حوار الشاعر وديع شامخ مع الشاعر باسم فرات: ثرثرة فوق جثة الموت…

حوار ل” سركون بولص” لمناسبة  رحيله الى مدينة أين.

وديع شامخ “أستراليا –بيرث ”  … باسم فرات  “اليابان –هيروشيما”

مهاد

بعد ان انحسرت مياه الطوفان … طار الرجل الساكن في سفينة  نوح  الى” مدينة أين” .. طالبا النوم  الأبدي والعميق بعد رحلة زمنية  تجاوزت ستة عقود بقليل  . مرّ خلالها بقار المدن ونفطها .. بعبيرها ودهشتها.. من كركوك الى بغداد  .. ومن بيروت  الى أمريكا ..ومن  هناك  من برلين كان لابد  للموت أن يقف دقيقة حداد على الراهب العراقي …. سركون، الذي  رحلّ في أوانه تماما  كما أرى .. بعد ان طوّق عنقه طائر الشعر وانهكه نزيف  المصائر البشرية وهي تترى  الى ذات الجب ..   بموت هذا الطائر .. كثر النوح على جنازته ، وعلا دويّ الصراخ  على  “لحافه الدافئ كثيرا”.   ارادوا ان يمطوا أرجلهم  ودموعهم  بهذا الكائن  الأنساني ، الوسيم ،الخجول ، بهذا الشاعر  الذي لم يحتفل بالمراثي ..
وما بين صادق في الحزن و مجامل وكاتب عزاءات ، وما بين سركون ومعنى الاحتفاء بقامته، وما بين حاملي مباخر الموتى دائما .. أردنا ان نحتفي بسركون بطريقة مختلفة ..  باسم فرات وأنا ..
كانت دموع باسم فرات تنهمر من هيروشيما مشيّعة شاعراً عراقياًً  عاش في سان  فرانسيسكو ومات في برلين!.
كنّا على “الماسنجر” ، باسم يبكي.. وانا رفعت كأسَ نبيذٍ  أحمرَ يليق بصحة سركون ، وثرثرنا على جثة الموت .. وثرثرنا على قامة سركون شعراً  وهمسنا  بأحاديثه الشخصية  ..  وقد غرزتُ سنارتي في ذكريات باسم  مع سركون،  فكنت اطارد بوحهما  .. وأحتفي بشاعر يستحق الحياة  والموت معا  .

،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،
وديع: شاع في المشهد الثقافي العراقي  –وياللأسف-طقس تذكّر الموتى من الادباء والشعراء والمثقفين،وليس موت سركون سوى واحد من حلقة هذه المأساة أو الملهاة..لقد قيل الكثير بعد موت الراحل وتبارى الجميع”بدون استثناء”لترسيخ” ثقافة المراثي”! وليس آخرهم سعدي يوسف في شهادته عن سركون الذي يقول عنه -الشاعر العراقي الوحيد-هل لديك ماتقوله  بهذا الخصوص  ؟
باسم: هذا هو حالنا، فنحن نتجاهل بعضنا بعضاً  بل ربما لانلتفت او نحارب الآخر ولكن حين يموت يصبح الكل مرتبطاً بصداقة وبذكريات مع الراحل والذي يتحول فجأة الى كبير وفقيد الادب،وأنا واثق ان بعض من كتب عن سركون لم يقرأوه جيداً بل بعضهم كتب ان اسمه الوثني المسيحي يثير الخيال وهناك من كتب ان ملبسه واناقته وعدم جديته المصطنعة في الصور هي ما اثارتهم،ولكن اين سركون من هذا؟ بكل تأكيد لست أعني من يرتبط بعلاقة ثقافية واجتماعية او ثقافية فقط مع سركون ولكني أعني من لم يكن يرى فيه سوى شاعر بسيط يقلد الشعر الأنكلوسكسوني عموماً والأمريكي خصوصاً،وكانوا يرددون هذا في حياته واذا بهم يكتبون عنه بحميمية بعد وفاته ولنترك للقرّاء ان يضعوا مصطلحاً يليق بهؤلاء،وكم كنت أتمنى ان ينتبه النقد لهذا الشاعر ويعطيه حقه في حياته.

أما عن الشاعر سعدي يوسف فالأمر يختلف هنا ،حيث تربطه علاقة حميمة بسركون ولهم ذكريات كثيرة  وطالما حدثني سركون عن سعدي الشاعر والانسان،بحميمية، بل ان أحد مشاريع سركون المستقبلية كانت دراسة عن السياب وسعدي وقد ذكر لي هذا اكثر من مرة وحين اخبرته برأيي بالسياب وسعدي،شعرت بفرحه وعبر لي عن سعادته بلهجته العراقية المحببة ولازمته التي يكررها دائما :”لا..ما معقول..ما معقول..جميل جميل” وحين أغلقت الهاتف ورحت استعرض المكالمة وجدت نفسي أردد:”كم أنت عظيم ياسركون فانت تكبرني بربع قرن تقريباً وتركت العراق حين ولادتي وحققتَ منجزاً يحسدك عليه كل شاعر،وحين اخبرك اني انظر لتجربتيْ السياب وسعدي كما تنظر لهما،تفرح وكأنك اصغر مني سنا ً،ووجدت فيّ متفقاً مع رأيك وذائقتك،فعلا أنت عميق وعميق جدا ياسركون”،أما إذا كان سعدي وصف سركون بالشاعر العراقي الوحيد،فهذا رأيه الشخصي، وأنا ً لا اؤمن بالاطلاقات فلايوجد الشاعر الأوحد وأمير الشعراء وشاعر العرب الأكبر وعميد الادب وعميد المسرح.. الخ،هذه اطلاقات لا تتفق وفهمي للثقافة.
وديع : لاحظنا شهادة مهمة لسركون عن تجربتك الشعرية عبر كتابة كلمة الغلاف  لمجموعتك الثالثة “انا ثانية “، والمعروف ان سركون لم يكتب مثل هذه الشهادة عن شاعر شاب ، كيف حصل هذا ، هل من اضاءة لعلاقتك بسركون انسانيا وابداعيا؟
باسم :  ترجع علاقتي بأسد آشور(هكذا كان صحبه ينادوه وبالذات مؤيد الراوي وأنور الغساني)،الى النصف الاول من الثمانينات،حين تعرفت عن طريق الكتب والمجلات الادبية على جماعة كركوك،-وان قيل رب ضارة نافعة -،فهي تنطبق هنا على سوء إدارة الدار الوطنية للنشر والتوزيع فبفضل سوء توزيعها تنام الكتب والمجلات في مخازنها ، وفي معارض الكتب التي كانت تقيمها الدار تستخرج ما في  مستودعاتها من كتب ومجلات ، وهي التي منحتني الفرصة على إقتناء كتب ومجلات قديمة قد طبعت في السبعينات ومطلع الثمانينات وهنا تعرفت على الشاعر سركون بولص من ضمن جماعة كركوك والتي أراها مجموعة كبيرة العدد  ولكن مثلها مثل أي جماعة لايمكن ان يبرز جميع اعضائها ، فمنهم من يغيّر مساره ومنهم من يتعبه الطريق، فيفضل ان يكون أباً ناجحاً بمقاييس المجتمع ومنهم من لا تساعده موهبته لأنها لاتنمو معه ،ثم كانت زيارته للعراق عام 1986 ان لم تخني الذاكرة لحضور مهرجان المربد،فكان لقاؤنا  في كربلاء مع عتب على زيارته حيث كنّا نرى ان النظام السابق يستفيد من الذين يدعوهم اعلامياً،وهكذا بقيت صلتي به من خلال متابعتي لجماعة كركوك وازداد اهتمامي به في نيوزلندا لسببين، الاول :حين تعرفت على الصديق الشاعر صباح خطاب ووجدت عنده “الأول والتالي ، وانفرادات الشعر العراقي الجديد”،وكان قد جلبهما معه من باكستان مع كتب اخرى كان قد ارسلها له الشاعر والناشر خالد المعالي،وهذا ما سمح لي ان أكوّن فكرة افضل عن شعر سركون بولص من خلال هذين الكتابين ، والسبب الثاني:هو نتيجة لمشروع قراءتي لتاريخ العراق بكل عصوره وتنوعه اللغوي والديني والمذهبي والمناطقي،مما منحني تفهماً أكثر لإبداع سركون بولص وخلفياته ، هذه المعرفة التي ازدادت كثيراً من خلال مكالماتنا الهاتفية التي تجاوزت الثلاثين ساعة ،خلال عامين.
وديع:   تكلمت عن الجانب الابداعي في علاقتك بسركون، هل تتذكر اول مكالمة شخصية معه  وما هي مناسبتها ، وما هو شعورك بهذه المهاتفة؟
باسم:    نعم اتذكر… فقد كانت  أول مرة هاتفت فيها سركون بولص،كانت يوم الأحد 15 /4/2001 حين اتصلت هاتفياً بالروائي العراقي ومحرر موقع كيكا  صموئيل شمعون وكان في برلين،فقال لي بجانبي سركون بولص هل تريد ان تتحدث معه فتحدثنا وشعرت من نبرة كلامه بتواضع جم،وطفولة ،توضحت عندي أكثر حين بدأت سلسلة اتصالاتنا الهاتفية.ولم أكلّمه حتى خريف 2005 حين زودني صموئيل شمعون مشكوراً برقم هاتفه وعنوانه،وكم كانت مفاجأتي كبيرة حين عرفني مباشرة ولم يكتف بهذا بل هو من بادر ذاكراً مكالمتنا الهاتفية الأولى قبل أكثر من أربعة أعوام ونصف كما وجدته متابعاً جيداً لما ينشرمما سهّل عليّ ان أسأله عن  إمكانية كتابة كلمة لغلاف ديواني “أنا ثانية ً”واني سوف ارسله له فان وجد فيه ما يستحق ان يضع سركون بولص اسمه وكلمته عليه وهذا يسعدني، ،مؤكداً له اني لااخلط  بين الاجتماعي والشعري،فما كان من الرجل الا ان قال لي:انني متابع للساحة الشعرية بشكل جيد وأقرأ للجميع ومتابع لما تنشر،ارسلها ياباسم،وسوف اطّلع عليها،شعرت انها ليست موافقة نهائية وان الرجل يريد الاطلاع على المخطوطة لكي يقرر وفعلا أرسلتها عبر البريد الافتراضي (الأيميل)وفي ذات اليوم أرسلت له نسخة من “خريف المآذن” ونسخة من المجموعة الانكليزية الأولى “هنا وهناك” ،وبعد سبعة أيام هاتفته وكان الوقت عندنا ظهرا وعندهم ليلاً للتأكد من وصول الطرد،ويالها من صدفة جميلة حيث اخبرني ان المجموعتين وصلتا اليوم ، وانه قضى يومه هذا مستمتعاً بقراءتهما  وأثنى على الترجمة ، خصوصاً وان معظم نصوص خريف المآذن موجودة في هنا وهناك وهذا ما دفعه للمقارنة بين النصين العربي والانكليزي كما قال وشكرني كثيراً، حيث ان وصول “خريف المآذن” ورقياً وقبلها “أنا ثانية ً” افتراضياً منحته الفرصة للاطلاع على التجربة بشكل جيد وحينها وعدني انه سوف يكتب وخلال بضعة ايام يرسل لي كلمة الغلاف.
تصور قامة شعرية كسركون بولص يشكرك قائلا بالحرف الواحد:”أشكرك ..لقد قضيت اليوم كله مستمتعاً بقراءة شعرك”،واذا عبرت عن اعجابك بشعره يشعر بالاحراج والخجل حتى اني كنت اشعر به من خلال الهاتف،حين قلت رأيي بشعره،والذي أدونه الآن والرجل غاب عن عالمنا ،حيث أرى فيه قامة شعرية عالمية وشعره الأقرب الى نفسي من الآخرين.

وديع :  ما هو تقديرك  لدور جماعة كركوك في المشهد الابداعي العراقي عامة ؟ وماهو دور سركون بولص تحديدا في حركة  التحديث الشعري العراقي ، ومن ثم ما هو تأثيره على  تجربتك  شخصيا … ؟
باسم: جماعة كركوك مهمة عربياً وليس عراقياً فقط وهي تضّم  فعلاً خيرة الأسماء الادبية عربياً،كما علينا أن لانغفل ان للجماعة دوراً وطنيّاً كبيراً ربما اكبر من دور الكثير من الاحزاب السياسية ألا وهو كونهم الدليل القاطع على ان الاحزاب القومية في العراق بجميع لغاتها ماهي الا احزاب شوفينية عنصرية إلغائية وخصوصاً التي تدعي أحقيتها بكركوك بينما كركوك هي عراق مصغر جميل وجماعة كركوك هي البرهان الواقعي والادبي والعلمي على ان كركوك ليست لأحد،وما كتابتهم بالعربية رغم تنوع خلفياتهم اللغوية إلا التأكيد على مانذهب إليه،ومما يؤسف له ان السياسيين العراقيين لم ينتبهوا لهذه النقطة لجهلهم بالتاريخ والادب،أما الادباء فلجهلهم بالتاريخ.
بكل تأكيد ان سركون بولص هو أحد أهم مبدعي هذه الجماعة ولقد استطاع أن يُطوّر من امكانياته الشعرية بالقراءة والسفر والتأمل وسوف اختصر لك دوره بحكاية جرت له شخصياً رواها لي، وهي: حين وصل الى بيروت وفي جلسة ضمّته مع يوسف الخال وأدونيس واخرين قال لأدونيس: “ان في العراق شعراء يقلدونك ولقد اقترحت عليهم بدل ان يتعبوا أنفسهم بالكتابة ان يقصوا قصائدك ويلصقونها على أوراقهم”،انتهى مااخبرني بها سركون،وهذه الحادثة او الحكاية ان دلت فانما تدلّ على وعي سركون المُبكر للحداثة،فهو لم يكن صدى لغيره،ولقد حفر بعيداً في تحديث القصيدة الحرة،وأقول القصيدة الحرة ولا أقول قصيدة النثر،لأنه كان يرفض تسمية ما يكتب بقصيدة النثر،ويدعوها بالقصيدة الحرة،هذه القصيدة الخالية من البلاغة العربية وفخامة الجملة، وتحمل أوزانها الخاصة المتحررة من هيمنة اوزان الخليل والتي تستحق ان نطلق عليها “بالشَرَكية”،فهي تنصب الفخاخ لمن لايعي الحداثة وعياً ناضجاً وعميقاً،  ولهذا ليس من المستغرب ان ينظر له البعض على انه مجرّد حكّاء بينما أرى ان دوره من أكبر الأدوار أهمية ً في فتح آفاق واسعة أمام الحداثة الشعرية العربية، فهو أحد الذين هبطوا بالشعر العربي من ابراجه العاجية وازال عنه أصباغه الرديئة، فسركون بولص  مع قلة قليلة ممن سبقه وجايله ولحقه فتحوا لنا أبواب الحداثة والتجديد ولكنه لم يكن الوحيد والأ وحد،حيث لايوجد في الشعر من يحمل مشعل الحداثة لوحده.
وديع: لم يعط “كافكا” أية أهمية للنقاش الدائر في حقبته حول الشكل الأدبي الذي يجب أن يتخذه الإبداع … فلم يكتب بأنه يفضل الرواية على القصة القصة القصيرة او القصة القصيرة على الشعر.. بل كان يكتب وكان يتوقف عندما يرى أن الأسطر التي كتبها كافية، وأن ما مكتوب أمامه أخذ استقلاليته ؛ بمناسبة حديثك عن رفض سركون لمصطلح قصيدة النثر- وهو ما يشاركه اخرون كثر في هذا الرأي وأنا واحد منهم- ، تعرضت الى ذكر” القصيدة الشركية” هل لك ان توضح أكثر فيما تعنيه في هذا التوصيف الجديد ؟
باسم: عنيت بالقصيدة الشَرَكية ،هي التي يظنها البعض على انها مجرد حكي  وان كاتبها حكّاء او حكواتي،ولكنها في الحقيقية  عميقة جداً،هي التي تصطاد القارئ وتربكه قبل ان يصطادها، قصيدة خالية من بهرجة البلاغة العربية القديمة ولكنها تصنع بلاغتها كما تصنع موسيقاها وأوزانها الخاصة.  وأول من مَثلَ هذا النموذج هو سعدي يوسف وان كان سعدي التزم أوزان الخليل،ولكن سركون بولص ذهب الى مديات أبعد وأعمق في عالم هذه القصيدة خصوصاً وان قصيدته استطاعت إيجاد أوزانها الخاصة والتي هي ميزة سركونية كما يذهب الى ذلك كاظم جهاد،ولكن يبقى الابداع الشعري هو الأهم بغض النظر عن التسميات،وللتذكير فأن القصيدة الشَرَكية تزداد منزلقاتها نتيجة لأن الكثير من القراء يتصورونها سهلة للغاية والحقيقة عكس هذا،ولقد قرأت لشعراء كثيرين يكتبون بهذه الطريقة ونصوص بعضهم فعلاً تستحق الشفقة ولكن الادهى ان هؤلاء جميعاً نسبوا الى شعراء اخرين وليس الى سركون بولص،اعني قُدموا على انهم متأثرون بشاعر اخر او اكثر غير سركون  وأرى ان هذه القصيدة عراقية بامتياز.

وديع :أرى أن تجربة سركون الشعرية تختلف كلياً عن مسارِكَ الشعري في مجموعَتيكَ ،كيف تفهم موضوع العلاقة بين شاعر وأخر على مستوى التأثير،وهل أن التشابه الشكلي بينكما بوصفكما تركتما العراق وخضتما غمار المغامرات من بلد الى آخر، أنتَ استقريت في هيروشيما وسركون  في سان فرانسيسكو؟ هل كانت علاقتكما موسومة بهذا التشابه  الشكلي فقط؟
باسم: هناك نقاط اختلاف ونقاط التقاء كانت بيننا ..فانا فعلا أهتم بتجربته كثيراً والتي أراها واحدة من أهم التجارب الشعرية في اللغة العربية،ولكن بكل تأكيد لي مساري الشعري الخاص،واهتمامي بتجربته الشعرية لايعني تقليدي لها بالإضافة إلى تجربته هناك تجارب شعرية عربية احترمها كثيراً،أصحاب بعض هذه التجارب مازال على قيد الحياة،وبعض اصحابها لايكبروني سناً الا قليلا وغالبيتهم يختلفون معي  في مسارهم الشعري ،ولكن هناك علاقة تنشأ بين شاعر وآخر بغض النظر عن العمر ولأسباب عديدة لن أتطرق لها ولكني سوف اتحدث عن علاقتي الخاصة بسركون بولص ولماذا قويت هذه العلاقة.
شخصياً اعزيها الى عدة أسباب منها إيماننا المشترك بأننا ننتمي لأبعد نقطة في تاريخ العراق،واننا ورثة سومر وأكد وبابل وآشور ونينوى وأربيل وحدياب والحيرة والحضر والانبار والكوفة والبصرة وواسط وبغداد،وكنت دائماً أردد على مسامعه ما رددته في كل حواراتي ولقاءاتي ونقاشاتي ، ألا وهو اننا نحن الناطقين بالعربية(وهي التسمية العلمية كما أراها لمن يطلق عليهم بالعرب)والسريانية خليط من جميع الأقوام التي سكنت المنطقة وخصوصاً الهلال الخصيب وبالأخص العراق،فكان الراحل الكبير يجد في كلامي هذا صدى في نفسه، فهو قد سبقني باعوام طويلة بلا شك في هذا التفكير ربما،وفي حوار معه سألته المحاورة عن اللغة العربية ولماذا لم يكتب بلغته الأم الآشورية(وهنا نقطة خلافي معه فأنا لاأؤمن بوجود لغة آشورية او كلدانية او بابلية،لأن العراقيين تكلموا وحسب التسلسل الزمني اللغات السومرية والاكادية والآرامية،وقبل الاسلام كانت السريانية والعربية تتقاسمان العراق،وان كانت السريانية{{وهي ابنة الآرامية البارّة جداً}} أكبر مساحة حيث تمتد من الجنوب الى أعالي دجلة والفرات وباستثناء الموصل وبعض المناطق الاخرى،التي تشكّل بيث عربايا أي أقليم او ارض العرب حسب أدبيات اللغة الآرامية،فإن مناطق شاسعة كانت السريانية فيها اللغة الوحيدة او الاولى،بينما العربية لم تستطع ان تكون الوحيدة حتى في عواصمها وهي الموصل والحيرة والانبار،ولكن مع الاسلام سيطرت العربية)، أقول حين سألته السيدة مارغريت بانك رئيسة تحرير مجلة بانيبال المختصة بترجمة الأدب العربي الحديث للانكليزية و التي تصدر في لندن!! اجابها بأنه حين يكتب بالعربية كأنما يكتب بكل لغات العراق والمنطقة وهذا جواب علميّ لأن حقيقة اللغة العربية هي،انها الوريث الذكي لكل ميراث المنطقة وقد أخبرني ان فترة نهوض وبروز العربية كانت فترة خمول وذبول وموات بقية اللغات،وهذه شهادة من مثقفٍ يؤمن بآشوريتِهِ ومسيحيته وتقف بالضدِ تماماً من دعاوى البعض المفرطة بعدائيتها لكلّ ماهو عربي،وتستحق التأمل.

وديع : . يصف الشاعر غيلان  اللغة العربية بكونها اللقيط العبقري، المعجزة؟
باسم: انا أعترض على مفردة اللقيط وأرى ان مفردة الوريث هي الأكثر علمية وواقعية فالعربية إبنة شرعية لكل لغات المنطقة،كما نحن الناطقين بها ورثة ميراث المنطقة الحضاري.
ومن الأمور الاخرى التي نتشابه بها هي ولعنا بتاريخ العراق،ونبشنا في هذا التاريخ،والراحل وأقولها للتاريخ،قد حيّاني أكثر من مرة على موسوعية قراءاتي لتاريخ عراقنا ونبشي المزمن في هذا التاريخ.
شخصياً أعجب ممن يتباهى بقراءاته الموسوعية لثقافات اخرى وهو يجهل تاريخ العراق الثقافي خصوصاً،أو ممن يرى ان الأمر لايعنيهم أو يعتقدون ان قراءة التاريخ تتسبب بالغاء وطرد الشعر،وهؤلاء بالنسبة لي وان لم يعوا فقد اشتركوا بالخراب الذي يعانيه عراقنا ولو بنسب ضئيلة جداً، فلولا الجهل وأعني جهل الطبقة العارفة(لأنتلجنسيا)بتاريخ العراق لما تجرأ البعض على التمادي بالاساءة للعراق من خلال القول، ان العراق وطن اصطنعه الانكليز او من خلال التشكيك بعراقية وسامية نينوى الكبرى ونوهدرا وأربيل وكركوك وبعقوبا وتكريت.. الخ وتنوعها.
والفقيد كان يكرر دائماً في حديثِهِ عن هؤلاء،انهم لو كانوا ينتمون فعلا للعراق لفخروا به ولكنهم لاينتمون وتؤرقهم ان كل متاحف الدنيا تشهد على اصالة العراق وتنوعِهِ وثرائه وحقيقته ولأنهم نزحوا الى مدننا حديثاً، فهم يشيعون هكذا دعايات تنتقص من العراق واللغة العربية وتراث العراقيين المكتوب بعقول ووعي ابناء الرافدين،ولكن بلسان عربي لهم الفخر انهم من قَعّده وقننه واغناه،(أكثر من سبعين بالمئة من التراث المكتوب بالعربية خصوصا في القرون الاسلامية الخمسة الاولى،ُكتب بأنامل عراقية أو ممن تعلم وتتلمذ في العراق).
سركون كان من المؤمنين بأن الشعر معرفة ووعي وتأمل وتجارب لانهائية،انه سلسلة طويلة من المجاهدات حسب التعبير الصوفي،وهنا إحدى نقاط إلتقائنا أيضاً.
وديع: . هناك من يقول  أن اللغة العربية ليست لقيطة أو وريثة للغات العراق القديمة، والسبب ان اللغة العربية بصيغتها المقدسة”القرآن”  أو من الشعر ا لجاهلي لم تكن تأثرت بلغة العراقيين .. وانما كانت وريثة لغة اليمن وقريش حيث نشأت الاقوام العربية وارتحلت بعدها الى العراق؟ وان اطلاق صفة العربية قوميا على الناطقين او المتثقفين  بها يشكل اجحافا ًعرقياً وانسانياً لبقية الاقوام ؟
باسم: من الاخطاء القاتلة في ثقافتنا والتي خلفها لنا المستشرقون والمبشرون(وعائلة سركون بولص من ضحايا الاخيرين) هو ان الناطق

شاهد أيضاً

الكاتب حسن سالمي: لا يمكن لرواية واحدة أن تقول كلّ شيء حاورته: الصّحفيّة وحيدة المي- تونس

فاز هذه السّنة بجائزة توفيق بكّار للرّواية العربيّة، يعكس الحياة في كتاباته بكلّ تناقضاتها ويحاول …

صابرحجازي يحاور الشاعرة المغربية جليلة بن الدويبية

في إطار سلسلة اللقاءات التي أقوم بها بقصد اتاحة الفرصة امام المهتمين بالشان الثقافي والابداعي …

دردشة على صهيل الفصول مع الشاعرة اللبنانية
د.دورين نصر سعد حاورتها: آمنة ونّاس

وقفت أعدّ زفرات الريح الصافعة للجدران القديمة، لينشقّ صمت من رفوف الصدى، يناظرني بابتسامة، مستسلمة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *