هذا التمسك بقضايا الفقه في خطابه ومنجزه الشعري بشكل يلفت الانتباه ، والذي لا يرقى في نظر الكثيرين إلى مرتبة الفقه النسقي كما حاول عرض جوانبه في مؤلفاته الفقهية الأساسية ، لكننا لا يمكن ان ننكر هذه الحقيقة الأساسية وهي انه يمكن ان نعتبر الخطاب الشعري مدخلا مهما إلى الفقه عنده (1) . إلا إننا مع ذلك ، سوف نتناول الخطاب الشعري من وجهة نظر إنسانية لا تقف عند حدود الأحكام الفقهية . ولذلك فإننا سوف نحاول إبراز مفهوم الشافعي وتصوره للعلاقة مع الآخر من خلال بيتين شعريين فقط . وعلى الرغم من إننا نجد أن الشافعي قد عالج هذه العلاقة تحت ما يسمى ” الأخوة والصحبة الحسنة ” (2) . وهذا المسمى يندرج ، ولا شك ، ضمن الشق الأول من أحكام الفقه أي المعاملات . و لا يمكن ان نعالج كل النصوص الشعرية على ضوء حجم هذه السطور ، ولكننا سوف نحاول تسليط الضوء ، على ما نسميه بلغة علم النفس ” ستراتيجيات التعامل والمواجهة coping والتي ، على ما يبدو ، ان الإمام الشافعي قد وضع يده عليها قبل ان يتدارسها الباحثون في علم النفس بصورتها المعاصرة . ويمكننا ان نقول ان الشافعي لا يكتفي بتشخيص الظاهرة ووضع يده عليها ووصف معالمها المختلفة ، بل يخطو خطوة أعمق في التعامل مع هذه الظاهرة أو تلك ، وهذه الخطوة تتمثل في تقديم العلاج إذا كانت الظاهرة موضوع الرصد تتصف بالاختلال والاضطراب . ويقدم بعد ذلك وسائل لتقييم العلاج . وبتلك الخطوات ، يمكننا القول ، ان الشافعي كان يمتلك حسا إكلينيكيا واضحا في التعامل مع الظاهرة السلوكية أو النفسية والتي حاول رصدها وتشخيصها وتحديد معالمها . وهذا ليس غريبا على من تمرس في قضايا الفقه ، ذلك ان الفقه أولا وأخيرا ما هو إلا أساليب وسترتيجيات لتعديل السلوك وتنميطه وفق هذا الخطاب أو ذاك .
وسوف ننطلق في هذه السطور من تصور أساسي مفاده ؛ ان الشافعي قد تعامل مع الظواهر السلوكية والانفعالات النفسية تعاملا قائما على أساس الخبرة المتراكمة لديه من جراء اهتمامه بالسلوك واستخدامه لتقنيات الملاحظة والمقابلة والتي تساعده على القيام بالخطوة التالية وفق المنهج العيادي اعني وسائل التوجيه والإرشاد والعلاج والتعديل .
وبهذا التصور ، يمكننا أن نرى في شخص الشافعي عالما نفسيا من الطراز الاول . وبهذا فان الشافعي يقدم لنا خزين خبرته في السلوك وقد صب هذا الخزين على شكل ” فتوى ” قدمها لأحدهم تعد حلا أو توجيها أو تعديلا أو تصريحا بالسلوك المقبول وتجنب اللامقبول منه . وهو بذلك قد عمل على التخفيف من شكاوى مراجعيه ويمكن القول مرضاه ومساعدتهم في التخلص من متاعبهم وأحزانهم الناتجة من أحداث الحياة وضغوطها والوصول بهم إلى حيث السكينة والطمأنينة والسلام الداخلي . والشكل الآخر الذي ترجم هذا الخزين هو النص الشعري والذي يمكن عده تكنيكا أو ستراتيجيات تساعد مرضاه لمواجهة ضغوط الحياة وتقلباتها . نحن إذن أمام شخص ، قد جمع في شخصيته أكثر من سمة وامتلك أكثر من مهارة في ملاحظة السلوك وإظهار عقليته الخصبة والثرية في هذا الجانب . يقول الشافعي بصدد وصف أساليب التعامل مع الآخر :-

وإذا عجزت عن العدو فداره وامتزح له ان المـــزاح وفــــاق ’

فالماء بالنار التي هي ضده يعطي النضاج وطبعها الإحراق ’ (3)
*******************
هنا ، في هذا النص ، يتعامل الشافعي مع مريضه ؛ صاحب الشكوى ، تعاملا ينطلق أساسا من انه ” أي صاحب الشكوى ” في محنة التعامل مع الآخر . ان صاحب الشكوى هذا قد جاء يشكو هما و لاشك . يمكننا ان نلاحظ ان الشافعي يخاطب شخصا قد استنفذ كل طاقاته وإمكانياته في مواجهة الآخر والتعامل معه . فهذا المريض إذن مصاب باضطراب العلاقة مع الآخر ، هذا الاضطراب الذي يعده علماء النفس الأساس في اضطرابات التكيف السلوكية . لم يترك الشافعي مريضه ان يقع فريسة اليأس وخيبة الأمل في هذه الإشكالية مع هذا الآخر . صحيح ان الشافعي ، على ما يبدو ، قد قطع شوطا طويلا في معالجة مريضه ، و قدم له استشارت علاجية من النوع السلوكي ، لكي يتسنى له فهم هذه الإشكالية . لقد اقتنع الشافعي ان مريضه هذا لا يمتلك وسائل وأساليب مواجهة سليمة وناضجة لتساعده على التكيف . لقد وصف هذا الآخر بالعدو . ما اشقى هذه العلاقة ؟ ليست العلاقة إذن هي علاقة الند بالند . بل علاقة مع عدو !! . ونحن على ثقة ، بأن الشافعي قد اقتنع ان نهاية أي علاقة سلبية ينبغي ان تنتهي بان يكون الآخر بمثابة عدوا . أي معيقا لتحقيق ذاتي وإبراز إمكانياتي إلى حيز الفعل . إذن ما العمل . ما هي أساليب المواجهة التي يمكن ان أمارسها أو الجأ إليها في تعاملي مع عدوي هذا ؟ . ان الشافعي قد وجد كل هذا وأدرك بسجية عميقة ان مريضه قد فشل في تحقيق ما كان يصبو إليه في إقامة علاقة سليمة مع الآخر . علاقة قائمة على احترام طرفي المعادلة ” الأنا ـــــــــــ الأنت ” . ماذا يفعل الشافعي إزاء حالة كهذه ؟ هل يتركها تقع فريسة الضياع واليأس والتقوقع على الذات .. حيث النكوص والتثبيت على مراحل بدائية من تطور الأنا ؟ هل يدعو الشافعي مريضه لأن يمارس شكلا من أشكال النفاق وخداع الذات مع هذا الآخر ؟ لا يمكن ان تكون هذه الحلول قد خطرت ببال الشافعي ، ولو للحظة واحدة ، لا لشيئ إلا لأن تلك الحلول تعد أشكالا غير مقبولة أساسا لأنها لا تتفق وأحكام مفردات الشريعة التي يؤمن بها و ينطلق منها الشافعي ويدعو إليها . كيف وهو الفقيه والذي يدعو إلى استقامة السلوك وإلى العمل الحسن وصفاء النية في التعامل مع الآخر .. أن يجعل من صاحبه هذا ان يلجأ إلى تلك الأساليب . هل نقول ان الشافعي قد كان في حيرة من أمره ما بين حالة مريضه وما بين الأحكام التي يدعو إليها ؟ لا يمكن الذهاب إلى مثل هذا . لسبب بسيط هو ان الشافعي قد وجد حلا لهذه الإشكالية . ومن ثم قدمها على شكل ” فتوى ” (4) . لغرض التعامل السليم مع هذا الآخر الذي أصبح ، كما قلنا ، عدوا للأنا وعبئا على وجودها وحائلا دون تحقيق ذاتها . تلك الفتوى تتشابه في بنيتها مع آلية دفاعية تعرف ” بالتماهي مع المعتدي Identification with the aggressor . تلك الآوالية التي استخلصتها ” آنا فرويد ” ” فحينما يجابه الشخص بخطر خارجي ( يتمثل نموذجيا بإنتقاد صادر عن سلطة ما ) فإنه يتماهى مع المعتدي عليه ، إما بأن يتبنى لحسابه العدوان بحد ذاته ، وإما من خلال المحاكاة الفيزيقية أو المعنوية لشخص المعتدي ، أو من خلال تبني بعض رموز القوة التي تدل عليه . تسود هذه الآوالية ، تبعا لآنا فرويد ، في تكوين المرحلة التمهيدية للأنا الأعلى حيث يظل العدوان عندها موجها نحو الخارج ، إذ أنه لم يرتد بعد على الشخص ذاته على شكل نقد ذاتي (5) . في وصف تفاصيل عمل هذه الآوالية يخبرنا الباحث العربي ” مصطفى حجازي ” ما يلي ” التماهي بالمتسلط يشكل احد المظاهر البارزة في سعي الانسان المسحوق لحل مأزقه الوجودي والتخفف من انعدام الشعور بالأمن ، والتبخيس الذاتي الذي يلحق به جراء وضعية الرضوخ . انه كحل ؛ عبارة عن هروب من الذات وتنكر لها ، وهروب من الجماعة وتنكر للانتماء إليها ، من خلال التشبه بالمتسلط وتمثل عدوانيته وطغيانه ونمط حياته وقيمه المعيشية . انه استلاب الانسان المسحوق الذي يهرب من عالمه كي يذوب في عالم المتسلط ونظامه أملا في الخلاص (6) . ويستعرض هذا الباحث ثلاث أشكال رئيسية لهذه الآوالية وهي :-
1- التماهي بأحكام المتسلط .
2- التماهي بعدوان المتسلط .
3- التماهي بقيم المتسلط وأسلوبه الحياتي (7) .

********************

لا يتسع المجال إلى ذكر تفاصيل هذه الآلية كما وصفها حجازي ، ولذلك سنكتفي بالإحالة التي توقفنا عندها قبل قليل . صحيح ان الشافعي لم يعرف هذه التفاصيل بشكلها التي عرفتها ” آنا فرويد ” و لا بالتفاصيل التي دخلت عليها من قبل محللين آخرين ، لكن هذا لا يمنع القول ، من ان الشافعي قد عرف بعض من هذه التفاصيل ، ولو بصورتها البدائية على الأقل . فالظاهرة النفسية واحدة عند جميع البشر ، وإن تخفت بظل هذه الثقافة أو تلك . فما الذي يمنع من القول ان الشافعي كان سباقا على ” آنا فرويد ” في تسليط بعض الضوء .. لا كله ، على عمل هذه الآلية ؟ . لا نريد الدخول في هكذا قضية ، بقدر ما نريد إبراز الدوافع التي دفعت الشافعي أو حركته ليقترح هذه الإستراتيجية في التعامل مع الآخر حينما يصبح عدوا . ان النص ، نفسه ، يجبرنا على القول ، بان الشافعي قد أدرك ، أنه لا مفر من استخدام هذه الآلية . يمكننا ان نلاحظ ان الشافعي يؤكد على العجز التام لمريضه في استخدام وسائل تكيفيه سليمة مع الآخر . ولذلك يضعه أمام هذا الخيار الصعب ؛ اعني مواجهة العدو . و نعتقد ان الشافعي كان يدرك صعوبة هذا الخيار وكان يعلم ان في هذا الخيار شيئ من خداع الذات ، على الأقل في هذا النص موضوع هذه السطور . ولكنه ، على ما يبدو ، قد اسقط من حساباته هذا العنصر .. اعني عنصر خداع الذات ، لا لشيئ إلا لأنه قد أدرك وببصيرة نفاذة ان عنصر خداع الذات وإن كان غير مقبول ، إلا انه من الممكن ان يكون تمهيدا لاحتواء الآخر وتفتيت صلابته واختراق جدران ذاته السميكة . ولنمضي مع الشافعي في صدر البيت الأول ومجمل البيت الثاني لنرى كيف عالج هذه الإشكالية فيما يخص سلوك المواجهة لدى الفرد ودفاعاته عموما وعبر هذا السلوك على وجه الخصوص .
إذا كان الشافعي في البيت الأول قد وصل مع مريضه إلى نقطة جوهرية وهي ان مريضه قد فشل تماما في إقامة علاقة سليمة وناضجة مع الآخر ، فإنه سرعان ما يعود عبر عجز البيت نفسه ليقدم لمريضه هذا حلا أو يقترح عليه ممارسة أسلوب آخر للتعامل معه . وهذا الأسلوب هو ما يسميه الشافعي بالمداراة والمزاح ( الدعابة يمكن ان تخفف من الدوافع العدوانية ) (8) . فعن طريق هذين الأسلوبين ، كما يعتقد الشافعي ، يمكنننا ان نقترب من الآخر ، ونجتاز المسافات ونخترق الحواجب معه ، ومن ثم احتوائه أو تعديل وجهة نظره عن ذواتنا ، وهذا بحد ذاته يعد تمهيدا إلى إقامة الحوار لغرض التلاقي والتفاعل السليم معه . هذا هو الحل إذن الذي يقترحه شاعرنا الشافعي لمريضه لكي يسير على منواله في هضم متاعبه مع الآخر .
لقد عودنا الشافعي بأن لا يكتفي برصد الظاهرة السلوكية من بعدها الخارجي أو وصفها وصفا شكلانيا أو كما تبدو للعيان المباشر بل يتعداه إلى محاولة الغوص إلى مكامن هذه الظاهرة وجوانبها الخفية . ان نظرة سريعة وعاجلة يلقيها المرء على هذين البيتين يمكن ان تقودنا إلى استنتاج مفاده ؛ أنه لا علاقة قائمة بين هذين البيتين ، إلا ان قراءة فاحصة ومتمعنة لهما تظهر بطلان مثل هذا الاستنتاج . فالشافعي كان من خلال البيت الأول ؛ رجل ملاحظة ومشاهدة ووصف ، بينما في البيت الثاني نراه رجل تحليل وتفسير واستنتاج وحاصل مجموع البيتين هو رصد لظاهرة نفسية مع محاولة لوضعها في نسق مفهومي له قوانينه وأسسه . هذا على المستوى النظري . اما على المستوى العيادي ، فقد كان الشافعي في البيت الأول ملاحظا لسلوك المريض وقدراته وأساليبه الدفاع لديه . كما بدا مرشدا وموجها ومعالجا . وفي البيت الثاني استخدم الشافعي الحوار المعرفي والعقلاني مع المريض لتوضيح طبيعة إشكاليته مع الآخر ، مستخدما أسلوب تفكيك مشكلة المريض وتحليل عناصرها ومن ثم تقديم خطوات العلاج والأسس العقلانية القائمة وراءه . وبذلك يكون الشافعي قد أرسى منهجا في العلاج النفسي وهو ما ندعوه اليوم بالعلاج النفسي المعرفي Cognitive psychology . صحيح ان الشافعي قد لا يكون ملما بالأسس النظرية أو التقنيات السائدة في المنهج العلاجي ، لكن هذا لا يمنع من القول ، بأن الشافعي قد وضع يده على اللبنات الأولى لهذا الأسلوب من الأساليب العلاجية . والبيت يؤكد مثل هذا الافتراض . لقد قام الشافعي في البيت الأول ، كما لاحظنا ، حوارا مباشرا مع مريضه ومحاولة تشجيعه ومساندته في إيجاد الحل لمشكلته . وفي البيت الثاني نراه يتقدم خطوة ابعد من الخطوة التي قام بها في البيت الأول وهذه الخطوة تتمثل في التعامل مع إشكالية المريض تعاملا عقلانيا ومعرفيا متسما بالتجريد ومشحونا بلغة رمزية . ما علاقة الماء والنار بإشكالية مريض الشافعي هذا بعلاقته مع الآخر ألم يتبادر إلى ذهن هذا المريض نفس هذا السؤال : ما علاقة الماء والنار بمشكلتي أنا ؟ إلا ان الشافعي لا يترك مريضه وحيدا ليقع فريسة الشك واليأس . فها هو الشافعي يطمئن مريضه ، من خلال رمزية البيت الثاني . نعم ؛ انه النار التي استلهم الشافعي رمزيته ودلالاته ووظائفه من مفردات الخطاب الديني على وجه خاص ، زائدا ملاحظته لخصائص النار الفيزيائية . النار كانت ولا زالت موضوع اهتمام وتأملات الكثير من الفلاسفة والشعراء واقتحمه الكثير من الباحثين في عدد من الحقول المعرفية الإنسانية المعاصرة . ويكفي ان نذكر في هذا الصدد الفيلسوف الفرنسي الكبير ” جاستون باشلار ” في كتابه الجميل ” التحليل النفسي للنار ” (9)الذي احتوى تأملات عميقة لهذه الظاهرة . ما فائدة النار في حياتنا اليومية ؟ وما هي الخصائص الأساسية لها ؟ يجيب الشافعي ان وظيفة النار الأساسية هي الإنضاج والإحراق . فنضج الشيئ لا يتم إلا باستخدام النار ولكن بقدر محدود منه وإذا زاد هذا القدر كانت النتيجة هي الإحراق . ولكن ماذا يريد الشافعي ان يقوله لمريضه عندما ادخل النار في إشكالية المريض ؟ هنا يتجلى عمق مخيلة الشافعي وعبقريته في الربط بين الظواهر ، سواءا أكانت فيزيائية أو نفسية أو أخلاقية … فالشافعي يشخص اضطراب مريضه ويقدم له حلا . ان الحل الذي يقدمه الشافعي ؛ اعني المدارة والمزاح ، ما هما إلا بمثابة النار نفسها . فكما ان زيادة كمية النار تؤدي إلى الإحراق هكذا فإن المبالغة والإسراف في إظهار المودة أو المداراة أو المزاح مع الآخر قد تؤدي إلى إفساد جوهر العلاقة مع الآخر لأنها تؤدي إلى النفاق والمرائية . الشافعي لا يقبل بهذه النتيجة لأنها تخالف أو تناقض ما يدعو إليه . إلا ان الحد المعقول منهما له فوائد ايجابية تساعد أو تجعل الآخر يراجع حساباته ، ” من المفروض إنسانيا القيام بذلك ” ، مع الأنا . هكذا إذن وصل الشافعي إلى الحل الأمثل في معالجة إشكالية مريضه . وهو عندما فكر في ذلك ، على ما يبدو ، كان في ذهنه الحديث المأثور ” وخير الأمور أوسطها ” . ابتسم الشافعي في وجه مريضه وربت على كتفه وقال له: الآن تستطيع ان تمضي في طريقك بسلام وتمتلك من الشجاعة لأن تواجه الآخر وتبرهن له بأنك موجود !! .

الهوامش :-
1- بهجت ، مصدر سابق ، ص 28 .
2- بهجت ، مصدر سابق ، ص 63 .
3- بهجت ، مصدر سابق ، ص 164 .
4- شبل ، مالك ، 2000 ، معجم الرموز الإسلامية ، ص ، دار الجيل ، بيروت ، لبنان ، ص 237 – 238 .
5- لابلانش – بونتاليس ، 1987 ، معجم مصطلحات التحليل النفسي ، ترجمة : د. مصطفى حجازي ، ص ، 203 ، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر ، بيروت ، لبنان .
6- د. حجازي ، مصطفى ، 1976 ، سيكولوجية الانسان المقهور ، مركز الإنماء العربي ، بيروت ، لبنان . ط1، ص 183 – 207 .
7- د. حجازي ، مصدر سابق ، نفس الصفحات .
8- للأمانة العلمية هذه العبارة لأخصائي الطب النفسي د. طه النعمة .
9- باشلار ، جاستون ،1984 ، النار في التحليل النفسي ، ترجمة : نهاد خياطة ، دار الأندلس ، بيروت ، لبنان ، ط1

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| فراس حج محمد : رغبات ذاك الخريف [*] رغبات مكبوتة وأحلام قتيلة في واقع مرير.

لم أقاوم نعاساً جريئاً صادماً بعد انتهائي من قراءة رواية “رغبات ذاك الخريف” للكاتبة الأردنيّة/ …

| جمعة عبدالله : وجع  الاغتراب  في المجموعة الشعرية “إمرأة من كرزٍ وعسل” للشاعرة ذكرى لعيبي.

التجربة الذاتية التي تنطلق من صدق أحاسيس  الوجدان , بدون شك انها تلعب دوراً هاماً …

7 تعليقات

  1. فضيلة فاسخ

    نشكرك على هذا المقال خاصة وأنني أهتم أيضا بالبحث في الفكر الأصولي
    المزيد من النجاحات إنشاء

  2. شوقي يوسف بهنام

    شكرا جزيلا ست فضيلة وانا جاهز لاي مساعدة او تعاون
    دتمتم لمحبة الخير والحق

  3. شوقي يوسف بهنام

    الست قضيلة فاسخ
    ارجو اعلامي بالمزيد عنك ، بلكد .. هويتك ؟؟الخ

  4. شوقي يوسف بهنام

    اسف اعني بلدك

  5. فضيلة فاسخ

    أنا طالبة دكتوراه من جامعة تبسة بالجزائر ويشرفني مساعدتك

  6. شوقي يوسف بهنام

    بل انا الذي يشرفني مساعدتك ارجو ارسال اميلك الشخصي

  7. فاسخ فضيلة

    شكرا على ترحيبك بي وجازاك الله خيرا أرجو أن تزودني بمؤلفاتك pdf خاصة عن الامام الشافعي لأنني بحاجة ماسة إليها

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *