رواية “عصر واوا” للروائي “فؤاد قنديل” : إستشراف الهدير .. في ميدان التحرير (1)

hussein 5د. حسين سرمك حسن
بغداد المحروسة
21/9/2014
(جاء ثان وصبّ على رأسه ملء دلو من سائل اصفر .. كان الدلو مملوءاً بالبول .. هل يمكن أن يكون الإنسان قد وصل إلى هذا الحدّ من البشاعة ؟ وأجاب على سؤاله بأن الفضل كلّه للعقل الذي منحه الله للإنسان .. تملّكه الغيظ الذي لا يقدر على تفجيره .. فتحدّث إلى نفسه عن العقل الذي حوّل مساره ، وبدلاً من أن يكون مثل جرّار يصعد بعربات البشرية إلى أعلى ، فإنه يتجه إلى أسفل .. أسفل مكان ومكانة ! هل لهذا كلّه من نهاية ؟ ومن الذي يتعيّن عليه أن يضع النهاية ؟ لعلّه الله … مؤكدٌ أنه هو .. إذن لماذا يتفرّج علينا ونحن نتردّى ؟ ما الذي يجده فينا من جمال وتسلية ؟)

(الناس تتعذّب وهي لا تدري .. من الذي يتعيّن عليه أن يقول لهم أنهم يتعذّبون وهم لا يحسّون بما يجري ؟ يجب أن يتشكّل وفد من البشر ويرفعون عريضة إلى الله مطالبين بتغيرات جذرية في النظام البشري . إنها كما يُقال واحدة من اثنتين : إمّا أنّ ما يجري من فعل البشر فأرجو أن توقفه يا ربّ عند حدّه ، وأما أنه من فعلك وصنع يديك وهذا لا يتناسب مع قدرك .. وحاشاك أن تكون ؟! فارفع مقتك وغضبك عنّا .. وراح في نوم عميق .. مجرّد راحة جسدية بين عذاب وعذاب .. راح في نوم عميق)

فؤاد قنديل
رواية “عصر واوا”

(1)
منذ الصفحة الأولى لروايته “عصر واوا” (1) يضعنا الروائي البارع “فؤاد قنديل” وسط دوّامتها العاصفة حين يستهل حكايته بالقول :
(الجسد الممدّد على السرير ساكن تماماً . لا تدبّ فيه أية حركة .. يسيطر عليه سكون لا يدانيه إلّا سكون النهاية .. حوله الأهل معلّقون بالإنتظار والأمل … يتمنون لحظة تصل فيها إليه قطرة من الوعي .
بدا كل شيء كأنه ينتظر هذه اللحظة . حتى الصمت نفسه كان يترقب لحظة انبثاق الحياة من الموت) (الصفحة الثانية طباعيا والأولى سردياً).
وهذه التقنية التي تشعل التوتّر من السطر الأوّل أو الأسطر الأولى للرواية ، تكون عادة محفوفة بالمخاطر ، لأن القارىء الذي سيبدأ شوطه في مسار الحكاية بذروة توتريّة ، قد تنطفىء جذوة انتباهته حين تهبط حدّة الإيقاع السردي في الفصول اللاحقة ، وهي – من ناحية ثانية حسّاسة – استعانة بتقنيات الرواية البوليسية التي تبدأ عادة بجريمة القتل مثلا ثم “يهبط” الإحتدام الدرامي فيها – إلى عتبة يرسمها الكاتب وليس إلى الصفر طبعاً – عبر التحقيقات ، لكشف القاتل ، فيعمد الكاتب المُقتدر إلى الحفاظ على الإنتباهة التوترية والتحسبات التوقّعية لدى القاريء من خلال حرف توقّعاته بصورة متكرّرة حول القاتل أو المجرم الحقيقي . وبالنسبة لهذا الإستهلال التوتري الذي افتتح به فؤاد قنديل حكايته ، نجده يلجأ إلى “تعليق” صحوة الجسد المُمدّد ، لتأجيل كشف الفاعل وكذلك طبيعة الفعل وتقديم التفسيرات “مقسّطة” من ناحية ، وتشويش ما يكشفه منها بحيث لا يعزّز أي يقين نهائي من ناحية أخرى . وفيما يتعلق بالشطر الأول نجد الروائي يقول إنّ الأشخاص الذين يحرقهم القلق حول حالة صاحب الجسد الممدّد فاقدا الوعي قد خرجوا إلى الردهة “يرتّقون ثوب الإنتظار” ومعهم المتلقّون طبعاً :
Fuad Kandil 5(وفي منتصف الليل تقريباً تململ الجسد .. وصلت كهرباء الحياة .. فتح عينيه وأغمضهما .. عاد ففتحهما .. ابتسم الجميع ، واستعدت القلوب للفرحة بتمام النجاة) (ص 2) .
لكن – وهذا ما يتعلق بالشطر الأول ايضاً – “شريف” وهذا اسم “بطل” حكايتنا هذه ، يطيل النظر إلى كل الوجوه المبتسمة والشفاه التي تتمتم بحمد الله ، فتنبت في عينيه أسئلة حول سبب الإبتسام وسرّ هذا التجمّع :
(لعلّه كان وجهاً آخر لنفس الشخص … وربّما أصبح شخصاً آخر … لا أحد يعرف ما الذي جرى ؟ ) (ص 3) .
وبفعل الصحوة المشوّشة ، كانت الوجوه المتلهفة المحيطة بسرير شريف تتداخل وتغيم ، فلا يكاد يميّز اصحابها إلّا بصعوبة في حركات متدرّجة استغلها الكاتب ليقدّم لنا “وجوه” واسماء الشخصيات الأساسية في الرواية : “عم فريد” ، والد زوجته سلوى بسمنته البالونية ، أخته “أليفة” التي أجهشت بالبكاء وسقطت على ركبتيه فاهتز السرير ، “منير البدري” الذي كان يحاول تهدئتها والذي راجع الطبيب المناوب فسمح له بوصفه صحفيّاً ، والنقيب “سليمان الملط” صاحب “أكبر شارب في مصر” كما كان يمازحه .
ولكن موجة الفكاهة الهادئة هذه أجهضها الكاتب – بدراية – ليعزّز الشطر الثاني المكمّل من الشحنة الدرامية في تغييب “سرّ” هذا الموقف المتأزّم ، فيتركنا حيارى لا نعرف ما الذي جرى . ولا يكتفي بهذا القدر ، بل يضاعفه بـ “سرّ” مؤجّل الكشف لدى “سليمان الملط” :
(تذكّر سليمان أنّ “واوا” هرب من السجن ، وكاد يقول لشريف ، لكنه أدرك بسرعة أن الخبر كفيل بالقضاء عليه . لحق بلسانه المُندفع في آخر لحظة) (ص 7) .
وبدخول إسم “واوا” إلى دائرة التداعيات ، يتضح جانب من دلالات العنوان الذي – كما كرّرت كثيراً – لا يكفي ليكون “ثريا” للنص بمعنى كشف مغاليقه إلّا بعد تحليل وقائع الرواية وإستكمال “الصورة الكلّية – Gestalt” ، ووضعه – أي العنوان – في مكانه المناسب ضمن إطارها .
ومع الإشارة إلى “السجن” يُدخل قنديل “وكيل النيابة” إلى مسرح القصّة . وهنا أيضاً يقوم الروائي بإرباك توقّعاتنا ، و”تأجيل” التعرّف الذي سوف يُجهض كل شيء ويهير حبكة الرواية منذ بدايتها ، فقد جعل شريف يمارس لعبة “وكيل نيابة” يحقّق مع نفسه تحقيقاً شخصيّاً آخر سمّاه “تحقيق ما قبل التحقيق” (ص 7) .. عقله المُجهد الذي راح يدور – ويا له من وصف موفّق – بسرعة كعجلات سيارة تغوص في الوحل لم يستطع التقاط المفتاح المركزي لكل ما يدور حوله من وجوه وأصوات وتساؤلات . لذلك طلب الطبيب من وكيل النيابة تأجيل التحقيق إلى الغد – وهو التأجيل الثالث – ليوغل الكاتب في “تأجيل” التأجيل إذا ساغ الوصف . ثم يمعن في إرباكنا بدرجة أشدّ حين يحذّر وكيل النيابة – وهو في طريقه خارجاً – شرطي الحراسة بأن لا ينشغل عن المُصاب لحظة واحدة ، وليقفل حولنا دائرة التساؤلات حين يحذّر النقيب سليمان – بدوره – الشرطي المسكين بأن هناك عصابة سوف تقتل المُصاب !! (ص 8) . وبهذا الختام المدروس لهذا الفصل الإبتدائي يفلح الروائي في تصعيد وتائر التوتر الدرامي ، وتجنّب الوقوع في مصيدة التشتّت أو التراخي في الإمساك بالخيط المركزي الذي – وبخلاف التوقّع التقليدي – شوّش كل ما يجري ، وكأنّ حالة التصدّع العقلي التي خلقها فقدان الوعي لدى “شريف” قد انتقلت إلينا فصرنا مثله أو قريبا من حالته المشوّشة المختلطة التي لا نستطيع – وغمامتها تحيط باذهاننا – أن نحدّد وبدقة ما الذي يحصل حولنا .
كل شيء جاء منسجما لتحقيق هدف الإرباك والتأجيل في جو الردهة المحيط بشريف الذي يغالب فقدان وعيه واضطراب ذاكرته ، عدا تلك الإشارة التي انفلتت من “ثامر” – أحد طلبة شريف الثلاثة المتألمين لحالته – عن حصول ناظر المدرسة على موافقة الوزارة على رحلة المدرسة لزيارة السد العالي وبحيرة ناصر ، وتعليق زميله “منير” :
(- رغم كل ما تدّخره من خيرات ، فلا يزال هناك من يحرص على عدم الإستفادة منها) (ص 6 و7) .
فقد فرضتها حماسة الروائي المعروف بانهمامه الشديد بهموم وطنه وأمته ، فتأتي هذه الإشارة لتعكس مقدار “صحوته” ووعيه الحاد في ترتيب ممهدات لطروحات اجتماعية وسياسية مُقبلة مُرتبطة أيضاً بالحبكة الأساسية للرواية كما سنرى .
(2)
kh fuad kandil 9بعد أسبوع مُرهق أمضاه شريف في المشفى يصارع نوبات فقدان الوعي وتصدّع الذاكرة ، ها هو يجلس الآن وحيدا في شقّته ، ليبوح لنا الراوي ، الآن ، بدفعة عن محنته تزيد حالة التوتّر لدينا توتراً .. إنها جرعة علاجية ماكرة تسهم في التشويش ، وتُدخل متغيراً جديداً في عمليّة “التأجيل” ؛ تأجيل “السرّ” .. السرّ الضروري لأي حكاية ، ومن دون وجود “سرّ” لا توجد أي رواية أوقصّة ، وحتى أيّ شكل من أشكال الإبداع . وهذا السرّ – وبطبيعة بنيته – يجب أن يكون قابلاً للإفشاء .. لا وجود لسرّ إلّا إذا كان قابلاً للإفشاء .. لا سرّ إلا إذا كان محتوماً كشفه حتى قبل عملية انكشافه النهائية . وفؤاد قنديل يلعب معنا لعبة سيّدة الحكايات “ألف ليلة وليلة” الخالدة حين يتم إخبار شخص ما – يكون في العادة امرأة – بأن لا يفتح غرفة محدّدة ولكنه يُمنح مفتاحها .. تصوّر هذه العبقرية المُلمّة بخفايا النفس البشرية . ويقوم هذا الشخص – كما هو متوقّع وكما تتمنى كل نفس – بفتح هذه الغرفة المُحرّمة ليحلّ الخراب . ومن دون الخراب لا يمكن بناء حكاية .. يجب على الحكّاء “تخريب” شيء ما (وفي مطلق الحالات يكون الشيء المُخرّب محرّماً كناية عن المحرّم الأمومي بصورة أساسية أوّلاً ، والمحرّم الأبوي ثانياً الذي تتأسس الميول لخرقه بل قتله في الوجدان منذ الطفولة ) . وأي تخريب هو رسول من رسل الموت ؛ الموت الذي بحضوره يشع وجه الحياة ويتألق . فؤاد يقدّم – في استهلال الفصل الثاني – جرعة مُركّبة من “سرّ” حكايته تُشعل في أعماقنا الرغبة بفتح غرفته المحرّمة :
(حاول أن يعرف مكانهم لينتقم ، ولكنه للأسف ذهب معصوب العينين وعاد جرياً في الظلام يضرب في بيداء صخريّة متّسقة مع كل شيء … تعثّر في نتوءاتها عدة مرات … إلّا أنه كان ينهض بحثاً عن أي ابتعاد أو أي حياة غير حياة هم فيها .. ظلّ معلّقاً بأرجوحة وعيه لحظات إلى أن تمزّقت الخيوط الواهنة فسقط في مستنقع الغياب قريباً من تخوم النهاية) (ص 10)
لم يبق معه أحد من أقربائه .. رفض ذلك لأنه كان يشعر بأن عليه أن يكون وحيدا بعمق غير عادي حتى تتأكّد قناعته بأنه تخلص من هذا العالم (ص 10) . كانت أخته أليفة آخر المغادرين وقد أصبحت مسؤولة عن محل العطارة العائد لزوجها الذي اتسعت تجارته مع الأقطار العربية وابتلعته بعد أن ورث دكانا صغيرا عن والده ، لتلحقه أليفة وتكشف عن مهارة غير عادية في استثمار أموالها . نسته ولم تصله خلال العام الأخير مرّة واحدة ، في حين قام بزيارتها منذ شهر . وهذه الإشارة وغيرها تكشف جوانب من ركاكة النسيج الإجتماعي وتمزّقاته .
المهم أنّ شريف الآن وحيدٌ في بيته الحبيب ، يتفحّص كل شيء فيه بمشاعر”أمومة” :
(بيته الحبيب .. كل قطعة أثاث .. كل سنتيمتر من الأرض .. الصور والذكريات .. اشتاقت إليه .. إلى نظرته الحانية الوادعة .. كل ما في البيت ينتظر دوره كي يهنأ بنظرة ودّية .. بدا على كل شيء أنه جف في غيابه وتشقق .. وحان موعد السقيا واللمس الجميل) (ص 11) .
وفي الحركة التالية التي يطفيء فيها شريف سيجارته في المنفضة بعصبية ويصف الراوي حالته الذهنيّة بالقول :
(كانت سجائره تدفعه أمامها محتضنا أفكاره الباردة … وتأخذ بيده من ذكرى إلى ذكرى بينما يقبع الزمن في ركن معتم … تبرق عيناه ولا تهتز فيه شعرة ككلب ضربه صاحبه بقسوة .. لكنه لم يفكّر أبداً في الهرب … مع أنه ليس عاجزاً عن الدوران حول الكون كلّه) (ص 11 و12) .
أقول في هذا الوصف ، سيلفت انتباهتك – سيّدي القارىء – جملة (لا تهتز فيه شعرة ككلب ضربه صاحبه بقسوة) .. فهي تشي بزفرة من عدوان مستتر من المؤلف على بطله ، خصوصاً عندما تربطها بجملة أخرى وردت ضمن مقطع وصفي آخر قال فيه الراوي عن شريف :
(كان يريد أن يكون وحيدا في بيته الذي غاب عنه أسبوعا كاملاً ولا بدّ أن يستمتع بهذه الحرّية اليتيمة … وهو يتمرّغ في رماد الذكريات كحمار لا يقدر على حكّ ظهره) (ص 10) .
أين وجد فؤاد قنديل هذا الوصف :
(يتمرّغ في رماد الذكريات كحمار لا يقدر على حكّ ظهره ؟!!)
إنّها واحدة من أكثر الصور الوصفية بلاغة للتدليل على حال إنسان مُحاصر اختلطت عليه الأمور ويبذل كل مستحيل للظفر بمبتغاه (مبتغى ضمن دائرة ذاتية بسيطة) ، ولكنه يفشل بصورة محتومة كلّ مرّة .. ومع ذلك فإنّ ضرورات المحاولة المستحيلة مستمرة وضاغطة .
لكنها صورة شديدة القسوة ، على الرغم من دقّتها “العنيفة” المُعبّرة عن دوافع الراوي – ومن ورائه المؤلّف – “السادية” التي تشتغل من وراء ستار قد لا يعيه المؤلّف نفسه ؛ المؤلّف الذي هو الحي الذي لا يموت كما قلنا سابقا في أكثر من مناسبة . وهذه الصورة – مع الصورة التشبيهية اللاحقة – قد تعكسان نفاد صبر المؤلف المُحاصر بصور الإحباط اليومي وهو المفعم بروح عارمة تسعى للتغيير ومقارعة الشر والإنتصار للمقهورين بحفزهم على النهوض والتحرّك والرفض ، لا أن يحيو ولا تهتز فيهم شعرة مثل “كلب ضربه صاحبه بقسوة” ! . وقد يكون هذا التأويل لهاتين الصورتين التشبيهيتين صعب الإستيعاب على ذهن القارىء في هذه المرحلة .. لكن الشوط المقبل من تحليلنا لوقائع الحكاية قد ييسّر الأمر عليه أو … يصعّبه . ولكن على السيّد القارىء أن يكون طرفاً فاعلاً في إكمال ملامح صورة شريف النفسية “الداخلية” من خلال الإنتباه إلى دقائق تصرفاته خصوصا حين تكون تصرفاته مقبولة اجتماعياً يتشارك القارىء معه – بحتم الموافقة الإجتماعية – فتقل حساسيته النقدية بسبب “غشاوة” الإعتياد والإلفة والمباركة الجمعية .
ولعل أول تطبيقات فرضيّتنا هذه هو ما يقوم به شريف الآن من تفحّص الصور العائلية التي علّقها في ردهة الشقة ، وأوّلها صورة كبيرة تجمعه مع أمّه وأبيه حيث تساءل أمامها عن إمكانية عودة عهد “الآباء” من جديد !! فقد كان على ثقة بأن هذا الجيل بالذات من الآباء الذين وُلدوا في الربع الأول من القرن االعشرين جيل غير عادي في الكفاح والعطاء وتحمّل المسؤولية (ص 12) . وقد لا يلتفت القارىء – لأن هذا المديح مشترك في كل المجتمعات العربية ومُقرّ دينياً وقيمياً – إلى تساؤل نقدي متردّد عن الطرف “الأبوي” المقابل الذي يقوم شريف بمقارنة خصاله بجيل آباء الربع الأوّل من القرن العشرين . إنّه طيف محصور من الآباء يشمل شريف نفسه في دوره الأبوي الراهن . وكحقيقة نحياها في كل المجتمعات العربية ، فإن هناك حالة من الترحّم والبكاء على أطلال الماضي – يذكّرك طبعاً بالمقدمة الطللية المحروسة في القصيدة العربية القديمة – ومن بينها أطلال الآباء السابقين . وهي حقيقة لا يمكن نكرانها ، لكن علينا أن نلمح وبسرعة إلى حقيقة مغيّبة ، سنعود إليها لاحقاً ، وترى أنّ جيل الآباء القويّ والمتسيّد قد أنتج جيلاً ” مخصيّاً ” من الأبناء .
أمّا الصورة الثانية التي توقّف أمامها شريف ، فهي صورة “سلوى” زوجته الحبيبة .. صورة كبيرة رائعة تتصدّر الردهة . وعرفيّاً في مجتمعاتنا العربية ، أجد أن من الصعب وضع صورة كبيرة للزوجة في صدر الردهة . لقد اعتدنا على وضع صورة الزوجين مثلا أو العائلة والأطفال وليس صورة للزوجة منفردة . لنضمر هذه الملاحظة في أذهاننا لوقت قصير ، ونلاحق تداعيات شريف أمام صورة زوجته حيث :
(تطلّ سلوى بملامحها الباسمة ، تتألق بالجمال والرضا … تُقبّل بطة صغيرة ، وفوق صدرها يصعد البطّ الصغير الأصفر … يتشبث بالفستان الأحمر بأظافره الطريّة …
بعض البطّات ما تزال تحت الثديين وبعضها صعد ووقف على الكتفين ، وشرع يتلفّت واثقاً من قمّته) (ص 12) .
وهو وصف مُوهم وحركي ، وفي الغالب يأتي هذا اللعب “الرمزي” الخفي معبّراً عن حاجات نفسية دفينة هي أكثر من الحاجة النفسية والجنسية لزوجة . كما ان شريف قد اختار هذه الصورة من بين آلاف الصور التي التقطها لسلوى ، وحظيت منه بتقدير خاص واهتمام . لقد التقط لها صورا في كلّ مكان أظهرت براعته في فن التصوير . لكنه في هذه الصورة لم يهتم بالشروط الفنّية الشكلية بل صبّ اهتمامه على مادة الصورة : سلوى الحبيبة وهذا البط الصغير الذي لم يتجاوز عمره اسبوعاً واحداً .. تربّى في أحضانها وهام بها منذ خرج من البيض (ص 12 و13) .
ولأن ” القصة القصيرة فن والرواية علم ” ، كما أحاول التأكيد دائماً ، فإن على الروائي أن يعاود الطرق على “حلقة الوصل” أو “حلقات الوصل” المركزية – أستاذها المبتكر هو الفرنسي “مرسيل بروست” في “زمنه الضائع” – التي تشدّ حلقات الرواية إلى بعضها بقوّة تتيح إحكام سبك نسيج حوادثها أوّلا ، وتمنع إنسراب انتباهته في مسارات ثانوية مهما كانت أهميتها وتذكّره بالحدث – أو الأحداث – المركزي الذي يعكس جوهر حبكتها ثانياً ، وتعيد إيقاظ قدرته على الربط بين موقفه الراهن والموقف الكلّي في الحكاية ثالثاً . وحلقة الوصل المركزية حتى هذا الموضع من الرواية هي صدمة شريف المشوشة بسبب الواقعة التي يبدو أنها جللٌ ومن نمط الشدائد الفاجعة التي لم نعرف كنهها حتى الآن ، وها هو شريف يعيد إثارة حلقة الوصل المركزية في أذهاننا ، وهو يقف الآن أمام صورة سلوى التي لم ينظر إليها سابقاً إلّا وشعر بالرضا والأمل ، ويتساءل :
(ما هو شعوره الآن بعد ما جرى ؟ هل ما زالت قادرة على أن توحي بشىء … أيّ شيء ؟ ) (ص 13) .
ومن صورة سلوى إلى صورة أخرى يثير فزعه اختفاؤها من مكانها مع الصورتين السابقتين : صورة أبويه وصورة حبيبته سلوى ، وهي صورة الراحل “جمال عبد الناصر” :
(الرجل الذي أحبَّه كما لم يحب إنساناً قط … مستحيل … لم يجد الصورة .. غريبة أن تختفي هذه الصورة التي لا أظن أنها تعني أحداً .. أم أن هناك خطة لنزعه من قلبي .. وهل نزع الصورة يحقّق ذلك ؟ .. لقد كان في الصورة منشغلا عن الجميع – بعد رحيله – بلعب الشطرنج منصرفاً بكل فكره وأعصابه إليه .. كم أودّ الآن أن ألعب دوراً .. لابدّ أن أجد الصورة .. حان أن تجمعني معه مباراة .. أصبحتُ مثله وحيداً في عزلتي أتأمل الناس والأقدار وأحصي الخسائر) (ص 13) .
ولنضع في أذهاننا – كإجراء يمهّد لخطوة انتقالية أوسع – حقيقة أن عبد الناصر هو أيضاً من جيل “الآباء” الذي لا يتكرّر . والوصف الأدقّ له هو أنّه “الأخ الأكبر” الذي تصدّى لدور الأب في انبثاقة فريدة في التاريخ العربي المعاصر ، فالتف حوله كلّ الأبناء / الأخوة الصغار ، الباحثين عن حمى “أبوي” يذود عنهم مشاعر الإنخصاء ، ويلهمهم القدرة على البحث عن سبيل يؤكّد ذواتهم الضائعة . فتأسّس ارتباط عجيب عزّ نظيره ، بحيث أنه حينما اختفت “صورة” عبد الناصر – وظهر فعلياً أن اختفاءه كان اختفاء “صورة” وجدانية كبرى طبعت بصماتها النقيّة في الروح العربية – لم يستطع الأخوة الصغار أو الأبناء الذين ضيّعهم الغياب الأخوي / الأبوي المُركب في لحظة نفسية نادرة ، أن يتخلّوا وبسهولة عنها .. عن الصورة ، فصاروا يعلّقونها حتى في غرف نومهم في ولاء ظاهر عزوم وساخن ، ونكوص باطن معوّق وغير قابل للحلّ . في الحقيقة دخل الأبناء مع الذكرى في “لعبة” نفسية لا تنتهي . فكلّما حاصرتهم النوائب وشرور الفساد عادوا لـ “يلعبوا” معها لعبة الشدّ الذاكراتية التي تكشف الحقيقة المؤلمة ، وهي أنهم إنما يتعاملون مع “صورة” يطلبون منها المدد السحري للحماية من جور الواقع الساحق . ولعلّ في أعماق هذا الموقف التعبيري الرمزي الذي صمّمه فؤاد قنديل تلوب انحصارات وصراعات شديدة التعبير عمّا قلناه ، فالصورة المنزوعة التي يبحث عنها – الآن – بلهفة تهمس لشريف الإبن المفجوع .. وتناديه :
(طالت وقفته في حجرة النوم وقد تصوّر أن هناك من يهمس في أذنه : أنا هنا . اصاخ السمع : أنا هنا … تحت السرير .
لم يصدّق أذنيه ، ولكنه ساير أحلام يقظته التي تتولى شؤونه أغلب أيامه الأخيرة .. أطلّ تحت السرير .. ألفى الصورة والزعيم فيها يفكّر في الحركة الصعبة التي يستعد لها ) (ص 13 و14) .
وتسلسل النقلات التي قام بها شريف وطبيعة التداعيات التي كانت مشحونة بها : من صورة ابويه ، مرورا بصورة زوجته ، وانتهاء بصورة عبد الناصر ، هي نقلات محسوبة نفسيا رسمتها مخزونات لاشعوره كما سنرى . وإذا كان شريف قد اعتبر همس صورة عبد الناصر الذي جاءه من تحت السرير نتاجاً لحلم يقظة من الأحلام التي استولت عليه مؤخرا بعد حادثه الرهيب ، فإن تداعيات أفكاره واستجاباته الإنفعاية الآن وهو يفكر في الصورة الملقاة بإهمال (وفيها الزعيم) مفكّراً بالحركة المقبلة في “لعبة الملوك” كما تُسمّى لعبة الشطرنج عادة ، ليست من نتاج حلم يقظة بل هي تداعيات واستجابات فعليّة فرضها موقفه النفسي الشائك والمعقّد الراهن :
(تأثّر لوضعه … صحيح أن البيت بيته وكل موضع يريحه له مطلق الحرية أن يسعى إليه ، ولكنه ولاشكّ توجّس شرّاً فاختبأ … لابدّ أنّه علم بما فعلوه معي ففضّل أن يبتعد عن طريقهم .. تأمله لحظات .. خالجه شعور بالإشفاق .. أعاد الصورة إلى مكانها على الحائط الآخر من الصالة ، واطمأن على تثبيتها جيّداً ) (ص 14) .
وانزواء البطل ؛ بطل شريف ، واختباؤه ، ابتعاداً عن طريق الأشرار الذين آذوا شريفاً ، يعكس في الحقيقة انحسار الدور الإنقاذي الذي أنيط بالأخ الأكبر – طبعاً ليس على طريقة الأخ الأكبر في رائعة “جورج أورويل : 1984 – والشعور الممض أنّ موضوعة العلاقة التاريخية والنفسية الآسرة إنّما صارت علاقة بـ “صورة” أو بـ “صدى” صوت يترجّع في وحشة العالم الداخلي عند الضرورات النكوصية .. الصوت والرجولة التي يسترجع شريف حديث سلوى عنها :
(أحبّ رجولته وصوته الرنان مع مسحة من شجن .. وعينيه السوداوين .. نعم في عيميه كل الجمال الحسّي والمعنوي ) (ص 14) .
وفعلا ، كان صوت صاحب الصورة الغائب شديد الفرادة وعجيب التأثير لم يسبقه ولم يعقبه صوت مؤثر لزعيم عربي أبداً .. بل قد أبالغ وأقول أنني لم اسمع صوتاً لممثل له هذا التأثير في الروح . إنّ صوت عبد الناصر تمتع بسمة سحرية تتمثل في أنه بديل سحري عن صاحبه من ناحية ، وله قابلية عجيبة على النفوذ في الأعماق البشرية ليستثير كل آمالها ويُنهض طاقاتها الثأرية الساخطة من ناحية أخرى . (إن العلاقة الأبوية التي كانت تجمع بينه وبين أبنائه كانت من نمط خاص للغاية . وبمعنى ما ، كانت كانت علاقة مجنّسة ، ولكن ، كما في الميثولوجيات الكبرى ، كانت علاقة “حبل بلا دنس” ، وفي الحالة التي نحن بصددها كانت علاقة صوت بأذن . ولا ريب أن صوت عبد الناصر كان بحد ذاته معبّراً ساحراً عن المشاعر الجماعية وترجماناً لأعمق صبوات الأمة . وبكلمة واحدة ، كان صوت شعب بلا صوت . ولكن صوت عبد الناصر لم يكن هذا فحسب . ففي كل مهرجان خطابي – وكان كل مهرجان خطابي بمثابة حمّام جماهيري – كان ألوف المسحورين بذلك الصوت ، سواء في الساحات العامة أو من خلف المذياع ، يتجرّدون من فردياتهم وينسلخون من جلودهم لينصهروا في كتلة لدائنية واحدة تتشكل وتتموّج في شبه مطاوعة أنثوية لنبرات ذلك الصوت ولإيقاع طلعاته ونزلاته) (2) .
وحين اقول أن أدقّ أفعالنا محكوم بحتمية لاشعورية ، فإن المقصود من هذا هو أنه لا يبدو عشوائياً أو مرتبطاً بأهداف واعية “ماديّة” على سطح الشعور ، بل بمقرّرات ودوافع لاشعورية دفينة تصمّم حتى التسلسلات التتابعية لسلوكياتنا في كسرها لرتابة هذا التتابع . وهذا ما حصل حين قفز شريف – وكان سارحاً – يرنو إلى سلواه والبط الصغير ، فقد هبّ واقفاً فجأة ، وهُرع صاعداً إلى سطح الشقّة . وهناك صدمه المشهد المروّع : مذبحة الأوز والبط والدجاج .. كلّها نفقت وتمدّدت على الأرض .. إنّها جثث متفسّخة بعد أن كانت كائنات مفعمة بالحياة وبالحركة الصاخبة المنعشة .. حتى الأرانب طلعت عليه من عشّتها رائحة الموت القديم وأمسكت به وهزّته بعنف . إنّها الإنفعالات التي اثارتها مشاعر “اليتم” أمام صورة عبد الناصر ، وسعّرتها أحاسيس الوحدة الحارقة أمام صورة سلوى وبطها الصغير الذي كان يتسلّق جسدها فرحاً مثلما كان هو نفسه يفعل .. إنّه التماهي البنوي ، الذي ترجع أرجاؤه صدى “جنون التماهي” الذي عاشه الابناء مع أبيهم / أخيهم الأكبر في زمن أحاسيس الإقتدار الأوديبي الضائعة . هذه كلّها حفزته فوراً ، بدفعة من “الداخل” المصطخب ليرى “أبناءه” هو بدوره ، فشهد المذبحة : مذبحة “الأبناء” الذين قتلهم الغياب والإهمال والعجز وروح الإتكال ، وها هو يجلس منكسراً بينهم في مشهدٍ مُستعاد ينبض بحشرجات اسى الإنثكال القديم نفسه بالرغم من بساطة ممثلاته وتعبيراته الرمزية ، وتحاصره تلك المشاعر المتضاربة العنيفة حين تحوّل الرمز إلى “صورة” تنزوي الآن مرتعدة تحت السرير :
(الجميع الآن جثث … نهايات …
جلس صامتاً منكّس الرأس .. هل يأسى لمن ماتوا أم يأسى لنفسه ؟ … أم يندم .. أم يفكّر في شيء آخر .. لم تصدر عنه حركة .. كان متسقاً تماماً مع معالم المكان …
كان واضحاً أنه يشعر بالإضطراب لأنه لا يجيد أي طقس من طقوس هذا الإحتفال المتعفن … بينما كان يعيش آخر يوم في مأساة كاملة دامت نحو شهرين ونصف … وقد أوشك أن يجهش مودعاً القاعة التي عُقدت بها جلسة الأحزان الختامية والتي أقيمت على شرفه وحده ، فهو وحده الجدير بحضور مثل هذا الإجتماع البليغ ، بينما هو يستعد ليرحل عن الإجتماع الذي انتهى دون توصيات إلّا وداعاً أيتها الحياة) (ص 15 و16) .
ووسط هذا الطوفان الهادر من الإحباط – وبسببه – كان من المحتّم أن تتفجّر مشاعر الرغبة في الإنتقام الساحق ممزوجة بشيء من مشاعر التعقّل ، فذهب يبحث عن صاحبه “شمعة” – ولاحظ دلالات الإسم – وحين أخبره أصدقاؤه المقرّبون أنّ شمعة قد ألقي عليه القبض فجراً انطلق هائماً في الشوارع عازماً على البحث عن أي شمعة .. أي شمعة (ص 17) .. بحثاً عن الثأر والإنتقام لا من الباشا ولا الواوا (وإلى الآن لا نعرفهما نحن القرّاء) :
(فلا معنى لهذا الإنتقام .. المسألة أكبر وأعمق .. لابدّ أن تمتد الأيدي وتلتحم القلوب المحتشدة بالغضب) (ص 17) .
وها هو شريف الإبن الميتّم والمُضيّع يلوب ، لكن تضلّله غيمة الرعاية الأمومية دائماً : سلوى ؛ أمامه وفوق رأسه تطوف به كطائر يحاول أن يسكنه .
ودائما يحاول الروائي تسليمنا الحلقة الجديدة من نقطة اتصال بالحلقة القديمة تدور – من جديد – حول “تأجيل” الحدث / السرّ ، و “تلغيزه” ، وإهاجة تشوشنا بالمشاركة مع بطلنا الحائر وسط دوّامة محنته المدوّخة :
(ودائما كان هناك شريط أحداث الشهرين الأخيرين يدور حوله ويطعنه … صورة بعد صورة منذ احتفى بعيد زواجه السابع) (ص 17) .

شاهد أيضاً

شكيب كاظم: أبو تمام وبُنَيَّاته في آفاق الكلام وتكلم النص

اعترف ابتداء، أنه ما أن أعارنيه أو أهدانيه، صديقي الدكتور قيس كاظم الجنابي، هذا الكتاب …

تعليق على المجموعة القصصية بتوقيت بصرى للأديب محمد فتحي المقداد
بقلم د ميسون حنا

بتوقيت بصرى مهد الحضارة وموطن الغساسنة أتانا هذا الكاتب الغساني ليلهج بما في قلبه من …

ثامر الحاج امين محنة العمرعند الشاعر ( صاحب الضويري )

موت المبدعين ــ على وجه التحديد ــ بأعمار قصيرة ، قضية حظيت باهتمام عدد من …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *