محبرة الخليقة (11) تحليل ديوان “المحبرة” للمبدع الكبير “جوزف حرب”

hussein 5د. حسين سرمك حسن
بغداد المحروسة
2012 – 2013
ملاحظة : حلقات من كتاب للكاتب سوف يصدر عن دار ضفاف (الشارقة/بغداد) قريباً .

وهذا المثال – والأمثلة اللاحقة في المقاطع الأربعة التالية – الذي ضربه الشاعر ليس لنا حسب ، بل لله ، بروح تحرّشية تعرّضية ، هي ليست أمثلة على الكيفية التي يكون وجود الشاعر فيها ضرورياً لجعل الأشياء في الكون أكثر من مجرّد أشياء فقط ، بل هي مصمّمة بمكر الشاعر لعرض الكيفية التي يعيد بها الشاعر تخليق تلك الأشياء وتغيير هويتها و “طوابعها” حسب الوصف السومري بحيث تصبح خلقاً جديداً لا نتعرّف فيه على ملامح الشيء القديم . فمن المستحيل – وعند لحظة خلق الناي الأولى – أن نقنع المراقب المحايد و “الموضوعي” و”العالِم” بأنه كان خشبة من القصب ، وأن مقاماته المغسولة بالآهات والطيب منقولة عن خصر الحبيب . هناك ، في لحظة الخلق الأولى ، يكون عامل “الدهشة” – الذي تحدّثنا عنه – المرتبط باللاشعور العاري طاغياً ومتسيّداً .
في المقطع الرابع يأتي المثال الثاني الذي يضربه الشاعر لله ! وفيه يزعم الشاعر أن شجرة الحور الطويلة الخضراء (قد يصل طولها إلى ثلاثين متراً ، وتعمّر أكثر من أربعين عاماً ) التي خلقها الله ليستفيد منها الإنسان : متنعماً بظلّها في الحرّ اللاهب ، ومستدفئا بأخشابها في المدفأة بعد أن يقطعها الحطّاب ، لقطع أخشابها ، والتي يعشش فيها العصفور ، محدّدة الوظائف لمئات الآلاف من السنين ، تصبح كياناً آخر شديد التعقيد بعد أن خُلق الشاعر ؛ كيانٌ لا يمكن تصوّر صلته بالحورة الأصل ، كيان تخمّر معناه في محبرة الشاعر طويلا ، وطويلا جدّاً ، وتحوّل بكيميائية مخيّلته المعقّدة إلى كائن إنساني مركّب . لقد فجّر الشاعر “معنى” أهم وظائفها المُضمر . فلم يكن هناك أحد على وجه البسيطة يدرك معنى ميلان الحورة حين يلفّها الهواء . “المعنى” الذي أدركوه هو المعنى الفيزيائي المادّي المباشر ، أمّا الشاعر فقد أمسك بـ “معنى المعنى” المستتر حسب مصطلح “عبد القاهر” الذي سبق به نقاد أوروبا بمئات السنين :
(أَلحَورَةُ
الطويلةُ
الخضراءْ ،

ألحورةُ التي تميلُ
في الهواءْ ،

خلقتَها شجرةً للظلّ ، للعصفورِ ،
للحطّابِ ،
أو
للمِدفأهْ .

لكنّها ،
وبعدّ أن خُلقتُ صار عابرُ
الريحِ عليها رجلاً ،
وصارتِ
امرأهْ . – ص 50 و51) .
jozef harb 3ويبدو أن الناس حين تدهشها حركة “روح” هي بالنسبة لهم امتياز بشري ، نجدهم يلجؤون للشعر “ليؤسطروا” تفسيراتهم لهذه الظاهرة الغريبة ، فالشعر علم الأرواح المرتجفة . وهناك أسطورة حول شجرة الحور “المرتعش” ملخصها أن الصليب صُنع من خشب هذه الشجرة ، وعندما تم ذلك بدأت أوراقها تهتز وترتعش من الفزع والأسى ولازالت تهتز حتى الآن . في حين ترى أسطورة أخرى أنه عند الصلب سجدت جميع الأشجار حزنا وأسى إلا الحور ، ولهذا كُتب عليها بدوام الإرتعاش والإهتزاز .
في المثال الخامس نتحرّك خظوةّ أوسع على طريق تعقيد عملية الخلق ، وعلى صعيد طبيعة القوة الخالقة وحضورها . كما أنّ المقترب قد تغيّر أيضاً . ففي المثالين السابقين كانت محاولة الشاعر الإعتراضية تبدأ بطرح شيء مادي من مخلوقات الله ، ليبين في النهاية أن هذا الشيء قد مرّت عليه أنامل الشاعر فأعادت تخليقه بصورة أبهى وأجمل وأعمق . لكن هنا يظهر الشاعر وكأنه يحكي حكاية للمرجعية الإلهية ويطرحها بصيغة سردية مبتدءاً باللازمة المعروفة :
(في
أحدِ الأزمانْ ،
قطعوا واحدةً
من شجراتِ
الوديانْ ، – ص 52) .
حكاية لا يمكن أن تُصاغ وتُسرد في مثل هذه المقابلة التنافسية بين الشاعر وإلهه إلاّ في طلّ النرجسية الضارية ، فسرد الحكاية الموجزة البليغة والتحرّشية هذه يفترض علم الشاعر بها وعدم علم الطرف المقابل برغم علمه الكلّي وقدرته الكلّية – omnipotence ، والإفتراض الراسخ في الوجدان بأن هذه القدرة تعرف الغيب ومصائر الاشياء والموجودات حتى لو كانت بحجم حبّة الخردل . ومصير شجرة الوديان تلك كان قاسياً فقد “قُتلت” طحناً ، فصارت ورقاً وهو من أدوات الشاعر . ويبدو أنها كانت أول خطوة خلّاقة تحوّل الخشب إلى ورق وهي أيضا عملية “شعرية” إذا نظرنا إليها من زاوية العلاقات والبنية . كان الورقُ شجريّ الخضرة معدّاً لاستقبال مظاهر الخصب ورعايتها حين تصبح هذه المظاهر “كلمات” على “أرض” الورقة / القصيدة التي سوف تتجمع فوقها الخلائق/ النصوص التي تعرف كيف تميّز رائحة “روحها” ، لتكبر وتكبر فتصبح “ديوان” شعر :
( طحنوها ، صارت ورقاً ، ظهرتْ فوقَ
الورقِ الشجريِّ الخضرةِ ، رقْصُ الغصنِ ، وصوتُ
حفيفِ
الأغصانْ ،
ظهر الظلُّ ، العصفورُ ،
رنينُ النبعِ ، الثمرهْ ،
ظهرتْ
كلّ الألوانْ ،
كانتْ
شجرهْ ،
صارتْ
ديوانْ . – ص 53 ) .
لقد “استحالت” الشجرة لتصبح “ديواناً ” ورقياً هو المحل الطبيعي المنتظر لتحقيق هذا الإحتفاء الكوني المصغّر البهيج . لقد اضطلعت الشجرة الآن بدورها “الرحمي” الحقيقي . والشاعر في موقفه هذا يعلّمنا خطوة تكوينية لم تلتفت إليها قصص التكوين السابقة ، وتتمثل في الكيفية التي تتم فيها عمليّة تحويل الكائنات الجامدة إلى شعر بعد موتها الذي سيتحوّل إلى انبعاث كوني استثنائي ، وليصبح الشعر طريقا للخلود . وهي طريق لا يعرف أسرارها ، ويستطيع فكّ ألغازها غير الشاعر . وهذا يضعه على عرش متفرّد لا تجوز مقارنة أي قوة خالقة أخرى به . سيكون عرشه موازياً أو مقابلا لعروش الآلهة الجبّارة . وهذا ما يصوغه الشاعر في حكاية المقطع / المثال السادس القصيرة التي يكتب فيها الله قصيدة ، فهو الشاعر الأول كما صوّر لنا ذلك الكون الشاعر في ديوان “الخلق” . وبحركة مباغتة يقحم الشاعر نفسه في مسار عملية خلق القصيدة الإلهية ، وقد حطّ على الورقة وهو بهيئة “طائر” . لقد شمّ رائحة قصيدة ولم يعد قادراً على الوقوف في موقف المتفرّج لأن هذا من اختصاصه . لقد اقتحم دائرة العمل الإلهي بصورة تذكّرنا بجسارة “زو” العصفور الصاعقة في الأسطورة السومرية مع الفارق البارز طبعاً . وقد كان تنقيحه لقصيدة الله سريعاً وخاطفاً ، فهو المقتدر ، والخلق الشعري شأنه . وكأنه يبغي التأكيد على أنّ الخلق الشعري خلق خطير لا يترك لأي قوّة مهما علا شأنها . لهذا تدخّل فوراً ونقّل منقاره وانطلق ، انطلق بهيئته المحيّرة ، فلا هو عصفور قمح ولا بلبلٌ أو يمام .. إنه “ذاته” الشاعرة التي لا تُجنّس . غادر الطائر الشاعر بعد أن اكمل مهمّته ليعود الإله فيجد تحوّلات غريبة : بياض معدٌّ لاستقبال الرؤى .. ومستلزمات الخلق الشعري : محبرة من نبيذ العريشة .. وريشة . فكيف كان ستُكتب هذي القصيدة ؟ :
(كتبتَ إلهيْ
قصيدهْ ،
أتيتُ أنا طائراً
غطّ فوقَ
الورقْ ،
ونقّلَ منقارهُ ،
وانطلقْ .
ولا هو عصفورُ قمحٍ ، ولا
بلبلٌ ، أو
يمامْ ،
وحينَ رجعتَ إليها
وجدتَ بياضاً بغيرِ كلامْ ،
ومحبرةً فاحَ منها
نبيذُ
العريشهْ ،
وريشهْ . – ص 54 و55) .

kh jozef 3# النرجسيّة وصيغة الفعل “خلق” :

————————————-
ولو لاحظت المقطعين ؛ الثالث والسابع ، وقارنتهما بالمقطع الرابع ، فستجد فارقاً جوهريّاً يتعلّق بصيغة الفعل “خلق” . ففي المقطعين الثالث والسابع استخدم الشاعر صيغة الفعل الماضي : “وبعد أن خلقتني” ، أمّا في المقطع الرابع فقد استخدم صيغة الفعل المبني للمجهول : “وبعد أن خُلِقتُ” ، وهنا يتجلّى ذكاء الشاعر وروحه التحرّشية المباركة في الوقت نفسه . فكلّما كان الدور التخليقي الذي يقوم به الشاعر مادّياً ، بمعنى الإشتغال على “مادة” مسبقة الوجود خلقها الإله ، وهي القصبة في المثال الثالث ، والسماء في الفصل السابع ، وكان التخليق الشعري ينتقل من “مادة” إلى “مادة” أكثر إبهاراً ، أقرّ الشاعر بأن الإله قد خلقه ، وأنه من بين مكوّنات الخليقة بالرغم من قدراته الفذّة . ولكن حين يكون فعل التخليق معجزاً وينطوي على التحوّل من مادة “جامدة” (شجرة الحور والهواء في المثال الرابع) إلى كيان بشري مركّب بمحمولاته الوجودية والجنسية (الرجل والمرأة) فإن الشاعر يضيّع مصدر خلقه ويستخدم صيغة المبني للمجهول (خُلقتُ) وكأن انتفاخ نرجسيّته بفعل الخلق المتجاوز للأصل بمراحل تدفعه إلى تغييب القوة الخالقة له للبدء من نقطة خلق جديدة تغيّر جوهر الموجودات وتدشّنها عمليّة خلقه التي نواجه فيها حضوره الفاعل من دون إحالة إلى قوّة أخرى . أمّا حين يكون الفعل فعل تخييل خلقي مجرّد وكأن الشاعر يحوّل ما هو مادّي جامد (شجرة الوديان في المقطع الخامس) إلى مجرّد (شعر أو ديوان) أو يخلق فيه الموجودات المجرّدة من العدم أو ما هو معنوي لا يُصدّق من معنوي من جنسه ولكن أقل درجة في التعقيد بكثير (تحوّل القصيدة الورقية في المثال السادس إلى بياض رؤيا ومحبرة) ، فإن الشاعر لا يذكر الفعل “خلق” أبدا ، لا “خلقتني” ، ولا “خُلِقتُ” ، بل يكتفي بوصف الفعل الخلاقي الذي يقوم به كقوة شعرية خالقة خفيّة تجمع الكون المصغّر فوق الورق الشجري ليصبح ديواناً (المثال الخامس) أو كطائر شاعرٍ غريب الجنس غيّر بمنقاره طبيعة القصيدة التي كتبها الله (المثال السادس) . هنا يصل الإنتفاخ النرجسي حدّه الأقصى فيصبح الشاعر قوّة خالقة تفعل ما تشاء وتعلن حضورها المستقلّ والذاتي بصورة مستترة (المقطع الخامس) ، أو بالإعلان القاطع عن الذات “أتيتُ أنا” (في المقطع السادس) . وقد يكون هذا عاملاً آخر في تأجيج حساسية الآلهة من الشعراء ، فهم يحاولون الإستيلاء على عرش الخليقة بصورة هادئة مسمومة ومبيّتة خطوة خطوة .

# يوم العهد العظيم :

————————
لكن المقطع الثامن والأخير من “رؤيا المحبرة” يحسم كل ما قد يتحرك في أذهاننا من تساؤلات واعتراضات على هذه التأويلات ، وعلى سمة الروح الإقتحامية والتحرّشية للشاعر التي التقطناها . فهنا يكون الحديث مباشراً أولاً في الوقت الذي كان التفافياً في كل المقاطع السابقة . ففي الأول والثاني جاء المثال بصيغة ضمير الغائب ، وفي الثالث كان الخطاب “مثالاً” عن الكيفيّة التي تتلاعب بها أنامل الشاعر بخلائق صنعها الخالق لتهبها روحاّ جديدة وشكلا جديداً (تحويل القصب إلى ناي ، والشجرة إلى ديوان ، والشمس اللاهبة إلى تفاحة حمراء . إلخ ، ونفخ روح الأنوثة في الحورة) ، أما في السادس ، فصحيح أنه خطاب مباشر مع الله ، إلاّ أنه خطاب في النتائج ، وعن خرق إبداعي خاطف قام به الشاعر في تنقيح قصيدة أراد الله البدء بها ، والشاعر يكشف لله طبيعة الخرق الذي قام به في هذه المنافسة الجزئيّة . لكن في هذا المقطع الأخير يتوّج الشاعر كلّ خطواته الإستدراجية السابقة ، والتي صمّمها بمكر نفسي يرقّق به مقاوماتنا النفسية بالطرق الهاديء المتكرّر الذي يفلّ الحديد كما يُقال . هذا التتويج الذروة جاء بعد أن جعلنا الشاعر – وعبر أمثلة مهارته الخلقية الخارقة – نستقبل قناعة راسخة بكونه الندّ والنظير المُبدع الذي لا يصعب عليه كتابة قصة خليقة جديدة مهما كانت أعباؤها . صرنا متأكدّين ، وعبر الأمثلة الباهرة ، أن بإمكاننا أن نطمئن لفرضية الشاعر الصادمة التي طرحها في المقطع الإفتتاحي لقصيدته والتي ترى أن الكون سيكون أعمق وأجمل لو جاء خلقه من متخيّل ، وأن كل ما في هذا الكون سيكون أكثر من رائع لو خرج من محبرة الشاعر .. دواة نبيذ العريشة التي تركها للّه ، وكأنه يرى أنها الأداة اللازمة لخلقٍ يصحّح مسار الخلق السابق الذي تمّ باليدين الخارقتين المهيبتين . ويتكوّن المقطع من بيتين خرجا عن إطار الأمثلة التنافسية ، ولكن أولهما يتضمن شاهداً على قوّة ذاكرة الشاعر الذي يذكّر ربّه بشيء عظيم حصل في يوم بدء قصّة الخلق : الأحد حسب الميثولوجيا الدينية ، وبالتالي هو يوم نهاية العمل فيه إذا كان تكوين الكون قد استغرق ستة أيام “استراح” بعدها الخالق حسب الرواية التوراتية (في الرواية الإسلامية بعض الإختلاف : عن ابن عباس أن اليهود أتت النبي (ص) ، فسألت عن خلق السماوات والأرض فقال : “خلق الله الأرض يوم الأحد والاثنين ، وخلق الجبال يوم الثلاثاء [وما فيهن من المنافع] ، وخلق يوم الأربعاء [الشجر والماء] ، وخلق يوم الخميس [السماء] ، وخلق يوم الجمعة النجوم والشمس والقمر” . قالت اليهود : ثم ماذا يا محمد ؟ قال : “ثم استوى على العرش” . قالوا : قد أصبت لو تممت ثم استراح . فغضب رسول الله غضبا شديدا . فنزلت الأية ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِن لُّغُوبٍ﴾.
يذكّر الشاعر ربّه بيوم أحد الخليقة حيث كان الله مرهقاً ، وتحالف مع الشاعر في يوم العهد العظيم :
(اذاكرٌ في البدءِ ربّيْ
أحدَكْ ؟
نظرتَ ربّي مُتعباً ،
وقلتَ ليْ :
هاتِ يدَكْ . – ص 58 ) .
وبإشهار هذا التحالف المقدّس لن تعود شهادة الشاعر مجروحة على أي فعل خلقي في الكون ، فقد ظهر الآن أنّه طرف أصيل ومبارك في عملية الخلق والتكوين ، كما لن تكون مزاعمه حول قدرته على إشادة معمار قصّة خليقة محايثة أو موازية عرضة للتشكيك خصوصا ونحن المتلقّين المتشفّين نعيش تحت وطأة الحاجة الملحّة لتفريغ دوافعنا الأوديبية المبيّتة والمكبوتة ضد أبينا الذي في السماوات ، تلك الدوافع التي يعدّها معلم فيينا الدافع الأول في نشوء الدين والحضارة والأخلاق والقانون والفن ؛ الدوافع المتمثلة في الرغبة في قتل الأب .
ولعلّ الوصول إلى الإعلان الجسور لهذا التحالف الذي يؤكّد كفاءة الإبن ، بل الحاجة إليه من قبل القوة القاهرة الخالقة ، هو أيضا من أعظم ثمار الشعر التي تسهم في تحقيق سلامتنا النفسية عبر “التفريغ – catharsis” ، الأرسطي ، للمكبوت من ناحية ، وفي توفير نوى الإستعداد اللازم – وإن كان كامنا ومتردّداً – للتحضّر والإنعتاق ، فـ :
(أوّل من قرّر الإضطلاع بدور الأب – الإله من البشر هو الشاعر الملحمي الأول الذي قرّر الإنفصال عن المجتمع البشري وتحقيق التقدّم في مجال التمرّد على الأب ، ولم يتم ذلك أولاً إلاّ في مخيلته . وقد حوّل هذا الشاعر الواقع وفق رغباته فاخترع الأسطورة البطولية ؛ فبطلاً كان من قتل بمفرد الأب الذي تُظهره الأسطورة وكأنه وحش طوطمي ) (18) .
ولأنّ جوزف حرب ، كما قلت سابقاً – لمرّتين – يبغي أيضا تشذيب وتهذيب ليس ما أُشبعت به قصص الخليقة وأساطير التكوين من نوازع عنفيّة سادو مازوخية ، ومن إخراجات درامية صراعية دمويّة ، فإنه ليس شاعر الأسطورة الذي يقتل الأب ويظهره كوحش طوطمي ، بل هو شاعر حياة يرى أن مسيرتها تتنامى وتثرى بالتحالف والمحبة والتقرّب الغير مباشر ، فأوصل الأب – الإله ، بهدوء ، خطوة خطوة ، وعبر الإقناع العملي بالقدرة على تحقيق كون أجمل وأعمق وأفضل ، إلى أن يمدّ يده له لتحقيق التحالف .. ولا يتحالف الله إلاّ مع إله . وها هو الشاعر يقدّم أولى خططه / نصوصه التي تحاول تنفيذ مشروعه بجعل كوننا أجمل وأفضل وبوسائطه : رؤياه ومحبرته .. والأصح بـ “رؤيا المحبرة” العظيمة التي يتسلّح بها .. وستكون أولى نصوصه مراجعة ومحاولة تخليق مكوّنات الكون الأربعة الأساسية في نص اسمه : “رباعيّة الخلق” .

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| طلال حسن : رواية للفتيان – خزامى الصحراء

إشارة: بعد أن أنهينا نشر فصول مخطوطة كتاب “حوارات” لأديب الأطفال المبدع العراقي الكبير “طلال …

هشام القيسي: أكثر من نهر (6) محطات تشهد الآن

ينفتح له ، وما يزال يرفرف في أفيائه مرة وفي حريق انتظاره مرة أخرى ومنذ …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *