ليث الصندوق : دوال مفاتيح الإستدعاء ، ومداليل مُستدعياتها في رواية ( ما بعد الجحيم ) ( * )

laith alsandook 4بدءاً من عنوان الرواية ، ثم الجملة الاستهلالية الصريحة على الصفحة الأولى ( الداخلية ) منها ( رواية من أدب الحرب ) والتي غابت عن الغلاف الخارجي للرواية ، ثم النصوص الموازية ، كلها مؤشرات استدلالية تؤكد أن ( ما بعد الجحيم ) للروائي والقاص والناقد والباحث والطبيب النفسي حسين سرمك حسن هي رواية حرب . فالجحيم مفهوم لاهوتي يحيل إلى مصير عقابي يلحق بأرواح من انحرفوا عن جادة الرب ، واخترقوا نواهيه ومحرماته . والنار والأحطاب هي الأدوات التنفيذية لذلك العقاب / المصير ، تؤكد ذلك نصوص الأديان السماوية ، مدعومة بالاشتقاق اللغوي للمفردة التي هي حسب مختار الصحاح ( إسم من أسماء النار ، وكل نار عظيمة في مهواة فهي جحيم ) . والجحيم مصير أولي وفي ذات الوقت نهائي لا سابق له ولا تالي من بعده ، وهو عقابٌ في حده الأقصى من القساوة فلا تهاون فيه ولا تخفيف من قساوته . أما تجاوز الكاتب لحدوده كما في العنونة إلى ( ما بعد ) فهو من قبيل المجاز اللغوي الذي يحتمل المبالغة ، والذي يقرن جحيم السماء القاسي بجحيم آخر أرضي أقسى مفترض يحيل إلى الحرب . ولعل قسوة الجحيم الأرضي الذي ألمحت إليه العنونة ناجم من أن الأحداث لا تجري حصراً في جحيم جبهة القتال فحسب ، بل تنعكس تداعيات على الجبهة الداخلية المدنية من خلال تأثيرها النفسي المدمر على المقاتلين وعوائلهم بما يتسبب في تفتيت بنية العلاقات الإنسانية الحميمة ما بين الطرفين ، وإن التئام الأحداث على الجبهتين في نص واحد هو الذي ضخّم من إيحاءات الجحيم / الحرب لتصبح إيحاءات ما بعد الجحيم .
كل ما يحيط بالرواية من خارجها يدعم حربيتها حتى لوحة الغلاف الأمامي التي تندرج ضمن ما يُسمى بالنصوص الحافة وهي للفنان محمد بدر الدين الأيوبي – حسب توقيع الفنان على اللوحة – وبدر الدين الأيوبي – حسب الصفحة الداخلية – تشير إلى هوية الرواية من خلال عاصفة الدخان والنار وما تتلوى تحتها من أجساد ، بعضها متفحم ومطفأ ، وبعضها ما زال متوهجاً محترقاً ، بينما تحول البعض الآخر إلى كتلة شبحية شفيفة كالزجاج تلمّح إلى عملية التحول من الجسد إلى الروح . وكل تلك الأجساد والأرواح تلوح مستغيثة بأياديها مما يعني أن الموت لم يعد خلاصاً .
يفتتح الكاتب روايته بحزمة من نصوص موازية يمثلها :
– نص الإهداء الحربي بامتياز ( إلى رفاق الشرف والسلاح والعقيدة ، أساطير كل العصور ، مقاتلي ملحمة أم قصر الخالدة ، شهداء وأحياء . ص / 5 ) والملاحظ أن أحداث الرواية لا علاقة لها بمعركة أم قصر . ويُختتم الإهداء بسؤال يتبين فيما بعد إنه من نص للكاتب سعدي عوض الزيدي ( هل حقيقياً أن التأملات تمارس خيانة عظمى بحق الدم النازف ؟ . ص / 5 ) .
– تعقب الإهداء ملاحظة يكشف عبرها الكاتب هويته القتالية ، فإذا به قد خاض ثلاث حروب ، وأن أحداث روايته هذه أقل بكثير من وقائع الحروب الثلاث التي خاضها دون أن يفصح عن المعنى المستتر وراء عبارة ( أقل بكثير ) فهل القلة مفهوم كمي ؟ أم مفهوم حسي وشعوري ؟ أم مفهوم درامي ذي طبيعة تراجيدية ؟ . أما وصفه لروايته ب ( الواقعية ) ، فأغلب الظن أنه اراد من المفردة أن تكون إحدى موجهات القراءة يضع الكاتب عبرها القاريء على سكة الفهم التي يريدها له ، ويساعده في تقدير أهوال النصوص الغائبة التي تمخضت عنها الحروب الثلاث التي وصفها بأنها دامية ومدمرة .
– تعقب الملاحظة أربعة نصوص ، ثلاثة منها شعرية ، نصان من الثلاثة باللغة العربية ، الأول بيت شعري متداول شعبياً هو ( يا قارئاً كتابي – إبك على شبابي ) ختم بجملة تعريفية هي ( من شاهدة قبر الجندي المكلف أحمد شامل سليمان ) وبذلك يكون الكاتب قد وضع نهاية لأفق انتظار القاريء في مصير واحد من أبطال الرواية قبل أن يكون القاريء قد باشر بالقراءة . والنص الثاني هو مقطع من قصيدة نثر للشاعر ( سلمان داود محمد ) . بينما النص الشعري الثالث فهو مقطع من قصيدة للشاعر الروسي ميخائيل كونين . أما النص الرابع فهو نص نثري للكاتب الجيكي ( جيري ميريك ) يميز فيه ما بين الحرب كمفردة لغوية والحرب كواقعة ، والفروق البينية بين المفهومين ، أللغوي الرخو والواقعي المدمر بما يجعل كل مستوى من الاثنين مستقلاً عن الاخر بدلالاته وإيحاءاته . وبالرغم من أن محاولة التمييز تبدو فنطازية أكثر من كونها منطقية ذلك لأن الإعتباطية من الناحية السيميائية هي التي تحكم العلاقة الرمزية ما بين الدال الصوتي والمدلول المفهومي / الصوري ، إلا أن ذلك الفهم للحرب يلتقي مع فهم الكاتب للجحيم بمستوييه المستقلين بدلالاتهما وإيحاءاتهما ، الجحيم / النار ، والجحيم / الحرب كما تنجلي عنهما العنونة المميزة بعبارتها ( المابعدية ) التي تسبق مفردة الجحيم وتحشرها في المستوى الأرضي الأشد هولاً ، في مقابل الجحيم السماوي .kh hussein sarmak n
تتكون الرواية من واحد وأربعين فصلاً قصيراً مرقماً من ( 1 – 41 ) إضافة إلى النهاية غير المرقمة والمستقلة بذاتها عن الفصل الأخير . ومن بين هذا العدد من ألفصول فإن الفصول السردية هي تسعة وثلاثون فصلاً ، بينما هناك فصلين على شكل نصين قصصين مستقلين عن مجرى أحداث الرواية هما ( 15 / 38 ) وهناك فصل آخر يتضمن نصاً تنظيرياً هو الفصل ( 17 ) . يتناوب على سرد الفصول ثلاثة رواة ، الأول هو الراوي المفارق الذي يسرد الأحداث بضمير الغائب ، وعلى طريقة الراوي العليم مخترقاً دواخل الشخصيات ، وكاشفاً أدق أسرارها ونوازعها واضطراباتها النفسية ، أما الراويان الأخران فهما بطلا الرواية شامل وصدّيقة . وعادة ما يستقل الرواة عن بعضهم في سرد الفصول ، لكن ذلك لا يعدم اشتراك بعضهم معاً في سرد بعض الفصول ، والجدول التالي يبين الفصول المخصصة لكل راوٍ :
– ألراوي المفارق : 1 / 2 / 3 / 4 / 5 / 6 / 8 / 9 / 26 / 27 / 28 / 29 / 36 / 37 / 40 / 41 / ألنهاية .
– شامل : 7 / 11 / 12 / 13 / 14 / 16 / 18 / 19 / 20 / 21 / 22 / 23 / 24 / 25 .
– صدّيقة : 31 / 32 / 33 / 34 / 35 / 39 .
– الراوي المفارق + شامل : 10
– ألراوي المفارق + صديقة : 30
هذه القراءة تضع الرواية على غير ما اراد لها كاتبها أن تكون كرواية من أدب الحرب ، وإن كان جانبها الحربي أو العسكري يمثل إحدى البنى الحكائية ، لكنها بنية مضغوطة تحت ثقل أحداثها المفترضة والغائبة سردياً إلا في حدها الأدنى ( ألمعارك الفعلية على الجبهات ) لصالح بنى أخرى مهيمنة وناجمة عن تداعيات ذلك الضغط تضع الرواية في خانة الأدب الإنساني الذي يتناول أهوال الحروب في الجانب العسكري ، ونتائجها الكارثية المدمرة على المدنيين ، فالرواية تحفل بمواقف إنسانية وعاطفية مؤثرة ، من خلال الرصد الحميمي اللافت والذي يأخذ بالألباب لحياة أسرة سعيدة ومتماسكة من أب وأم وطفلين – ولد وبنت – جاءت الحرب لتفتت تماسكها ، وتسرق سعادتها ، ولتضع من بقى منها حياً في مواجهة المجهول .
يبدأ الراوي المفارق سرد الفصل الأول من الرواية بمواجهة عاطفية ما بين الرغبة والفجيعة في التئام شمل نائب الضابط شامل بزوجته صدّيقة بعد سبعة وأربعين يوماً من الفراق قضاها على حافة الموت في معارك قاطع ( مجنون ) ، لقد عاد شخصاً آخر بعد اختلال تماسكه النفسي جراء فقدانه لأعز رفاق السلاح . وقد تجلى ذلك الاختلال في لحظة التحام الجسدين حيث كانت الوسادة التي اعتادت أن تغطي بها زوجته وجهها في مواقف الالتحام المماثلة قد أدت هذه المرة دوراً سلبياً غير الذي كانت تؤديه من قبل ، لقد تحولت صورة الوسادة في عين شامل إلى مفتاح لفتح مغاليق عقله الباطن ، واستخراج كل ما فيه من ذكريات المواجهة الحربية الفاجعة ، فهو ما كاد يرى الوسادة تغطي وجه زوجته حتى انفتحت في ذاكرته بوابة العقل الباطن لتخرج منها صور الضحايا الذين شاهدهم وقد غطى رؤوسهم الركام ، ولتتحد صورة الركام بصورة الوسادة ، ففي كلا الصورتين رؤوس مغطاة ، ولا فارق ما بين رأس ميت ، ورأس حي ما دام العقل الباطن قد أوجد ثنائيته غير المتجانسة ( الوسادة / الركام ) ، وما دام التخليط الذي يعانيه العقل الباطن بحكم خضوعه لظروف خارجية من العسير احتمالها والتكيف معها ، وهذا ما يجعله غير قادر على التمييز ما بين الطرفين غير المتجانسين للثنائية ( أخفت رأسها تحت الوسادة التي تشبثت بها بقوة ، لم يكن الرأس واضحاً تحت الركام الهائل من خشب صناديق العتاد والتراب الرطب . ص / 10 ) . وفي حين كانت اللغة ما بين الاثنين في مرحلة الانتقال من الصوت الفموي إلى الحركة الجسدية ، وكانت صدّيقة عبر تلك اللغة تحاول التواصل مع شامل الزوج برفع الوسادة عن واجهة الجسد ( الوجه ) وتمكينه من التعاطي مع رغبتها المتعطشة والحيية ، كان هو بالمقابل قد هيّأ عقله الباطن لاستقبال صورة الوسادة ( الدال ) وربطها بصور الرؤوس والأجساد المدفونة تحت حطام الانفجارات ( المدلول ) ليقتل بذلك رغبته في لحظة تأججها عبر هذا التقابل الإيقوني المبني على علاقة الشبه ما بين الدال والمدلول ، وليبدأ من هذه اللحظة مرحلة الانهيار النفسي والاضطراب السلوكي ( باستجابة مترددة رفعت الوسادة فبانت عينان طافحتان تلصفان بشهوة معطلة ، وبلا تردد رفع اللوح الذي أخفت نهايته السفلى الرأس تماماً ، الرأس الودود الأشهب الصغير ، انكشف رأسها تماماً ، ورفع خشبة الملجأ المنهار بفعل القذيفة المعادية ، كان الجسد الودود مكتملاً ولكن بلا رأس ، والدم يشخب من الوريدين المحزوزين بغزارة تشظي منكسراً مع كرم الشظايا الباطشة ، وأجهش بالبكاء . ص / 10 ) . هكذا انتهت المواجهة ما بين الرغبة والفجيعة بانتصار الثانية ، وهكذا خُتم الفصل الأول من الرواية بعاصفة بكاء عارمة جرفت الزوجين ، دون أن تعرف الزوجة دوافعها ، وظلت تتساءل ( ما الذي حصل ؟ ) .
لقد عاد شامل إلى أسرته من جبهة القتال لا ليستروح في فضاء الأمان ، بل ليعيش فيه الحرب ومآسيها من جديد . ولأن للحياة سردها ، وهي تمليه على من يعيشها ، وتُلزمه بالإصغاء إليه ، لذلك مهما حاول شامل شدّ السرد إلى منطقته المغلقة على أحداث الحرب وأهوالها ، فهناك ثمة منافذ تبقى مفتوحة لتقبل سرديات الحياة المفاجئة والآنية والتي تتغذى من مرويات الشخصيات الأخرى التي لم تُحبس داخل مروية الحرب المغلقة على تداعيات الموت والدمار والتي يتكفل شامل بسردها . فهناك الإبن اليافع أحمد ، والأم الحانية إلى حد القداسة صدّيقة ، والبنت الطفلة سناء ، ولكل منهم مرويته ( باستثناء سناء التي لم يعينها سنها في بناء مرويتها الخاصة ) . وقد ترك وجود الجميع في فضاء الأسرة ظلاً كامداً من مروية الأب المأزوم نفسياً على مروياتهم . بما يجعل من معاناتهم وإخفاقاتهم نتيجة من نتائج الحرب . ولم يقتصر انعكاس الظل الكابي لمروية شامل على أسرته فحسب ، بل امتد خارجها ليشمل علاقته بصديقه رؤوف التي تعرضت للاهتزاز جراء حالة اضطراب شامل النفسي . وظلت مروية جميل إبن عم شامل وزوج أخته وردة الذي استشهد في الفاو ، وجيء بأوصال مقطعة من جثته إلى أسرته ، ظلت مرويته عصية عن تأثير مروية شامل وانعكاساتها ، حالها حال مروية صديقه الشاعر النبيل سلام ، فكلاهما ماتا في حياة شامل ، وقد تركا له إرثاً ثقيلاً من المواجع . بل إن مرويتا جميل وسلام هي التي أثرت في مروية شامل وأكسبتها طابعاً تراجيدياً .
وكما فتحت صورة الوسادة بوابة العقل الباطن لشامل لتستدعي صور الموتى ، عادت الذاكرة المأزومة ( في الفصل الثالث ) تتوسل بصورة أخرى لتتخذ منها مفتاحاً لفتح بوابات العقل الباطن لشامل ، والصورة الجديدة هي صورة الكلاب التي شاهدها تنتهش جثث ضحايا معركة – مجنون – من جنود الطرفين ومن بينها جثة صديقه الشاعر النبيل سلام الذي لطالما سخر من الموت ، وقد ظلت جثته تتأرجح في ذاكرته ما بين مجموعتين من الكلاب ، الأولى هي التي مزقت في أهوار الجنوب جسد صديقه الحميم ، والمجموعة الثانية تلك التي رآها أثناء إجازته الدورية تنزو على بعضها في ساحة كرة القدم التي يلعب فيها إبنه الوحيد ( أحمد ) . وظلت صور كل واحدة من المجموعتين تستدعي صور المجموعة الأخرى ، وصورالمجموعتين معاً تستدعي صورة الجثة الممزقة لصديقه الشهيد سلام ، بينما تحاول اللغة البحث عن صيغة نصيّة تصهر فيها تلك المجاميع الصورية الثلاث بحيث يغدو من العسير فك الاشتباك ما بين الزمان / المكان / الأحداث ( مددت أصابعي المرتجفة ورفعت الخوذة ببطء ، شيئاً فشيئاً بانت الرصعة المحببة على الذقن الممتليء ثم الشاربان الأشهبان الرفيعان والأنف الروماني المدبب . وبحركة واحدة كشف الرجاء البائس ، والتقت عيوننا : عيناي بعيني سلام ، دمعتان حارتان وحارقتان تنزلقان على جانبي أنفه وكفاه متقلصتان في جيبي المعطف السميك ، والكلب الأسود عالق في الكلبة الحمراء ، وحولهما خمسة كلاب أخرى تهرّ، وتنتظر دورها في ساحة كرة القدم الفارغة . ص / 19 ) . ومن الواضح أن مفتاح الإستدعاء في هذا المشهد يختلف عن مفاتيح الإستدعاء الأخرى ، إذ أن كل المشاهد تتشكل من مستويين ، الأول : هو مستوى المشهد المستدعي ( بياء قبلها مكسور ) ، والثاني : هو مستوى المشهد المستدعى ( بألف مقصورة قبلها مفتوح ) . لكن الوضع اختلف في مشهد الكلاب إذ إنه مشكل من مشهدين فرعيين كل واحد منهما يحيل إلى إحدى مجموعتي الكلاب ، ويستدعيها في الوقت ذاته ، هذا من جهة ، ومن جهة أخرى فإن المجموعتين معاً تستدعيان صور جثث الضحايا . اي إن كل مجموعة من الكلاب هي دال للمجموعة الأخرى ( المدلول ) ، ثم تصطف المجموعتان لتشكلان معاً دالاً لمدلول آخر هو جثث الضحايا .
ولكن الكلاب التي يصب عليها شامل جام غضبه لأنها أكلت جثة صديقه تتحول في مكان آخر على لسان رؤوف إلى الصورة النقيض ( سقط الصاروخ على منطقتنا ليلاً ، هُرعنا إلى الملجأ المجاور ، تصوّر نحن نتدافع رجالاً ونساءً من أجل أن ندخل الملجأ بصورة أسرع خلاصاً من الموت ، وإذا بكلب أجرب يتدافع معنا ليحتمي بالملجأ ، تصوّر حتى الكلب لديه غريزة البقاء . ص / 30 ) وتتكرر مشاهد الكلاب ، ولكنها تتخذ أكثر من مظهر .
وما بين المثالين المتطرفين السابقين تتجلى صور الكلاب رمزياً لتطغي عبرها الإيحاءات البهيمية وتعم لتنافس البشر في حياتهم وفي عالمهم ( ألملعب صار للكلاب ، كلاب سود وحمر وبيض مبقعة ، كلاب بقوائم رفيعة أو ممتلئة ، كلاب سلوقية ممصوصة ، أو بيتية مربربة ، كلاب بذيول رفيعة مقوسة إلى الأعلى ، أو عريضة مفروشة بين الساقين ، كلاب بعيون لوزية تلصف بخبث ، أو سود متقيحة يلتصق بزواياها الذباب ، كلاب بألسن مهدولة وكشرة تحمل ابتسامة متحاملة متشفية ، كلاب .. كلاب .. كلاب .ص / 20 ) وتتحول الكلاب في لحظات اشتداد الأزمة النفسية لشامل إلى ميزان للتحكم في علاقاته الحميمة بأسرته وبصديقه رؤوف ، هكذا انفجر به في جلسة السكر حين أفلحت الخمرة أن تنبش ذاكرته المأزومة لتستخرج منها جثة صديقه التي مزقتها الكلاب ( أنت جالس هنا تشرب ، ونحن نموت هناك ، ماذا تعرف عن الموت ؟ قل لي هل رأيت في شوارع – بغداد الجديدة – كلباً يسرط مصران صديقك ، ويسحلها ، وهي تخط خلفه أكثر من مترين . ص / 31 ) وقد ظلت تلك الصورة الوحشية تقض مضجع شامل وتخلخل اتزانه النفسي وتحطم أواصر علاقاته الأسرية في يقظته ، ثم انتقلت الصورة إلى الطبقة العميقة من اللاوعي لتتحول إلى كوابيس تحرمه من هناءة النوم :
( … ثمّ قفز ، ونهش وجهي بمخالبه ، فمزق عيني اليسرى ووصلة من وجهي بعضّة واحدة ، بقر بطني وحاول أن يدخل بوزه فيها ، دفعته بوهن ، وصرخت :
– حرس .. حرس .. حرس
دخل الجندي مسرعاً وهو يسحب أقسام بندقيته ، وبمصباحه اليدوي شاهدني أتلوى على الأرض وأصرخ .. أصرخ .. أصرخ . ص / 83 )
بيد أن دلالات أخرى مغايرة للكلاب سبقت المفتاح الاسترجاعي جاءت في بداية الرواية ، قدم عبرها شامل صورة للكلاب أكثر معقولية وقبولاً حتى من صور بعض البشر ، وبدا وكأنه عبرها يقدم اعتذاره لهذه المخلوقات التي أسيء إليها من خلال إخضاع صورتها لدلالات متناقضة وغير مستقرة . هكذا بدأ شامل يجري مقارناته الفنطازية ما بين الجنسين ( البشر و الكلاب ) مخفياً في طياتها ترجيحه الضمني للجنس الثاني . لكن المقارنة التي تعبر عن رأي شامل ورؤيته جاءت بصيغة ضمير الغائب الذي يحيل إلى شامل ، وعلى لسان الراوي المفارق والعليم ، وكأن شامل أراد توكيل الراوي بالتعبير نيابة عنه لما في مقارنته من حساسية تستبطنها صرخة غضبه الفاجعة ( لم يقرا عن معركة دامت سبعة وأربعين يوماً بين الكلاب ، وسقط فيها خمسون ألف كلب من الجانبين ، وسط الأناشيد الحماسية والهتافات الصاخبة والأوسمة والنياشين . ص / 15 ) . بل يذهب تعاطف شامل مداه الأقصى مع الكلاب حين يشبه إبنه الوحيد ( أحمد ) بالجرو ( … وهذا الجرو الحبيب العزيز – حمودي – ما الذي جرى له ؟ كان حاد الذكاء ثاقبه . ص / 15 ) ، ولكن حين يكبر الإبن ولم تعد صفة الجرو تتوافق مع عمره ، ولا مع أخطائه التي سيُطرد بها من المدرسة ويُساق للخدمة العسكرية ، عندئذ تكبر الصفة أيضاً ، ويصبح في عين أبيه كلباً ( ماذا تقول لهذا الكلب الذي رسب ، وفقد مستقبله ، وسيذهب إلى الجحيم برجليه . ص / 94 ) . وحين يغلق اليأس كل الأبواب بوجه الأب شامل ، لا يبقى للعالم بوجه الأبن سوى بابين لا ثالث لهما ، الباب الأول تحرسه قطعان الكلاب السود ، وبذلك فهو باب مغلق ولا أمل في فتحه ، والباب الثاني تحرسه الأم المريضة والعاجزة عن استعادة إبنها الذي سرقته منها الخدمة العسكرية التي التحق بها ( كيف سيمضي الليالي المظلمات الموحشات تحت القصف ومع الكلاب السود بعيداً عن أمه . ص / 133 ) .
إضافة للنصوص الشعرية الموازية التي سبقت الإشارة إليها ، فالرواية تستعين بمقاطع من نصوص شعرية لشعراء عراقيين وتصهرها في مجرى الأحداث ، ولكن في بعض الأحيان يتحول المقطع الشعري المقتبس إلى مفتاح استدعاء ، مثل مقطع قصيدة الشاعر الراحل ( صاحب الشاهر ) الذي تداخل سردياً مع النص وأصبح جزءاً من فضاء التخييل ، فقد كان بطل الرواية شامل يتذكر المقطع الشعري على أنه من قصيدة لصديقه الشاعر الشهيد ، وإن قرن إسم الشاعر بوصف الشهيد يحيل إلى صديقه الشاعر سلام الذي استشهد في معارك قاطع – مجنون – فليس في الرواية من شاعر شهيد سواه . وبذلك يكون الكاتب قد تعمد إرباك قارئه ما بين شهيدين شاعرين ، الأول شخصية لغوية تخييلية من أبرز شخصيات الرواية هو سلام ، والآخر شخصية واقعية يشير الكاتب إليها – أو إلى مقطع شعري لها – في الهامش وهو الشاعر الشهيد صاحب الشاهر . وما بين المتن والهامش يحق للروائي – ولا يحق لسواه – المزج ما بين التاريخي والتخييلي ويربك قارئَه من أجل أن يقدم له نصاً حافلاً بالمواقف الإنسانية المؤثرة والتشويق . وبعيداً عن ذلك الإرباك المتعمد تخييلياً فالمقطع الشعري يتحول نفسياً إلى مفتاح استدعاء لصورة الإبن الوحيد والجميل والبهي – أحمد – أو على العكس تتحول صورة الإبن إلى مفتاح استدعاء للمقطع الشعري ، فكل مفتاح من الإثنين ( ألمقطع الشعري / صورة الإبن ) يفتح بوابة العقل الباطن للأب ليستدعي منها المفتاح الآخر :
( غابَ يا قريتي ناحِلاً
عَادَ يا قريَتي ناحِلاً
كلّ عافيةِ النهرِ كانتْ بِهِ . ص / 25 )
هذا ، ويستعين الكاتب بتقنية ماتريوشكا السردية – أي قصة داخل قصة حسب التسمية التي اعتمدها ماريو بارغاس لوسا في إحدى رسائله بكتابه ( رسائل إلى روائي شاب ) ، يستعين بها لشغل الفصل ( 15 ) بكامله ، فقد خصص له قصة قصيرة عنوانها ( الطائر العجيب ) كان قد كتبها بطل الرواية شامل ، وسلمها لصديقه ومعلمه الشاعر سلام يطلب رأيه فيها ، لكن الأخير دفعها دون علم صاحبها للنشر في سلوك يعبر عن الاعجاب بالقصة ، فنُشرت في صحيفة واسعة الانتشار . ومن الواضح أن ألبنية الحكائية للقصة مستقلة بالتمام عن البنية الحكائية للرواية فليس هناك من اشتراك بينهما سواء في الأحداث أو الشخصيات ، ولكن إطار القصة العام يتداخل مع إطار الرواية من حيث أن كلا الإطارين يتناولان موضوعة الحرب من زاويتين مختلفتين ، فالرواية تتناولها من جانبها الكارثي ، بينما تتحدث القصة عن طائر وجد أمنه وسلامه داخل أجمة في الأرض الحرام الساخنة دوماً بفعل قذائف الطرفين التي نادراً ما تهدأ . وبالرغم من أن القصة جاءت في سياق تذكر شامل لصديقه الرائع الشهيد سلام وتعداد مآثره ، وأفضاله على أصدقائه ، ومن بين تلك الأفضال تشجيعه لشامل على القراءة وتنمية موهبته في الكتابة . إلا أن وظيفة أخرى كان يضمرها النص القصصي القصير ، وهي وظيفة مفتاح الإستدعاء ، فبطل القصة القصيرة هو خلاف أغلب أبطال القصص في تلك المرحلة الحربية من تاريخ القص العراقي الذين كانوا ينتمون إلى صنف مؤدلج وخارق وفوق المستوى الطبيعي من أبطال الإعلام الحربي . إنه ينتمي إلى جنس الحيوان وإلى صنف الطيور تحديداً . وتلك المخلوقات تمارس الحياة بغريزية لا تعرف معنى البطولة ، لا بالمفهوم البشري العفوي ولا بالمفهوم الدعائي الأيدلوجي المفتعل ، وإن تحميل الطائر العجيب أية ملامح أسطورية أو إضفاء سمات رمزية على دوره تضعه في مواجهة ظروف الحرب المحتدمة سيُفقد القصة معقوليتها ويجردها من عفويتها ، ويحولها إلى تهريج دعائي يخدم الأهداف الرسمية للحرب التي تحاشاها الكاتب بحيادية واضحة . ولذلك ، أو ربما لذلك جاءت موضوعة الطائر العجيب في القصة لتتحول لدى كاتبها شامل إلى مفتاح استرجاع يفتح به طبقات عقله الباطن ليستخرج منها صورة مركبة من مستويين ، في المستوى الأول يستدعي المفتاح / الطائر صورة الإبن الوحيد – أحمد – الذي لطالما طلب من أبيه أن يجلب له طائراً ، وفي المستوى الثاني فإن صفات الطائر العجيبة التي تلزمة بعدم مبارحة أجمته في منطقة حربية مشتعلة تستدعي شروط الإبن التعجيزية بأن يكون الطائر ( كبيراً بمواصفات خيالية لا وجود لها إلا في عالمه الطفولي الجميل وخياله الخصب الواسع والساحر . ص / 60 ) .
أما دور الشهيد سلام ، فإنه لم يقتصر إبداعياً على حث شامل لتنمية موهبته الكتابية وتشجيعه لاستخراج قصة واحدة من بطن الدمية ماتريوشكا وتخصيص الفصل ( 15 ) من الرواية بكامله لها ، بل إن سلام نفسه تطوع لأن يستخرج من بطن ماتريوشكا نصاً تنظيرياً شغل الفصل ( 17 ) من الرواية وأسماه ( سوريالية عراقية ) وعرّفه بعبارة لافتة تقدمت العنوان ( نص في الأذى ) وتبع العنوان بإسمه مقروناً بتعريف شخصي ( بقلم : سلام عمر علي / شاعر عراقي احتياط ) ويبدو التعريف مرتبكاً ، فكلمة ( احتياط ) بحاجة للتوضيح ، وإلا فإنها بوضعها الحالي صفة للشاعر وليست للجندي كما يُفترض أن تكون .
وتتخذ المقالة إطارها التنظيري من رأي وصفه كاتبها سلام بأنه ساذج كان قد أبداه أستاذ أكاديمي في قصة عن الحرب ذات منحى سريالي كتبها القاص سعدي عوض الزيدي . ومن الملاحظ على المقالة إنها :
1 – تحاول القراءة في مسارين :
ألمسار الأول : قراءة السريالية كنص تاريخي ونفسي في وقت واحد ، وتحاول إيجاد المسوغات النفسية التي تجعل من الحياة ومن الحرب ممارسات سريالية .
ألمسار الثاني : وعبره تقدم المقالة قراءة نفسية لقصة الكاتب سعدي عوض الزيدي وتحاول فهم النص من خلال تفكيك آلية الانعكاس التي تجعل من النص مرآة لما يحيط به ، أو تجعل من النص السريالي مرآة لواقع غير خاضع لقوانين المنطق العقلي ، وبذلك تكون المقالة قد سوغت المنحى السريالي للأدب الذي يكتب في الظروف التي تضع الناس في مواجهة الموت مباشرة وبما يعرض توازنهم النفسي والعقلي للاختلال ، وخير مثال على تلك الظروف الاستثنائية هي ظروف الحروب .
2 – تلاشي الفاصل ما بين الواقعي والتخييلي بإدخال شخصية واقعية عراقية ( الكاتب الزيدي ) وأراء ونصوص داعمة لشخصيات أدبية عراقية وعربية ، وشخصيات فكرية عالمية ، إدخالها في مجال كتابة المتخيل ( الشاعر سلام ) مما أدى إلى تداخل المنطقتين ليصبح الواقعي تخييلياً وبذلك تحرر من الحساسية التي انطوت عليها رسالته ، وهي رسالة ذات هدفين ، الأول للدفاع ، والثاني للإدانة ، دفاع عن السريالية ، وإدانة من يعارضها .
3 – ليست هناك من نقطة إلتقاء ما بين الرواية والمقالة ، فكل نص من الإثنين ينتمي إلى نسق ثقافي له منهجيته وأسلوبه ، وإن تذويب نص عقلي في بنية حكائية هو محاولة لتوسيع أفق الكتابة ومدّه باتجاه منطقة النقد العصيّة على التطويع سردياً ، ويبدو الكاتب في ذلك يريد أن يلتمس الأعذار لانحراف بوصلته باتجاه السريالية أكثر مما هي محاولة للدفاع عن وجة نظر الكاتب الزيدي ( حسب المقالة ) . وبالعموم فكلا المبدعين ( الروائي والكاتب الزيدي ) يخوضان في تجربة الكتابة عن الحرب من وجهتي نظر متقاربتين .
بيد أن مفاتيح الاستدعاء الدالة لا تكشف دائماً مدلولاتها ، بل تكشفها القراءة العميقة لسابق النص ، كما أن تلك المفاتيح لا تأتي دائماً مفردة فتستدعي حادثة واحدة ، إذ قد تأتي المفاتيح ومستدعياتها مركبة في أكثر من مشهد وصورة ، فحادثة أيفاء النذر في الفصل ( 25 ) تنطوي على مفاتيح مركبة ومضمرة مبثوثة في طيات الأحداث السابقة ، فأمام مشهد البطن المبقور للكبش المذبوح / النُذُر والذي تبرز منه كتلة المصران المزرقة ، كانت حالة من الاضطراب تعصف بذاكرة شامل وتُهيّؤها لاستدعاء مشاهد غائبة وربطها بالمشهد الحاضر ، وفي محاولة لقطع خيوط الذاكرة ، وتأجيل أو إلغاء استحضار المشاهد الغائبة كان شامل يشغل نفسه بقراءة جريدة ، بينما كانت الصدفة على نقيض من هذه المحاولة تعدّ لربط خيوط الذاكرة وتدوير مفاتيح الاسترجاع من أجل استدعاء الصور الغائبة مجموعة في سلسلة فجائعية مترابطة ، فإذا بالصفحة الأولى من الجريدة التي همّ بقراءتها مليئة بصور لجثث جنود العدو ، وإذا بباب البيت الذي نساه أثناء القراءة موارباً يدخل منه كلبان أطبقا بأنيابهما على كتلة مصران الذبيحة ( ص / 94 ) . ومن الواضح أن هذا المشهد تضمن ثلاثة مفاتيح استدعاء :
ألمفتاح الأول : تمثله صور جثث ضحايا العدو في الجريدة التي استدعت صورة الإبن الذي يستعد بعد فشله في الدراسة للالتحاق بالجبهة الساخنة ليكون مرشح القدر للانضمام إلى صور جثث الضحايا .
ألمفتاح الثاني : تمثله صورة البطن المبقور للكبش المذبوح التي استدعت صورة صديقه الشهيد سلام الذي وجد بطنه مبقوراً ووجدت أحشاؤه خارجه . وهذا المفتاح يلتقي بالمفتاح الثالث ويُكمل معه الصورة التي يستدعيانها معاً .
ألمفتاح الثالث : يمثله مشهد الكلبين اللذين تسللا إلى داخل البيت وأطبقا بأنيابهما على كتلة المصران ، وراحا يجرانها . وهذا المشهد استدعى صورة الكلاب السود التي شاهدها شامل تنهش الأحشاء من جثة صديقه الشهيد سلام .
ومن الملاحظ أن الكاتب ترك دوال المفاتيح الثلاثة دون أن يربطها بمدلولات مستدعياتها ، وقد تكررت حالة إطلاق الدال دون ربطه بمدلوله ، أو حالة مفاتيح الاستدعاء دون ذكر مستدعياتها مرة أخرى ، فخلال فترة انتظاره في عيادة الطبيب النفسي كان يقلب بعض الصحف والمجلات ويطلع على ما فيها من صور وأخبار ، كان بعض تلك الصور وبعض تلك الأخبار يمثل مفاتيح استدعاء لصور الماضي الموجعة دون أن يربط دال تلك المفاتيح بمدلول مستدعياتها تاركاً للقاريء مهمة الفتح والربط والاستدعاء ( ممثلة فاتنة ترتدي معطف فراء أسود وتشدّ خصرها بحبل مرقط يتدلى على جانبها ، شعرَ بالضيق ، ألحبل المتدلي والخصر المبقور . ص / 97 ) ومن الواضح أن الشعور بالضيق ليس شعوراً طارئاً ، وإن الفرو الأسود ، والحبل المتدلي ، والخصر المربوط بحبل متدلّ ما هي إلا مفاتيح استدعاء لصور غائبة كشفت عنها حالة الشعور المفاجيء بالضيق . وتتكرر حالة عدم الربط ما بين دال المفاتيح ومدلول مستدعياتها بعد ذلك مباشرة عندما بدأ شامل يكشف للطبيب النفساني أعراض أزمته النفسية وانعكاساتها على حالته السلوكية . وفي سياق ذلك جاء على ذكر طرده للقصاب لأنه سحب مصران الكبش / النذر وألقاه أمامه بإهمال بيد أنه لم يشأ أن يذكر للطبيب ألدافع الذي أغضبه في ذلك التصرّف ، والذكرى الأليمة التي ترتبط به بالرغم من طلب الطبيب ذلك منه ( تحشرج صوته ، وشعر بحصاة ضخمة وباردة تسدّ لهاته ، وبدموعه تنزل دون سيطرته الواعية . ص / 99 ) . وبذلك يكون الكاتب قد ترك للقاريء فرصة أن يمارس دور المحلل النفسي ، ويوجد الرابط ما بين حالة شامل النفسية المضطربة وهو يقف في مواجهة تلك المشاهد / المفاتيح وما بين ذكرياته الموجعة التي كانت قد أماطت عنها اللثام فصول الرواية .
وباستشهاد سلام ، وانطواء صفحته من حياة شامل كان القدر يستعد لإعادة كتابة ذات الصفحة مع تغييرات طفيفة جداً ، فبدل شامل العسكري في قاطع – مجنون – سيكون بطل الصفحة الجديدة إبنه أحمد الذي إلتحق جندياً في بنجوين ، أما الشاعر الشهيد سلام فسيعوض دوره أحد الجنود القدامى وهو شاعر وإسمه سلام أيضاً . وكما كان سلام الشهيد يأخذ بيد الأب شامل ، ويرشده ويعلمه ويفتح موهبته على الكتابة وحب الأدب ، صار الجندي القديم يأخذ بيد الإبن أحمد المستجد في الخدمة العسكرية ، ويرشده ، ويفتح موهبته على عالم الكتابة وحب الأدب ، ويصحح مسودات قصصه الأولى ويدفعها للنشر . وبذلك تستعيد الرواية نفسها مستفيدة من لعبة التاريخ الذي يُعيد نفسه ، في تأكيد على أن دورة الحياة لا تتوقف .
وبينما كانت الرواية تستعيد نفسها عبر مروية الإبن أحمد وصديقه الشاعر سلام ، كان كل أبطالها يستعدون للغياب وبضمنهم الإبن أحمد ، ففي طريقه إلى قاطع مجنون للقاء الأب واستصحابه معه إلى البيت في بغداد ، كان الأب شامل في طريقه إلى بنجوين للقاء الإبن واستصحابه معه إلى البيت ، وفي منتصف الطريق كانت الصدفة تنصب شراكها للإثنين ليموتا في وقتين متقاربين وفي مكانين متباعدين جراء انفجارات القذائف . بينما كانت الزوجة والأم صدّيقة القدّيسة الحنون مستغرقة في صلواتها بانتظار عودتهما ، وهي في الرمق الأخير ما بين الحياة والموت بعد أن تمكن منها السرطان الخبيث ، وبذلك تكون البنت الوحيدة الباقية الطفلة سناء تستعد لتوديع حياة الدعة والحنان واستقبال حياتها الجديدة القاسية في ظل اليُتم .

( * ) ما بعد الجحيم – حسين سرمك حسن – منشورات إتحاد الكتاب العرب – دمشق – سلسلة الرواية ( 5 ) سنة 2008

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

شوقي كريم حسن: عبد العظيم فنجان… الشعر حين يمتهن الجمال!!

*محنة الشعر الشعر العراقي منذ بداياته الانشائية الاولى ارتباطه الوثيق بالمؤدلجات التي امتهنت التبشير واذابت …

أنشطارات السرد في(1958) للروائي ضياء الخالدي
مقداد مسعود

الرواية لا تنتظم في حيز عنوانها بل تنفتح على مديات من تاريخنا العراقي ويرافق الانفتاح …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *