الرئيسية » نقد » ادب » د. حسين سرمك حسن : غزّاي درع الطائي : محاولة في إعادة الإعتبار إلى الشعر

د. حسين سرمك حسن : غزّاي درع الطائي : محاولة في إعادة الإعتبار إلى الشعر

hussein 7بغداد المحروسة – 2014
(سلامٌ على الوردِ مؤتلقاً يشرئبُّ من الشُّرُفاتْ
سلامٌ على الشِّعرِ يخرجُ مثلَ اللآلئ
من دجلةٍ والفراتْ
سلامٌ على مَنْ بقوا ثابتينَ وقالوا لِمَنْ ساوموا :
لنْ نبيعْ
حين قالَ المراءونَ : نحنُ نبيعْ
سلامٌ على السَّيِّدِ المستحيلِ .. الرَّبيعْ
وهو يقدِّمُ خضرَتَهُ وأزاهيرَهُ للجميعْ …
سلامٌ على وطنٍ أهلُهُ ضيَّعوهُ
ولكنَّهُ إنِفٌ لا يضيعْ )
غزّاي درع الطائي
قصيدة “البعقوبي 2011”
مجموعة “سلسلة من ذهب”
الشعرُ حزينٌ في بلادي . نعم . في وطني – العراق – الشعرُ مُنسحبٌ وتعلو وجهه الكآبة ، وفي وطني الأكبر ؛ الوطن العربي ، الشعرُ منزوٍ .. شاحبٌ .. ويقطر قلبه ألَماً لأنه الذي كان حاضراً – أبداً- وسط حرائق الأهوال والشدائد الفاجعة التي تلم بالإنسان العربي ، يقف كسيراً ، الآن ، يتسمّع بغرابة صادمة لما يُرطن به ، وباسمه ، أغلب من يحملون عنوانه ، رطانة غريبة يجترّونها في ما بينهم . الأوطان تّمزّق ، والناس تُذبح ، والرؤوس تُقطّع ، وقلوب الأمّهات تُسحق ، والكرامات تُهدر بلا رحمة ، وهم “يتشافرون” في أماسيّهم وأصبوحاتهم عن النحاس المندلق من السماوات ، وتهشّمات المربع الأزرق ، وانتقامات “زيوس” وعصبته ، حتى صاروا – فعلا – يتّبعهم الغاوون ، وفي كل واد يهيمون ، ويقولون ما لا يفعلون :
(بالرُّغمِ ممّا حصلَ وممّا يحصلْ
ها أنا يا بغدادُ
أُنيخُ ببابِ هواكِ دموعي وقصائدي
وأَنزلُ مِنْ قلقي كي أحيِّيَكِ
يا سيِّدتي المتفرِّدةِ بالسِّحرِ والبهاءِ والطّيبةِ
وكي أسألَ عنِ الشُّعراءِ …
فتقولُ لي دجلةُ :
إنَّ الشُّعراءَ في إجازةْ
وَهُمُ اليومَ يمشونَ وراءَ جَنازةْ
ولكنَّهم وا أسفاهُ ..
لا يعرفونَ مَنْ يكونُ صاحبُ الجَنازةْ ) (قصيدة “البعقوبي 2011” ) .
ghazay 4كان الشعر ديوان العرب ، بمعنى أنّه لغة آلامهم وأوجاع قلوبهم مطروحاً في صخب الأسواق وعلى أرصفة الحياة ، فصار مصطلحات الحداثة البودليرية في الصالات المكيّفة . كان الشعر خبز أرواح الجياع العرب في شوارع هذه الدنيا المغبرة الجائرة ، فأصبح “بتي فور” الأماسي المنعّمة . “أويلي” على الشعر .. و(أويلي) على الشعراء ، وبالتالي (أويلي) على العراق الذي تدرّأ بهم لعصور وعصور ، ومن ثمّ (أويلي) على هذه البلاد كما يقول غزّاي درع الطائي في قصيدته الإفتتاحية (أويلي على هذه البلاد) :
(الأفعى التي سرقت عشبة الخلود من جلجامش
ما زالت تمارس نشاطها الخبيث
على ضفتي دجلة والفرات
( أويلي )
( أويلي ) على هذه البلاد
…………..
إن يأجوج ومأجوج مفسدون في العراق
فمنْ يجعل بيننا وبينهم سدّاً ؟
وقد بلغ ذو القرنين مغرب الشمس
وظلّ هناك ؟!) (قصيدة “أويلي على هذه البلاد” )
يذمُون امرأ القيس لأنه لم يعد لديه غير “كليشة” عمودية : (قفا نبكٍ ..) ، وقد جرت دموعي ذات مرّة ، وأنا أسمع الفنان “فاضل عواد” ، يغنيها في الغربة حتى تصوّرته يتحدّث عن مناطق في “الديوانية” مدينتي الأم . صحيح أن الشعر ليس له زمان أو مكان مطلقين كما يقول غزّاي في مقدّمته بتشخيص دقيق ، ولكن رجفة الروح التي يعتصرها مطلقة بعيداً عن لعبة الزمان والمكان وحدودهما . والشعر فعل فردي يموت في ظلال الدعوات الجمعية حتى لو كانت مرتبطة بأطر الزمان والمكان المُحدّدين . ذات مرّة كنتُ أتابع مباراة لمنتخبنا الوطني العراقي ضد فريق آخر تجري في السعودية . كان الملعب الضخم فارغاً بصورة مدوّية إلّا من مشجع عراقي واحد يحمل قطعة كارتون كتب عليها : يعيش العراق !! المنتخب كلّه يلعب لهذا المشجّع الوحيد المنعزل المجهول ، لاعبو كرة القدم في العالم كلّه يلعبون من أجل هذا المشجّع المجهول . وأنت ، أيها العزيز غزّاي ، وكل الشعراء في العراق والوطن العربي .. بل شعراء العالم كلّه يكتبون لشخص واحد هو : شقيق روحهم ، القارىء المجهول ، الذي لا يعرفون أين ، وكيف ، ومتى ، سيلتقي بنصوصهم . و(قفا نبك ..) وغيرها ستجدُ لها قارئاً مجهولاً – قد يكون واحداً – ليس في القرن العشرين حسب ، بل في القرن الثلاثين .
هكذا هو الشعر ، وهكذا هو عمل الشعراء الذي نسوه فأصبح الشعر حزيناً كسيراً في بلادي . ويتفاقم الأمر – والحديث ينقلنا ، بالضرورة ، إلى اشتراطات الحاضنة الإجتماعية والثقافية والدينية والتاريخية للنص الشعري التي يحاول فرسان الحداثة وما بعدها – وبسوء فهم – خلعه منها ليجعلوه عارياً يتفرّج عليه المتلقون من كل حدب وصوب – حين نسيت أمّة القلم ، قلمها ، الذي هو دواء خيباتها ، وسرّ ديمومتها ، وسلاح بقائها في عالم الأمريكان الذئاب المُظلم . كيف يقرأ الشعر أناس أمّيون ؟؟ يا أخي احمل قلماً لتحكّ به رأسك على الأقل !!:
(العربيُّ
لا يضعُ في جيبِهِ قلماً ،
أيُّها العربيُّ يا أخي
ضعْ في جيبِكَ قلماً
فلعلكَ تحتاجُ إليهِ
حينَ تريدُ أنْ تحكَّ رأسَكَ .
………………
العربيَّةُ
تحملُ القلمَ معها دائماً
وإذا أردتَ أنْ تتأكَّدَ
افتحْ حقيبتَها
ستجدُ القلمَ …
أعني قلمَ أحمرِ الشِّفاهِ ) (قصيدة “القلم .. ليكن عندك قلم) .
في مصر ، وهي عنوان الريادة الثقافية ، نسبة الأمّية 70% حسب احصاءات الجامعة اللّاعربيّة . العراق الذي مُنح شهادة الأمم المتحدة لمحو الأميّة في الثمانينات (لاحقاً جوّعته حتى الموت في التسعينات) جعل الشعب كلّه يحمل أقلاماً ، لهذا كانت مرحلة السبعينات ذهبيّة . الآن كسّر الناس الأقلام وجفّت الصحف ، لأن الخبز أولى ، أو كُسّرت أمام أعينهم ، وهم ينظرون إليها مفطوري القلب وبمرارة ، فهم يمتلكون شعورا خفيّاً بأنها عنوان شرفهم :
(القلمُ .. لَهُ رأسٌ
ولكنْ ليس لَهُ رقبةٌ
ولذلك لا يمكنُ أنْ ينحني) (القصيدة نفسها) .
ولكن – وحقّك – الشعر كائن ذو روح شيطانية لعوب ، قادر على خرق حُجب الجهالة والنفاذ إلى أعتى الأرواح المكلومة . الشعر هو آخر كلمة ينطقها الإنسان قبل أن ينام محاصراً بكوابيسه ، وأول كلمة يفتتح بها يومه الثقيل المخيف . الشعر ، هو الذي يضيء العالم ، بحرائق روحه :
( لا تتعجَّبوا إذا ما رأيتُموني
وأنا أُحرقُ أشعاري
………
أنا أُحرقُ أشعاري
لأُضيءَ ظلامَ العالم
أنا أُحرقُ أشعاري بخوراً
إكراماً لأنفِ العالمِ) (قصيدة “أنا أحرق أشعاري لأضيء العالم”) .
.. أمّا بالنسبة للعراقي فالشعر كلمة حياته . فهو كائن شعري منذ فجر خليقته . خُلق الكون العراقي شعريّاً ، وإن كان الأكثر دموية في تاريخ قصص الخلق ، وصُنع العراقي – على عين الآلهة – شعريّاً مازجين الطين بدم إله متمرّد ، وثار العراقي على قسمة الآلهة في أعظم وأول صرخة احتجاج في تاريخ البشريّة : لماذا أموت ؟ في درّة تاج أساطير الشعوب وقصائدها : ملحمة جلجامش . ولهذا لن يموت الشعر كما يروّج فرسان الحداثة وشركات النشر التجارية إلا بموت الإنسان الأخير . ولهذا – أيضاً – وصحيحٌ أن الشعر حزين في بلادي ، إلّا أنه ينتظر منقذه ومَنْ يعيده إلى الناس ؛ إلى قلوب الأرامل المفجوعات ، ووجوه اليتامى الشاحبة . قد يكون الشعر بلسماً للقلوب الموجوعة في أي مكان ، لكنه في العراق سبب عناد من أجل الحياة ودافع بقاء مستميت ، ولهذا من الغريب أن يبقى شعراؤه على التلّ :
(ـ البعيرُ على التَّلِّ .
ـ هذا خبرٌ قديمٌ
فما الجديدُ ؟ .
ـ البعيرُ على التَّلِّ ومعهُ الشُّعراءُ .
ـ هذا جديدٌ فعلاً .
ـ الوطنُ يحترقُ
والشُّعراءُ مع البعيرِ على التَّلِّ
النّارُ تتسلَّقُ التَّلَّ من جميعِ الجهاتِ
والشُّعراءُ مع البعيرِ على التَّلِّ
النّارُ تلتهمُ البعيرَ
والشُّعراءُ على التَّلِّ
ـ إذنْ
بعد اليومِ لا تقولوا :
حتّى متى يبقى البعيرُ على التَّلِّ
بل قولوا :
حتّى متى يبقى الشُّعراءُ على التَّلِّ) (البعقوبي 2011) .
الأمريكان والبريطانيون الخنازير الكلاب قتلوا الحبّ في قلوب العراقيين ، وقضوا على حاضر ومستقبل هذه البلاد إلى الأبد ، ومن المتوقّع – حين يموت الحب ويذوي القلب – أن يموت الشعر . هذا ما يقتنع به كل مراقب سياسي لجحيم الخراب المشتعل في جسد العراق . لكن هذا لا يقنع رسل الله وجنود الحياة : الشعراء الأصلاء الذين خُلقوا – حسب رسول حمزاتوف – قبل خلق العالم : “في قبيلتي الأفارية تُردّد مقولة مفادها أن الشاعر قد خُلق قبل خلق العالم بمائة عام !! وكأنهم يريدون أن يقولوا : لو لم يشترك الشاعر في خلق العالم لما كان في مثل هذا الجمال” . مستقبل هذه البلاد كتأريخ ووشم نابت في الوجدان ، وطعنة غائرة في الأرواح ، متوقّف على الشعر ، حتى لو كانت تُشوى بنيران الجحيم :
(هنا في السَّرايِ القديمِ
رأيتُكِ
كانتْ عيونُكِ تلمعُ كالثَّلجِ فوق الجبالِ
وكانتْ خطاكِ تقولُ : السَّلامُ عليكُمْ
وكانتْ بساتينُ ( بهرزَ ) تمشي وراءَكِ
مشيَ الجنودِ
وكان كلامي
يحاولُ أنْ يجمعَ الياسمينَ الحزينَ
لينثرَهُ فوق رأسِ المساءِ الجميلِ
وكنتُ كنهرِ ( خريسانَ ) أكتمُ سرِّي
واحملُ أوزارَهُ طائعاً
…..
وقفَ الشُّعراءُ وقالوا قصائدَهُمْ
…..
إنَّها الحربُ
حرِّيَّةُ الوردِ في خطرٍ
( دافعوا عن قصائدِكُمْ أيُّها الشُّعراءُ )
العصافيرُ ترقبُ من فوقِ أشجارِها
عجلاتٍ محمَّلةً بالعتادِ فتسألُ :
ماذا سيحدثُ ؟
( جيلٌ جديدٌ من الشَّعراءِ
يهزُّ عصاهُ بوجهِ البراري ) (قصيدة “الطريق مغلقة فإلى أين تريد”)
تشتعل همّة الشاعر – وغزاي تحديداً – حين تُغلّق الحياة الداعرة الأبواب والطرق كلّها في وجهه بشكل خاص وتصيح : هيت لك . فحال الموت والخراب والدم والدمار في العراق ، ويأس الشعر من نفسه ومن أبنائه ، لم يصب إرادة “غزّاي” بالعجز أو التردّد ، فمنذ أول لحظات الشدّة الفاجعة التي محقت وطنه – وكانت المفتاح الذي فتح به الامريكان والصهاينة الأنجاس أبواب جهنم ليحيلوا المنطقة إلى عصف مأكول – شدّ غزاي نطاق الشعر ، ولبس خوذته ، وامتشق قلمه – وهو سلاحه وعنوان شرفه – مؤمناً أن :
(القلمُ ..
مثلَ الشَّمسِ لَهُ ضياءٌ
ومثلَ القمرِ لَهُ نورٌ
ومثلَ السَّيفِ لَهُ حدٌّ
ومثلَ الجوادِ لَهُ عنانٌ
ومثلَ البحرِ لَهُ موجٌ
ومثلَ
الإنسانِ
لَهُ
شرفٌ) (القلم .. ليكن عندك قلم) .
كان غزّاي يعلّم الناس أن لا يلتقطوا حتى الذهب في الطريق ، لكي لا ينحنو . علّمهم معنى أن تدفن قلبك ، وتقف أمام قبره ، ودموع القهر تجري بالصمت الناقم على ثيابه ، وقبضته مضمومة تقطر منها مراثي الغضب ، يوم قتل الأمريكان الخنازير إبنه الشهيد “معْد” الطالب في المرحلة الرابعة من كلّية طب الكندي في جامعة بغداد ؛ قتلوه في نيسان الإنبعاث .. في السابع من نيسان من عام 2004 :
(خمسةٌ من النُّجومِ لي
والبقيَّةُ للآخرينَ
ولكنْ …
بعد اشتباكِ الخطوطِ واشتدادِ الخطوبِ
امتلأتْ سفينتي بالثُّقوبِ
وسقطَتْ أعزُّ نجومي
فدفنتُها في مقبرة ( النبي دانيال )
وسطَ دموعي المجنونةِ
وأسفي الذي تكادُ الجبالُ تنشقُّ له …
إنَّني أنظرُ إلى وطني بقلبي لا بعيني) (قصيدة “الطرق مغلقة فإلى أين تريد ؟) .
وحين يصرخ مستغيثاً عن ولده ، الشهيد ، تأتي صرخته متوازنة كنداء جمعي حارق عن كلّ من اجتثهم منجل الموت الأرعن حين يُصبح مصنّعاً بمخالب البشر المسعورين ، وليس طبيعياً ومُقدّراً بيد الله الرحيم القدير :
(ليس سوى الدُّخانْ
فوق مسطَّحِ الماءِ
وفي سماءِ الإخوانْ
وهديلُ الحمامِ لا ينقطعُ
( يا قوقتي )
( يا قوقتي ) أينَ أُختي ؟
ذهبتْ وبقي ظلُّها
( يا قوقتي )
أين أخي ؟
خرجَ فابتلعتْهُ سيّارةٌ
مزدحمةٌ بخمسةِ ملثَّمينَ
( يا قوقتي )
أينَ جاري ؟
جثَّتُهُ شوهدتْ منحدرةً مع الماء الجاري
( يا قوقتي )
أين ولدي ؟
حيٌّ في مقبرةِ النبي دانيال في قرية العكر
( يا قوقتي ) .. ) (قصيدة “أويلي على هذه البلاد” ) .
لم يكفر “غزّاي” بوطنه ، ولم يبحث له عن بدائل في المنافي السياحية – وما أكثرها – وعلى طريقة الحكيم محمد الماغوط : (وطني جيوبي ومدينتي حذائي) الذي صار شعاراً للكثير من سياسيي مرحلة العهر حيث يخون الإخوة ، ويخون – ويا للعجب – الماء :
(كنتُ أظنُّ أنَّ الإخوةَ لا يخونونَ
وخانوا
وأنَّ الماءَ لا يخونُ
وخانْ
وبعدَ أنْ خانَ الماءُ
هل مِنَ المجدي تقليبُ العَتَبِ مع النّارِ
خانوا
وخانْ ) (القصيدة نفسها)
.. وهذا الموقف – موقف غزّاي في التمسك الإختياري العزوم بتراب وطنه القاسي الذي مزّق روحه – هو واحدٌ من أعظم نصوصه :
(منديلي مُنقَّعٌ بدموعِ الثَّكالى والأراملِ واليتامى
واليائسينَ والحائرينَ
وقلمي يرتعشُ بينَ أوراقي
مثلَ مصابٍ بالصَّرعِ في لحظةِ الإنهيارِ
وقصائدي غيرُ قادرةٍ على حملِ همومِ الجميعِ
الرِّجالُ يختنقونَ بأوَّلِ أوكسيدِ الأحزانِ
والأعزَّةُ يذهبونَ سالمينَ
ويعودونَ مهشَّمي الرُّؤوسِ
إلى ثلاجاتِ الطِّبِّ العدليِّ
يقولُ العابرونَ لي : خذْ عصاك وارحلْ
وأنا لن أفعلَ
البقاءُ في البلادِ في سبيلِ البلادِ
مثلَ الجهادِ في سبيلِ اللهِ) (القصيدة السابقة نفسها) .
.. غزاي وهو يمشي في الأسواق ، ويكلّم الناس ، هو تجسيد لقصيدة الحياة العراقية المدمّرة المخذولة والمحطّمة ، لكن الهائلة التماسك والإصطبار ؛ (فاعبده واصطبر لعبادته) .. العراق يا غزّاي ..
يعلّمنا غزّاي – ومعه الراحل “كزار حنتوش” – أنّ على الشعر أن يلبس قميصاً مفتوح الأزرار تلعب به الريح ، أو دشداشة بيضاء ملطّخة بعرق الإبداع الطاهر المضيء ، ويسير في الأسواق ، ويجلس في المآتم ، ويقف أمام الأجساد المقطّعة في الطب العدلي ، ويراقب الأمّهاتِ اللائبات وهنّ يحاولن تركيب أجسام ابنائهن الممزقة أو يخرجن برؤوس أبنائهن في “فلّينات” يشددنها إلأى قلوبهن ، والأباءَ وهم يملّون الإنتظار ويقبلون بأي جثمان ، والحبيبات الصابرات وقد أصبحن جزءاً من أبواب الصبر ، وارتسمت أفاعي شوارع الإنتظار في مآقيهن ، واليتامى الحزانى الذين يفتقدون تربيتة الآباء الحنون على رؤوسهم قبل النوم ؛ الآباء الغائبون في غياهب الليالي الغادرة . يتحدّثون في قصائدهم عن الإله الشاب القتيل “دموزي” ، فتعال وحمّل مليون دموزي من عالم العراق الأسفل الذي طفح واكتسح عالم الحياة العلوي فيه . مَنْ الذي سيبعث الربيع وسط قحط الخراب ويسقي الشفاه المشقّقة والأرواح العطشى ؟
إنّه الشعر ..
مَنْ الذي يختص بـ “خداع” الناس بأن الحياة لم تُختم كما يقول السياسيون الجبناء ، وأن هناك عالماً “افتراضياً” فيه كرامةٌ وأملٌ ورجفةُ قلب ؟
إنهم الشعراء ، وفي مقدّمتهم غزّاي ..
ألهذا يكره السياسيون الشعراء ؟ طبعاً ..
إن هذا الواقع الإفتراضي – بكل معنى الكلمة – الذي يبشّر به غزّاي ، هو الأفظع خطورة على كل مشاريع التقتيل الطائفية والتقسيم الأمريكية السوداء لوطننا . لا توجد أيّ علامة إيجابية بيضاء في العراق تسند مزاعم غزّاي ، لكنها المزاعم الوحيدة التي تكفل لنا صحّتنا العقلية وتماسكنا النفسي ، وتضمن لنا البقاء بشراً ذوي قلوب . وهذه وصيّة أعظم الشعراء من حلفاء غزّاي : العصافير :
(حياتي غبارٌ
ومائيَ نارٌ
هذا ما قلتُهُ للعصافيرِ
في أمسيتي الشِّعريَّةِ الأخيرةِ
بعضُ العصافيرِ قالتْ :
هذا فظيعٌ ،
بعضٌ العصافيرِ قالتْ :
هذا بديعٌ ،
قلتُ : انظروا ..
لا أرى غيرَ الخريفِ
كلُّ شيءٍ يكادُ يضيعُ ،
قالتِ العصافيرُ
وهي تصغي إلى صوتٍ بعيدٍ
وتنظرُ إلى أعماقِ السَّماءِ :
إنّا نسمعُ خريرَ ماءٍ
وحفيفَ أوراقٍ
وهديلَ حمامٍ
وكركراتِ رضيعْ
إنّا نبشِّركُ بالرَّبيعْ ) (قصيدة “العصافير تبشّرني بالربيع” ).
.. إنّه يقدّم الوصفة الوجودية للشفاء العصيّ . فعندما يحملونك مريضاً بعلّة مدمّرة إلى الطبيب ؛ يفحصك ويكتب لك العلاج الذي يقول لك بأنه سيشفيك . ستنظر إلى المفارقة بين خراب جسمك وكلمات ورقة الوصفة الهشة ؛ مجموعة “الحبّات” والكبسولات” التي لا تشبع نظراً ولا تروي أملاً . قد تستخف بها ، لكن في أصغر الاشياء هذه ، قد تكمن حياتك وشفاؤك المستحيل . فكيف بالشعر ، وهو وارث شرعة الكلمة التي تحيي وتميت ، وقانون الخليقة الجوهري “كن فيكون” الذي اجترحه العراقيون للبشرية ؟! الشعر مرتبط بالشرف وبالبقاء ، ولا يمكن أن يرتضي إنسانٌ إنسان أن يجرّد منه . وهذه وصفة طبيب شاعر :
(ولا تمنعْني من قولِ الشِّعرِ
اقتلْني ولا تمنعْني من قولِ الشِّعرِ
ونعم …
إنَّني لا أنتظرُ أنْ يختلطَ الحابلُ بالنّابلِ
كمقاولي السَّنواتِ الأخيرةِ
بل أنتظرُ أنْ تختلطَ
خشخشاتُ الأساورِ والقلائدِ والأقراطِ
بقرعِ الطُّبولِ والدُّفوفِ
ويختلطَ
النَّرجسُ والياسمينُ والجوريُّ
والقرنفلُ وشقائقُ النُّعمانِ
بأزهارِ المشمشِ والتُّفّاحِ والرُّمّانِ وأوراقِ العنبِ
وطلعِ النَّخيلِ …
إنَّني أنتطرُ أنْ أرى السَّلامَ
لا أنْ أقرأَ السَّلامَ
على البلادِ والأيّامِ ) (قصيدة “مسؤوليّة إعالة العصافير” )
حياة الشعوب الروحية التي هي – وليس أجسامها مهما تضخّمت – سرّ خلودها ، تكمن في إبداعها – وفي مقدّمته الشعر – وأجسامها في سياستها واقتصادها . ووسط هذا الخراب الذي أكل الأجساد وأفسد العباد ، يتصدّى الشعر لمهمّة المصير : أن يبقى الإنسان على حلمه بأنه مخلوق على صورة الله . وهذا ما يريده غزّاي لقارئه العراقي المُمتحن ، بل لكل إنسان . مهمة مستحيلة لكن لا بدّ منها ؛ أن تتوقّف طاحونة القتل التي تهرس أجسادنا كل لحظة منذ الليلة التي وطأت فيها أقدام الأمريكان الكلاب المسعورين تراب وطننا الطهور :
(لا كلامَ لي مع ( أوباما )
كلامي مع العراقيِّين :
ليستْ مِنْ بطولةٍ في قتلِ الأخِ .
أنا أحملُ الجنسيَّةَ العراقيَّةَ
وأنتَ تحملُ الجنسيَّةَ العراقيَّةَ
وأنتم تحملونَ الجنسيَّةَ العراقيَّةَ
إذنْ فنحنُ إخوة
وليس مثلَ الأُخوَّةَ في الوطنِ مِنْ أُخوَّة .
هذهِ البلادُ منخنقةٌ
هذهِ البلادُ موقوذةٌ
هذهِ البلادُ متردِّيةٌ
هذهِ البلادُ نطيحةٌ
ولذلكَ فإنَّ لحمَها حرامْ
حرامْ
حرامْ
حرامْ
عليكِ يا بلادي السَّلامْ ) (قصيدة “أويلي على هذه البلاد” ) .
ومن الناحية الفنّية أقول لغزّاي : إن أول من سيخيّب ظنّك هم إخوتك الأعداء “الحداثيون” و “ما بعد الحداثيين” ، سيقولون أن نصوصك مريضة بفيروسات المُباشرة وتعاني من أنيميا الوضوح . لكن هذا هو الذي يفتقده الشعر الحزين – الآن – والذي صار بفعل ألعابهم الحداثوية صامتاً ، وإذا تكلّم لا يُسمع ولا يُفهم . مرّة قال لي المبدع الكبير “مظفر النواب” : (حسين أنا أكتب الشعر منذ أكثر من خمسين سنة .. والآن ، لا أفهم القصائد التي تحملها صحف الصباح !) . الحكمة الشعبية الباهرة تقول : حتى الجنة من دون ناس لا تُسكن ولا “تنداس” ، والغريب أن يتخلّى الشعر عن ناسه لصالح الرطانة الحداثوية .
وغزاي درع الطائي يريد لفت أنظار العراقيين إلى أن لديهم حلماً منسيّاً وسط الجحيم هو الشعر . إن الشكل الجديد الذي اتّبعه في هذه المجموعة ويزاوج بين قصيدة العمود والتفعيلة والنثر هو صيحة لعبور مصيدة الشكل والمضمون العابر للزمان والمكان الذي ينقل الشعر إلى مصاف المطلق وهو مازق بشّرت به الحداثة الغربية :
(والذين يحاولون أن لا يربطوا الشعر بالزمان والمكان ، ولا بالأحداث والمسموعات والمرئيات والمقروءات المرتبطة بالزمان والمكان ، إنّما يجرّون الشعر إلى ما هو خارج الحياة وبعيداً عن مداراتها)
كما يقول غزاي متسلّحاً بالرؤيا ، الفلسفة ، لماذا أكتب الشعر؟ ، المكمّلة للرؤية : كيف أكتب الشعر ؟ . ورؤيا غزاي المُحكمة عن جدوى الشعر ، هي التي جعلته – بالرغم من كل الخسارات الجسيمة والآلام الفادحة والأهوال المميتة – جعلته : لا يبيع .. نعم . لا يبيع ، في زمن كلّ شيء فيه – من قطرة النفط التافهة إلى قطرة الشرف الرهيبة التي يقولون أنها موجودة في مكان ما في جبين الإنسان – قابل للبيع .. بل تمّ بيعه باستسهال مروّع :
(يريدونني أنْ أبيعْ
صبّارةَ البردِ
وحمّارةَ القيظِ
يريدونني أنْ أبيعْ
( أنشودةَ المطرِ )
ونورَ القمرِ ..
في بغدادَ
يريدونني أنْ أبيعْ
( عمّي يا بيّاع الورد)
و( فوق النخل فوق )
يريدونني أنْ أبيعْ
بطاقتي التموينيَّةَ
وراتبي الحلالَ القليلَ
وجسدي العليلَ
وخوفي على عائلتي
وقلقي على يومي
ولومي على لومي
وطيبتي
وصُحبتي لخريسانَ
ومشيتي مع أصدقائي بينَ الجسرينِ قبلَ الغروبِ
والقهوةَ المُرَّةَ
والشّايَ المعطَّرَ بالهيلِ
وسَمَرَ الليلِ
وصوتَ الأذانِ
( اللهُ اكبرُ
اللهُ أكبرُ )
وقصيدتي الأخيرةَ
……….
أهلي كانَ ( يُجلجلُ ) عليهمُ الرُّمّانُ
وأنا اليومَ ( تجلجلُ ) عليَّ الأحزانْ
ولنْ أبيعْ ) (قصيدة “البعقوبي 2012”) .
وخذ الحكمة من غزّاي درع الطائي ، والشعر قد خُرّب – حسب وجهة نظر غزّاي الصائبة – حين نبذ الشعراء الحكمة وهرولوا نحو الهذيان . فالكثير من المقاطع في الفصائد التي بثّها عصارة تجربته ، صالحة لتكون حِكَماً وأقوالاً مأثورة يمكن أن تعلّقها في بيتك أو مكان عملك أو تثبّتها في دفتر يومياتك ، والأهم أنها دليل حياة للشعراء الذين عليهم أن يكونوا آخر من ييأس أو يتهاوى أمام ريح الخراب وعصفه . خذ هذه الحكم البليغة :
(في العالمِ قبحٌ وجَمال
ولكي تكونَ كفَّةُ الجَمالِ أثقلَ
علينا أنْ نكونِ فيها)
(الحياةُ
نلهو بها صغاراً
وتلهو بنا كباراً)
( زلَّة ُ قدمْ
ولا زلَّة ُ قلمْ )
( مَنِ امتلكَ القلمَ
صارَ لَهُ لسانانِ )
( كرتُنا الأرضيَّةُ
كرةٌ
لكنْ لا يحقُّ لأحدٍ
أنْ يلعبَ بها )
( أغلظُ ما فينا أخلاقُنا الرَّفيعةُ
وأرفعُ ما فينا غِلظتُنا تجاهَ الباطلِ )
( لو قُيِّضَ لي أنْ أُعطيَ الحرِّيَّةَ
لأعطيتُها للعصافيرِ والحمامِ
وليس للغربانِ والبومِ )
( أيعلَمُ البحرُ
أنَّ الأمواجَ التي يدفعُها إلى الشاطئِ
بعدَ كدٍّ شديدٍ
تكسِّرُها الصُّخورُ التي تنتظرُها هناكَ ؟)
ولكن أعظم الحكم وأشدّها بلاغة هي تلك التي يتوقّف عليها حاضر الشعر ومستقبله وحياته :
(القصيدةُ البيضاءُ
لا تنفعُ في السُّوقِ السَّوداءِ
ولكنَّ الشَّعراءَ الشُّعراءَ ما زالوا يكتبونَها ) (قصيدة “تساؤلات ملوّنة على أوراق بيض” ) .
وفي هذه المجموعة سيطالع السيّد القارىء ثلاثية غزاي درع الطائي الفريدة ، ثلاثية البعقوبي – وأتمنى عليه أن يتمسّك بهذه التسمية العراقية (البعقوبي) لتكون بصمته الشعرية الشخصية له وحده – هذه الثلاثية التي تستطيع من خلال تأمّل وتحليل مكوّناتها وتطوّرات شكلها عبر الأعوام والعناوين :
البعقوبي 2009
البعقوبي 2011
البعقوبي 2012
أن تتكلّم على “وثيقة” تعكس التحوّلات العاطفية والإستجابات الإنفعالية المرتبطة بتغيّرات أحوال هذه البلاد العاصفة ؛ وترسم الخطّ البياني النازل للتفاؤلية الجريحة – كما وصفتها في دراسة سابقة عن قصيدة غزاي : البعقوبي 2009 * – برغم محاولات تغليفها ، وربكة الصراع مع التشوّش واليأس التي تثيرها وتغلّف القصيدة بضبابها . وأتمنى على غزّاي أن يتابع هذه السلسلة كمشروع شعري ضخم يبتكر “تقويماً” جديداً للحياة العراقية المدوّخة .
وارتباطاً بدراستي تلك عن “البعقوبي 2009″ ، فقد ختمتها بقول يناسب موقف الوداع في هذه المقالة حيث قلتُ :
(ثم يكرر غزّاي نفس البيتين بترتيب عمودي متسلسل ، وكأن الشاعر منتصبٌ على رؤوسنا من خلال أفعال أمره ، أو كأنه يقف عند رأس محتضرٍ يائسٍ ، ويطلق نحوه دعوة الانبعاث :
( قُلْ
قُمْ
تحرّكْ
تجدّدْ
سدّد النظرا
وسّعْ
تعلّمْ
تحاورْ
لا تكنْ حجرا )
وهذا الذي تحدثت عنه ، في البداية ، عن الدور الشعري للشاعر تجاه وطنه ، وهذا هو انموذجه التطبيقي ، فبلا ضجيج أو زعيق ، ومن دون مفردات العنف والدم والموت ، وبنبرة شعرية هادئة ، وأداء احتفظ بقوة الجانب الجمالي ، قدّم الشاعر نصّا هائلا في تحفيز الإرادة والانطلاق نحو الفعل الاقتحامي المبادر ، ونفضِ تراب اليأس والاستكانة ، والعمل العزوم المثابر من أجل الحياة الحرّة الكريمة التي تبدو مستحيلة ، والعمل من أجلها بكل الوسائل ( ولو بالقصيدة ) ، وهذه أرفع مستويات ” الحِكمة ” في الشعر ، وهذا ما يتجسد في المقطع الأخير ( الثالث عشر ) الذي يعود فيه الشاعر إلى المقطع الأول مع تشديد النزعة التفاؤلية ، ليغلق دائرة قصيدته بمحيط أبيض برغم أوتار السواد الهائلة في داخلها :
( أحبُ الحياة الكريمة
لكنّني لا أراها
وسوف أفتشُ عنها
فإن لم أجدْها سأصنعها
وأصيحُ : تعالوا معي أيها
الصانعون
سأصنعها مثلما يُصنع
المستحيل
ولو بالقصيدة ) (قصيدة “البعقوبي 2009” ) .
تحية لغزاي درع الطائي ……..
——————————————————————–
*منشورة في صحيفة “الزمان” عام 2009

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *