د. عبّاس العلي : نظرية السلام ورؤية الحرب

abbas alaliالسلام ليس فقط مطلباً إنسانياً تفرضه الظروف التي عصفت بالوجود الإنساني وما جرت عليه من ويلات ومأسي ولكن لأن السلام هي القاعدة التي يجب أن تكون المنطق المباشر والطبيعي للفكر الإنساني المجرد ,فليس من مصلحة الإنسان في هذا الكون أن يتعرض بين الفترة والفترة لتجربة قاسية تحطم أماله وأمانيه وتسرق منه أحلامه بالحرية والتطور وتنمية الحاجات الإنسانية ووسائل تحصيلها ومن ثم تعميق العلاقات البينية التي تحافظ على نمط عيش مختار وناجح ومجرب .
لذا فيكون السلام من ناحية التقديم والتأخير هو أول الحلول الإفتراضية والعقلية لمواجهة أي إشكالية تتعرض البشر في حياتهم الطويلة على هذا الكوكب , ثم التساؤل كم يكلف الإنسان من ثمن لو قدم الحلول السلمية على غيرها من الحلول , فالأزمات لا يمكن أن تحل بالأزمات ولا يمكن للنار أن تطفئها النار ,الإنحياز للسلام هو التفكير الطبيعي والخيار الأول والجاد والحقيقي لمعالجة التأزم والتوتر ,ويبقى السلام دوما بحاجة إلى نظرية عقلانية وإلى إرادة مخلصة تسعى لتحقيق هذه النظرية .
السلام إذن ليس ظاهرة طارئة كما هي الحرب وعندما تكون الصفة الغالبة لطبيعة الحياة البشرية هي الركون للسلام فهذا يعني أنها الأصل الذي تبنى عليه العلاقة الكونية وطالما أنها الأصل لا بد من إخضاعه لقانون هذا القانون هو الذي ينشئ مفهوم ومنطق النظرية ويمكن من خلاله أن تمتحن كتجربة ولو أنها من المسلمات التي لا تحتاج لبرهان , لكن المهم في هذا المنطق هو كيف نصوغ نظرية السلام ومن أين ننطلق في تحديد مساراتها .
النقطة المحورية التي تبنى عليها نظرية السلام هي أن الحرب لم تحسم في يوم من الأيام أي مشكلة تأريخية ,قد تنجح في أن تقمع المقاومة الطبيعية لمصادر التوتر وتفريخ المشكلات إلى حين أو إلى أجل وأحيانا تقمع الإنسان أن يقول رأيه بحرية في الحرب وأسبابها ونتائجها لكنها لا يمكن أن تقمع التاريخ أن يقول بفشل تجربة الحرب في أن تكون العلاج الناجح لتصفية والقضاء على الأزمات الإنسانية , لذا علينا كبشر أن نبحث عن طريق أخر وبالتجربة والبرهان بديلا عن الحرب وأخطارها ومضارها على الوجود , هنا سيكون السلام هو الخيار الأقدر في تصدر المشهد الإنساني , الفشل المتكرر في نيل النتيجة لا بد أن يؤشر لحالة من عدم التطابق بين الحل والمشكلة .
من هذه النقطة تنطلق النظرية لتواصل سرد الفكرة ما يعجز عنه العقل تسارع الحواس الفاعلة لتشغل وتستغل هذا العجز وبالتالي يتحول الإنسان من كائن عقلاني إلى كائن غرائزي وبالتالي يفقد مع الاستمرار قدرته العقلية لصالح القوة الحسية المجردة وبذا يفقد إنسانيته وتكوينه الجوهري , هذا يقودنا إلى أن خيارات الحرب تشكل فشلا عقليا بإمتياز وتكرر هذا الخيار في كل مرة مؤشر على فقدان الإنسان لطبيعته التكوينية كونه كائن متعقل , فيكون السلام صنع العقل وتدبيره وخياره في المعالجة أما الحرب فهي دوما خيار الغرائز وطبع الحيوانية السادية الكامنة في عمق الذات الإنسانية , ومع التطور الثقافي والمعرفي لا بد أن ينحاز الإنسان لعقله ولخياره الطبيعي وهو خيار السلام حتى يقمع الحس الحيواني التدميري المكنون بالا وعي .
من هنا يمكننا أن نصيغ خطوط عامة للنظرية قبل أن نقننها ونجعلها ضابط عام ,من الواجب العقلي بعد التجربة المرة مع الحرب وفشلها في إرساء عالم خالي من المشكلات والتناقضات لا يمكن الركون لها كحل لأنها أساسا تناقض بين متضاد ومتعارض وأحيانا تكون مجرد إنحراف سلوكي عليه ولكون الإنسان كائن يعيش بعقله ويحتكم له في جميع الأحوال عليه سيكون الرجوع لقانون العقل في نزع فتيل التناقضات الطبيعية الناشئة من تجربة والحياة والعيش المشترك هو القرار الأهم والوحيد والحاسم الذي لا ينافسه قرار أخر , وحيث أن العقل يختار دائما ما هو ملائم وموافق لطبع الطبيعة ونظامها السيال دوما نحو السلام والجمال عليه سيكون السلام هو القاعدة التي لا تشذ عنها الحلول حتى يتخلى الإنسان عن عقله وبالتالي يذهب إلى فصيلة كونية تتميز بطابعها الحسي السادي .
يمكننا من هذا الحال أن ننتقل وبوضوح نحو صياغة نظرية السلام التي ننشدها قانون كوني ويكون من قواعد العيش الإنساني التي تعد من الخطوط الحمر غير قابلة للإنتهاك فنقول في خلاصة قانونية (( السلام خيار الإنسان العاقل وطريقه للحياة الدائمة والخروج عن خيارات السلام يعني خروج عن الطبع الإنساني وتخلي عن الهوية الطبيعية له ,وعلى المجتمع الكوني الحفاظ على السلام الذي يعني الحفاظ على وجود الطبيعي وأي دعوى للخروج عن هذا القانون تعد نوعا بشعا من أنتهاك الحق الإنساني الطبيعي)) إن التمسك بهذا القانون وبروحه وجوهره يمكن أن يشكل أول مبادرة إنسانية حقيقية لتعرية بشاعة الحرب وتجذير مفهوم العقل المسالم وثقافة الطبيعة في مجتمعات تتعرض يوميا لهزات وجودية تحطم فيها كل الأحلام ببناء غد أكثر أمنا وأقل خطرا مع تزايد رهيب في أنتاج وسائل الشر وثقافة الكراهية .

شاهد أيضاً

جنوننا الجمعي
فلاح حكمت*

• في أعماق الجنس البشري توق راسخ للتواصل • الطبيعة البشرية تقوم على التعاون لاالتنافس …

عبد الرضا حمد جاسم: راي في التخلف (5)

ملاحظة: اعتذر عن الاضطرار لتضمين الموضوع بعض العبارات باللهجة العامية العراقية المموسقة استدعاها الحوار بين …

من أقوال “شارلي شابلن”

لا بدّ للمرء أن يكون واثقاً من نفسه .. هذا هو السّر .. حتى عندما …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *