محبرة الخليقة (13) : تحليل ديوان “المحبرة” للمبدع الكبير “جوزف حرب”

hussein sarmak 5د. حسين سرمك حسن
بغداد المحروسة
2012 – 2013

ملاحظة : حلقات من كتاب للكاتب سوف يصدر عن دار ضفاف (الشارقة/بغداد) قريباً .
أمّا في “نصّ القمر” فالمقترب يختلف كثيرا حيث وضعنا الشاعر في مواجهة الشمس بصورة مباشرة في استهلال النص “نصّ الشمس” . والسبب الذي أمسكه الشاعر موفّق ، فالشمس “تكشف” نصّ الصباح . الشمس معرفة ، وهذه عقيدة قديمة (فما دامت الشمس تكشف للبصر الأشياء المتمايزة ، فلمَ لا تكون هي ذاتها التي تمنحه القدرة على التمييز بينها ببصيرته ؟ أليس نور الشمس هو الأساس في تمييز الأشياء ، قبل انتقالها صوراً وتحديدات إلى عالم الذهن ؟ لقد وصف أحد السومريين الحقيقة بأنها “كلمة النهار في أفواه الناس” . فكما أن بصيرة الذهن تتعامل بالصور أو بتحديداتها ورموزها كامتداد لتعامل البصر مع الأشياء التي تنيرها الشمس ، كذلك لا بدّ من أن يكون هناك امتداد فعلٍ للشمس في عالم الذهن والمعرفة . وهذا الإمتداد الذهني هو لاهوت الشمس التي رآها الإنسان القديم كما رآها أفلاطون في جمهوريته مولودة على صورة المثال الأعظم لتكون للمرئيات مثل مبدأ المثال الأعظم للذهنيات وقد سمّاها “إلاهة النور” ) (19).. أمّا الظلام :
( فلمْ يمحو شيئاً . فما الليلُ
ليلُ المماحي . ولكنها العينُ أُخفي
عنها
الكلامْ . – ص 79 ) .
فالظلام هو غياب .. النور في الغياب . ولون انتظار النور أسود كما يقول الشاعر . وفي الليل تصحو غيلان لاشعورنا .. غيلان ذنوبنا الحيّة التي لا تموت ، فنلبس الشيء اشباحنا (ص 77) ونُسقط غيلان مخاوفنا على الموجودات البريئة التي تحيط بنا فتخيل لنا عصا الخوف حيّة رعب تسعى . الليل لا يخيف النبات ولا الحيوان والوحش .. وليس يخيف المياه .. إنه يخيف صاحب الوجدان الآثم . والإنسان حيوان مذنب ، كما قلتُ من قبل . والشاعر لا يعرف أين تولّي روحه المثقلة بالقلق وجهها حين يجنّ الليل . لا منقذ إلّا الصباح . النور هو الذي يطهّر . وفي كل ليلة يعيش الشاعر دورة عذابه هذه :
jozif 13( هوَ
الليلُ ،
أرسمُ أشباحهُ . وحدَهُ إن أطلّ
الصباحُ
محاها – ص 79) .
ولابدّ أن يوجد حلّاً لهذا المأزق الوجودي المضني . لابدّ أن تُغرس في احشاء الليل الذي تثير ظلمته المخاوف والظنون بذرة للنور . فكان القمر :
( أطلّ مهيباً ، كأنّ الغمامَ تلاميذهُ
خلفهُ ، يرتدونَ هفافاً طويلاً ، ويمشون إثرَ
نبيٍّ
من الأنبياءْ . – ص 81)
ومثلما أنشدت المخلوقات للشمس النشيد العظيم ، فقد صار نشيد الأرض يعلو .. ويعلو . نشيد يعلن ولادة مكوّن مكافيء للشمس في حياتنا . مكافيء له رؤاه ومعرفته ومريدوه مثلما للشمس رؤاها ومعرفتها ومريدوها . ومريدو الشمس الذكور ، أمّا مريدو القمر فهن الإناث اللواتي ارتبطن بهن –أو ارتبط بهنّ – فور أن أطلّ على الكون من “سُدّة ، فوق ، بين سحابِ السماء” ، مهيباً :
( أطلّ
القمرْ !
ففاحتْ على الأرض رائحةُ النسوةِ
الغامضاتِ . تلوّت بشهوتها شجرات الحقولِ . وغطّ فمُ
الريحِ فوق نهودِ الينابيعِ
وامتصّها . – ص 82) .
إن القمر هو الأنثى الكونية الكبرى ، وما تغيّراته من هلال نحيل يأخذ في الإمتلاء والإكتمال والتزايد حتى يستدير محيطه ويتوسّط قبة السماء بدراً مشعشعاً جميلاً مهيباً ، ثم انحداره وتناقصه قطعة قطعة ، إلا تجسيداً للحركة الطبيعية الداخلية لجسد الأنثى في دورته الشهرية . إن الإعتقاد بأنوثة القمر وتمثيله للأم الكبرى ، قد ساد الحضارات القديمة وبقيت آثاره في ثقافات الأقوام البدائية في عالمنا الحديث . هذا رأي مختصي الحفريات والباحثين في مجال الأساطير . لكن من الناحية النفسية لا أحد التفت إلى متغيّر خطير وهو أنه بمجرد أن أطلّ القمر من سدّة السماء على البشر حتى شعرت المرأة بأن هذا الكائن المنير قرينها .. صورتها المُسقطة على الأعالي .. فصار إحساسها الكامن بالألوهة مجسداّ في صورة قمر جميل مهيب . ولهذا تمحورت خيالات بني البشر وأساطيرهم حول المعاني الأنثوية للقمر في كلّ دلالاته :
(ناعمٌ ،
ناعسٌ ،
راقصٌ ،
كلُّ شيءٍ .
أويهات أنثى ، ووحيٌ بأجنحةٍ ، وملائكَ
يجلسنَ عند سواقي النُعاس . – ص 82 و83 ) .
ومن الطريف أن نذكر أن سكان بلاد الرافدين يعتبرون تمام البدر يوماً تحيض فيه عشتار وتستريح من كلّ أعمالها . لذا فقد ارتبطت بهذا اليوم مجموعة من المحرّمات . ودُعي هذا اليوم بيوم “السباتو” اي يوم الراحة ، ومنهم أخذ اليهود هذه العادة .
ولم يُسقط الإنسان جمال ونرجسية الأنوثة على القمر حسب ، بل تركيبتها النفسية العميقة الغامضة ، وعالمها الداخلي المفعم بالأسرار ، وقدرة رحمها المزدوجة – نفسياً – على الخلق ومنح الحياة ، وعلى الإلتهام وإنزال الفناء ، وبتقلّبات مزاجها وأطوارها الغير مستقرة ، إدراكها القائم على الحدس والرؤى .. وفعلها الولادي الذي ارتبط بالسحر مبكراً :
kh jozef 3( فيا
حاكمَ الليلِ ، يا
منقذَ الروحِ من عَتمها ،
فضّةً كان حبرُ الدياناتِ ، لوحُ شرائعكَ السحرُ ، أولى
القصائدِ كانت بصوتكَ ، قاضيكَ كان الرقى ،
والتعاويذُ ، لا طقسَ
للعشقِ إلاّ وكاهنهُ أنتَ .
لا حدسَ ،
لا صورةٌ ،
أو رُؤى ،
لا ولاداتَ ،
لا شمعدانَ على عَتمةِ
الروحِ إلاّ لأنكَ حوّلتَ هذا السوادَ إلى غامضٍ
شاعريًّ . – ص 83) .
وحتى الأمومة صار القمر رمزا لها ضمن مفهوم رمزي أوسع يحفظ نماء كلّ الحياة وهو : الخصب ؛ “فقد وجد الإنسان القديم علاقة بين القمر وخصب الأرض ونمو الزرع ، قبل أن يكتشف العلاقة بين الشمس والحياة النباتية . فضوء القمر الأصفر الليّن ، وطراوة الليل الذي تترك اردانه ، قبل أن ينجلي ، ندىً يمدّ أوراق النبات بالحياة ، ورطوبة تنعش الأرض ، كانت في تصوّر الإنسان أكثر ملاءمة لحياة الزرع من أشعة الشمس الحارقة (20) . لكن ينسى هذا المفسّر سرّ فلسفة الخصب الأكبر ، وهو الخصب الأنثوي الذي يجري عادة في الليل فيرتبط بالقمر . وهذا الدافع الخصبي ليس مقتصراً على الأنثى فقط ، إنّه الظل الأنثوي – الأنيما كما يسمّيه “كارل غوستاف يونغ” – الكامن في شخصية الرجل والذي يحفزه نحو الإبداع ، وهذا ما يكشفه من دون أن يعلم الشاعر وهو يخاطب قمره البهيّ الذي خفّف وطأة الظلام عليه ، الظلام الذي حرّك غيلان لاشعوره ، ويبحر فيه كي يصل أعماق نفسه ، في حين يبحر في الشمس نحو جسده ، فالشمس مبدأ ذكورة حيث الحرارة والقوّة والجفاف والإنجاز والوضوح والإختراق ، في حين يمثل القمر مبدأ الأنوثة حيث الرطوبة والعتم والغموض والخفايا والإنصهار ضمن الطبيعة :
( تفيضُ الأمومةُ منكَ ، يداكَ كأخضرِ
أنثى الخصوبةِ . أبحرُ فيكَ
لأعماقِ نفسيْ .
وفي الشمسِ أبحرُ في حقلِ زرعي
إلى جسدي . والذي خبّأتهُ بصندوقكَ الشمسُ ، وزّعتَهُ
فِضّةً من سلامٍ على الكائناتِ ،
ونوماً لطيفاً ،
طُمأنينةً من سُعاةِ
السوادِ ، – ص 84 ) .
ولكن سرعان ما تطفح تمظهرات نرجسيّة الشاعر الجريحة ، فـ “ينقلب” على قمره ، فهو مجرد كوكب لا وعي فيه ولا مشاعر ، وكلما يتحدث عنه العالمين من روح وفعل القمر هو من صياغة الشاعر الذي يقوم الآن – كما فعل مع الشمس – بقيادة الموكب الكوني تتبعه البحار والطيور والجبال والضواري ، صاعداً إلى القمر ، مطالباً بحقّه الملوكي :
( ولكنْ وحدي ألذي يدركُ
السرَّ ،
يدري
الحقيقهْ .
فقمْ أيّها القمرُ الملكيُّ عن السدّةِ
الأبديّةِ ، بعد الغروبِ ،
وضعْ فوقَ راسيَ
تاجَ الحقيقهْ . – ص 86) .
ولو عدنا إلى نصّ الشمس لوجدنا أن الشاعر كان قد تقدّم إليها بموكبه الكوني ولكنه لم يتسلّم منها صولجان الخليقة بل من “المُنتهى” ، فهو يدرك استحالة التسلّم المباشر للصولجان من الشمس الرهيبة الحارقة المُذيبة . كما أن من المريح أن تضع أنامل القمر على رأسه تاج الخليقة . ومهما كانت رؤى الشاعر و “رأسه” محلّقة في سماوات المخيلة فإن أقدامه يجب أن تبقى على “الأرض” .
في النصّ الثالث “نصّ الأرض” يحصل أمر غريب ، فالبداية “وصفية” رتيبة وبسيطة ، وينتابك شعور بأن صورها “مصنوعة” ، واللمسات الإستعارية فيها أشبه بعلاقات العلّة والمعلول المنطقية ، وتشبيهاتها مكرّرة ، وبعيدة جداً عن بدايات وتشبيهات أمير التشبيه في الشعر العربي المعاصر بلا منازع جوزف حرب الصادمة المعروفة ، وصوره التي لا تُبارى ولا تُضارع ، بالإضافة إلى مميزاته الأسلوبية الأخرى الفريدة التي تعرضنا لها في كتابنا السابق عنه ، والتي نمضي معها في كتابنا هذا :
( ولمّا رتّبت بينَ البحارِ بيوتَها
الأرضُ استعانتْ بالغمائمِ ،
والرياحِ ،
فألبستْ أشجارها
قمصانها
الخضراءَ ،
حولتِ الحقولَ
إلى مقاعدَ ،
من ركاياها الظلالُ ،
ومن مساندها الحفافيْ .
مدّتِ السجّادةَ الفيحاءَ فوق السهلِ
أندلسيّةَ الألوان . – ص 87 و88) .
كانت الصورة الإستعارية والتشبيهية عموما لدى جوزف في النصوص السابقة تشرق بعلاقات جديدة مترعة بالدهشة والجمال والدلالات المباغتة . كانت عالماً دلالياً وجمالياً يعبّر عن بناء إدراكي جديد ، وليس مجرد علاقة تؤكد ثراء المستعار منه أو المشبّه به الذي يختفي في كثير من الصور ليظهر مكتنزاً بأبعاد ومعان تحفز ذهن المتلقي على الإشتغال والتاثّر العميق . الريح تلبس قمصاناً خضراً بطبيعة الحال والأرض سجادة فيحاء والحقول مقاعد .. صور مستخدمة قبل هذا الموقف كثيرا وكثيراً جدّاً .. والمراعي موائد . والغابات كالأعراس .. والأرض مُنعِمة ، منها رزقنا وفيها مكان سكننا . نحن أمام زيادة في الحجوم والأبعاد وتوسيع في الأدوار :
(. ووسّعتِ المراعي كالموائد ، والصحارى
كالصيامِ المنتهي في واحةِ الفطارِ ، والغاباتِ
كالأعراسِ ،
أو
عيدِ البحارْ .
ولم تتركْ ، مع الأيامِ ، كائنة وما أجرتْ
عليها الرزقَ ، أو سمحتْ لها
ببناءِ
دارْ . – ص 89) .
وحتى عندما يلجأ الشاعر إلى المعاني الأسطورية المكتنزة في رمز الأرض من خصوبة وأمومة وجنس وعذرية .. وغيرها ، فإنها تأتي تقريرية لكن في صيغة إيقاعية وفي أدنى الحدود الإستعارية والتشبيهية :
( والأرضُ
ترقصُ .
تجعلُ الصفصافَ قامتها ، وريح الصبحِ
عاشقها .
وترقصُ
وهي في شبقٍ ،
وتفتيحٍ ،
وإنّ الأرضَ تسكنها الأمومةُ والخصوبةُ .
نهدها لبنٌ ،
وعيناها ملاكٌ .
والهواءُ يدٌ لها حتى تهزّ به الأراجيحَ
المموّجَ طفلها فيها …
دائما عذراءَ ،
حبلى دائماً .
تُنهي الولادةَ ثمّ
ترجِعُ للعروسِ البكرِ – ص 90 و91) .
ولعلّ هذه العذرية الدائمة قد تبدو مربكة للمتلقي ، فعشتار الأم توصف بأنها العذراء دائماً والبتول المطهّرة ، هي المعروفة بعلاقاتها المتهتكة التي عددّها جلجامش أمامها :
(أي حبيب أخلصت له الحب إلى الأبد ؟
وأي راعٍ أفلحَ في إرضائك على مر الأزمان ؟
على تموز زوجك الشاب
قضيت بالبكاء عاماً إثر عام000)
الإلاهة التي كانت تصيح جذلى :
(إحرث فرجي ، يا رجل قلبي00)
وتتحدث منـتشية في مزاميرها الموجهــة لدموزي حبيبهــا عن سعادتهـا وهي تمصّ قضيبه ــ أنظر إلى انفتاح أدبهم الجنسي آنذاك ــ وتقول له في إحداها :
(الحبيب التقى بي
فقضى مني وطراً وقضيت
جاء بي إلى بيته فاضجعني على سرير العسل
وقام بفعل الحب خمسين مرة00)

شاهد أيضاً

هشام القيسي: أكثر من نهر
(5) حفر كي يبقى

لهبه أوسع مثل نوافذ لا تستفهم الوهم ولا تحتفي سوى بالأفق قد أوقد شعرا علم …

طلال حسن: حكايات للفتيان (حكايات عربية)
(5) سعاد

إشارة: بعد أن أنهينا نشر فصول مخطوطة كتاب “حوارات” لأديب الأطفال المبدع العراقي الكبير “طلال …

حكمة النص: مشاهد في اقتفاء معطيات النص الشعري
(نخبة من الكتاب)
اعداد وتقديم ومشاركة: نزار السلامي (19)

التقاط الدر من واحة الشعر قراءة نقدية موجزة في ديوان ( في آخر الزمن نجمة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *