ليث الصندوق : ألإطار السياقي في رواية (أفراس الأعوام ) ، وأثره في تفعيل نمطية الثنائية الضدية (الحب/الحرب) (*)

laith alsandook 4يحد زيد الشهيد من فعالية الشخصية الاساسية جعفر حسن درجال في مفتتح روايته ( أفراس الأعوام ) من أجل أن يبرز فعالية المكان تاريخاً وذاكرة وأثراً ، فلا يبين من أثره سوى أحداث طفيفة ساهم بها فعلياً ، أو ساهمت بها ذاكرته استرجاعاً ، ومنها أحداث هروب قائمّقام المدينة العثماني يوم كانت القوات البريطانية على مشارفها ، ومنها أيضاً أحداث إستعادتها ذاكرته من خزين ذاكرة الأخرين ووجدت طريقها إلى رواية هو بطلها ، شفيعها في هذا الضم أن أؤلئك الأخرين ينتسبون إليه أو هو الذي ينتسب إليهم ، مثل ذكريات جدته جوخة عن الهجمة الفاشلة للقبائل الوهابية على المدينة . ولعل الحد من دور البطل من أجل إبراز دور المدينة في بداية الرواية ، أو على مساحات منها ، وهيمنة تأثيرها السردي على الشخصيات والأحداث جاء لكون الرواية من روايات المدن أكثر مما هي رواية بطل محوري وشخصيات ، وهي تتخذ من مدينة السماوة مسرحاً لأحداثها من جهة ، وتوظف تاريخها وجغرافيتها وناسها وتقاليدها في بناء تلك الأحداث من جهة أخرى . فالمدينة بذلك ليست مجرد بوتقة مكانية تصب بها فعاليات الشخصيات ، بل هي عنصر الفعالية والتغيير في تلك الأحداث ، إنها منتجة التوترات وحاضنة الصراعات التي تنطوي عليها الأحداث . وبالرغم من أن الرواية تزخر بأعداد كبيرة من الشخصيات ( بلغت أكثر من تسعين شخصية ) من مختلف المستويات الأدائية ، إلا أن كل تلك الشخصيات ( وبضمنها الشخصية الأساسية جعفر ) تبدو وكأنها تؤدي أدواراً تكميلية للدور الأساسي الذي تؤديه ( المدينة – المكان ) . فالمدينة هي البطل الأول ، ووراء ماضيها القريب ، وحاضرها الكئيب ( حاضر النص ) تتضاءل كل الأدوار وكل الشخصيات سواء كانت تاريخية أم تخييلية .
والرواية تطوع التاريخ للتخييل ، وتذيب الحواجز ما بين التاريخي والتخييلي بدون أن تخلخل ثوابت الأول ، وبدون أن تقيد حرية الثاني ، وبهذا المفهوم طوّع الكاتب ثورة الشيخ خوام التاريخية لمنظومته السردية بإدخال بطل الرواية جعفر حسن درجال طرفاً فيها ، أو بإدخاله طرفاً رجراجاً ما بين طرفين تاريخيين متعارضين : الأول ثورة الشيخ خوام لكونه ينتمي للثورة تاريخياً ، والثاني حكومة ياسين الهاشمي لكونه ينتمي إليها باعتباره عضواً في الحزب الحاكم . بيد أن مشروعية مطالب الحركة حسمت موقفه الرجراج ، وقربته من الثورة ( ص 243 – 250 ) .
ألإطار الزمني
بانتباه وحرص يقتفي الراوي المفارق في أزقة المدينة آثار أبطاله ، وأول أثر لبطل الرواية جعفر يعود إلى آب 1959 ، والحقيقة أن هذا التاريخ ليس سوى إطار لحدث ثانوي أرجع ذاكرة البطل إلى الوراء ، ولكن ما كان حدثاً ثانوياً في الفصل الأول من الرواية سيصبح في الفصل الثالث ( الأخير ) محور الأحداث ، وبه ستنتهي الرواية نهاية فاجعة . يبدأ زمن القص مع أحداث الفوضى التي عمّت المدينة جراء هجمة العوام على مقر جريدة اتحاد الشعب ، الواجهة العلنية للحزب الشيوعي بعد أن نفضت الحكومة يدها منه ، وأفتت بعض المرجعيات الدينية بتحريم الانتساب إليه . والحادثة التي ابتدأ بها زمن القص أثارت لدى البطل حواراً داخلياً نُقل إلى القاريء عبر الراوي وبلغته التي تستعين بضمير الغائب ليكتسب الراوي عبر هذه الصيغة الاختراقية في النقل صفة الراوي العليم . وإن كان حدث البداية قد أعاد القاريء إلى الوراء عقوداً من الزمن إلا أنه بالنسبة لذاكرة السرد يمثل زمن الحاضر ، حاضر النص ، فالراوي يحيّن نصّه ب ( اليوم ) أي ( الأن ) نقلاً عن البطل يصف الحي الذي يسكنه ( تتصل به أزقة جديدة مستحدثة عاماً بعد آخر حتى غدا اليوم ونحن في العام 1959 من أحياء المدينة الداخلية . ص / 232 ) . ولكن هذا الحدث الابتدائي سيكون المحفز للارتداد بالزمن إلى zaid alshahed 3الماضي ، حيث يسترجع البطل أحداثاً عاشها تعود إلى بدايات القرن العشرين ، ثم يربط ذاكرته بذاكرة جدته خوخة فيسترجع معها أحداثاً تمتد إلى أبعد من ذلك الزمن ، وهذا الانكسار ثم الارتداد في الزمن إلى الوراء تعقبه ارتدادات عديدة تنقلها تداعيات الشخصيات إلى الماضي القريب ، ثم الماضي الأبعد لتصبح لعبة الزمن مركبة من عدة أزمان ، وهذا ما تمخضت عنه محكية جعفر في الجزء الأول من الفصل الأول من الرواية ، فهي من ثلاثة أزمان : الأول زمن القص ، وهو الحاضر بالنسبة للراوي ، والثاني زمن الماضي القريب ، وهو زمن احتلال القوات البريطانية للعراق ، وزمن الماضي البعيد ، وهو الذي كانت فيه القبائل البدوية الوهابية تشن غاراتها على المدينة . لكن لعبة الزمن تبدو أكثر تعقيداً في مروية وهيبة ( الفصل الثالث ) وهي تتحدث عن رحلة انتقال عائلتها عبر النهر من مسقط رأسها بهرز إلى السماوة ليتقلد والدها منصبه الجديد مديراً للمال في إدارتها العثمانية . حيث يتراجع زمن الاحداث عن زمن القص ، فالمروية تبدأ من حيث كانت القوات البريطانية على مشارف المدينة تهددها بالاقتحام ، وما رافق تلك الظروف من اندلاع حالات السلب والنهب لدوائر الحكومة العثمانية ولبيوت موظفيها ومن بينها بيت عائلة وهيبة لتكون تلك النقطة في الزمن نقطة بداية المروية ، ومنها ستنطلق ذاكرة وهيبة متراجعة إلى الماضي ، ومسترجعة من ذلك الماضي أحداثاً تعود إلى مكان آخر حيث تتلقى العائلة وهي في بهرز نبأ ترقية الأب ، ونقله إلى السماوة . ويبدو أن النبأ السار قد نشّط ذاكرة الاستقبال لدى الأب فراح يخترق بتأملاته حاضر الخطاب مستقبلاً زمناً ما زال مجرّد توقع واحتمال ( سيكون لدينا بيت مستقل ، وسنلتقي بعائلات الموظفين ، نقيم معهم علاقة محبة ، نشترك في صحبة ودود . ص / 37 ) وعبر تلك المحطات الثلاث ، وما يكتنفها من تكسرات ضمن الزمن الواحد ما بين البعيد والأبعد تدور مروية وهيبة متنقلة في المكان بنفس الالية ما بين البعيد النسبي ( بهرز ) والقريب النسبي ( السماوة ) ، متوغلة في تفاصيل المكان الأخير وهي تتنقل عبر الأسواق النوعية والتفرعات ضمن السوق الكبير .
وعندما يصبح الزمن لعبة سردية مركبة ، فذلك يعني إنه أصبح هماً شاغلاً من هموم الكتابة . ولعل العتبة النصية الأولى ( العنوان ) قد مهدت للعبة الزمن ، وأضاءت جانباً من خفاياها عبر تركيز الدلالات وإيحاءاتها في مفردتين هما ( أفراس ) + ( الأعوام ) جُمعتا معاً في بنية إستعارية مكونة من شبه جملة (مضاف + مضاف إليه ) ، والمفردتين بصيغة جمع التكسير ، أولاهما ( أفراس ) نكرة تحيل إلى عنصر مادي ملموس ، وهذا الطرف يمثل مركز الثقل الحركي من الاستعارة . أما المفردة الثانية ( الأعوام ) فمعرفة تحيل إلى عنصر إعتباري محسوس ، ويمثل هذا الطرف مركز ثقل الدلالة الزمنية من الاستعارة . وكل مفردة في شبه الجملة تنتمي إلى مجال دلالي مختلف عن الأخرى ، فالأولى تنتمي إلى عالم الحيوان ، بينما الثانية إلى الزمن الذي هو أحد مباحث الفيزياء . وبصياغة العبارة ( العنوان ) من المفردتين بإضافة الأولى إلى الثانية تنزاح الدلالات عن محمولات المجالين اللذين جاءتا منهما ، وتنفتح على معان إيحائية تضيء الجانب الزمني المضني لأحداث السنوات المتسارعة تسارع الأفراس على مضمار الزمن ، ولعل أبرز دواعي الضنى أن الركض كان في فضاء مكاني عدائي وبيئة مختنقة بالتقاليد الرثة والقيم البائتة ، وهذا ما سنأتي عليه .
ألمكان المعادي – المكان الحميم
ألفضاء الذي تدور فيه أو تصب فيه استرجاعات جعفر أو جدته ، أو حبيبته وهيبة هو مدينة السماوة ، وهي حسب علمي أول رواية عراقية تتمحور كلياً حول تلك المدينة وتتخذ منها مادتها ، فهي في الرواية ليست مصبّاً لاستيعاب الأحداث ، بل هي ماكنة فاعلة ومؤثرة لصناعة الأحداث وتنشيط الشخصيات ، سواء تلك الشخصيات التي عاشت داخل أسوارها أو تلك التي جاءتها من خارجها ، فوحدات البناء الجغرافي للمدينة لا تتلقى الأحداث تلقياً سلبياً ، بل تساهم في صناعتها وإضفاء طابعها الخاص عليها . فالنهر ( الفرات ) الذي ( يخترق المدينة ، فيهب – أهلها – الحياة ، ويُشعرهم انهم بمأمن ممن يفكر في الإغارة عليهم ، واستخدام التعطيش سلاحاً لمحاربتهم . ص / 18 ) هو ( حسب المقبوس ) خالق حياة وهو وسيلة دفاع وسلاح مقاومة ، إنه صانع افعال ، بعضها معلن وبعضها ضمني ( يخترق ، ويهب ، ويُحيي ، ويُشعِر ، ويُؤمّن – يضمن الأمان – ، ويروي ) وإذا كانت العلاقات التتابعية ( علاقات الحضور ) ما بين تلك الإفعال تضمن للنهر دوراً سردياً في حياة المدينة ، فإنه يمكن أن نفترض أن لهذه الأفعال علاقات تبادلية ( علاقات غياب ) مع سلسلة أكبر بكثير من الأفعال الأخرى تضمن له دوراً سردياً وحياتياً مميزاً . وبالرغم من أن النهر وسيلة انتقال ما بين الضفتين ، إلا أنه وسيلة تواصل عاطفي أيضاً بين سكنة الضفتين ، وهيبة في الضفة التي يسكنها موظفو الحكومة ، وجعفر في الضفة التي يسكنها عوام الناس . ومن موقعيهما في الضفتين كان العاشقان يتبادلان رسائل النظرات ، ليضيف النهر بذلك التبادل العاطفي فعلاً آخر إلى أفعاله ، وفعالية أخرى إلى فعالياته لم تنص عليها المظان التي تبحث في جغرافية الأنهار . ومع ذلك فرغبة جعفر المستحيلة اجتماعياً في الاقتراب أكثر مما يسمح به الفاصل الجغرافي ( النهر ) كانت تجعله يرى في النهر واسطة تفريق وليست واسطة تجميع ( لو لم يكن هذا النهر موجوداً لكنت الأن أجلس إلى جوارها . ص / 73 ) دون أن يحسب ان للأعراف الاجتماعية والحواجز الطبقية والموانع الطائفية أكثر من نهر يحول دون تواصلهما ، وبكل هذه الأسلحة العرفية والطبقية والطائفية صدته أمه حين أسر لها قصة حبه لوهيبة طالباً منها التقدم لخطبتها له ( أؤلئك أناس ليسوا من طينتنا . ص / 83 ) وكذلك صدّه أبوه ( ما جرى بينكما يا ولدي أمر محظور ، وإن ظهر للناس فالويل لنا . ص / 84 ) .
وإذا كان إلغاء النهر من المدينة يسهل لقاء ضفتيه المتباعدتين ، إلا أن ذلك لا يعدو ان يكون أمنية مستحيلة لعاشق كثير التمنيات وكثير الأحلام ، تقابلها رغبات أكثر واقعية لصديقه ساسون إبن تاجر الأقمشة اليهودي داود زلخا في العيش بعيداً عن المدينة وعن ناسها من اجل تحقيق طموحاته في التعلم وممارسة الحياة المدنية ( لا يجب قضاء الحياة كلها في مدينة صغيرة كالسماوة ، نحن هنا في قبر . ص / 90 ) فهو ( يخطط للسفر إلى لندن للدراسة هناك . ص / 92 ) ومن الواضح تباين الارتفاع في سقوف الطموحات ما بين الشابين ، وتباين أهدافهما ، وتبعاً لذلك التباين تختلف نظرتيهما للمدينة وناسها ، بالرغم من أن تلك التباينات لا تضير علاقة الود ما بين الصديقين الشابين .
ومثلما وهب النهرُ المدينةَ قصة حب عذبة بطلها ( جعفر ) وهو أحد الساكنين على أحدى ضفتيه ، ووهب لجعفر حبيبته ( وهيبة ) التي جاء بها من بهرز بمعية أهلها للسكن والعمل ، فالنهر لا يتواني أن يسترجع عطاياه ، ويعيد هِباته . وها هو يعيد وهيبة وأهلها من حيث أتوا بعد تدهور الوضع الأمني في المدينة جراء انهيار السلطة العثمانية مع تقدم القوات البريطانية إليها . إنها ثنائية القدر الضدية ( أللقاء / الفراق ) تتلاقى مع ثنائية الجغرافيا الضدية ( الذهاب / الإياب ) لتكتبا قصة عاشقين أجبرا على قطع رحلة الحب قبل وصولهما إلى نهاية الطريق . والمفارقة في تلاقي الثنائيتين أن النهر الذي وهب وهيبة لجعفر ، ثم عاد ليسترجعها منه هو وحده ، وليس من أحدٍ سواه سيقف معه في محنته حادباً ومواسياً ( وتحرك صوب السلم الحجري المؤدي نزولاً إلى جرف النهر ، هناك جلس على قطعة حجر مرمرية وراح يبكي خسارة حبيبة خطفتها يد الأقدار . ص / 113 ) .
وما يُقال عن فعالية الدور السردي للنهر يمكن أن يُقال عن سوق المدينة الذي يمكن أن يُنسب إليه أيضاً دور سردي ، فقد تحوّل بحكم موقعه ما بين جبهتين متخاصمتين من سكنة المدينة إلى ارض حرام تتوقف عندها النزاعات والخصومات حيناً ، وتندلع منه حيناً آخر . وبذلك ساهم السوق في تحديد طبيعة العلاقة التي تحكم سكنة كل شطر من المدينة تجاه سكنة الشطر الآخر ، ورسم لهم الدور الذي سيلعبونه في تاريخ مدينتهم سلماً وحرباً . والشيء نفسه يمكن أن يُقال عن الجسر الخشبي وعن التياترو وعن حي القشلة حيث يصبح الأخير دالاً ( موقعياً ) على المدلول ( الحبيبة ) ، فوهيبة حبيبة جعفر حسن درجال تقطن ذاك الحي ، وعندما يُتذكر الأول يُتذكر الثانية ، إذ أن ثمة علاقة سببية تربط طرفي تلك العلامة السيميولوجية .
لقد تمكن الراوي من تفعيل دور المكان الخامل أصلاً وذلك باستنطاقه ، ليكشف عن مدى العلاقة التي أقامها مع ساكنيه ، وعبر هذه العلاقة تحول المكان إلى مسرح يرتبط مع ممثليه ارتباطاً جدلياً ، فالمدينة القلقة الفائرة بالمتاعب العشائرية والمبتلاة بالاهمال ترسم الأدوار لمن يعيشون عليها ، وأؤلئك بدورهم يستعرض على مسرحها ما رسمته لهم من أدوار ، وفي هذه الحركة الجدلية لا تلبث الشخصيات أن تنسحب بالتتابع من المشهد دون أن تخلف وراءها أثراً تاركة المسرح بكامله للشخصية المركزية ( جعفر ) يقص – من خلال الراوي – حكاية وهيبة التي كانت هي أيضاً قد انسحبت سريعاً من حياته ، ومن الأحداث مخلفة اصداء ذكرى تتردد حتى نهاية الرواية .kh zaid 5

مرويتان متعالقتان :
يخصص الكاتب الفصل الثالث لمروية وهيبة ، وعندما تُخصص مروية لوهيبة فيعني ذلك أنها لن تحضر فيها بمفردها ، بل مع جعفر ، مثلما هو الحال مع مروية جعفر ، فقصة حبهما أوجدت حالة تعالق ما بين مرويتيهما يرى عبرها كل منهما حدثاً بعينه ولكن من منظوره الشخصي ، وبرؤيته التفسيرية الخاصة . وومثلما كان لوهيبة في مروية جعفر إطلالة ساحرة ، فلجعفر في مروية وهيبة إطلالة ساحرة أيضاً ، ومع تلك الإطلالة يتصل ما كان قد انقطع من مرويته ( ما إن وقفنا عند واجهة المحل حتى استقبلنا شاب يقاربني في العمر . ص / 45 ) وبذلك تتلاقى المرويتان السرديتان لجعفر ووهيبة في نقطة التقائهما الفعلي مصادفة للمرة الأولى وهو يومئذ شاب في مقتبل العمر يعمل بائع أقمشة في محل أبيه في السوق الكبير ، وهي يومئذ بنت مدير المال في قائمقامية مدينة السماوة ، وقد جاءت بصحبة والدتها وجارتهما لشراء أقمشة للعيد الذي كان على الأبواب . وهذا التعالق ما بين المرويتين الذي كان جعفر قد بذر بذوره من قبل في مرويته دون أن يُنضجها ، سينبيء بعلاقة جديدة في مروية وهيبة ( هتف الذي بين أضلعي : هذا مخلوق جاء من سحابات الحلم . ص / 45 ) ومع ذلك فكل مروية لا تعرض كامل المشهد ، فهي مرآة صاحبها ، وتعكس رؤيته للأحداث وللآخر . وبالتقاء الرؤيتين يكون المشهد العاطفي قد اكتمل ، مع عدم استبعاد الأيدلوجيا في تحقيق ذلك التلاقي ، فقد استلهم منها جعفر أداة التغيير بعد أن حورها من أداة سياسية إلى أداة عاطفية ، ففي حين كانت الشيوعية أحدى الأدوات الفكرية في نهاية الخمسينيات لإحداث طفرات إجتماعية في مجتمع ما زال أسير تقاليده البالية وقيمه الموروثة كانت وهيبة قد أصبحت في عين جعفر قبل ذلك بزمن بعيد ( عامل تغيير حياة ابتغاها مختلفة عن أقرانه . ص / 50 ) ومن الواضح اثر الأيدلوجيا في إنضاج هذه الرؤية الثورية لدور المراة والحبيبة في التغيير من خلال العبارة الأخيرة في المقبوس والتي تضمر في طياتها مقارنة ما بين سكونية الحياة وقيمها لدى اقرانه وفي مجتمعه ، والنزوع الثوري للتغيير الذي ينشده بدعم من حبيبته . ولربما كانت بذور أيدلوجيا التغيير هذه قد سبقت وصول الأيدلوجيا المادية الاشتراكية إلى المدينة ، وأن أفكارها التحررية قد تسللت إليه من صديقيه ساسون وإلياس اللذين كانا اكثر منه اطلاعاً على متغيرات العالم المتمدن وثوراته المعرفية .
واللافت للنظر أن الإتصال ما بين العاشقين كان قد ولِد في حضن وفي رعاية المكان ذاته الذي اتخذ منه سواهما ساحة للصراع ، إنه السوق الكبير ، وتلك المفارقة العاطفية التي كان السوق الكبير ساحتها تتسع سردياً لتشمل كل أحداث الرواية ، ولتنطلق من المهد ( السوق ) الذي ولدت فيه لتنشر ظلها على ما حولها ، ولتسم بميسمها المدينة وناسها ( إن سكان هذين الحيين كانوا في معارك دائمة ، وحرب غائرة ص / 18 ) ثمّ ( السماوة منبت مشاكل ونزاعات ، وأهلها في عراك دائم ، لا ينامون ، ولا يصحون إلا على أخبار الاحتراب والدماء . ص / 37 ) وفي مقابل ذلك فإن ( هذه العداوة سرعان ما تتلاشى حين ينادي المنادي أن خطراً جدياً خارجياً يداهم المدينة وإن رافعي لواء ذلك الخطر يخططون لاجتياحها ، عندها يتداعى الجميع للصد . ص / 19 ) .
عود على بدء :
وبعد سياحة في التاريخ يعود اتجاه سير الرواية إلى النقطة / الحدث التي كانت قد ابتدأت بها : سلب مقر اتحاد الشعب ، ألواجهة العلنية للحزب الشيوعي في المدينة في الثامن من آب عام 1959 ( الجزء – 4 – من الفصل الأول ) وبطل الرواية جعفر حسن درجال يومئذ في الستين من عمره ( وستكون هناك أكثر من عودة إلى ذات النقطة / الحدث على طول الرواية ) ولكن عودة جعفر المعنية لاستدعاء حدث البداية الإطاري كان مقصوداً من أجل فتح دفاتر الحب القديمة التي كُتبت على مقربة من المكان / السوق الكبير . ولكن استدعاء حدث البداية في مكان أخر سيكون فرصة للرجوع بالزمن إلى الوراء أبعد من ذلك من أجل فتح سجلات الأيام الأولى للاحتلال البريطاني للمدينة حيث يتماهى التاريخي بالتخييلي تماهياً يجعل كلاً منهما متمماً للاخر ، فالقوات البريطانية الغازية على مرمى حجر من المدينة ، وأخبار العاصمة بغداد تنبيء بقرب نزول الكارثة على المحتل العثماني الذي أعلن النفير العام ، وأوقف إصدار الصحف ، ونفى رؤساء تحريرها ، وبذلك تنفتح البنية التاريخية عبر الوثيقة على السرد متحولة إلى بنية سردية تؤدي فيها الشخصيات التاريخية أدواراً تخييلية وذلك عبر استعادة التاريخ من خلال الشخصيات التخييلية ، ووفق فهم مستجد للرواية التاريخية تمثله رؤي تلك الشخصيات ، وطريقة هضمها للأحداث مما يمنح الرواية طابعاً تعددياً . ويمكن أن نتخذ من الحوار الذي دار ما بين شاكر حسان ووارد السلمان ومزعل عباس ( وهم من رواد مقهى عطية ) مثلاً على تلك المواقف التي تنصهر فيها مركبات السرد التاريخي على ألسنة الشخصيات الروائية ووفق وعيها وتفسيراتها لتصبح جزءاً من البنية التخييلية :
( – الأترك يتدهورون ، نطق الحسان ، أمس زارني إبن خالتي قادماً من بغداد ، وسافر فجر هذا اليوم إلى البصرة ، أخبرني أن نور الدين بك الوالي الجديد على العراق أعطيت له قيادة الجيش كذلك ، إنه النفير العام سيجعله يفعل ما يشاء ، أول شيء ارتكبه هو إيقاف إصدار الصحف ونفي رؤساء تحريرها ، يعني أننا بعد يومين لن نرى صحف الصباح والرقيب وصدى بابل والرياض وكذلك مجلتي لغة العرب والرياحين .
– كيف ؟ هتف السلمان ناطقاً من مكانه
– لا تصرخ ، هذا كلام سري لا يجب أن يسمعه الجالسون ( مال على أذن السلمان ليسمعه ) :
– الأكثر من ذلك أصدر أمراً بنفي أنستاس ماري الكرملي وعبد الحسين الأزري وداود صليوة إلى الأناضول . ألموصل ستكون من نصيب عبد اللطيف ثنيان وإبراهيم صالح شكر
– لكنك استثنيت الزهور
– لن تغلق لأن رئيسها محمد رشيد الصفار من رجالات الوالي . ألا يصح قول مزعل عباس أن هذا الرجل لا يمكن إلا أن يكون عميلاً تركياً ؟
( ص / 78 – 79 )
ولكن الراوي المفارق لا يلبث في نهاية الحوار إلا أن يتدخل مقوماً إتجاه حركته ، ومصححاً ما ظن أنه غلو في القراءة في محاولة لرد ما هو تاريخي إلى التاريخ ، وما هو تخييلي إلى السرد ( ذهب السلمان في خيالاته بعيداً . ص / 79 ) . وحتى في هذه الحوارات يبقى تأثير المكان واضحاً ، فإيقاع أخبار الحملة البريطانية على العراق ، وأخبار تقهقر القوات العثمانية وتخبط الأداء الحكومي من جهة في مدينة هي على مرمى حجر من تقدم القوات البريطانية ، ليس هو الإيقاع ذاته في المدن البعيدة ، ففي حين كانت الادارة العثمانية ما زالت تدعم موقفها الرجراج في بغداد بتكليفها للوالي العثماني الجديد على العراق قيادة الجيش ، كانت إيقاعات الأخبار في السماوة تسجل انحرافات عن البوصلة العثمانية والمروجون لها ، ف( خبر انتصارات الانكليز استحال حقيقة صارخة لا يحجبها غربال الاشاعات الملفقة ، ولا أقوال يبثها عملاء تركيا من أن جيوش الجنّ تحارب مع جيش الإسلام . ص / 69 ) . كما أن الموقع الجغرافي لمدينة السماوة ما بين البصرة الموشكة على السقوط بيد الانكليز ، وبغداد التي ما زالت تمسكها القبضة المتراخية للعثمانيين جعل من المدينة بوتقة لتقبل تبعات الحرب ما بين المحتلَين ( الانكليزي والعثماني ) كجزء من المفارقة التي فرضتها الجغرافيا على المدينة ، وابتلى بها أهلها فصاروا ( يستقبلون مجاهدين قادمين من مدن الشمال باتجاه الجنوب ، ثم آخرين هاربين من الجنوب يحملون أخبار خسائر الأتراك وهزائمهم وسقوط المدن تباعاً بيد الانكليز . ص / 98 ) .
حب عابر ، وصداقات ضائعة
يفتتح الكاتب الفصل الثاني من الرواية بنصوص مقتبسة من باشلار ورامبو وتوماس مان ، على عادته في افتتاح الفصلين الأخرَين أيضاً بنصوص موازية ذات دلالة من الأدب العالمي والعربي . أما زمن احداث الفصل الثاني فتعود إلى أواخر 1919 حيث يبدأ الراوي سرد الأحداث بمشهد عام للمدينة من سطح التياترو والغواني الثلاث العاملات فيه ( بهية ووفية ونجية ) اللواتي يجمعن بين الرقص والغناء وخدمة الرواد ، يتأهبن في ساعات الفجر الأولى للاستيقاظ ، لتبدأ مع الجزء الأول من هذا الفصل مروية جديدة هي مرويتهنّ ، ولتستأثر من تلك المروية إحداهن ، وهي بهية بالجزء الأكبر منها بعد ان شاعت بينهن أخبار مراودتها لجعفر ، وعلاقة الحب العابرة التي ربطت بينهما والتي كانت السبب في فصم علاقتها بالتياترو وبه أيضاً . ومثلما انتهت مروية وهيبة بانقطاع علاقتها بجعفر مع دخول طرف ثالث خارجي إليها ممثلاً باللصوص والسلابون الذين استباحوا المدينة في أعقاب انهيار الإدارة العثمانية ، أنتهت مروية الغانية بهية بانقطاع علاقتها بجعفر مع تدخل طرف خارجي ثالث بينهما هو جبار الغاوي صاحب التياترو الذي طردها منه بادعاء إنها تسيء لسمعته بعد شيوع أخبار علاقتها بجعفر . ويستمر مسلسل الفقد في حياة جعفر ، فمثلما فقد أعز أصدقائه ساسون إبن تاجر الأقمشة اليهودي داود زلخا ، فقَدَ بعده صديقه المترجم مع القوات البريطانية الياس المسيحي أبن الموصل وكلا الصديقين غادرا العراق إلى أنكلترا للدراسة ، وكلاهما أيضاً كانا قد بنيا علاقتهما مع جعفر متوسِمَين فيه الموهبة والتطلع للمعرفة والتغيير في بيئة تتهيب التغيير ، وتجهض المواهب ، وتطرد الموهوبين . ويلاحظ إقتران عمق العلاقة بين جعفر وصديقيه مع تباين الانتماء الديني لكل منهما ، وهذه الملاحظة لم تأت عفواً ، بل هي أشارات مقصودة اعتمدها الكاتب للتدليل على عفوية التسامح في مجتمع لم ينل حضوة من التطور والتحديث .
رؤى وهوامش
ويعود الفصل الثالث ( الأخير ) إلى ذات المشهد الإطاري الذي بدأت به الرواية من عام 1959 حيث اقتحام مقر الحزب الشيوعي في المدينة ، مع توسع في التفاصيل وإغناء بالإضافات النوعية التي أخرجته من حدوده الإطارية الضيقة لتجعل منه حدثاً مركزياً ، وتستل من شخصيات الماضي شخصية ذات دور ثانوي تُعيد تفعيلها لتجعل منها الشخصية المركزية لهذا الحدث الذي سبقَ أن مرّ دون أن يلفت الانتباه إلى ما يختزنه من طاقات سردية مؤجلة ، وتلك الشخصية هي وارد السلمان الذي استشهد في حادث اقتحام المقر ، وقد تبين إنه كان قائداً شيوعياً بارزاً . والراوي ينقل المشهد من وراء حدقتي عيني جعفر ، وبانطباعاته الشخصية عن الحدث وأبطاله ، ولكن بلغة الراوي التي يميزها استخدام ضمير الغائب للحديث عن البطل الحاضر دوماً جعفر حسن درجال ، ولا يتردد الراوي أن يتدخل هنا وهناك ليُفسّرَ ، أو يُصححَ ، أو يؤكد حدثاً ما ، مثلما تدخل في الحوار ما بين جعفر وزوجه زكية مؤكداً على صحة رأيها في خطورة العمل السياسي في العراق عموماً ، وفي السماوة خصوصاً ، جاعلاً من مداخلته جملة اعتراضية طويلة من دون أن يؤطر حدود المداخلة أو يعزلها عن كلام زكية الذي كان قد قطعه ، ثم عاد بعد انتهاء مداخلته ليوصله من حيث انقطع . وقد حافظ الراوي في مداخلته على أقصى درجات الحياد وهو يروي أحداث الصدامات السياسية التي طالت البعثيين والعمال في المدينة ( ص / 239 – 240 ) .
ولكن الكاتب ، ومن ورائه ضميره الثاني ( الراوي ) لا يترددان ان يستخدما أسلوباً آخر للتعقيب على الأحداث من خلال استخدام الهوامش التي تكررت كثيراً لتشكل مستوى قراءة آخر يضيء النص ويعين القاريء على فك مغاليقه . بعض تلك الهوامش جزء من النص ، وامتداد له ، مثل التحليل النقدي الوصفي لبعض لوحات جعفر التشكيلية ( ص / 134 ) وبعضها ليست من داخل النص ، بل من مرجعيات سياقية خارجية متداولة ومعروفة للقاريء مثل الهامش المستل من الدكتور علي الوردي عن تدخل القوى الدولية في أحداث العراق ( ص / 176 ) أو تلك المستلة من المراجع التي تؤرخ للأدب الشعبي وفنونه . ولعل أكثر الهوامش لفتاً للنظر تلك التي يتداخل فيها النص بالسياق مثل الهامش الذي يصبح فيه المرجع جزءاً من ذاكرة الأب حسن درجال وهو يسترجع معلوماته الجغرافية عن أعداد المسلمين في العالم ، ورغبة ألمانيا في استمالتهم لمحاربة الانكليز ( ص / 69 ) ليصل إلى قناعة خاصة هي جزء من رؤيته التي هي في النهاية واحدة من الرؤى العديدة المتباينة ( هذه الأعداد الهادرة من المسلمين يمكن أن تطيح بهيبة أنكلترا . ص / 70 ) . وفي ذات الهامش يعبر الأب عن وعي متقدم وهو يشكك في صحة الشائعات التي تروج لإعلان قيصر ألمانيا إسلامه وتغيير إسمه من ( غليوم ) إلى ( محمد غليوم ) والتي صدقها المسلمون الخاضعون لسطوة الجهل والخرافة . ويرد سبب الشائعة وتوقيتها إلى رغبة ألمانيا في كسب المسلمين لجانبها ضد أنكلترا في الحرب .
وعلى ذكر الرؤى والأصوات المتعددة ، فهذه قضية إشكالية لم توفّ حقها وتحتاج جهداً مضاعفاً من أجل التمييز والإنضاج ، لا سيما أن الكثير من الأصوات تبدو متماثلة في لغتها ووعيها مع بعضها ، أو مع لغة الراوي ( الذي يستحوذ على لغة الكاتب باعتباره ضميره الثاني ) . في حين إنه من البدهي أن تتباين لغات تلك الأصوات عن بعضها بحكم تباينهم عن بعضهم في الخبرة والوعي والثقافة والطبقة الإجتماعية والبيئة والعمر . وفي هذا السياق فإنه من الغرابة أن نجد جدّة جعفر العجوز الأمية تتحدث بذات لغة الراوي المنمقة والمغرقة بتشبيهاتها واستعاراتها البلاغية وهي تنصح حفيدها جعفر في أعقاب اعتقاله مع الشيخ خوام ( لا تثق بمن حولك حتى وإن طيروا أمامك عصافيرَ المودة ، وزغردوا لكَ بأفواه الوفاء ، أؤلئك الذين يهللون لطلعتك هم من يكيدون لتحطيمك ، والذين ينشرونَ إزاء ناظريك غسيل الكلام هم من يلاحقونك بسكاكين تمزيقك . ص / 256 ) ثم تواصل كلامها بلغة أكثر تكثيفاً ( إنهم يسيرون مع المد ، وينسحبون مع الجزر . ص / 256 ) .
رمز تحذيري
ومن الضروري التنبه إلى حيوية رمز الذئاب الذي ظهر في الفصل الثاني من الرواية بصيغة الجمع حصراً ، وقد استخدم كدال مادي لمدلول معنوي لا يقل عنه شراسة وقسوة هو المستقبل أو المنتظر أو المجهول . وهذه الذئاب الشبحية المحجوبة عن أنظار الأخرين لا تراها إلا عينا جعفر فوجودها يقترن عادة به ، وبالأخطار التي تترصد به ، وهي لا تتحرك فرادى ، بل قطعاناً ، وتتسلل إلى مناطق الخطر التي لا يُراد لجعفر الإقتراب منها أو دخولها ، ليكون الرمز بذلك جرس إنذار ينبه جعفر إلى خطورة ما ينوي الإقدام عليه ، أو خطورة ما وضع له في طريقه ، مثل تجسد صورة الرمز له حين أقدم على ارتياد مبنى التياترو حيث كانت ( جموع ذئاب لاهثة تخرج له من بين أجمات كثيفة على يمين الدرب . ص / 157 ) بيد أن ذئاب التحذير والخطر سبق أن تجسدت للشاب قبل هذا الموقف يوم ذهب بمعية أبيه لحضور مراسيم شهر محرم الحرام وكانت تلك المناسبة بداية لولادة الرمز وانطلاقه ( ذئاب سيجد خروجها يتكرر معه في الأيام القادمة . ص / 152 ) ثمّ ( ذئاب سرعان ما تأخذ أشكالاً آدمية تتحرك بخفة قوائمها في السير متربصة بدهاء يسلب نقاء الوجوه وصفاءّها . ص / 152 ) ويبدو السبب التحذيري – لتجسد الرمز أمام عيني جعفر في هذا المقام – مستغرباً لاسيما أنه لم يكن في هذه المرحلة من حياته قد أنضج رؤية رافضة لهذه الممارسة الطقوسية ، بل أنه حتى في مراحل متقدمة من حياته لم يعارض ممارستها ، ووقف على الضد من الحكومة التي كانت تنوي اجتثاثها بالقوة مقترحاً التروي والتريث . ولعل أجمل توظيف لهذا الرمز جاء بإزاحة الدال عن نمطيته الصورية المعتادة وإدخاله في نظام صوري آخر مغاير ليكتسب عبر تلك الإزاحة المزيد من الغرائبية والإدهاش وقد تحقق ذلك مع استدراج الغانية بهية لجعفر إلى غرفتها في التياترو ، عندئذ ( فاجأته الذئاب ، خرج بعضها من تحت السرير ، وبعضها هبط من السقف ، أعداد تسللت من شقوق الجدار الجصي ، وذئاب فرادى دخلت من الباب الموارب فأغلقته . ص / 163 ) ثمّ ( تولى عدد من الذئاب العزف على الالات الوترية . ص / 163 ) .
ملامسة مناطق الحذر والخطر
ولعل من أبرز السنن اللافتة للنظر في بنية الرواية ( بعد الإحفاء بالمكان ) هو ذلك التناول الجريء والشفاف والمحايد للقضايا العقائدية متمثلة بالتمييز المذهبي في ظل الحكم العثماني وما نجم عنه من تصلب مقابل . إضافة إلى تناول العلاقة السمحة ما بين أتباع الديانات السماوية ، وتحديداً ما بين المسلمين واليهود في بيئة يبدو من ظاهر انغلاقها وتخلفها أنه من العسير أن تتقبل هذا الانفتاح وتستوعبه ، بل أن ثمة إشارة إلى إمكانية التعايش بين أتباع المذاهب الإسلامية عبر التلميح بوجود مقهى في المدينة يدعى ( مقهى الدليمي ) . ولعل أخطر ما تناولته الرواية في هذا السياق هو قضية الخلاف ليس بين المذاهب الاسلامية ، بل بين المتمذهبين ، وما يتسبب فيه من تباعد وتناحر بين أبناء مذاهبهم ، وتوظيف تلك الثيمة سردياً بعكس تأثيراتها على علاقة الحب بين بطلي الرواية اللذين ينتسبان إلى مدينتين متباعدتين ، وإلى مذهبين مختلفين . وبرأيي أن تناول الموضوع العقائدي بهذه الجرأة أمر يُحسب لصالح الرواية بالرغم مما قد يثيره من حساسيات تاريخية واجتماعية ودينية وطائفية لا سيما إن إدخال عنصر الحب كمفتاح لفتح البوابة الموصدة منذ قرون خلت ما بين منطقتين منفصلتين عقائدياً ، ومتصلبتين مبدئياً يعد خطراً بحد ذاته في بيئة ترى أصلاً في الحب خروجاً على التقاليد المحافظة ، واستهانة بقيم الدين .
كما تناولت الرواية في إطار تناول الموضوعة العقائدية قضية لا تقل عن سابقتها حساسية وحذراً لا سيما أنها تنبش الخلاف ضمن حدود المذهب الواحد ، وذلك بتناول قضية الغلو في ممارسة طقوس العزاء والحزن في شهر محرم الحرام وفي يوم عاشوراء منه ( ص / 235 – 236 ) تناولاً سردياً ينأى بها عن سياقها الديني والاجتماعي ، ومع ذلك فقد نجحت جرأة السرد ومصداقيته في التعبير عن ما يدور في خواطر المثقفين أكثر مما نجحت محاولات البعض في معالجة الموضوع عبر تناول السياق تناولاً مباشراً .
ألخلطة السرية
وبالرغم من بعض الأغلاط اللغوية ، والإكثار من استخدام مفردات البلاغة التقليدية ، وتحديداً الاستعارات والتشبيهات مع تنافر ما بين أطرافها وأركانها مما أربك انسيابية اللغة وتدفقها ، وحدّ من عفويتها . إلا أن ذلك لم يحل دون نجاح الكاتب في تدارك الخلل من خلال تفعيل العناصر النمطية للثنائية الضدية التقليدية ( الحب / الحرب ) ، وزج الناتج المفعّل في بناء وحدتين سرديتين أساسيتين موازيتين لطرفي الثنائية : ألوحدة السردية الأساسية الأولى تناولت موضوعة الحب ما بين بطلي الرواية جعفر ووهيبة ، والوحدة السردية الأساسية الثانية تناولت نتائج وتبعات الحرب ما بين القوات العثمانية المتقهقرة والقوات البريطانية المتقدمة باتجاه المدينة من الجنوب . وقد ظلت فعالية الوحدتين قائمة على امتداد الفصل الأول ، ولكن كثافتها خفت مع الفصل الثاني ، ولعل السبب هو انحسار دور أهم الأطراف المحركة للوحدتين ، فقد غابت وإلى الأبد وهيبة من حياة جعفر ، وتحولت إلى مجرد ذكرى ، غيابها وعودتها لا يضيفان جديداً للأحداث . أما سبب خفوت الوحدة الثانية فهو خفوت حدة العمليات العسكرية بعد اندحار العثمانيين . ومع خفوت فعالية الوحدتين السرديتين الأساسيتين نشطت الوحدات السردية الثانوية التي تتغير باستمرار مع أجزاء الفصول لتمنح السرد التنوع الذي يضمن التشويق والإثارة ، مع ملاحظة أنه حتى بعد أن انحسر تأثير الوحدتين السرديتين الأساسيتين إلا أن صدى إيقاعهما لم يتلاشَ تماماً ، وظل يتردد بين حين وآخر .
ولعلي لا أغالي إن قلت أن أغلب قصص الحب ما عادت تقدم نماذج نوعية إلا في النادر القليل ، فأكثرها يكاد أن يكون قد استنفذه التنميط والتكرار ، وربما لا تكون قصة الحب في هذه الرواية استثناءاً عن ذلك . والشيء نفسه يمكن أن يُقال عن أغلب قصص الحروب ، وعن قصة الحرب التي تتناولها روايتنا هذه والتي لا تشكل استثناءاً عن الشائع العام . بل أن الشيء نفسه يمكن أن يقال عن القصص التي جمعت طرفي الثنائية الضدية ( الحب / الحرب ) والتي كان من المحتمل أن تتسرب نمطيتها إلى هذه الرواية لو لم يضع الكاتب ثنائيته في إطار سياقي ذكي ومبتكر عناصره هي : الحاضنة البيئية الإستثنائية ، والمكان الاستثنائي ، ففجر بذلك كوامن عنصري الثنائية ونجح في وضع حل للنمطية التي أخفق الكثير من الكتاب في الإفلات من أسرها ، وأنقذ بهذه الخلطة السرية روايته من التكرار الممل ، وقدم نموذجاً جديداً لقصة حب مهددة بالحرب من جهة وبالتقاليد القبلية والتصلب الطائفي من جهة أخرى في مكان عدائي محاصر من كل جهاته بثنائية الجغرافيا الأزليتين : الصحراء والنهر اللتين كانتا أحد سببين أساسيين في انغلاق المدينة وتحجرها بعزلها عن العالم وعن رياح التغيير ، أما السبب الأخر فهو الهيمنة طويلة الأمد على المدينة للسلطة العثمانية المتخلفة والبدائية .

( * ) أفراس الأعوام – زيد الشهيد – تموز للطباعة والنشر والتوزيع – دمشق

شاهد أيضاً

ثورة الإحساس وصرخة الضمير والشاعر عصمت شاهين دوسكي
بقلم الأديب والإعلامي: أحمد لفتة علي -بغداد

* الطاقة الفكرية الجمالية تحرك الراكد . * ما هي عقلية القرون الوسطى التي ينبغي …

شوقي كريم حسن: د.عقيل مهدي يوسف… المسرح مهمة جمالية!!

*قد لانشير الى تلك التأملات التي تعيشها طفولتنا التي تحاول التفريق بين معنى للوجود واخر …

الإبـــــداع الشعــــري والطـاقــة المحـبوسـة
د. خـيرالله سـعـيد*

قـراءة في القصيدة الملحميّـة ” باطـن منـكب التيـس” للشاعرة الهـولندية أنّــامــاري إســتر . ترجـمة المسرحي …

تعليق واحد

  1. غازي سلمان

    مقال ، يشتمل على تجربة تجربة روائية غنية ، فيحيط برواية احسبها( ملحمية) قبل قراءتي لنصها

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *