شوقي يوسف بهنام* : مظاهر التجنب عند الشافعي

shawki  5* مدرس علم النفس في كلية التربية – جامعة الموصل.

الاغتراب Alienation والانسحاب Withdrawal والانطواء Introversion كلها مظاهر للسلوك عدها علماء النفس دالات مؤشرة على السلوك غير التوافقي مع البيئة . وهي بالتالي موقف سلبي من تلك البيئة . ” فالاغتراب النفسي ، أو الاغتراب عن النفس أو الذات الحقيقية ، يحدد قدرة الفرد على الانتماء للآخرين ، وهذ الاغتراب عن الآخرين يحدد قدرة الفرد على اكتشاف نفسه ، اي ان الاثنين متداخلان يعتمدان على بعضهما . ويرى علماء النفس ان الاغتراب حالة لا يجرب فيها الانسان نفسه بوصفه المبدع الحقيقي وصاحب ما ينتجه ، ولكنه يجرب فيها نفسه كشئ قد اقفر ، يتحكم فيه آخرون ويسلبونه ما انتج ” (1) . والانسحاب هو ” وسيلة بدائية دفاعية يتعلمها الطفل في مرحلة تطوره النفسي الفمي ، ويلجأاليها الانا للدفاع عن نفسه ، حيث يكون الطفل عاجزا عن النأي بنفسه عن المواقف المهددة ، ومن ثم يزيح عن نفسه القلق بأن ينسحب من الموقف ، او بأن ينكر وجود العنصر المهدد ، او بالانشغال في توهم وجود ما يتمناه . ويرى ليفين ان الاحباط يؤدي بالفرد من الانسحاب ، او الى الغضب او الى السلوك العصابي او الذهاني في الحالات المتطرفة (2). اما الانطواء ” فهو من مصطلحات ” يونج ” ، ويقصد به توجيه الاهتمام الى الداخل ، بدلا من توجيهه الى الخارج ، الى العالم الخارجي من الناس والاشياء . والانطوائية طراز من المزاج او الشخصية يميز الافراد الذين ينحصر اهتمامهم بأفكارهم أو بمشاعرهم أو احاسيسهم ، أو حدسهم الشخصي ، اكثر من اهتمامهم بالعالم المحيط بهم ” (3) . بقي ان نعرف ما هو التجنب او الاحجام Avoidance . ؟ يعرفه الحفني : بانه حاجة نفسية ، كالحاجة الى تجنب السلوك غير المفبول ، وقد يكون حاجة حشوية ، كالحاجة الى تجنب الحرارة او البرودة . (4) فالتجنب بهذا المعنى إذن قدرة أو أمكانية يمتلكها الانا يمكنه من خلالها تجنب موقف يمكن ان يكون سببا للكدر او الانزعاج . وهذا هو المعنى الذي يترجمه الشافعي في النصوص التي سوف تقف عندها في هذه السطور . انه يعتبره علامة من علامات الورع والتقوى . فهو اذن خاصية يمتلكها أو ينبغي ان يكون كذلك ، ذلك الشخص الذي ينطلق من مفردات الخطاب الديني . وإذا كان التجنب بمفهومه النفسي حاجة تقود الفرد الى ضبط الميول والاتجاهات أو الغرائز بمفهومها الحيوي ، فأنها سوف تاخذ عند الشافعي مفهوم قدرة ناتجة من فعل الايمان وليست بالمعنى الميكانيكي كتجنب الحرارة أو البرودة التي تهدف الى ديمومة الكائن الحي على الصورة المركب عليها . وهذا يعني بالتالي ان التجنب سوف يتخذ بعدا سلوكيا ذا منحى اخلاقي ينسجم ومفردات الخطاب الديني . وهو من ثم سوف يدخل في سياقات ما يطلق عليه صراع الاقدام والاحجام . وهما نمطان سلوكيان يهدفان الى تحقيق او تجنب هدف او غرض لخدمة الكائن في علاقته مع بيئته . واذا كان التجنب ، وفقا للحفني ، حاجة نفسية أو حشوية ، فان هذه الحاجة يترجمها الكائن على شكل انماط سلوكية مثلما رأينا ، كالاقدام أو الاحجام . لنرى كيف ترجم الشافعي هذه الحاجة عبر عينة صغيرة من نصوصه الشعرية ، ولا اقول كل النصوص لأنها كثيرة يصعب علينا الوقوف عندها بصورتها التي ابرزها محققنا الفاضل . لنبدأ مع النص الأول . يقول الشافعي :-

فدع ذكر القبيح ولا تــــــرده ومن أوليـــه حســنا فد ه

ستكفى عدوك من كل كيــــــد إذا كاد العدو ولـــــم تكده (5)

********************
هنا نصيحة ارشادية تخص المعاملات . وليس بالضرورة فهم مفردة المعاملات في ضوء الفهم الفقهي . وان كان هذا لا يمنع من ذلك . بل المقصود هو جملة المعاملات مع الآخر . ويمكننا ان نتسائل ، هنا ، عن ماذا يعني الشافعي حين يصف الآخر بالعدو ؟ . ومن هو العدو في نظر الشافعي ؟ . الواقع اننا نجد نصوصا كثيرة يصف الشافعي من خلالها الآخر بالعدو . هل كان يعني بالعدو كل من لم يكن يؤمن بالاسلام دينا مثلا ؟ . ام كل من اختلف معه في قرائته للنص الديني ؟ لا بد من الاختلاف . هل الاختلاف يعني ان المخالف لي سيكون بمثابة عدو لي ؟ لأن الشافعي لم يحدد لنا هية الآخر . على اي حال فان هذه المسألة ، وإن بدت لنا ، على انها إشكالية الا ان الشافعي ، كما يبدو ، قد وضعها جانبا وتخطاها الى ما هو افضل لو بقت كأنها إشكالية . اعني ان الشافعي لم يكم مهتما بهوية الآخر .. قدر اهتمامه بطبيعة التعامل معه . ويتركز اهتمام الشافعي في هذا المجال على ان لانجاري العدو بمثل اساليبه في التعامل . بمعنى آخر ، يدعونا الشافعي الى التسامي بتعاملنا مع ذلك الآخر ولا نعامله بمثل تعامله معنا . اي ان معاملة العدو بالحسنى ينبغي ان يكون هو الحل او تجنبه تماما وتركه وشأنه . وبهذا يكون الشافعي قد انتصر على العدو تلقائيا ولا يريد الدخول معه في معركة . وهنا يبرهن لنا الشافعي انسانيته ورقة تعامله مع الآخر مثلما هو رقيق في التعامل مع الذات . هنا مظهر من مظاهر التجنب عند الشافعي وهو مظهر ايجابي من دون شك . وننتقل مع نص آخر لا يقل روعة في وصف معالم السلوك التجنبي عند الشافعي . يقول الشافعي :-

وما أحد من ألسن الناس سالما ولو ان ذلك النبي المطهر

فان كـان سكيـتا بقولون ابكــم وإن كان منطيقا يقولون اهذر

وان كان صواما وبالليل قائما يقولون : زراق يرائي وينكر

فلا تخشى الا الله جل جلاله هو الواحد المنان ، الله اكبر (6)

*******************
من الواضح ان الشخص الذي يصف معالم سلوكه هنا ليس غير الشافعي نفسه . هناك قول مأثور ” ان ارضاء الناس غاية لا تدرك ” . وتلك المواصفات التي رسمها الشافعي لنا سواء اكان المقصود هو أم نموذج لنمط سلوكي ما فهي مواصفات مطلوبة أو مرجوة . المهم هو ان الناس غير راضية عليه . حتى النبي المطهر لا يسلم من ألسن الناس ، فكم بالحري الشافعي أو من كان على منواله . والشافعي يحتار ، للوهلة الاولى كيف يظهر للناس . هل يلتزم الصمت ؟ يتهمنونه بالبكم . هل يتمنطق ؟ الجواب جاهز : انه مهذار . الشافعي يربط صفة المنطق مع صفة الهذر . هذه العلاقة هي تشخيص العامة للشخص الذي يتكلم متكئا على قياسات المنطق . يجب ان لا ننسى ان الشافعي اشتغل بعلم الاصول .. ومعروف ما العلاقة بين علم الاصول وعلم المنطق . ولذلك كان من المنطقي ان يتمنطق ، إذا صح التعبير ، مع سامعيه وجلسائه . واذا كان صواما وكل الليل يتلو الاذكار فأن الصفة التي سوف يلصقونها به هي انه مرائي . ما اصعب تلك الصفة . اليس من حقه ان يحتار ؟ هل يرضي الناس ام الله ؟ والجواب يأتينا في البيت الرابع . ان لا تخشى غير الله . هو وحده الجدير بالخشية . يعلن الشافعي منظوره عن الله . ليس الله واحد فقط .. بل هو المنان على خلائقه .. ينهي الشافعي مأساته مع الاخر بالانسحاب منه والمثول بين يدي خالقه . ذلك هو الملجأ عند الشافعي . يدعونا الشافعي ، هنا ، الى ان لا نأخذ رضا الناس كمؤشر نهائي لسلوكنا بل مرضاة الله هي ذلك المؤشر .
ما هي الدنيا عند الشافعي ؟ هي ، بكل بساطة زائلة لا بقاء لها ومن ثم ينبغي عدم التمسك أو التعلق بها . ولذلك سوف ينصح الشافعي سامعيه بهذه النصيحة . يقول الشافعي :-
يا من يعانق دنيا لا بقاء لها يمسى ويصبح في دنياه سفارا

هلا تركت لذي الدنيا معانقة حتى تعانق في الفردوس ابكارا

إن كنت تبغي جنان الخلد تسكنها فينبغى لك ان لا تأمن النارا (7)
******************

تلك إذن هي صورة الدنيا عند الشافعي وذلك هو موقفه منها . هو موقف تجنبي . الانسان في هذا الوجود غير خالد . الخلود هناك في الفردوس . وإذا كنت تعانق الدنيا فهي زائلة . إذا تركت الدنيا فأنك سوف تعانق في الفردوس ابكارا . في البيت الثالث يحذرنا الشافعي من مغبة الوقوع في النار الازلية ولذلك فعليك ان تأمن لها ، لأنه السنتها لا تعرف غير الالتهام وهي لا تشبع . الدنيا لأهلها . انت تعيش لكي تخشى الله وترضيه . الشافعي يضع مرضاة الله في كفة والدنيا في الكفة الاخرى . عليك ان تختار ومن ثم الفوز او الخسارة . الشافعي لا يلزم الآخر بهذا البديل أو ذاك . فقط هو قدم لنا كلا الطرقين . علينا فقط .. وفقط الأختيار . هل اصاب اليأس نفس السافعي في عدم توافقه مع الاخر . هذا ما سوف نجد له التفسير في هذين البيتين . يقول الشافعي :-

إذا لم أجد خلا تقيا فوحدتي ألذ وأشهى من غوى ٍ أعاشره

وأجلس وحدي ، للسفاهة آمنا أقر لعيني من جليس احاذره (8)

***********************

هنا صورة نموذجية لتجنب الآخر الذي لا يلتزم بما يلتزم به الشافعي . انه يبحث عن الخل التقي . ذلك هو مطلبه ورجائه . وإذا لم يجد الشافعي هذا الخل فلا يحزن ولا ييأس بل يغادر هذا الآخر لكي يبقى سعيدا بوحدته . لقد وصف لنا الشافعي تلك الوحدة الالذ والاشهى من معاشرة صاحب الغواية . الشافعي ليس مجبرا على مجالسة شخص يحاذره . ولذلك فهو سعيد بأن يجلس وحيدا وان يكون بعيدا عن السفاهة . ليس هذا الانسحاب انسحابا مرضيا بل هو انسحاب قائم على قناعة ينطلق منها الشافعي حتى يقيم علاقة سليمة مع الآخر . ولذلك يمكن القول ان الشافعي كان يعيش في مجتمع يعاني من ازمة التقوى والا لم ينشد هذين البيتين . وليس من المعقول أن يحكم الشافعي هذا الحكم القاسي على الآخر . هل الوحيد الشخص النموذجي في سلم التقوى في هذا المجتمع .. في هذا الزمان وهذا المكان ؟ . والجواب يكمن في قراءته للنص وبالتالي لفهمه لطبيعة التقوى . وبهذا يكون الآخر قد زاغ عن الطريق الذي ينشده الرجل . وهذا يعني ، من ثم ، أن الشافعي قد عاش ، بالفعل ، أزمة اغتراب أخلاقية إذا صح مثل هذا التعبير . وسوف نلاحظ من خلال النصوص اللاحقة ما يعزز مثل هذا الافتراض . إذن ما الحل الذي سوف يقترحه الشافعي للخروج من هذه الأزمة ؟ لقد عانى الشافعي ، ولا شك في ذلك ، من أهل زمانه لافتقارهم الشروط الصحيحة للتقوى .. أو على الأقل ، أنه وجد في الصور أو الشروط الأساسية للتقوى التي قدمها معاصروه خللا أو أنها غير ناضجة على النحو الذي ينبغي أن تكون عليه وإلا فلم يكن يشكو من أهل زمانه ومن صورهم وشروطهم لمفهوم التقوى لعدم تطابقها للقرآن والسنة . وعلى هذا الأساس قد قراءته لمفردات الخطاب الديني . نحن لسنا بصدد اختلاف الشافعي مع قراءات عصره وتأويلاته لتلك القراءات ، لأننا حاولنا تسليط الضوء على هذه المسألة في مكان آخر (9) ولا الدوافع النفسية التي كانت وراء ذلك الاختلاف . الحل الذي قدمه الشافعي ليس مجارة الآخر وخداعه أو التزلف له أو اضطهاده أو قمعه على سبيل المثال . للآخر الحق في أن يفعل ما يشاء .. أن يكون تقيا في الصورة التي يرى من خلالها ذاته .. انطلاقا من قناعاته ومبرراته . بمعنى آخر .. له ملء الحرية في أن يكون كما يريد . الشافعي لا يمارس ستراتيجية اضطهاد الآخر وقمعه أو إلزامه بتبني خطابه وقراءته ولا يدعو إلى ذلك . الشافعي يدعو إلى الانسحاب منه .. لا خوفا منه أو ضعفا فيه .. بل خشية أن يقع تحت أعباء غوايته والاشتراك في شروره . هذا من جهة .. وحتى يحفظ سلامة تقواه وأمن مسيرتها من جهة أخرى . هل هذا اغتراب .. أم اضطراب .. أم مرض ؟؟ . ليقول الآخرون ما يقولونه . المهم لدي ، القول للشافعي ، أن يكون رضا الله هو المبتغى ، وهو أعظم من شخص لا استطيع أن أبوح له بما يتصارع بداخلي . ينبغي أن نلاحظ ، ان الشافعي قد اختار مفردات دقيقة في معانيها وملائمة لما كان يود أن يقوله في مشكلة الاغتراب القيمي والأخلاقي الذي كان يعاني منه .

***********************
يورد المحقق رواية عن عبد الله بن محمد الذي انشد بيتين للفقيه الشافعي :-

والمرء إن كان عاقلا ورعا يشغله عن عيوبهم ورعه

كما العليل السقيم يشغله عن وجع الناس كلهم وجعه (10)

************************
هنا ينتقل الشافعي إلى جانب آخر من جوانب التقوى .. ولعلها مرحلة متقدمة منها إلا وهي الورع (11) . ونحن لا نريد الدخول في موضوع التفرقة بين الورع والتقوى لا لشيء ألا لأنها تقع خارج مهمة هذه السطور . ما يهمنا ، من ثم ، هو أن الشافعي قد استخدم المفردتين في مجال واحد . وهو الموقف من الآخر . والشافعي في هذا النص ، يربط مباشرة بين الورع والتعقل من جهة وبين الانشغال بالورع وبين العزوف عن عيوب الآخرين من جهة أخرى . إن الانشغال بالورع ما يمكن التعبير عنه بلغة علم النفس ” بالانشغال بالذات ” ، ” السيطرة على الذات ” و ” مراقبة الذات ” . وعلى الرغم من هذه المفاهيم قد توحي أو قد تكون مؤشرا من مؤشرات الوسواس القهري . إلا أنه يمكن القول ، أنها مؤشرات ايجابية تماما تساعد الفرد في تنمية مهاراته للبلوغ إلى أرقى مستويات النضج والاتزان الانفعالي . وتحاول الاتجاهات الحديثة والمعاصرة في العلاج النفسي استخدام تقنيات تستند على هذه المهارات والتي من شأنها مساعدة الفرد في تنمية قوة الأنا وتعزيز أساليب الدفاع الايجابية لديه . لقد أدرك الشافعي قيمة الانشغال بالذات بحيث عدها مؤشرا للتعقل والنضج . والدليل الذي يقدمه لنا الشافعي على صحة نظريته عن الانشغال بالذات هو خبرة الألم الجسمي أو الوجع الجسمي إذا استخدمنا تعبير الشافعي نفسه . الانشغال بالذات عند الشافعي إذن بعد ايجابي وهو بعد من أبعاد الورع والتقوى . وهي ، من ثم بعيدة عن حالة الانشغال بالذات Self-absorptionفي شكلها المتطرف كما نراها في أعراض الاضطرابات النفسية والعقلية مثلا . ينطلق الشافعي من خبرة الألم ؛ الجسمي منه على وجه الخصوص للدخول في فضاءات الأنا ليلقي الضوء على أحوالها ، إذا استخدمنا هذا التعبير الصوفي ، في حالات الورع والتقوى تحت صورة الانشغال بالذات . ألا يمكننا ، مثلا هنا ، المقارنة بين الشافعي والفلاسفة الوجوديين – وقصب السبق للشافعي طبعا – عندما يوغلون في وصفهم للانفعالات الإنسانية ؛ كالهم والقلق والوجود الزائف وإلى ما ذلك من خبرات وجدانية حللها رواد هذا التيار الفلسفي في رواياتهم ومذكراتهم على لسان أبطالها وشخصياتها . متخذين من فعل الاجترار Rumination والانشغال بالذات مدخلا لهم في ذلك ؟ . ان الألم خبرة ذاتية صرفة ، ولولا اللغة ؛ تلك الوسيلة للتواصل بين الذوات ، لما كان بالإمكان أن اجعل الآخر أن يفهم هذه الخبرة ؛ اعني الألم ، التي أعيشها. إذن لولا اللغة ، لكنت في حالة انغلاق تام على الذات وهذا ما نلاحظه من خلال المراقبة لبعض مرضى الفصام من ذوي الأعراض التخشيبة مثلا . هل الشافعي يدعو إلى مثل هذا الانغلاق بحجة التقوى مثلا ؟ والحقيقة لا يمكن للشافعي أن يقودنا إلى مثل هذا . وما يمكن ملاحظته حول المنهج النفسي الذي اتبعه الشافعي في دراسة مثل هذه الحالة ؛ أعني خبرة الألم أنموذجا هو منهج الاستبطان Introspection والذي ساد في بدايات ظهور علم النفس . معنى هذا ان الشافعي قد سبق علماء النفس في استخدامه لهذه التقنية لدارسة أحوال الشعور . قلنا أن اللغة هي وسيلة الأنا الرئيسية للتواصل مع الآخرين . وينبغي ان لا ننسى أن ندرج ضمنها ما يمكن ان نسميه بلغة الجسد (12) . في حالة معاناة الألم .. أنا وحدي هو الذي يتألم بهذا الألم أو ذاك . هذا الآخر لا يتألم بما اتألم منه . إذن الآخر لا يعرف انني اتألم ما لم اخبره أنا بذلك .. اعني انني اتألم . هذا الإخبار أو التعبير عن هذه الخبرة او تلك ونقلها إلى الآخر عن طريق اللغة التي امتلكها يمكن نطلق عليها بمفهوم الشكوى Complaint . الشكوى إذن هي علامة على انني اتألم . الشافعي ينظر إلى الشكوى من زاوية ” خفض قيمة الذات ”
Self-devaluation . فهو يفهم الشكوى على أنها مؤشرا على خفض قيمة الذات . ويمكن القول ؛ ان نقطة انطلاق الشافعي في بناء نظرته هذه إلى دينامكية الشكوى هي القول المأثور ” الشكوى لغير الله مذلة ” (13) . هنا دعوة واضحة يقدمها الشافعي لممارسة آلية القمع Suppression . ولماذا هذه الآلية على وجه التحديد ؟؟ . الواقع ان ممارسة هذه الآلية يعد مؤشرا لقوة الأنا . الشافعي يدعو إذن إلى ان نكون أقوياء من خلال قمعنا لكل ما من شأنه ان يؤدي إلى خفض قيمة الذات . ذلك لأن الشافعي أدرك أيضا أن الآخر حتى لو تعاطف معي وأبدى علامات فهمه لي ، فهو لن يستطيع ان يعيش ما أنا عائشه وما اختبره .. أنا وحدي صاحب الألم . وانني في حالة الشكوى ؛ أبدو ضعيفا … صغيرا .. منكسرا … منهارا .. وأخيرا مريضا
أمام الآخر . ( على الرغم من ان الشافعي يستخدم صورة الألم الجسمي نقطة انطلاق له ، ألا ان المحور الأساسي الذي يريد ان يلج إلى عوالمه هو الألم النفسي بكل ما تعنيه المفردة من معنى ) . إذن هذه الصورة التي سوف أظهر بها أمام الآخر لا تليق بالإنسان الذب يدعو إلى وجوده الشافعي .
إلى هنا والشافعي يتعامل مع خبرة الألم تعاملا على أساس نفسي صرف . الشافعي ليس عالما في النفس وليس محللا نفسيا لها (14) . انه فقيه أولا وأخيرا . مهمته الأساسية تنحصر في تحديد ما يجوز وما لا يجوز من أنماط السلوك وفق المرجعيات التي ينطلق منها . ألا ان هذه المهمة قادته ، من حيث لا يدري على اغلب الظن ، لأن يخوض في قضايا علم النفس ومشكلاته . ولذلك انطلق في إكمال مشواره في قضايا الفقه . واهم هذه القضايا ؛ هي علاقة الإنسان بالله . وهي العلاقة التي تتمحور وفقها كل جهود الشافعي كفقيه . لم يرض الشافعي بالشكوى كأسلوبا للتعامل مع الضغوط .. بل دعا إلى ممارسة آلية القمع . بهذا العمل ألغى الشافعي من حساباته العلاقة مع الآخر ، متخذا من الانشغال بالذات وسيلة للحفاظ على كرامة الذات وعزتها . وإذا شئنا العودة إلى قاموس الشافعي ” صون الذات ” . إلغاء الآخر عند الشافعي لا يعني إلغاء الله . بل العكس هو الصحيح . هو ألغى العلاقة مع الآخر لكي يتمحور على العلاقة مع الله . هنا يتجلى الشافعي بدور الفقيه المصلح لهذه الأمة . بعبارة أخرى يتجنب الشافعي لكي يكون مقبولا عند الله . الشافعي لا يبالي بالآخر إن كان راضيا أو غير راض على سلوكه . المهم عنده هو ان يرضي الله أولا وأخيرا . هذا هو الهم الأكبر الذي شغل نفسه به طوال حياته . لم يك الآخر سلطة رقابية عليه . إن السلطة التي امتثل الشافعي لأوامرها .. لم تك سلطة بشرية زمنية .. بل كانت سلطة روحية ارتكزت على القرآن أولا وعلى السنة ثانيا . ولذلك فهو لم يتجنب الآخر فقط بل ابتعد عنه واغترب ، لكي يكون قريبا من الأقرب إليه من حبل الوريد . لا يهم إذا كان هذا الأخر قد تمادى في غيه حول تقييم الشافعي . مسكين هو الشافعي لأنه عانى كثيرا من الآخر .. وها هي أشعاره …او ها هو نفسه عبر تلك الأشعار ، يؤكد لنا :كم قاسى من الوحدة النفسية لأنه ابتلي بسوء الفهم والتأويل . وقاسى من صد الآخر له لأنه لم يجاريه على أهوائه ، وعانى من الرفض ، لأنه رفض الاستسلام والخضوع .. وعاش الاضطهاد لأنه كان سباقا في الدعوة إلى ” الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ” . نحن لم نقل شيئا من عندياتنا . كل ما قلناه هو استنطاق الشافعي من خلال أشعاره وأشعاره فقط .
ووفق هذا المنظور ، يمكننا قراءة النصوص الأخرى التي الشافعي من خلاله عن موقفه من الآخر متخذا من التجنب وسيلة لتحديد موقفه منه (15) .
ماذا جنى الشافعي في خاتمة المطاف ؟ لا شك ان الشافعي لم يطمع في الدنيا وملذاتها بل كانت أنظاره موجهة حيث السعادة الحقيقية .. اعني الآخرة . ألا يقول النص الديني ” والثانية خير من الأولى ” . الشافعي اختار الثانية ولم يهتم لخسارة الأولى …
الهوامش :-
1- د .الحفني ، مصدر سابق ، ج1 ، ص 37 .
2- د. الحفني ، مصدر سابق ، ج2 ، ص 470 .
3- د. الحفني ، مصدر سابق ، ج1 ، ص 407 .
4- د. الحفني ، مصدر سابق ، ج1 ، ص 86 .
5- د. بهجت ، مصدر سابق ، نص 25 ، ص 119 .
6- د. بهجت ، مصدر سابق ، نص 40 ، ص 130- 131 .
7- د. بهجت ، مصدر سابق ، نص 36 ، ص 129 .
8- د . بهجت ، مصدر سابق ، نص 43 ، ص 131 .

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| طلال حسن : رواية للفتيان – خزامى الصحراء

إشارة: بعد أن أنهينا نشر فصول مخطوطة كتاب “حوارات” لأديب الأطفال المبدع العراقي الكبير “طلال …

هشام القيسي: أكثر من نهر (6) محطات تشهد الآن

ينفتح له ، وما يزال يرفرف في أفيائه مرة وفي حريق انتظاره مرة أخرى ومنذ …

تعليق واحد

  1. محمود سعيد

    قليلة نادرة هي البحوث الأصيلة، التي تنقب في التراث أو تتناول نقده بروح علمية محايدة خالية من التشنج، وهذه السلسلة من ذلك القليل. أشد على يد السيد شوقي يوسف بهنام. أهنئه، أقدم له أصفى تحياتي وأملي أن يستمر في هذا النهج الجيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *