علي حسن الفواز : حسين عبد اللطيف.. اللوعة وكعب أخيل (ملف/15)

ali fawazفي الظل من الحياة يمارس الموت الكثير من المناورة، اذ يصطنع له الشاعر الكثير من المغامرات والنزق، حدّ التفلت من القيود والاحكام، والاندفاع الى اللغة بوصفها بيت الافكار والوجود والاقنعة واللذات والشتائم والنواح..

ادرك الشاعر حسين عبد اللطيف هذه اللعبة مبكرا، لعبة التفلت من الموت الى الحياة، لكنه كان اكثر خوفا على الحياة من الموت، وهو مادفعه باتجاه اللغة التي تعني هنا استعارته الكبرى، ليمارس كل المجازات التي تموضعه في نسق الشاعر الهارب، الشاعر المسكون بسحر الحياة، والذي يستعين دائما بكل الحرائق والاقنعة والاساطير لكل يوهم نفسه بالخلاص، ولكي يضع القصيدة بمواجهة هذه البهجة القاسية، البهجة التي تدفعه وهو الجنوبي الباحث عن الغائب من الامكنة، ان يكون اكثر انشغالا وتوازنا في قماشة اللغة بوصفها الهيدغري.

منذ ان كتب مجموعته الشعرية الاولى (على الطرقات ارقب المارة) عام 1977 وهو يستمرأ الانشداد الى سوانح اللغة الشعرية، تلك التي توهبه الاحساس بلذة المراقبة، والتلصص على الوجوه، وعلى الامكنة، اذ تبدو لعبة (الشاعر المراقب) هي المعادل النفسي والاستعاري للشاعر القلق، الشاعر الذي يبحث عن سؤاله الوجودي، سؤال المعنى والفكرة والرؤيا.. ولعل مجموعته الثانية (نار القطرب) 1994 اكثر تعبيرا عن نضج تجربته، وامتلائها بالثراء الاسلوبي والصوري، والرؤى العميقة للعالم، ولتحولاتها وهي تجسّ مايتكشف من صراعات الانسان في سيرة بحثه الدائب عن الفكرة الخالدة، فكرة الخلاص والتطهير، فضلا عن ان هذه المجموعة كانت اكثر تعبيرا عن خصوصية حسين عبد اللطيف وسط اجيال شعرية انشغلت كثيرا بالتجريب والمغامرة، واستكناه الوجود والجسد والاسطورة من خلال استنطاقات اللغة، ومن خلال رؤية الشاعر للعالم متحولا وفائضا في تأويله للصراعات العميقة، لذا كانت هذه المجموعة تجسد اهم توصلات الشاعر في رؤياه وفي ترصين تجربته الشعرية، مثلما تجسد وعيه الاشكالي والحاد لعوالمه التي تعيش هوس التحول، والاغتراب، وتعيش ايضا قلق الانسان المفجوع بوعيه وحريته وحروبه الدامية، تلك التي وضعته عند الحافة، وعند رعب الهاجس الذي ظل يدفعه كثيرا الى نوع من(الخلاصات) الوجودية، تلك التي تشبه خلاصات ارفيوس الاسطورية وهو يسرق النار ليضيء طرق الحكمة، او ربما هي نار الحكمة ذاتها، واحسب ان نار القطرب عند حسين عبد اللطيف تلبست هواجس الشاعر في بحثه عن الخلاص، مثلما تلبست قلق الشاعر وهو يواجهه الاحساس الخفي بالموت المضاد للحياة التي يشعل لها النار دائما..

hussein abdulatif 5(بصيصٌ ضئيل/ يدخل الآن من فرجة الباب مرتجفاً…/

بعد ما الذكريات/ رحلت ـ وهي تحمل صرتهاـ/

بعدما السنوات/ أقفلت كلّ أدراجها../

واتّخذنا الدخان../ ساتراً لنا/ كي نغطي افتضاح الدموع)

البناء الفني في هذه المجموعة يعكس وعي الشاعر للطبيعة تأثره بالتجارب الكبرى التي سبقته بدءا من السياب واشباعا بتجربة الشاعر حسب الشيخ جعفر، واقترابا من بعض هواجس سامي مهدي، لكن معالجاته الصورية والبنائية حاولت ان تكشف رؤيته المغايرة، وان تجسد وعيه في تمثل متجاوز للجملة الشعرية وصورها اشتغالاتها وتركيبها، ولابراز حذاقته في ان تكون هذه الجملة اكثر تعبيرا عن تجربة شعرية لشاعر يشتغل في مساحات مفتوحة للتجريب، وان تتوطد بنية قصيدته بالانزياح اللغوي الاستعاري والصوري، فضلا عما كتسبه بالمران والخبرة والاشباع الثقافي الشعري والمعرفي، اذ نجد الكثير من التمثلات الواعية حاضرة في تجربته بشكل بائن..

وكتابه الشعري (لم يعد يجدي النظر) عام 2003 يجسد بداية التمرد على الاحساس الطاغي بالحياة، والركون الى مغادرة منطقة وظيفة الشاعر المراقب والشاعر المتلصص التي تلبسته عند فوران مجموعته الاولى، اذ افقدته الكثير من الخيبات لذة ان يكون صانعا للبهجة، وان يستكنه ماتثيره غريزة النظر للاشياء والكائنات، وما يمكن ان تفجره من رؤى وهواجس، تلك التي ظلت تزاحمه في مغامرات انشداده الى الحياة واغتراباتها الوجــــــــــــــودية والانسانية..

وحتى كتابه الشعري (امير من اور) 2010 كان توسيعا لافق الحزن عند الشاعر، ولاحساسه المرعب ازاء الحياة التي افقدته اطمئنانه، واشيائه الحميمة في الوجود والمعنى والجسد، حتى ان استعارة الفقد صارت هي الهاجس التعويضي للفقد الذاتي، والفقد اللغوي، اذ يلجأ الشاعر الى اساطيره القديمة بحثا عن اشباعات واهمة، وعن صورة اخرى للخلق والانبعاث، تلك التي تجعل فكرة الحياة قريبة من فكرة الموت، حدّ انهما يتبادلان اللعبة المائزة بايهام الوجود واستكناه اـلمعنى واغتراب الذات بوعيها ورعبها ..

رحيل حسين عبد اللطيف هو رحيل قصيدته ذاتها، تلك التي رهنت وجوده بوجودها، وبالاسئلة اللجوجة لمهيمنة (الوعي الشقي) الوعي الذي يتلمسه استلابه الشاعر، ويرى من خلاله الموت وهو يتسلل الى جسده، والى تفاصيله الصغيرة في العائلة والمكان واليوميات والوجود، وبما يـــــــــــجعل القصيدة وكأنها البوق الاسطوري القديم الذي يعلن الحرب او الموت..

لقد رحل الشاعر مع بوقه واساطيره واحلامه، لكنه ترك الكثير من الاثر الذي يضج بالحياة التي حاول ان يصطنع لها طرقا سحرية، لكنها بادله الخديعة، وتركته عند اول الحرب مخدوعا ومصابا باللوعة، اللوعة التي تشبه لوعة اخيل الاسطوري وهو يعيش رهاب الفقد وضيق الامكنة والخلاص..

قضيت وقتاً ليس بالقصير أنتظر القنفذ

يخرج من المخبأ

لأسرع فأركم مدخله بالطين

-عادة ما يكون هناك مبرر لأفعال المرء

أو تفسيراً للبسه القناع-

حتى إذا ما عاد جالباً الطعام لصغاره

لم يجد منفذاً

وقد حيل بينه وبين صغاره

فيحار ويضطرب

ويظل يبحث بارتباك هنا وهناك

وهو يتطلع إلى وجهي متسائلا، مستعطفاً

وبعد عدة إشارات وهمهمة مبهمة

ووقت ليس بالقصير ينقضي

يفهم عليّ ويدرك المعنى

وما أريد فيذهب سريعاً ويعود

وفي فمه عود بطول الأصبع

يلقيه بين قدمي…

شاهد أيضاً

حيدر حسن جابر: البنية السردية في روايات سلام إبراهيم (رسالة دكتوراه) (9) (ملف/38)

إشارة: مثل قلّة لامعة من الروائيين العالميين كإرنست همنغواي وإريك ريمارك وغيرهما خطّ الروائي العراقي …

د. خزعل الماجدي: حقول الياسري (ملف/125)

إشارة : يسرّ أسرة موقع الناقد العراقي أن تحتفي بالشاعر الكبير “عيسى حسن الياسري” بهذا …

صورة البطل في رواية أم سعد لغسان كنفاني
الدكتور محمد حسين عبد الرحيم السماعنة
عمان – الأردن (ملف/22)

توطئة في عام 1969سأل صديقٌ غسان كنفاني(1) وقد رآه يحمل السلاح :” يا غسان رأيتك …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *