مشروع تحليل خمسين رواية عربية نسوية : رواية (حلم وردي فاتح اللون) للروائية (ميسلون هادي) (6)

hussein 5حسين سرمك حسن
بغداد المحروسة
ملاحظة : انتهيت من كتابة هذه الدراسة يوم 2/آب/2010

# الرسالة الاجتماعية للمبدع :
—————————-
وصحيح أن الأدب عموما والرواية خصوصا تُعدّ من مصادر دراسة الشخصية القومية ، لكن من الأمور المفروغ منها هو أنه ليس من مسؤولية الروائي أن يكون مؤرخا ولا محللا اجتماعيا ، كما أنه ليس من واجبات الرواية ، حيث يستطيع أي مؤرخ أن يسجّل الحوادث التاريخية ويعرضها أفضل من أي روائي ، مثلما يستطيع أي عالم اجتماع تحليل الوقائع التي يمر بها المجتمع أفضل من أي روائي أيضا . لكن من مسؤولية الروائي الشهادة الحيّة والتفصيلية على حيوات شخوصه وتحولاتها السلبية والإيجابية ، هذه التحولات التي لا تجري في وسط مفرغ من الأشخاص والمؤسسات والأفكار .إنها تحيا داخل شبكة هائلة من العلاقات وتتعرض لمقادير لا تحصى من مؤثرات مكونات النسيج الاجتماعي الذي يحيط بها . ولكن على الروائي أن ينتبه إلى “وظيفة” أي معلومة تاريخية أو اجتماعية يذكرها ، وظيفة سردية تحفظ السياق الحكائي وتعزز لحمته وتغنيه ، وتكشف محطات ” تاريخية ” و”اجتماعية” تثري حضور الشخصية وتوسّع دائرة أفكارها وتعزّز مصداقيتها . فالمعلومة التي ذكرتها فادية لعمّار عن أن جيل العراقيين من مواليد عام 1947 قد انقرض من الوجود في العراق ، وهم الذين خاضوا الحروب الكونية الثلاث التي عصفت بوطنهم ، جاءت تعليقا من فادية على قول عمّار البسيط والذي يلتقط ظاهرة اجتماعية خطيرة حين قال:
(الآن العجائز قاعدات على قلوبنا، والشباب يموتون بالجملة ) .
والصورة الكلية أحالتني إلى تعريف للحرب قرأته قديما يقول :
( في السلم ، الأبناء يدفنون الآباء ، وفي الحرب الآباء يدفنون الأبناء ) .
وها هي غولة الحرب تبتلع الشباب وتترك العجائز قاعدين على قلب المجتمع . وفي الحوار نفسه تستعيد فادية معلومة معبّرة جدا من سنوات الحصار وتكشف طبيعة السلوك الاجتماعي القائم آنذاك وحدة العوز التي ترتبت عليها مهانة الإنسان العراقي ، والطريقة التي كانت تتعامل بها مؤسسات الدولة مع همومه : ( – هل تعرف ، إني في العام 1994 الذي وُلدتً أنت فيه ، شاركت في المظاهرات الحاشدة التي قامت في ساحة الحرية بالكرادة ؟
maysalon hadi 5– مظاهرات ؟
– طبعا .. وزعت ( جلود ) منتجاتها الفاخرة على الناس في التسعينات ، فقامت مظاهرة هناك للحصول على الجنط والقماصل .
– مظاهرات من أجل الجنط والقماصل ؟
– ومن أجل الأحذية أيضا … ص 23 ) .
# وضمن إطار هذا الدور المقدّس تبلغ اللعبة الميسلونية الباهرة درجتها القصوى في تسريب المعاني الوطنية عبر درس تربوي تتكفل به أردية الإبداع المغيبة ، فختام ظهر الآن أنها صابئية ، وهي ابنة شيخ صابئي بدرجة ( الترميذة ) وكان صديقا لجد ياسر .. لاحظ الخلطة العجيبة من جديد ، الخلطة الآمنة التي فجّرها المحتل . قال ياسر لفادية :
( .. جدّي لأبي مسلم من بيت الرسّام ، وجدّي لأمي مسيحي من بيت رسّام ولم أجدهما قد اختلفا في يوم من الأيام ، بل كانت أمي تقول لأبي إن المكتبة اختراع رافديني بحت ، وإن أحد أجدادها هو الذي اكتشف مكتبة آشوربانيبال العظيمة والرقم الطينية لأحداث ملحمة جلجامش في تل قاينجو قرب الموصل ، فيقول لها إن أجداده استماتوا في الدفاع عن سور الموصل وهم يرممونه كلما هدمته مدفعية قوات نادرشاه التي هاجمت الموصل في القرن الثامن عشر ، هل اختلفا ؟ لا أعتقد – ص 134) .
وهذا أيضا ما تؤكده الأم – والكاتبة تحاول بكل الطرق توصيل رسالة درس فسيفساء الحياة العراقية الماضية – حين تقول لفادية :
( أنظري .. أنا مسيحية وأبوه مسلم ، ونحن الإثنين من أهل الموصل ، وحماي متزوج من كردية تعيش في دهوك .. لا أدري كيف انتهينا إلى أن يصبح الدين بيننا مشكلة ؟! – ص 98) .
# ولا تكتفي مكونات هذه الفسيفساء بالتساند من خلال توفير الملجأ والمأوى الحامي ، لكنها تتساند لتهريب الأمل / ياسر . ويأتي الحل – بعد طول عناء موجع عاشته فادية في كيفية تهريب ياسر من البيت،يأتي من الصابئية ختام التي تقترح عليه لبس ملابس (الرستة) .. هنا تتتجلى أبعاد رسالة الكاتبة حين تحكم أناملها الخيميائية القبضة على عنق تراب المعاناة الجسيمة فتحيلها إلى تبر الفن الخاطف للأبصار .. فتجعل الطريق الوحيدة التي يلتجيء إليها ياسر / الأمل ، هو أن يلبس الملابس البيضاء الرائعة للصابئة ليمرق من نقاط السيطرة محتفلا بعيد الماء الصابئي ( المصبتا والإرتماس في ماء دجلة ) حيث يتصافح الجميع بعد أن يضعوا خواتم الياس في خناصر أيديهم اليمنى – ص 117 ) . وللبس الملابس معنى رمزي عميق يتمثل في توحّد الهوية .

# في بيت “فادية” رجل :
———————
وثيمة الرواية ذاتها تتيح لك الإنتقال عفويا للمقارنة بين هذا الواقع المفارق وأي واقع آخر حين يتمظهر إبداعيا ، فقد يقع القاريء في مطب المقارنة بينها وبين رواية ( في بيتنا رجل ) للروائي المصري الراحل ( إحسان عبد القدّوس ) والتي تتحدث أيضا عن بطل فار من ملاحقات الأجهزة الأمنية ويختفي في بيت صديقه وتقع واحدة من بنات البيت في حبّه . هنا تختلف الصورة جذريا . أولا هناك الإطار الكلي للحالة العامة التي هي حالة دموية ومميتة .. إننا في رواية عبد القدوس نقف في حدود البيت الضيقة التي اختفى فيها البطل والتخوّف من أن تخترق البيت مخالب الجهات الإستخبارية التي تبحث عنه ، بعيدا عن تناول التحوّلات الاجتماعية والشخصية والصراعات النفسية الدفينة لدى البطل ، وارتباطها بالمناخ الدموي العام . فتداعيات بطلة في بيتنا رجل هي تداعيات ذاتية مرفّهة عند قياسها بتداعيات فادية بطلة حلم وردي فاتح اللون المدمّرة التي تزيح من طريقها أي قرينة رومانسية أو إشارة مستريحة ، البقاء لجهنم .. فادية لا وقت لديها لتفكر في الحب أو التعلق الغرامي ، لأن الحب يقتضي شرطا أساسيا هو أن لا يقلق كي يترعرع ويتنامى .. والمناخ العام لا يتيح لأي بذرة حب أن تصحو وتنتعش . لنأخذ عينة من عينات دوامة أفكار فادية التي ستبدو تداعيات بطلة عبد القدوس تأملا طريفا بالنسبة لها – طبعا مع فارق سياقي الروايتين السردي ومرحلتيهما التاريخيتين – :
( كيف لي أن أصدق أن أحدا يمكن له أن لا يموت في هذا البلد الذي لم يعد فيه سوى من مات مرة واحدة ومن مات مرتين أو ثلاث مرات ؟ أما من ينتظر فأصبح فراغا كباقي الفراغات التي يتركها الآخرون عندما يغادرون لمختلف الأسباب .. فراغات في البيوت .. فراغات في الوقت .. فراغات في المسافات .. تُسمّى منع تجوال يُفرض على الناس منعا للأذى .. منعا لتصادم أمواج البشر الهائمة على وجوهها ..الجاهزة بأجسامها للأذى ، وعقولها للأذى) .

kh maysalon 5# ما الذي يحيط بالبيت الذي فيه الرجل ؟
————————————-
تحيط به أشياء لا يمكن أن تصدّق في العالم المعاصر وستُعد أشبه بالنكتة الهيتشكوكية رغم أن هيتشكوك سيعجز عن تصوّر واحدا من أبسط سيناريوهات فلم الرعب الأمريكي الذي أخرجته الولايات المتحدة على أرض العراق . لقد قتل الصيدلي الشاب الذي كانت تشتري فادية منه الدواء بلا سبب … جثة مرمية على ناصية الطريق ومكومة على نفسها .. لم يتقدم منه أحد خوفا من أن يكون القتلة قريبين .. هم يحاسبون من يتعاطف مع ضحيتهم . لكن الأب الذي جاء بعد ساعات احتضنه وبكى .. وليست هذه كل معاني أقصى فنطازيا الغرابة .. غرابة ما بعد الواقع السوريالي الذي يجعل فادية لا تصدق عينيها ولا أذنيها حين حضرت مجلس عزاء الصيدلي المغدور وهي ترى النسوة يهنئن أمه المثكولة على تمكنهم من التقاطه ودفنه بكامل طوله !!. وقد أخبرني صديق بأنه رأى بأمّ عينه أمّهات شبه مبتهجات يحملن ” فلّينات – ice box ” فيها رؤوس أبنائهن فقط !! .. وهنا تأتي الفسحة التأملية التي أشرنا إلى أهميتها الحيوية :
(عندما ذهبت إلى عزائه سمعت بعض النسوة يهنئن أمه على تمكنهم من التقاطه ودفنه بكامل طوله ، ثم هرعن إلى القرآن يخفضن صوته عندما اتصلت أخته المهاجرة من استراليا تبشر أمها بأنها حامل ..فبقيت أقول لنفسي ( حامل وميت حامل وميت حامل وميت ) .. أدهشني أن العقل يعمل حتى في شتاته ، ويا له من تطابق عجيب في أن يكون أقصى ما تتمنى النسوة أن تدركه هو أن يُدفن الإبن في بطن الأرض كما يرقد الجنين في رحم أمه ، كامل الجسم وليس على شكل أشلاء وقطع مبعثرة – ص 42و43 ) .
وفي فيلم ( خيط أحمر رفيع – thin red thread) يقول أحد الجنود في رسالة إلى حبيبته : أشلائي مبعثرة والمشكلة بإهمال !! .

# عودة إلى ختام .. يواجه المحتلين بأضعف خلقه :
———————————————–
وختام هي امرأة أخرى في (بيتها) رجل ، رجل مؤجل أو حاضر لا فرق ، حلم أو حقيقة سيان ، مهدّد أو مسترخ …. يتكشف الفارق في الحركة التبديدية التخفّفية الأخيرة التي تكوّم فيها :
( أربعة كراس خشبية مع منضدة واطئة وضعت فوقها سجادة بحال جيّدة وكومة من الستائر وصوبة علاء الدين وسماور وساعة جدارية من النوع الذي كان موجودا في الكثير من البيوت ، لأن الناس ، كما أخبرتني أمي ، كانوا في السبعينات يشترونها من السوق الحرة بعد عودتهم من رحلات اصطيافهم السنوية التي كانوا يقضونها خارج العراق – ص 48و49 ) .
تحوّل الخسارات المستنزفة الإنسان – أحيانا طبعا وحين يتوفر الحضن النفسي اللازم – إلى كائن جبار ، على حافة بعد فوات الأوان يمكن أن تنبثق صورة مارد من أعماق الإنسان الأعزل .كانت ختام ترمي أغراض البيت – كتقسيط رمزي عن أجزاء وجودها المقطعة – في الليل ،وخلسة ، ولكنها الآن تلقيها في رابعة النهار ومع دويّ الإنفجارات ووصول خنازير الأمريكان المحتلين ، ويدور حوار هائل الدلالات بينها وبين القائد والجنود الأمريكيين . فحين يسألها الجندي الأمريكي هل تسمعه ، تجيبه بأنها لا تريد أن تسمعهم . محاطة بالرشاشات والوجوه الخنزيرية المقزّزة فلا يرف لها جفن ، بل هي تمعن في السخرية من القوة المسلحة التي تحاصرها هي العزلاء ، حيث تجيب على سؤال قائد المجموعة عن محتوى السجادة ، بأنه جثة !! . ينرعب الجنود الأمريكان ويشرعون أسلحتهم ثم لا يجدون شيئا ويسألونها :
(- ما خطبك ؟ لا توجد جثة ..
قالت : – الجثة هي الإسم السري لقصة حياتي – 50 ) ..
والجثة بتعبيراتها العملية والرمزية هي الإسم السرّي لقصة اسمها العراق .
وصاحبة هذه التوريات المتصدّعة تقف برهاوة أمام قائد القوة الأمريكية ، بل ترعبه وترد له الصاع صاعين . إنها تحدث أفراد القوة المرعبة المدججة بالسلاح عن وجود جثث أخرى في البيت فتستفزهم ، وهذا الدرس الذي يجعل إنسانة بسيطة متصدعة تُرهب قوة معادية محتلة من أقوى دولة في العالم هو من أعظم الدروس التي تقدمها ميسلون ضمن إطار الهدف الثاني من الأهداف الستراتيجية للرواية ، فالقائد الأمريكي يسأل ختام العراقية بغضب : ماذا تفعلين هنا ؟ ، فترد عليه بحزم وغضب أشد : هذا بيتي ، أنت الذي ماذا تفعل هنا ؟ . إن الإطمئنان للإرتباط بالرحم الأمومي والثقة بالذات يمكن أن ترعب أقسى الطغاة الغزاة بطشا ، في الوقت الذي انخذل فيه أكثر المتشدقين باسم التراب الطهور ، والمتلاعبين بمصطلحات الغيرة الوطنية . هذه المراهنة على فعل الأناس العراقيين البسطاء ، أناس الحياة اليومية التي تجري بلا صخب موجات نهر السياسة الهادرة التي تتلاعب بالهوية الشخصية لأي شيء فتخادعنا وتتلاعب بتشخيصاتنا . يجوز أننا لو كنا نعلم بوجود مثل هذه الإنسانة – ومن ورائها الكاتبة – لحصل شيء آخر في ما رسم لمصائرنا حتى ولو نسبيا . لكن المشكلة أن مفهوم الوطنية والمواطنة لم يتبلور بوضوح مكين في أعماق وجدان المواطن العراقي حتى الآن ، ومن اليسير أن يتراكم تراب الإعتياد وصدأ الرتابة على أشد الرموز إشراقا في حياتنا . لكن من يفرك الصدأ – تعبير مستقى من حسين مردان – ؟ ويطلق لهيب إشراقات تلك الرموز في حياة الشعوب ؟ إنه المبدع ، ولذلك أشعر أن خطيئة كبرى تقترف بحق الإبداع حين نفصله عن إنسانه المحطم وسياقه الإجتماعي . صحيح أن أي فلاح لن يستطيع فهم أبسط قصيدة للمتنبي ، وأي عامل بسيط لن يدرك مغازي دستويفسكي في الجريمة والعقاب ، لكن إن لم يكن هؤلاء حاضرين في ذهن المبدع فمن أين سيستقي موضوعات إبداعه ؟. لكن ميسلون هادي لا تقدّم درسا في الكيفية التي يعود فيها النص إلى حاضنته الاجتماعية التي صارت مجذومة حداثويا ، بل في كيفية تشكيل مفهوم جديد – كان موجودا لكن علاه الصدأ – للبطولة وللدور الإنقاذي :
( قال القائد الأمريكي قبل أن يدخل : – هل يوجد سلاح داخل البيت ؟
ضحكت : – يبدو أنك لم تسمعني جيدا
وصفّقت ، كمن يطلب الصمت وجلب الإنتباه ، فقال القائد
– لماذا ترمين أغراض البيت في الشارع ؟
قالت بحزم :
– أريد أن أصبغ البيت .. بيتي .
قال :
– وهل من يصبغ البيت يرمي أغراضه إلى الشارع ؟
قالت بحزم وهي تستدير دون أن تدع له مجالا للتدخل :
– نعم . بيتي وأنا حرّة فيه .
كرّر قائد المجموعة سؤاله مرّة أخرى :
– هل يوجد سلاح داخل البيت ؟
قالت :
– لقد سألت هذا السؤال من قبل ، فلماذا تعيده ؟
قال ، وهو يبتسم كمن لا يأخذ كلامها مأخذ الجد ، ومع ذلك هو يتخذ مأخذ الحذر في الدخول :
– حسنا . لأنك لم تردّي ، لندخل أولا .
فدخل الجميع وهم يتباطؤون في مشيهم بشكل غريب ، وقد سارت ختام أمامهم وهي تتحرك بشكل مرح ، كمن يجسد دور الفائز بشيء ثمين بعد نزال صعب – ص51)
وقد نقلت هذا الإقتباس الطويل نسبيا لأهميته التي تتأسس على عاملين : الأول هو لغة الحوار التي يبدو أنها كلما كانت بسيطة كلما لاءمت الجو الإنفعالي المحيط بالحدث . وهنا عبرة مضافة عمّا قلناه عن مغبة الإسراف في شعرنة لغة السرد ، فأي إيغال في تزيين الرداء الشعري لمضمونية الحدث السابق سوف يجهض فعله النفسي العميق ، لأن من عادة اللغة الشعرية أن تلطف وتخفّف حتى لو كانت حادة . أما الثاني فيتمثل في الكيفية التي يلجم فيها التعقّل المفرط إرادة الإنسان المحبَط ، وهذه صلة إجرائية هي مقلوب العلاقة اللغوية السابقة . فالخوف الذي يعزز ميل الفرد إلى أن يتعقل في ردود أفعاله – وهذا المظهر “العقلاني” لانشلال الإرادة الذي اجتاحنا في حرب الاحتلال – سيطوح به إلى سفح المهانة والإنطواء. ورد فعل ختام أمام القوة الأمريكية وضع معادلة أخرى لم نمسك بها عبر هذه السنوات الطويلة لكشف الوجه الذي نظنه حقيقيا ونحن نلاحق الأفعال اليومية لمن يحيطون بنا خصوصا ونحن نواجه معهم طعنات الشدة الفاجعة . كانت فادية تحاول اكتشاف الوجه الكامن – والفاعل أيضا – للأشخاص الذين تتعامل معهم ، خصوصا وهم يستجيبون سوية للمؤثر الجحيمي نفسه . وقد يرتبط هذا بفعل دفاعي إسقاطي – projected يغرّب صراع الداخل ليحيله إلى ثيمة ” معروفة ” في الخارج ، فيبعد جزئيا سهام القلق المنطلقة من الداخل وإلى الداخل لتمزق أحشاء النفس . ويتشرعن هذا الوجه الاسقاطي الباحث من خلال العودة الى المونولوج الداخلي الذي أربكتنا به الروائية في مناجاتها المعاتبة لقلبها الحازم والمؤدب وهو دور لم يعرف عن القلب عادة :
(في رأسي أتكوّن من جديد كلّ مساء نفسا أخرى جديدة ، بعد أن أحاسب الأولى على ذنوبها وأخطائها ، ثم أطويها في خلوة الليل فوق آلاف النفوس التي تنام معي كلّ يوم . . وعندما أستيقظ أحيانا ، من دون التجدد إلى النفس الجديدة التي يرتاح لها العقل جازما بالصحيح من الخاطيء ، يهتف القلب بأنني كاذبة ، لأن الشيء الصحيح سنعرفه في اللحظة نفسها التي نفعل فيها الشيء الصحيح . أقول له : يا قلب ، صدقني هذه المرة أني قد انتظرت طويلا وأنا لا أعرف إن كنت قد فعلت الشيء الصحيح . فيضحك ويقول : إنك سألت هذا السؤال مئة مرة من قبل ، وبعض الصحيح نقوم به دون سؤال ، فدعي جانبا الأسئلة التي يجب أن تبقى بلا جواب – ص 5 ) .
ولعل تكرار مفردة ” الصحيح ” خمس مرّات – على غير عادة الكاتبة – في خمسة أسطر يعكس – ولو جزئيا – الربكة الداخلية التي شوّشت جزالة التعبير الخارجي . وقد يكون هذا هو الجذر النفسي لكل الفعل المجازي للغة ، وحتى – بتطرف قليل – جذر خلقها هي ذاتها ، أي أن البحث عن الذات الشخصية الحقيقية الذي استهلت به الراوية حكايتها ، أُسقط كمحاولة دائبة وعزوم لكشف الوجه الفعلي والحقيقي – كما تعتقده فادية – لكل فرد من المحيطين بها ، الوجه الكامن خلف الوجه “الرسمي” الذي يظهره هذا الفرد وهو يلعب دوره الاجتماعي – وهذا يحيلنا نسبيا إلى الـ persona وهي جذر مصطلح الشخصية – personality وتعني القناع – . ويبدو أن هناك قناعا تحت القناع في دواخل فادية يعيقها عن كشف الوجه الحقيقي لها ، الوجه الذي يعرف خواصه بدقة “قلبها” كناية عن لاشعورها العليم بكل شيء . والوجه “المخفي” الذي تربكنا حركته المراوغة يمكن أن يكون فرديا وجمعيا في الوقت نفسه . متى تنجلي ملامحه ويتجلى بهاؤه ؟ وفي أي موقف ؟ وتحت أية ظروف ؟ . مع ضحكة ختام الشامتة أمام القائد الأمريكي ، يأتي الرد خشنا ولا مهادنا ، بخلاف ضحكة البراءة التي أطلقتها قبل يومين والتي استنتجت منها فادية وجها بريئا آخر مناقضا . هل الوجه المخفي هو مجموعة وجوه ،أقنعة ، نكتشف كلا منها تحت طبقة من التراكمات التي نحفر فيها بعناد لننزل إلى مركز النواة الملتهبة :
( ثم ضحكت ضحكة شامتة بدت لي على النقيض من تلك الضحكة البريئة التي كنت استخرجت منها وجه البراءة قبل يومين . بدا لي أن ما يمكن استخراجه من تلك الضحكة الجريئة ليس وجه الطفولة أو الصبا أو الشباب ، إنما وجه مطلق مكتمل بوضوحه ، ولا يمكن العثور فيه إلا على ملامح وتجاويف ومعان بالغة القوة – ص 50 ) .
هل يمكننا – بالتداعي المنضبط – أن نخطو خطوة واسعة في التأويل فنحيل الوجه الفردي – وجه ختام ورمزية اسمها تعين على ذلك – المطلق والمكتمل الوضوح إلى رمز للوجه الشديد التخفّي لهذه الأرض المهانة والتي استخف بها المحتل ، والأقسى أننا أنفسنا أسهمنا في التغافل عن وجه الرشد الصارم – بل المميت – الذي يتمرأى خلف أستار ضحكة البراءة السطحية . أظن ذلك .

شاهد أيضاً

شوقي كريم حسن: حسب الله يحيى… تنويعات على اوتار السرد.

* هو لايشبه مجايليه، رغم انتماءه اليهم كلياًْ ، جيل اراد ان يمزق كل حكايات …

وليد الأسطل: فيلم The words

لَوْ كُنتُ قد شاهَدتُ محتوى فيلم the words قَبلَ أن أعرِفَ عنوانه، ثُمّ طُلِبَ منّي …

التشكيل المعاصر في العراق
بطباعة الصورة ومعالجتها وبأسلوب:Lambda Print. فن الديجتال
د.عايده الربيعي

قراءة للعمل الفني (الحب الخفي). للفنان العراقي المغترب حليم كريم. وصف العمل: يمثل الشكل عالم …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *