د. حسين سرمك حسن : مظفر النواب : (18) حداثة الرمزية الجنسية في قصيدة “زفّة شناشيل”

hussein sarmak 5في مجال البهجة الكونية والسُكرة العراقية “العالمية” هناك قصيدة مهمة جداً ، من بين قصائد كثيرة ، هي ” زفّة شناشيل ” التي تكتسب أهميتها من أن الشاعر لم يوسّع فضاء الابتهاج والفرح لينطلق في آفاق الطبيعة المنفتحة والمتوهجة ، يلتحم بها وتنسرب روحه في أوصالها كما فعل في قصائده السابقة التي أشرنا إليها ، بل نجده هنا ” يضغط ” الكون ومباهج الطبيعة و” يحصرها ” في حجرة صغيرة ، حجرة عشق ختل فيها مع حبيبته التي يمهد لخلوته معها بوصف حركة زفّة تمر في الشارع :
( زفّة شناشيل مرّت بالعگد …
والدف يرشرش فرح ..
والدشداشة گمره .. )
وهنا ، في هذا الاستهلال يتجلى جانب كبير من العبقرية النوابية تحدثنا عنه في مواضع سابقة ، لكنه يتجسد هنا بصورة صارخة مدروسة وموحية على مستويات متعددة ، ويتمثل في الحس الحروفي الدقيق الذي يظهر هنا في أعلى مستوياته في استخدام حرف ” الشين ” ، نحن في زفّة يتدافع فيه الأحبة المحتفون ، وتتنافس فيها الألوان ، وتتعالى فيها الأصوات ، فلا يجد طريقة للتعبير عنها سوى أنها ” زفّة شناشيل ” ، يصدح فيها الدف الذي لو تنبهنا إلى طبيعته الإيقاعية والصوتية لوجدناه فعلا ” يرشرش ” ألحانه ، والصورة تتحمل ، بل هي مصوغة وفق هذا التصور ، النظر إلى فعل الدف مثلما ننظر إلى الطريقة التي يرش بها ماء الورد على المحتفين . إن صخب الزفّة هو ” شين ” النفس المنفلتة من قيود الضوابط اليومية القاهرة ، وسوف نرى أن القصيدة كعالم مضغوط من الفرح الغامر تقوم على المفردات التي تضم حرف ” الشين ” ، فهو عمودها الفقري . ولا أتردد بعد شوط التحليل الطويل مع نصوص مظفر في القول : أن ” القصدية ” النوّابية التي تقف
وراء كل حرف ، كل كلمة ، كل حركة ، كل صورة مهما كانت بسيطة ، اختارت – حتى لو كانت لا تدري لأننا ننطلق من حقيقة أن لاشعور الشاعر هو شعوره – أن تشبّه الدشداشة بالقمر المكتمل – مفردة ” الگمرة ” العامية تعني شدة سطوع القمر واكتماله الدائري – ، لكي تتوافق بنيتها الدائرية مع الدف المدوّر . ولكن في هذه القصيدة هناك لعبة إيهام يمكن أن نسمّيها ” لعبة الإيهام النوّابية ” وهي سمة ثورية من سمات منجزه لأن الشاعر القديم قبله كان حريصا على ميثاق شرف الوضوح وصرامة سرد الوقائع مع القاريء بصورة تسلسلية ” أمينة ” يحسب فيها السبب المنطقي المفضي إلى نتيجة منطقية . وسبق للنواب أن استخدم تقنية الإيهام هذه في قصائد كثيرة أخرى ، لكن ليس بمثل هذه ” القسوة ” والبلاغة . الشاعر يتحدث عن زفّة تجري في الشارع – العگد ، بصيغة المراقب المنفصل على الأقل عن صخب الحركة وتلاطم الحشد ، وكأنه يقف لـ ” يصوّر ” ، ويصف بصيغة الغائب – ولا اعتقد أن اللغة موفقة هنا وقادرة على التعبير لأن الضمير يبدو وكأنه مخاطب والزفة حاضرة أمام عيني الشاعر فكيف هي ” غائبة ” – لكنه ينتقل إلى مخاطبة حبيبته :
mothaffar 9( وگلبچ كليچة تمر ..
والحنّة تركضلچ .. اگبالچ
تفرش السجّادة خضره )
– ولاحظ تلاحق المفردات التي تضم الجيم المعطشة : گلبچ ، كليچه ، تركضلچ ، اگبالچ – أي أن الراوي الراصد وأنثاه لا علاقة مباشرة لهما بالزفّة ، لكنه يخلق صورة موازية للزفّة ؛ له ولحبيبته ، متحدثا بضميرهما المشترك :
( واحنه عصفورين …
لمّينه الوكت .. حجرة عرس
والنومه يمّچ دفو حضره … )
هذه الصورة تدفع لعبة الإيهام والتمويه خطوة أبعد ، حين يستذكر الشاعر كثافة هموم الماضي القريب الخانقة ، حيث يتسيّد حرف ” الشين ” من جديد على هامة البيت القصير الذي يضعنا فيه الشاعر أمام تصوير نادر لما هو مجرّد ؛ الهمّ ، الذي حوّله إلى مطر تزخّه الدنيا على رؤوس المحبين ، فينبري العاشق لحماية رأس حبيبته من ضرباته :
( شكثر زخّت همّ أمس …
واركضت شمسية عشگ .. )
يذكرني هذا البيت بصورة أشد قساوة قالها صديقي الشاعر الراحل – مات منتحرا – عبد الصاحب الضويري :
بعيد الماي وآنه بعمر الورود عنّي وردت أشوف غيوم باچر
بس يا حيف باچر يمطر حجار
أتذكرها لأن صاحب – المتأخر تأريخيا عن النواب والذي يحاول الإقتداء به فنيا – كان يقول أن هذه الصورة من عطايا المعلم مظفّر النواب . هكذا سمّم النواب أجواء الشعر العامي فأنعشها ، ومن سمومه هو امتصاص رحيق المفردة وإلقاؤها قشرة حروفية خاوية كما قلت ، وقد وصفت جهده التوليدي في الدراسة السابقة عن قصيدة ” حچام ” بأنه جهد سيزيفي لغوي يحمل حجارة المفردة ليضعها على قمتها الدلالية والتصويرية العالية ثم يعود بها إلى الأسفل ويصعد بها من جديد ، ليضعها على قمة دلالية جديدة وهكذا . لكنني أجد أن هناك وصفا أشد تعبيرا عن حالة النوّاب في هذا المجال وهو صورة سيزيف التي رسمتها البوذية الصينية لسيزيف الأغريقي – وانظر إلى الفرق الهائل بين عقليتين – حيث تصوّره شخصا يكسر الحجارة ويبكي ، فتسقط دموعه على الأرض متحوّلة إلى حجارة ، فيكسرها ويبكي . النواب تنطبق عليه حالة سيزيف الصيني هذا ؛ فهو يحب المفردة ويبكي حين يقشّرها . يعود الشاعر إلى استخدام مفردة التكثير “اشكثر” :
( اشكثر دگّت ايدي …
بنهيدچ البرحي …
واشتعل جدّ العثگ … )
والفعل ” دگّت ” شائع بين الشباب في العراق لتصوير الروح التحرّشية التي تحصل على اشباعها وكأنها تنغرز في لحم النهد اللدن العصي المعاند ، وخصوصا في صخب الالتحام في فوضى حركة الأسواق .. وهذه الحبيبة التي نهدها مجبول من ثمرة ” البرحي ” – وهما متشابهان كبنية عضوية تقريبا – وهو ألذ أنواع التمور العراقية على الإطلاق ، الذي يضعه العراقيون في قدح الشاي بدل السكّر أحيانا ، والتي وضعها الشاعر العاشق لبّاً لقلب حبيبته : ” گلبچ كليچة تمر .. ” هي التي يتحدث عنها العاشق – لاحظ حظوة حرف ” الشين ” في حديث الناقد أيضا – . وتـأتي الشتيمة ” الإيجابية ” : ” واشتعل جدّ العثگ ” لتعبّر عن أقصى مستويات شهقة اللذة وحرارة الإنبهار المصاحب للإشباع المراوغ . وهنا يستخدم النواب مفردات للتشبيه مستلة من مكونات النخلة وصفاتها ، ومن المؤكد أن القاريء لا يتساءل عن المعنى الرمزي الدفين لـ ” العثگ ” ، والأوسع هو مغزى اجتماع القمر والبرحي والكليچه والنار والمشمش والقنطرة والماء والنهر …. إلخ مع حبيبين في حجرة العرس . الشاعر يجعل القاريء يذوب متعة ونشوة وكلاهما – الشاعر والمتلقي – يشتركان في عملية يبعدها الكبت عن عبور حاجز الرقابة والدخول إلى ساحة الشعور ، لكن الرغبة تلوب وتُشبع على المستوى اللاشعوري مستترة تحت أغطية اللعب الجمالي ” البريئة ” الرائعة . أتحدث تحديدا عن الرمزية الجنسية . و ( أريد أن أستشهد هنا بنص طويل لـ ” فلورنوا الابن ” ويزيد هذا النص عمّا تعارف الناس عليه في الاستشهاد ، ولكنه بدا لي أن من المستحيل قطعه وفيه من أسلوب التفكير وطريقة العمل ما يستحق معهما أن يُعرف : كان فلورنوا يدرس في مقال عنوانه ” سيفا أندروجين – civa androgyne صورا مختلفة تمثل ألوهية هندية والأشياء المستخدمة لعبادتها ، وقد أوّل ذلك كله تأويلا جنسيا . وعندما أنهى دراسته شعر بالحاجة إلى تسويغ تعليله فسوّغه بالكلمات التالية : ” ما هي الفائدة في العثور على دلالة جنسية مفردة أو مضاعفة لمختلف أوصاف ( سيفا ) ورموزها ؟ ولمَ – إذا كنا باتجاه صورة متخيلة – كصورة نهر يتفجر من شعر الرأس – لمَ لا نكتفي باعتبارها مجرد ابتكار خيالي ولا نبحث عن أكثر من ذلك ؟ وهل هنالك معنى ما في إقامة علائق غير متوقعة تجرح شعور الناس بالجانب الفيزيولوجي الفج فيها ؟ وعدا ذلك فإذا نحن وصلنا إلى نتائج من هذا الموضوع ، أفليس تحليلنا نفسه هو kh mothaffar 1الذي يشوّه الموضوع المحلّل بدلا من أن يجعله أقرب إلى الفهم ؟ ونحن نقبل ولاشك – أن الخيال وحده يمكن أن يخلق كل شيء ، حتى الأساطير والأعمال الفنية واللوحات العجيبة جدا . ولكن ملكة التخيل هذه ، مع ذلك ، جزء لا يتجزأ من الإنسان ، بمعنى أن على العناصر التي تعمل فيها أن تكون بشكل أو بآخر مستعارة من مجال التجربة الإنسانية . ويحاول جهدنا التحليلي أن يكتشف هذه العناصر الأساسية ، على أن تكون أبسط العناصر الممكنة على الرغم من التغيرات العديدة التي أضافها الخيال الجمعي والفردي . وليسمح لي حبّا بالوضوح في أن أقدم أيضا بعض الأمثلة المشخصة البسيطة جدا ، إنها قد تجرح – ولاريب – بفجاجتها ولكنها تجعلنا أقدر على فهم ما نريد . فالنهر الذي يسقي الهند ويخصبها يخرج من شعر ( سيفا ) . إن هذه فكرة خرافية واضحة – ولنقل أسطورة – ومن جهة أخرى فإنه توجد في ( بروكسل ) عين ماء معروفة جدا باسم ( مانكن – بيس ) يجري ماؤها من الطرق الطبيعية لغلام يبدو عليه أنه يتبول . إن هاتين الحالتين تشتملان على فكرة أساسية مشتركة منها استوحى رجل الفن عمله : أي إخراج السائل من الجسم الإنساني . ولكن أي هاتين الحالتين تعبر عن الفكرة بأقل تشويه ممكن ؟ فمتى رأى الرسام أو الشاعر الهندي أن الماء يتدفق من شعر امرأة ؟ إنهما لم يريا ذلك أبدا،فيما أظن – وأقرب ملاحظة إلى أسطورتهما استطاعا القيام بها – شعوريا أو لاشعوريا – ثم حرّفا فيها كما شاء لهما الهوى ، عندما أنشئا عملهما الفني – لا يسعها أن تختلف اختلافا كبيرا عن ملاحظة مهندس عين ماء ( بروكسل ) . وإذا نظرنا إلى ( سيفا ) من حيث أنه إله الطاقات الخلاقة والمنعم الكبير بالحياة والمعبود على صورة الـ ( لينغا ) ومطلق مياه الغانج المخصبة من ضفيرة شعرها فإننا نستطيع أن نتساءل عما إذا كان الخيال المبدع – عندما أخرج السيل المقدس من شعر ( سيفا ) – لم يموّه بكل بساطة فكرة ما وراء ذلك هي أوضح وأقرب إلى الفهم . وفي إحدى متاحف الآثار يوجد قطعة موزاييك فاجرة تمثل رجلا يقذف بذارا غزيرا – هذا ما يقوم به الإله ( إنكي ) وهو يقذف منيه في نهر الفرات في أحد الأساطير السومرية ، الناقد – وقد عبر النحّات هنا بشكل فج ومن دون أي لف أو دوران عن فكرة القوة الخلاقة ، لكن الأسطورة الهندية – على العكس – تفجر المياه من شعر ( سيفا ) . فأي هذين التعبيرين ينبغي اعتباره الأكثر بدائية والأعرق أصلا ؟ وأيهما تلقى التمويه والتحريف ؟ أهو ذاك الذي يثير التقزّز إلى الدرجة التي تغرينا بمدافعته وكبته أم هو الآخر ؟ ولنضرب مثلا أخيرا : إننا نلاحظ في أجد وجوه ( سيفا ) أن الخيال الاسطوري يُخرج مخلوقا صغيرا من رأس الإله الخنثى . وتلك واحدة من هذه الولادات ( اللاتناسلية ) على مثال تلك التي تُعزى لحوّاء لدى خروجها من أحد ضلوع آدم . فهل نرتكب خطأ إذا نحن اعتقدنا أن وراء هذه الأساطير عنصرا أجنبيا مكبوتا ؟ وهل أتاحت التجربة الإنسانية يوما ما بأن يخرج إنسان جديد من جمجمة أو ضلع ؟ ولئن وصل الخيال إلى تصورات خرافية إلى هذا الحد ، أفليس الأصح أن نرى فيها غاية الطريق – أي إنضاجا ثانويا – بدلا من أن تكون بدايته ؟ إن هذه الامثلة القليلة تكفي لجعلنا نفهم لماذا يبدو لنا أن من المشروع – في دائرة العلم الموثوق – ردّ التعابير الرمزية إلى دلالاتها الأبسط والأقرب إلى الطبيعة والبحث عن نقطة البداية فيها – مهما تكن مبتذلة – حتى لو جرحت أحاسيسنا ؟ إن هذا المبدأ يبقى هو هو سواء أطبّق على الفن أو على الخرافات أو على أي نتاج خيالي مرضي أو عبقري إذا نحن حاولنا – النفاذ إلى سرّه واكتشاف ما وراء تعقيده . وقد لا يكون ضروريا أن بحثا من هذا النوع لا ينطوي على أية فائدة ولا على أي خطر يختلفان عمّا ينطوي عليهما أي بحث علمي آخر . والحق أني لم أعثر في أي مكان على نص يوضح لنا بصورة أفضل روح التحليل النفسي الفرويدي . ولا يزيد ( فلورنوا ) على أن يعود من جديد إلى موضوعة التجريبيين الأولى : لا شيء في العقل لم يوجد قبل ذلك في الحواس . وقد كانت أمثلته واضحة جدا ، وسواء كانت الصورة تمثل رأس امرأة يخرج من جمجمة ( سيفا ) أو كانت – إذا شئنا – ( مينرفا ) التي تولد من رأس ( جوبيتر ) فأي معنى لهذه الاسطورة ؟ إن كلمة ( المعنى ) هنا يمكن أن تُفهم بصورتين : فقد تعني الصورة : إما هذا الشيء الذي تتجه إليه ، أي ( الأثر ) بالمعنى الواسع ، أو المفهوم المقبل الذي سيصدر عنها ، وأما بالعكس هذا الشيء الذي تُشتق هي منه ، أي سببها أو الإحساس الذي تصدر عنه . أما من وجهة النظر التركيبية أو الغائية فإن ولادة ( منيرفا ) تعني أو تدل على الأصل الإلهي للحكمة . وأما من وجهة النظر التحليلية أو السببية أو الإرجاعية ، فإنها انتقال للولادة من الأدنى إلى الأعلى ، أي من الفرج إلى الرأس . ويصر التحليل النفسي إصرارا كبيرا على أن المشروط هو إشارة للشرط ويطلب إلى المعترضين عليه ما إذا كان في وسعهم أن يتخيلوا لحظة واحدة أن فكرة الولادة ( اللاتناسلية ) يمكن أن تكون هي البدائية أو ألا تكون مشروطة بفكرة الولادة التناسلية . ونحن ندرك وفق قواعد التحليل النفسي أن الحلم في ما يرى ( فرويد ) ليس بإشارة إلى موضوعه المزعوم ، بل هو إشارة إلى أسبابه . وهذا هو المبدأ الذي يطبقه الدكتور ( فلورنوا ) على تأويل الأسطورة .. ) ( 4 ) . كان هذا الاقتباس طويلا لكنه ضروري جدا لاستيعاب جانب مهم من جوانب الثورة النوابية والذي يتمثل في تفعيل الرمزية الحسّية – الجنسيّة في بنية القصيدة العامية لغة وصورا . هنا يتجلى المكر النوابي في أبهى صوره جلالا وهيبة . فالشاعر إذ يمعن في تعزيز تجانس الصورة الشعرية ؛ فهناك التمر ، البرحي ، والعثگ ، وكلها مستلة من النخلة فإنه ” يمرّر ” الحفزات الشهوية خلف أستار الرمزية الشعرية التي تبدو ” متعادلة ” و ” محايدة ” . ومن عادة مظفر أن يجعل الركيزة التي يتأسس عليها فعله الشعري من حرفين أو ثلاثة تتكرر في مفردات القصيدة ، وهي هنا : الشين والكاف الفارسية والجيم المعطّشة ، ولو راجعنا الوقع الموسيقي لكل حرف ، ومصدره من التركيبة العضوية التي ينتجها الحلق ، لوجدنا أنها أحرف تنطلق من “مناطق” متجاورة قريبة أو بعيدة من اللهاة ، وكلها توصل إلى حالة من ” إشاعة ” الهمس وتحويله إلى زفة ” شناشيل ” حروفية مضخمة . هذا اللعب الحروفي يتعكز وقتيا على الجيم المعطشة التي لا تخل ببنيان البيت اللغوي ، والأهم النفسي ، لأنها تحمي الشحنة اللذّية نفسها وتسخّنها ، فالجيم المعطشة ، تعني الاستعادة وإعادة الاحتضان ، فعكس ما يتصوره بعض الحروفيين من أن هذه ( الچيم ) تفلت وتنطلق من أسار ممكنات الحركة العضوية ، ولهذا نجدها تقابل الشين المنطلقة المرشرشة والمنفتحة إلى الخارج ، إلى الفضاء الحبي الواسع ، إنها ( ترشرش ) في الداخل ، فتلهب حرقة عالم الداخل ، المعزّز بـ”چ” الإصرار الرغائبي والوقفة الملتهبة والإلحاح النفسي ، والـ “چ ” هذه يجعلها مظفر جزءا من عملية تأجيج النار ، اشتعالة النار هي بدء معاند على الجيم المعطشة :
( نار بمرايه شيكمشچ ؟ ,,
من أجيلچ
أنطبج آني ولهيبچ
نحترگ
طعمه ، يا برحيّة الله
وعنگچ معيبر گمر … )
إن الإقتباس الطويل الذي قدّمناه يجد تطبيقه الحي في الصورة التي يرسمها الشاعر لحبيبته كشعلة نار في مرآة .. يعز الإمساك بها ، هكذا يتساءل الشاعر ” ببراءة ” حائرا في الكيفية التي يظفر بها بالمعشوقة ، لكنه سرعان ما يشخّص ” الإلتحام ” المتمنى – وهذا ” الإبعاد ” جزء من لعبة الإيهام – من خلال تصوير ما سيفعله بها حين ” يأتي ” إليها حيث سيحترق مع ” لهيبها ” – أين يكمن ” لهيب ” المعشوقة الذي سيحترق ” معه ” العاشق ؟ وفي حركتين شعريّتين تحرّشيتين : ” النومه يمّج دفو حضره ” و ” برحيّة الله ” يعيد إلى أذهاننا الدهشة التي يؤججها الشاعر ” المارق ” .. الشاعر هو الذي يجرأ على أن ” يسمّي ” الأشياء ” الملتبسة ” بأسمائها الشعرية التي نخشاها عادة بفعل الإرادة المهادنة . ( فمن بعد أن خلق الله آدم من ” تراب الأرض ” ، وبعد أن جعل مقامه في جنة إلى الشرق من عدن ، تابع خلق جميع حيوانات الحقل وجميع طيور السماء ، وجعلها تحضر أمام آدم ليرى كيف يمكن له أن يسمّيها ؛ فالاسم الذي جعله آدم لكل كائن حي ، أصبح هو اسمه . ولقد حيّر هذا التعامل المثير للفضول الراسخين ، على مدى قرون مديدة . فهل كان آدم موجودا في مكان كل شيء فيه لا اسم له ، وأن عليه بالتالي ابتكار الأسماء للأشياء والكائنات التي هي أمام ناظريه ؟ أم أن الدواب والطيور التي خلقها الله كان لها دون أدنى جدال أسماء يُفترض بأن آدم يعرفها ، وأن عليه أن ينطق بها كالطفل الذي يرى كلبا أو يرى القمر لاول مرّة ؟ ) ( 5 ) . وأعتقد أن الجواب الشافي لتساؤل ” ألبرتو مانغويل ” المحيّر هذا هو أن آدم ” سمّى ” الأشياء لأنه شاعر ، هو أول شاعر ” تورّط ” الله في خلقه ، أول من سمّى كل شيء من الموجودات في الكون ، وأوّل من ” اخترع ” اللغة كان شاعرا ، وهو العراقي السومري الأول الذي انحدر من صلبه مظفر . وحين تسمّي فأنك تمتلك إمكانات خلق .. تصبح إلها .. ولهذا ” مرق ” آدم في الجنة لأنه اكتشف المعنى الرمزي الدفين لاسم ” شجرة المعرفة ” – وليس عفوا أن من معاني الفعل ” عرف ” في اللغة المواقعة الجنسية – ، فبعد أن ” عرف ” آدم الأسماء ، ” تعرّف ” إلى حوّائه ، معشوقته رغم وجود السلطة الكونية المعاقبة فوق رأسه ، أحسّ أن وجود إلهين في الجنة أمر مستحيل . يقول نابليون : ” قائد سيء واحد ، أفضل من قائدين جيدين ” ، وتحكي إحدى الأساطير الإغريقية عن شخص مات لأن إلهين أحبّاه !!. ومظفر من نمط هذا الشخص الممتحن مع فارق أن أكثر من إلهين أحبّوه . وهي تورية عن القدرة التعرّضية لدى الشاعر على أن ” يُسمّي ” الأشياء ” بأسمائها ، وخصوصا كشف الأصل الجنسي للمسمّيات المخاتلة :
( وآنه فارش حضني .. أنطر
بلكي نسمة ليل تلعب بيچ ..
وتصيرين حصتي
وگبل ما تملي شليلي …
وگلبچ أيام المطر … )
نعود الآن إلى لعبة الإيهام ، مراوحة بين الإبعاد اللامبرّر ، والتقريب الموغل في الإفراط . لقد انكشفت خدعة : ” إحنه عصفورين .. لمّينه الوكت حجرة عرس … والنومة يمّچ دفو حضره ” ، فلم نعد تأسرنا ” دگة ” يد الشاعر بنهد حبيبته ، مادام قد تعرّى من فروسيته الجنسية وظهر الآن وهو يتوسل بالنسمة الليلية كي تتلاعب برغبات الحبيبة العصيّة على المنال وتلقيها في أحضانه . لكن الشاعر الذي ” يُسمّي ” بقدرة إله يتلاعب بنا من جديد حين يتحدث عن زفّة الشناشيل وكأننا نبدأ من نقطة صفر الشهوة بعد أن سار بنا ، مغيّبين ، في طريق متاهة طويل نسبيا – ليس أطول من الإقتباس التوضيحي الذي قدمناه – خدعنا أنفسنا فيه بالإشباع الخادع ، خادع لكنه منعش ومفعم بالغبطة :
( زفّة شناشيل …
وآنه وياچ …
ختّيله بحجرة النوم
مخاديد ودواشگ .. وظلمة …
الظلمة حلوه …
الظلمه ما تترك أثر .. )
إننا في هذه الرجعة نكون كمن يمارس مرحلة ” اللذة التمهيدية ” التي تسبق ” اللذة النهائية ” في العملية الجنسية ، ولكن بصيغة مضافة ومضاعفة رغم جوهرها ” التكراري ” السرّاني الذي يجري عادة من وراء أستار ظلمة الرغبة المسمومة . لكننا أُدخلنا الآن – بتعمد الشاعر – في مركز دائرة المشهد المكشوف ، نحن مع الشاعر وحبيبته وهما يختلان في حجرة النوم .. هذه العودة التي قد تبدو حركة فنّية بسيطة ، هي في حقيقتها تعبير عن سمة من بين أهم سمات الثورة النوابية وتتمثل في المسار السردي اللولبي الذي اخترعه الشاعر .

شاهد أيضاً

في التقويل الشعري
في نصوص الشاعر الشعبي العراقي فلاح السيد
كتابة : علاء حمد – العراق

إشارة : أمام هذا النشاط الثر والمُثقل بالأطروحات الجديدة للناقد العراقي المبدع “علاء حمد” لابُدّ …

أحمد إبراهيم الدسوقى: الشغالة مس شوجره (قصيدة عاميه)

قاعد فـ بيتى باشرب قهوة مِــــــــــــسكره قوم لقيت الشغالة مس شــــــــــــوجره   بتبصلى بعين قوية …

نايف عبوش: الحنين إلى الماضي في ثقافتنا الشعبية .. متلازمة فرط استذكار أم تواصل عضوي مع جذور النشأة

توصف الثقافة العربية التقليدية بأنها ثقافة طللية من الجاهلية إلى اليوم.ولكن ذلك قد لا يعني …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *