محبرة الخليقة (15) : تحليل ديوان “المحبرة” للمبدع الكبير “جوزف حرب”

hussein sarmak 8د. حسين سرمك حسن
بغداد المحروسة
2012 – 2013
ملاحظة : حلقات من كتاب للكاتب سوف يصدر عن دار ضفاف (الشارقة/بغداد) قريباً .

وهكذا في حركةِ تناوب محيّر ومؤلم يعبّر عن القلق وهيمان الرغبات المكبوتة الدفينة تأتي استجابات الشاعر متناقضة في صعود وهبوط ، وفي إقبال وإدبار ، وتقديس وتدنيس ، وسطوة وانكسار ، يحكم طاقتها الصراعية قوّة وضغط شحنتي التضاد العاطفي . فبعد هذه الفورة الأوديبية تنكسر الموجة النرجسية الجامحة ليعود لائذا من سهام الفناء بأذيال قوة الأم / الأرض ، الربّة المطلقة ، معترفاً بأنه جنينها وخبز معجزتها ، لكن يبدو – وكأن الأمر عبارة عن توازنات طاقة فيزيائية – أن اضمحلال طاقة الشحنة السلبية ، يؤجج طاقة الشحنة الإيجابية لتنهض موجتها الجامحة وتتسيّد ، وتدفع الشاعر إلى أن يدعو أمّه الأرض من جديد ، لتأتي وترتّب له عريَ جسدها ، فهي امرأته التي سترتب له بيته ، بيت شيح الغابات المفتوح على المطر . ولكن يبدو أنه قد أحس هذه المرّة أن لا مفرّ .. وأن الرحيل إلى الدرب الذي لا عودة منه كما يسمّيه السومريون محتوم ، ولا بدّ من الإستجابة لندائه الفاجع مهما كانت درجة رفضنا وخوفنا . فيقرّر الرحيل بكرامة ، وحتى في هذا الرحيل هو بحاجة سافرة لعون أمّه / الأرض الكريمة الحنون ، ستصمّم له رحيل إله إبنٍ مخلوع إذا ساغ الوصف ، تحفّ به الشموع في درب السواد الذي لا ذكريات فيه ولا أبواب .. ولا عودة :
(……… تعاليْ
رتّبي سفري .
تعالي ،
وافتحي أرجوحتي وغناءكِ البحريّ .
ها قدْ شعّ قنديلُ الغروبِ
فرتبي نومي .
وإنّكِ ربّتي ، وأنا المحمّلُ بالشموعِ ،
فرتّبي روحي .
ويا
أرضُ ، اغمريني للصباحِ ، فإنّ صوتاً
من بعيدٍ بي يناديني :
لقد
هبّتْ
رياحُ
الراحلينَ ،
وإنّكَ مبحرٌ معنا لأسودنا الذي
لا ذكرياتَ بهِ ، ولا ابوابَ فيهِ ،
ولا حنينَ ،
ولسنا من هناكَ
بعائدينْ . – ص 103 و104 ) .
jozif 6ولكن هل تنتهي حكاية الإبن والأرض / الأم عند هذا الحدّ من التسليم السلبي بنداء الرحيل النهائي ، والإستجابة المذعنة له بلا حول ولا قوّة ؟ أمن أجل هذه النهاية المحتومة والبائسة نؤسطر ونحتج ونثور ونسخط على المثكل ؟ ألكي نقرّ بانتصار الفناء علينا أن نداور بقهر هذه المداورة العجيبة المضنية التي تُسمّى الحياة ؟
قد يقرّ هذا شعورنا المسكين ، لكن هذا ما لا يقرّه لاشعورنا المؤمن برسوخ بخلوده وعصيانه على الفناء ؟ (ففي داخل كلّ إنسان منا يعيش إنسان عصور ما قبل التاريخ داخل لاشعورنا دون أيّ تغيير .. هذا الإنسان الذي كان موقفه متميّزاً للغاية إزاء الموت . ولقد كان موقفاً بعيداً عن التماسك ، وكان حقّاً موقفاً متناقضاً . فهو من ناحية كان يأخذ الموت مأخذ الجدّ ويدركه على اعتبار أنه ختام الحياة ، وكان يستخدمه لهذه الغاية ، ومن ناحية أخرى فأنه كان يُنكر الموت ويردّه إلى عدم .. وهو في الشقّ الثاني من موقفه يعبّر عن طبيعة لاشعورنا الذي لا يعتقد بموته هو ، إنّه يسلك كما لو كان خالداً . وما نسمّيه (لاشعور) – أي الطبقات الأعمق من عقولنا التي تتكون من الحوافز الغريزية – لا يعرف شيئاً أيّاً كان عن السلبيات أو المنفيات – فالمتناقضات تتوافق فيه – ومن ثمّ لا يعرف شيئاً أيّا كان عن موته هو ، لأننا لا نستطيع أن نعطي هذا الموت إلاّ معنى سالباً . وينشأ من هذا أنه ليس بين الغرائز التي نملكها غريزة مستعدة للإعتقاد بالموت – ص ) (21) .
ولعلّ هذا هو الذي يفسّر التناوب الصارخ والموجع في موقف الشاعر من التسليم بالرحيل عن الأم الأرض ، ورفضه ، ورغبته الساحقة في أن (يظلّ بغير موت) (ص 96) . لكنه مات الآن ، وراح بعيداً في “الأسود” الذي لا رجعة منه . ولكن لاشعوره الذي هو بدائي بطبيعته لا يقرّ بهذا المصير أبدا . فقضيّة الظفر بحياة مجيدة بعد الموت تبدو نكتة في نظر اللاشعور . ولهذا لم يقتنع “أنكيدو” ابداً بما قاله له الإله “شمش” عن امتيازات ما بعد الموت :
(جلجامش سيجعل أهل أوروك يبكون حزناً عليك
وسيمتليء الناس السعداء حزناً عليك ) (22) .
وعاد ليحلم حلما مروّعاً عن الكيفية التي يخطفه فيها ملك الموت ويقوده إلى “بيت الظلمة” المرعب . كما يمكننا أن نتذكر إجابة روح “أخيل” على “أوديسيوس” :
(في الماضي ، في أثناء الحياة على الأرض ، كنّا نبجلك لا أقل من إله / نحن الأخيليين . والآن في مملكة الموتى فإننا نبجلك كملك ، فهنا أنت تحكم . إذن ، فلماذا يتعيّن أن يحزنك الموت ، أخيل ؟
هكذا تكلمتُ ، عندئذٍ أجابني على الفور ، لا تتكلّم برفق عن الموت ، أتوسّل إليك أي أوديسيوس الشهير ، الأفضل كثيراً أن تظلّ على الأرض كعبدٍ للآخر ، حتى ولو لرجل لا نصيب له ، حظّه من حق الحياة ضئيل ، من أن تحكم ملكاً أوحد على مملكة أشباح بلا أجساد ) (23) .
وعليه لا يمكن أن يقرّ لاشعور الشاعر بموته الشخصي على الإطلاق ، بالرغم من أنه اذعن في النهاية لقرار الفناء ، والتمس من أمّه / الأرض أن ترتّب روحه ، وتشيّعه بالشموع إلى أسْوَد اللاعودة . وها هي ردة فعل لاشعوره تأتي في صورة “رؤيا” تعويضية هائلة الأبعاد حيث ينهض من نومه استجابة لهاتف يأمره بأن يقوم ويضطلع بمسؤولياته التي نُذر لها ، لأنه غير منذور للنوم ولا للزوال ، وكلاهما شكلان للموت ، الأول وجيز والثاني أبدي . إنه من سيقود الأرض الأم ، ويفكّ أسرار هذا الكون العنيدة ليصبح عارفه الوحيد ، سيصير إبناً بمرتبة إله :
kh jozef 3( هي
الرؤيا ، وقد سطعت ، ولاح لمسمعي
من راح يهتفُ :
قمْ .
فلا للنومِ أنتَ أو الزوالِ . وإنما أنتَ
الذي سيقودُ هذي الأرضَ مكتشفاً عناصرها ، ومنطلقاً
إلى الكونِ البعيدِ تفكُّ منْ أسرارهِ ما سوف يجعلُ
منكَ عارفهُ الوحيدَ ، كمثلِ معرفةِ المصلّي بالغروبِ ،
وراحة البحّار في صنع الزوارقِ – ص 104 و105) .
ولو تنبّهت إلى الصورتين الأخيرتين : (كمثل معرفة المصلّي بالغروب) ، (وراحة البحّارِ في صنعِ الزوارق) ، فستجد أننا قد عدنا إلى شيء من ربكة البداية في نصّ الأرض هذا ، ونحن الآن على مشارف ختام رحلته . حتى الموسيقى صارت شاحبة قليلاً قريبة من دائرة الروح السجعية :
( سوفَ تُقبلُ نحوكَ
الأشجارْ ،
على أكتافها قطعُ
الغمامِ
جرارْ ،
وقربَ ظلالها تمشي بأحذيةٍ لها
شكلُ الحصى
الأنهارْ ، – ص 105) .
وكلا الحالتين : الصورة العاديّة والموسيقى الشاحبة ، لا تمتّان بصلة لجوزف حرب المقندر حين يكون ملتحماً بنصّه وضائعاً في عوالمه ، من دون خلخلة تصيب لاشعوره فتوقظه على حقيقة فنائه الشخصي الصادمة المشوّشة ، وتشعره بمدى تناقض رؤياه مع ما مقدّر له فعلاً وقسراً ، وبرغم إرادة الإنبعاث والقيام ، وتذكّره بأنه قد قال كثيراً ما لم يفعل ، وهام الشاعر طويلاً في وادي رؤى الخلود والتجدّد والإنبعاث الذي فرشه له الشعر :
( ويأتي من قراه القمح ، والعصفور ،
والحقلُ الفتيُّ بزيّه الورقيّ (…)
ضفدعُ الدفلى ،
سيمشي كلّ بركانٍ
بجبّةِ راهبٍ .
وتجيء ناسيةً دفوف الخصرِ راقصةَ
الزلازلِ . كلُّ سرٍّ في العناصرِ
سوف
يأتي . – ص 106) .
ولكن من عادة لاوعينا أن يمضي بعزم لتحقيق ثأره خصوصاً حين يكون الشعور الذي يروضّه عادة منجرحا هو بدوره ، ولهذا فهو لم يعد يسمع غير الهتاف المنعش : (قمْ) ؛ هتافٌ يدعوه إلى أن ينظر إلى موكبه الكوني الذي اعتاد على قيادته وانطلق به من قبل إلى الشمس والقمر . لكن الموكب الكوني لن ينطلق الآن إلى أي جهة ليتسلّم منها صولجاناً أو تاجاً كما حصل في النصّين السابقين ، لقد أتاه مبايعاً هذه المرّة .. القمح والحقول والمطر والشموس والأرض والبحر والليل والنهار استعدوا لاستقباله الملكي ، ولن يطلقوا النشيد العظيم إلى أيّ من الخلائق مثلما حصل من قبل ، بل له وحده ، فقد تأكّدوا من أنّه هو “العارف” الذي سيفكّ اسرار وجودهم . وبما أنه قد تسلّم ، سابقاً ، صولجان الحقيقة من الشمس ، وتاجها من القمر ، فهو الآن في “عيد الجلوس” ليُنصّبَ على عرش الحقيقة ، إلهاً بتزكية أمٍّ وشهادتها ، وهي أصدق وأعظم الشهادات قاطبة ، خصوصاً حينما تكون هذه الأم هي الأرض ، أمّنا العظيمة الحنون المعطاء :
(قمْ .
قد جاءكَ البحرُ الذي ألقى على أكتافهِ ذا اللازوَردَ ،
وحمّل الأمواجَ من أنوالِ ساحلهِ
صناديقَ الياضِ،
ورافقتهُ الريحُ في
فمها نشيدُ الأفقِ ، والاعماقُ في يدها كتابُ الملحِ .
وانظرْ . إنّها الأرضُ ارتدتْ
قمصانها الخضرَ الوريقهْ ، (…)
فقمْ يا
سيّدَ الأرضِ الحكيمَ ، الأرضُ
في عيدِ الجلوسِ ، فقمْ ، تقدّم نحوها ،
واجلسْ
على عرشِ الخليقهْ . – ص 107 و108) .
.. ثمّ يأتي “نصّ العاقل” وهو النص الأخير من “رباعية الخليقة” ، والذي يستهله الشاعر بالقول :
(أيا منْ دواتكَ حبرُ رياحِكَ ،
والقلمُ المصطفى
ريشُ عصفورتكْ ،
نصوصُكَ ليستْ على
صورتكْ- ص 109) .
ولا يسعفك عنوان النصّ بأي إضاءة بسيطة للمقبل من عتمات النصّ ، بل يربكك ، فقد تناولت النصوص الثلاثة السابقة ثلاث كواكب جامدة وغير عاقلة الشاعر هو الذي أنسنها وأضفى عليها العقل والحكمة وهي : الشمس والقمر والأرض ، وها هو يتحول بنا إلى “العاقل” بصورة مباشرة ، عاقلٌ هو شاعرٌ أيضاً لديه دواة من حبر الرياح وقلم مصطفى من ريش العصفورة . لكنّ مشكلته – وجوزف ينقّح هنا وينقد – أن نصوصه ليست على صورته . وهي ملاحظة شديدة العمق من ناحية قصّة الخليقة التي “يحكيها” لنا الشاعر ، ومن ناحية العملية الشعريّة ، وسوف يبيّن لنا الشاعر أهمّيتها ، ففي البيت الثالث من هذا النص يكشف الشاعر طبيعة المُخاطب ، هو شاعر الغمامات الستّ ، الله ، الذي يضعنا إنجازه الشعري في موقف محيّر ، فهو “الكلمة” التي سُطّر بها الخلق في تلك القصائد ، ثم اختفى من حيث آثاره في خلقه . فالشاعر يُعرف من نصوصه وفيها ، ويبقى مستقلّ الوجود بعدها . لكنّ أيّاً من الخلائق نتاج النصوص لم يأت على صورة منشئه . مثلما لم تبقِ آثاره منه شيئا يُتعرّف عليه من خلاله . وهو خلل كبيرٌ في البدايات كما يؤشر ذلك الشاعر . وعليه فعلامَ احتفاء البدايات هذا :
( فما أنتَ إلاّ الذي في غماماتكِ
الستِّ . لم يبقَ شيءٌ يسمّونهُ انتَ خارجَ هذي
القصائدِ .
إنّكَ ملحٌ
وذبتُ بريشةِ مائكَ .
لا يومَ كي تستريحَ لكي يغتدي
سابعاً . إنّه خللٌ في البداياتِ . فامحُ المغنّينَ
والراقصاتِ ، وردّ لتلكَ الجرارِ
المعتّقَ
من خمرتِكْ .
نصوصكَ ليستْ على
صورتِكْ . – ص 110) .

شاهد أيضاً

محمد الكريم: ما تجلّى في العتمةِ
(1) ذبابة ورجل

إهداء عرفاناً.. إلى الأديب الراحل عبد الهادي الفرطوسي محمد ذبابة ورجل تتجمع الحروف كسرب طيور …

حوارات مع أديب الأطفال المبدع الكبير “طلال حسن” (14)

إشارة: بين وقت وآخر يتحفنا المبدع الكبير “طلال حسن” بنتاج إبداعي جديد في مجال أدب …

ثامر الحاج أمين: سيرة وجع عراقي- محطات في التجربة الحياتية والابداعية للشاعر علي الشباني (1) (ملف/7)

إشارة: ببالغ الاعتزاز والتقدير، تبدأ أسرة موقع الناقد العراقي بنشر فصول كتاب الناقد والموثِّق البارع …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *