شوقي يوسف بهنام : من أرشيف ذاكرة الإمام الشافعي أو من جبروت المكبوت إلى عصيان الرغبة (1)

shawki-yuosif-4-*مدرس علم النفس في كلية التربية – جامعة الموصل
كل منا له أفراحه وأحزانه ، والشافعي ليس استثناء من ذلك . وكل منا يحاول ان يتشبث بأفراحه ويتغافل عن أحزانه ، ويتعامل مع لحظات الحاضر وتوقعات المستقبل بناءا على ما عاشه الفرد من أحزان وأفراح على حد سواء . وهذا هو الذي يكوّن النظرة إلى الحياة والموقف منها . فخبراتنا الماضية هي التي تحدد نظرتنا إلى المستقبل وطريقة تعاملنا مع لحظات الحاضر . وهذا لا يتم إلا من خلال الاستعانة من مخزون الذاكرة الفردية ، ونحن نميل ، عموما ، إلى تذكر الأحداث السعيدة ونسيان الأحداث الحزينة . وفي هذا عمل قصدي ؛ لأن تذكر الحدث السار يثير مشاعر تختلف عن التي يثيرها الحدث غير السار . وعلى العموم فأن مدرسة التحليل النفسي قد أطلقت على العملية التي من خلالها نبعد الذكريات والأحداث غير المقبولة إلى اللاوعي بعملية الكبت Repression (1) ، وتظل المادة المكبوتة ( أفكار ، صور ، رغبات ) في رغبة مستمرة للخروج من أسرها مطالبة الإشباع وقد اطلق ” فرويد ” على هذه العملية أو الآوالية بعملية ” عودة المكبوت ” Return of the repressed وهي العملية التي تنزع من خلالها العناصر المكبوتة ، التي لم يقض الكبت عليها مطلقا ً إلى الظهور ثانية ، وتتمكن من الوصول إلى ذلك بطريقة محرفة على شكل تسوية .. إن هذه العملية تتم من خلال ثلاث آليات دفاعية هي الإزاحة والتكثيف والإقلاب ” القلب ” (2) وعملية الكبت تمتاز بونها عملية لاواعية ، وهي تختلف عن عمل آلية أخرى هي آلية القمع Suppression والتي تمتاز بكونها عملية نفسية واعية (3) . ونحن لا يهمنا الدخول بهذه التفاصيل قد ما يفيدنا في إلقاء الضوء على فترة مهمة من حياة الشافعي وهي فترة طفولته . ومن البديهي ، إننا لن نتمكن ، وبصور إطلاقية ، أن نكوّن صورة متكاملة وبمختلف أبعادها عن طفولة الشافعي ، وذلك لأن عملا كهذا سوف يقودنا إلى دراسة جميع الروايات المتعلقة بطفولة الإمام الشافعي وهي مبثوثة في كتب التراجم والسير ، وهكذا عمل لا يمكن ان تستوعبه سطور بهذا الحجم . ولكن هذا لا يعني أننا نقف مكتوفي اليدين أمام هذه المشكلة ونتغاضى عن هذه الفترة المهمة من حياته ، بحجة حجم السطور أو محدوديتها مثلا . لماذا نلجأ إلى كتب السير والتراجم ، وفي حوزتنا نصوص الشافعي نفسه تساعدنا للوصول إلى غايتنا وتسمح لنا ، ولو بصورة جزئية ، ان نقف عند طفولته من خلال بعض خبراته التي أودعها في شعره ، وتعد دليلا لا يمكن الطعن بنواياه . ونحن لا نزعم ، هنا على الأقل ، من إننا سوف نقدم تقريرا عياديا عن حياته وبصورة مفصلة . وحجتنا هذه المرة ، أنه لا يمكننا فعل ذلك من خلال سطور بهذا الحجم ، وبهكذا إمكانية محدودة . إذن ، هدفنا يتحدد بإلقاء بعض الضوء على خبرة واحدة لا غير . ونميل إلى الظن أن هذه الخبرة لها أهمية خاصة في حياة الشافعي لأنها سوف تكون بمثابة الجذور الأساسية لبعض سمات شخصيته لا لشيئ إلا لأنها قد بقيت عالقة في ذاكرته إلى درجه أنه صبها في قالب شعري ، ومن المحتمل أنه كان يتغنى به وينشده على غيره وهذا الذي جعل من الآخرين أن يوثقونه ويروونه عنه . وهذا دليل كاف على ان هذه الخبرة أو قل هذا الموقف قد ترك في لا وعي الشافعي ما ترك من آثار وانفعالات . هذه الخبرة متمثلة في بيت واحد فقط سننطلق منه وسيكون محورا لهذه السطور والتي يمكن ان تكون مدخلا أو تمهيدا يساعدنا على ان نفهم معالم وأبعاد العقلية الشافعية !! . و لا بأس حتى لو اتسمت بطابع النسبية . ونقطة انطلاقنا هي ما ذكره المحقق الفاضل في توثيق شعر الإمام الشافعي . يقول الشافعي ( هكذا يورد المحقق ) :- كانت أمي تطعمني الزيت وأنا صبي فقلت :-
– يا أماه قد أحرق الزيت كبدي . فقالت :-
– كله يا بني فأنه مبارك . فقلت :-

تأ د مني بالزيت قالت : مبارك وقد احرق الأكباد هذا المبارك (4)

***********************
وكالمعتاد ، فلا تعليق من قبل المحقق الفاضل على هذا التصريح الخطير من قبل الصبي . ويمكننا ، ومن خلال هذا البيت ، ان نضع أيدينا على أكثر من ظاهرة سلوكية أو موقف نفسي قد عبر عنها الشافعي بعدما غادر الشافعي محطات الطفولة ، لكي تكون شاهدا على حساسيته المفرطة وذكاء اللامع وبعضا من سماته شخصيته الأخرى والتي تشكلت وتبلورت على ما هي عليه فيما بعد . ولنحاول ان نمضي في استنطاق النص لنرى ما هي الانفعالات التي رصدها الشافعي وهو يأكل الزيت المبارك على مضض . ليس من المعقول ، نوعا ما ، ان هذا البيت وليت لحظة امتعاضه من الزيت . بتعبير أدق ان الشافعي لم ينظم هذا البيت إلا بعد ملل طويل من تناول للزيت الذي سبب حرق الأكباد .ويمكننا ان نفهم من عبارة ” حرق الاكباد ” .. هذه الآثار الجانبية ؛ من الم ومغص واضطرابات الهضم الأخرى الناتجة من فرط تناول الزيت . وللزيت دلالة مقدسة في الذاكرة العربية . يحدثنا مالك شبل عن هذه القدسية بما يلي ” … يرمز الزيت إلى القوى الطبيعية الخارقة ، التي تحول قوى الشر إلى طاقة خيرة وتؤثر في بعض المواقف حيث تتحول الظلمة إلى نور ، إن مثل الزيت كمادة نورانية تتكرر في كل دراسة عن الروحانية الصوفية ، وجعل منه ابن عربي (1165-1241م) موضوع معادلة اساية . أما الغزالي (1058-1111م) الذي يسبقه بنصف قرن ، فقد أقام علاقة وثيقة بين الزيت والنور الاشراقي والروحاني لأنه المادة التي توجد ، بحسب الصورة القرآنية ، داخل مصباح موضوع في كهف (5) وفي رمزية اوسع للزيت يطالعنا الباحث ” خليل احمد خليل ” ما يلي ” الزيت رز قربان يقدم للمستور . فهو ذو استعمال شعائري في بلدان حوض البحر المتوسط ولدى شعوب المشرق ، وبالأخص في المجتمعات التي تقدس الزيتونة ، مصدر النور والغذاء . يرمز الزيت الى النور والنقاء والخصب . ’يسكب الزيت على الحجارة الغشيمة ؛ ويزيت الرجال محراث الفلاحة قبل استعماله في الحرث ؛ وتستعمله النساء كقوة مخصبة ، لها لون الشمس ، ولطافة الخصوبة (الحب) ورهافة التجاسد بين الذكر والانثى . رمز البركة الإلهية ( زيتونة مباركة ، لا شرقية ولا غربية ) ؛ رمز الفرح والإخاء . في طقوس المسحة الأخيرة بالزيت ، يغدو الزيت رمزا لروح الله ، التي تمنح الإنسان الممسوح : السلطان والقوة والمجد ” ( 6) . ولااعتقد ان والده الشافعي عنت عن الزيت ما عناه كل الغزالي وابن عربي عنه بالشكل الذي وصفاه .. ولكنها قد انطلقت من اساس مشابه لوصفيهما وذلك قالت عنه بأنه ” مبارك ” . كم من الوقت ظل الشافعي يتناول الزيت ؟؟ . أي ما هي الكمية التي تناولها الصبي من هذا السائل حتى يسبب له هذا النفور والانزعاج منه ؟؟. وهذا مؤشر واضح على المستوى الاقتصادي المنخفض الذي عانى منه الشافعي في طفولته . ويمكن ان يعد هذا البيت ؛ شكوى لاحقة أو متأخرة .. بعبارة اخرى هي ما يمكن ان يطلق عليه ب ” عودة المكبوت ” الذي كان غائصا في لاشعور هذا الصبي الذي كان ينتظره مستقبل قلق ظل يلاحقه حتى لحظاته الأخيرة . ومن خلال القراءة المتأنية للنص يمكننا ان نؤشر على بعض الملامح النفسية له . منها أنه كان يتمتع بدقة الملاحظة وسرعة الفهم والصبر والتأني في إطلاق الاحكام واتخاذ القرارات والالتزام بالمعايير الاجتماعية من خلال طاعته وامتثاله الكامل لسطوة وسلطان والدته وجبروتها . سلطة الام سلطة لا تضاهيها سلطة اخرى .. لا سيما في السنوات الاولى من الحياة .. وتظل هذه الهيمنة مستمرة على لاوعي الفرد مدى الحياة وإن اختلفت ابعادها ومستوياتها . انها خصائص لما يمكن تسميته ، بلغة علم النفس ، ” الاتزان الانفعالي ” والذي يعد واحدا من مؤشرات ” قوة الأنا ” ego-strength . الا ان هذا لا يعني أن حياة الشافعي كانت خالية من المكدرات والمنغصات .. بل على العكس فإن شخصا يمتلك هكذا مواصفات في الشخصية ، يكون اكثر عرضة للاستجابة لمواقف الكدر والتنغيص . لا لشيئ إلا لأنه يمتلك حساسية أكثر من الآخرين للاستجابة لمواقف وضغوط الحياة المختلفة .. فضلا عن ان تقديراته للأمور وأسلوب تعامله مع المواقف المختلفة تكون دائما معرضة إلى سوء التاويل والفهم . وهذا هو السبب الرئيسي والمهم في ظهور علامات سوء التكيف والتي تعد واحدة من مؤشرات حياة الاشخاص من ذوي المستوى الممتاز في القدرات العقلية ومختلف وظائفها . ولاشك ، عندنا ، ان الشافعي واحد من هؤلاء . ولذلك فهو أكثر عرضة من غيره للانجراح النفسي . إلا ان” قوة الأنا ” لديه كانت من الوفرة والقوة لدرجة انها استطاعت امتصاص الضغوط المختلفة . و لا بأس في ان نقف عند نص قاله الشافعي واصفا سياق حياته بصورة عامة ، وكيف كان يعيش ومن اجل ما كان يعيش .. فهو يقول :-

قضى وطر الصبا وأفاد علما
فهمته التعبد والسكـــوت (7)
********************
وعلى الرغم من ان هذه السيرة تبدو نموذجية وخالية من المتاعب والهموم ، فإن الشافعي قد مر بأوقات عصيبة وايام صعبة ، كانت مصدر ازعاج واضح له . يمكن مراجعة ( 4 ، 5 ) على سبيل المثال لا الحصر . الا انه يمكن القول ، وهذا ليس مجاملة منا للشافعي .. بل هو إظهار الحقيقة لا غير ، ان هموم الشافعي لم تكن نتيجة لقصور ذاتي وضعف في إمكانياته الشخصية .. بل كانت نتيجة لضغوط خارجية وبيئية مختلفة . الشافعي انسان قبل كل شيئ واولا واخيرا . ومن هذا المنظور ، يمكن القول أنه كانت لديه هموم ايضا . وقد عد الشافعي هذه الهموم عوائق امام مساره الروحي ، وكان دائما يضع ثقته ورجائه في الله فقط لكي يساعده على اجتياز تلك العوائق . وهناك نصوص كثيرة قالها الشافعي في مناسبات عديدة تؤيد ما ذهبنا إليه .. لا مجال لذكرها .
نعود إلى النص الذي انطلقنا منه والذي جعلنا منه موضوعا لهذه السطور . وقلنا ان بإمكان هذا النص ان يساعدنا في التعرف على طفولة الشافعي ولو بصورتها الاجمالية ولذلك سوف نستمر في حفريتنا لهذا النص ومن خلال الاستعانة بنصوص اخرى تعزز من وجهة نظرنا فيما يخص مسألة “عودة المكبوت ” حقا ان الشافعي لم يك ٍ مبالغا في وصف قدراته وإمكانياته وخصوصا ” الملكة الشعرية ” عنده . وهذا هو ما نستطيع أن نلمسه ، بوضوح ، في هذا النص الذي انطلقنا منه . لا شك أن الشافعي لم – كما قلنا – يصرح بموقفه من الزيت الذي كانت امه تطعمه اياه ابان طفولته . هذا الحوار بينه وبين الام كان مجرد شكوى من صبي ضاق ذرعا بالزيت !! . ونستطيع بسهولة واضحة أن نشم رائحة التبرم والانزعاج لديه ، خصوصا في الشطر الثاني من البيت . ماذا كانت حجة الام في اقناع الصبي بأهمية الزيت وبالتالي الافراط بتناول الزيت؟ . وكان هذا الاقناع شكل من اشكال فرض سلطويتها الامومية عليه . الا انه على ما يبدو لم يك ٍ مقتنعا بتلك الحجة أو مرتحا لها . لم تك ٍ مرجعيات الام غير المرجعيات أو التصورات السائدة في بيئتها عن الزيت . قالت له الام : انه مبارك ! . وبما انك صبي سليل لرجال اتقياء ورجال شريفي النسب فما عليك الا ان تناوله . إذن هي قدسية الزيت .. هي السلطة الأولى التي انطلقت منها الام لتمرير سلطتها الانسانية ولقمع وكبيت شكوى الصبي واحتجاجه . لم تقدم له الدليل أو البرهان أو المحاججة على ما تدعي . الا انها ، وبحد ذاتها سلطة مطلقة لا يتمكن الطفل الانفلات من هيمنتها . أو على اقل تقدير في حسابات الطفل الذي لايملك سلطة توازي سلطة الام لكي يتكأ عليها أو ينطلق منها في تكوين احكامه وتصوراته . انها صورة نموذجية للتنشئة الاسرية المرتكزة على تقديس المتراكم الديني واحترامه . هنا نشأ الصراع Conflict لدى الشافعي . الصراع يتمثل في احترام سلطة الام ووجهات نظرها وبين عدم لا معقولية تلك الوجهات من النظر . وبدأ الشافعي يطره السؤال على نفسه . ما هو المقدس وما هو غير المقدس ؟ هذا السؤال كان مصدرا من مصادر القلق لدى الشافعي . من جهة ثانية إذا كان هذا الزيت مقدسا ومباركا فلماذا ” يحرق الاكباد ” . المفروض .. هكذا فكر الشافعي الصبي .. أن يكون هذا المبارك ذا فائدة للبشروليس سببا للآلام والاوجاع . هذا هو الصراع الذي عاشه الشافعي وقد تمثل بين سلطة الام واحترامها والتي ترجمت الى الالزام بتناول الزيت وبين تهافت دليلها وضعف حجتها . لم تقوى حجة الشافعي أمام جبروت الام وسطوتها . وعاد يعاني من ” حرقة الاكباد ” وعاش معه هذا الحزن وذاب بين جوانحه السؤال الكبير : ما هو المقدس وما هي معاييره واين يمكن ان نجده واين ينبغي ان نبحث عنه ونفتش عنه ؟ احتجاج الشافعي هو دليل واضح على رفضه وتبرمه من خطاب الام . وكبر الشافعي وكبر معه السؤال . ولم يصبح المقدس أو ” المبارك ” مجرد جرعة من الزيت بل اصبح الهم الاكبر لديه هو كيف يحدد المعيار لما هو بالفعل ما يمكن ان نسميه ” مقدس ” أو ما لا يمكن تسميته بذلك . وامتد السؤال لكي يصبح سؤالا عن المعيار لمسألة الحلال والحرام أو المايجوز والملايجوز . ولعلنا في هذه القراءة لهذه الفترة المبكرة من حياة الشافعي سنجد على ما يساعدنا على التعرف على السبب الذي دفع الشافعي ان يعنون كتابه الفقهي الكبير والمهم ب ” الام ” ؟ رأينا في النص الذي عبر من خلاله الشافعي عن طبيعة مساره السلوكي ؛ أعني التعبد والسكوت .. وهاتان الخاصيتان يمكن أن تقرأ من وجهة نظر علم النفس على انها سيرة قائمة على قمع ما هو غير مرغوب فيه وكبته واعلائه . القمع آلية دفاعية ناجحة وناضجة وتنسجم وتتوافق مع طبيعة ” قوة الأنا ” (8) بينما تبقى آلية الكبت آلية غير ناضجة وهي اكثر بدائية وبذلك يكون الشافعي قادرا على ضبط انفعالاته وتصريفها والتعبير عنها بالشكل الذي يأمل ان يكون عليه . ولفظتي ” التعبد والسكوت ” هما تعبيران لهذا المعنى . وهذا الموقف يفيدنا لكي نلاحظ ان الشافعي كان مطيعا لوالدته وفي نفس الوقت كان غير مستعد لقبول ارائها ووجهات نظرها ، في ما يخص طبيعة المقدس على وجه الخصوص . أن طاعة الام عند الشافعي لم تكن مؤشرا على ضعف شخصيته ، وانه شخصية اعتمادية مثلا .. بل تمثل نمو سليما في النسق الاخلاقي لديه .. وبعبارة ادق فأنها تمثل تنظيم سوي لبنية الأنا الاعلى لديه .. وعلى الرغم من انه لم تدركه الصراعات الاوديبية (نسبة الى عقدة أوديب) لأن والده توفي وهو ابن سنتين (9) . وبذلك تكون الأم عند الشافعي الصورة المطلقة للسلطة – على الاقل في السوات الاولى من حياته – الاخلاقية والمراقبة السلوكية . ولهذه الاعتبارات مجتمعة ، في نظرنا على الاقل – جعلت من الشافعي أو دفعته الى تسمية كتابه الرئيسي ب “الام ” وكأني بالشافعي اراد ان يقول : ان تأويلاته لمسائل الفقه تعد بمثابة المرجع النهائي أو الام للقراءات الأخرى ، وقد يكون مثل هذا التفسير فيما يخص تسمية كتاب الشافعي ، سابقا لأوانه ، الأ ان هناك ما يبرر مثل هذه المصادرة ، لأن هذه القرائن كلها تساعدنا على ان نمضي نحو تلك المصادرة . ولعل والدته قد لا حظت علامات الذكاء لدى هذا الصبي ، وقد يكون وحيدها ، فأسرعت بدفعه الى الكتاتيب وهو في بواكير حياته الاولى (10). وبهذا العمل ، ساعدت الام على تنمية مشاعر الاستقلال والثقة بالنفس لديه . وعلى الرغم من نية الام ، ونفترض جدلا وجود عامل السلامة بها ، فإن مشاعر الهجر ( الشعور بأنني مهجور) يمكن ان يكون لها نصيب في حياته . ونتيجة لذلك ، نرى نرى ان الشافعي كان كثير التجوال والترحال والبحث عن ما يهدئ من روعه وما يطمئن نفسه التواقة الى السكينة والامان . ولهذا كان التحول الكبير في حياته وفي مرحلة مبكرة منها ، فوجد في الفقه ودراسة الشرع ضالته بعد ما انفصل عن الام وقطع صلته به(11) . وفي هذه المرحلة الجديدة من حياته ظهرت أو ( عادت) بوادر الاحتجاج وعدم القناعة . وقد حول الشافعي هذه المشاعر ؛ أعني مشاعر الاحتجاج وعدم القناعة ، الى السلطة الفقهية أو القراءة الفقهية بتعبير ادق وليس الى الام . ويمكن عد هذا التحول في مشاعر الاحتجاج وعدم القناعة امتداد لاحتجاج الشافعي وعدم قناعته بقدسية الزيت وبركته الذي كان سببا لحرق الاكباد . وبهذا يكون المكبوت قد عاد مرة أخرى الى الظهور في وعي الشافعي واصبح مصدر ازعاج له ؛ أعني لعقليته وروحه اكثر من الزيت الذي كان سببا لحرق الاكباد !! .
لم يستطع التحمل هذه المرة ، لأنه لم يعد كما كان . لم يعد طفلا صغيرا ؛ عاجزا .. محدود القدرة .. القدرة بمختلف مستوياتها امام الام حتى يطأطأ رأسه امامها ، وكان رأي الام وحكمها هو الحقييقة المطلقة بعينها .. لقد نما ونما معه عقله حيث اتسعت مداركه وتفتحت قرائحه وفاضت مخيلته .. ولا نريد ان نقول أن هذا النمو شمل جسده وحاجاته وغرائزه وعواطفه لأن هذه جزء من تلك . ولأن الشافعي عقل وجسد ونفس وروح … القراءات الفقهية لم تشف غليله ولم تشبع ضالته . ها هو يقرأ (الموطأ) للامام مالك في تسع ليالي وهو ابن عشرسنوات (12) . لماذا لم يتوقف عند هذا الكتاب ويصبح واحد من اتباع صاحبه ؟ . لا نريد الاضافة في العلاقة بينهما ، ونحن نعلم ان مالك كان يرعى الشافعي لاسيما في الجانب الاقتصادي . وعلى الرغم من العلاقة الحميمة بين الاثنين ؛ وهى علاقة التلميذ باستاذه ، الا ان هذا لم يمنع الشافعي من ان تكون له استقلاليته وخصوصيته في تناوله للامور وقراءة وتأويل النص الديني ، وهذه كلها مؤشرات على ان الشافعي لم يجد في كتاب مالك ما يشبع ضالته ويشفي غليله . معنى هذا ان ( الموطأ ) لم يعد المرجع الفقهي النهائي في نظره . وخرج الشافعي من دائرة هذه الازمة ، أزمة القراءة إن صح التعبير ، بقراءة جديدة تتلاءم وعقليته وبناءه النفسي وعدها أم القراءات ، ولذلك لم يجد ما يمنعه من ان يسمي كتابه الفقهي بكتاب ( الام ) . لكن هذه المرة ليست الام التي كان زيتها يحرق الاكباد ، وإنما (الأم ) هنا هي عقلية الشافعي وروحه التواقة الى السكينة والطمأنينة . وبذلك خرج من هذه المحنة ظافرا بقراءة جديدة . وبدأت في حياته مرحلة جديدة اتسمت بالصراع مع السلطة الفقهية . الا ان ما يلفت الانتباه في شخصية الشافعي في هذه المرحلة هو مرونة اسلوبه في الحوار مع الآخر ومع رموز السلطة الفقهية مع اعطاء الفرصة لذلك الآخر بأن يقدم حجته وبرهانه وان يصغي اليه مع الرجوع الى معايير العقل اولا وما يسنده من معايير النقل ثانيا . واذا اختلف معه .. اعني مع ذلك الآخر فلا يمارس الشافعي اسلوبا تهكميا أو عدوانيا أو الزامه بان يقتنع بحجته بل يتركه وشأنه ويمضي هو في شأنه ، واضعا نصب عينيه مرضاة الله وهي وحدها غايته غايته الكبرى (13) . وهنا ، في هذه المرحلة يعلن الشافعي بوضوح عن مشاعر الرفض والاحتجاج على الآخر مما اوقعه في دائرو الاشكال مع السلطة الفهية والزمنية ( الخلافة) على حد سواء (14) .
وجذور هذه الاختلافات أو الصراعات يمكن ان تكون صدى لعلاقة الشافعي بوالدته في بواكير حياته الاولى ، التي لم تتمكن من ان تستوعب عقلية الصبي وسعة مداركه . وهذه ليست نقطة سلبية تسجل ضده ، وإنما قد تكون من سوء حظ الشافعي ليس الإ . عند هذه المرحلة ، نقف عند الشافعي ، وهو يبرهن لنا أو برهن ذلك ، على انه استطاع ، وبجدارة ، ان يتعامل مع مخزون مكبوته ، بطريقة سليمة يحبث لم يجعله ، اعني هذا المخزون ، لأن يكون فريسة للاضطراب ، فلم يسجل هو على الاقل اي شكوى من شكاوى العصاب أو الذهان لديه . وسجله الشعري ساهد على ذلك . ومن ثم فقد تسامى الشافعي بهذا المكبوت واخرجه الى حيز الوجود على شكل عمل ابداعي ادخله به التاريخ .

الهوامش :-
1- لابلانش – بونتاليس ، مصدر سابق ، ص 416 .
2- نفس المصدر السابق ، ص 374 .
3- نفس المصدر السابق ، 413-414 .
4- بهجت ، مصدر سابق ، ص 171 .
5- شبل ، مالك ، 2000 ، معجم الرموز الاسلامية : ترجمة انطوان الهاشم ، دار الجيل ، بيروت ، لبنان ، ص 148- 149 .
6- د. خليل ، احمد خليل ، 1995 ، معجم الرموز ، دار الفكر اللبناني ، ط1 ، ص 85 .
7- بهجت ، مصدر سابق ، ص 104 ، نص رقم 15 .
8- Perry JC , Cooper (1989) An Empirical Study of Defense Mechanisms , Arch Gen Psychiatry , 46, pp.444 – 452 .
9- بهجت ، مصدر سابق ، ص 16 .
10- بهجت ، مصدر سابق ، ص 16 .
11- اعتمدنا في تفاصيل سيرة الشافعي على ما كتبه المحقق في كتابه السالف الذكر .
12- بهجت ، مصدر سابق ، ص 16-17 .
13- بهجت ، النصوص ؛ 23 ، 32 .
14- راجع قول الشافعي لهارون الرشيد في : بهجت ، مصر سابق ، ص 179 – نص 90 .

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| طلال حسن : رواية للفتيان – خزامى الصحراء

إشارة: بعد أن أنهينا نشر فصول مخطوطة كتاب “حوارات” لأديب الأطفال المبدع العراقي الكبير “طلال …

هشام القيسي: أكثر من نهر (6) محطات تشهد الآن

ينفتح له ، وما يزال يرفرف في أفيائه مرة وفي حريق انتظاره مرة أخرى ومنذ …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.