مشروع تحليل خمسين رواية عربية نسوية : رواية (حلم وردي فاتح اللون) للروائية (ميسلون هادي) (5)

hussein 5د. حسين سرمك حسن
بغداد المحروسة
ملاحظة : انتهيت من كتابة هذه الدراسة يوم 2/آب/2010

# ختام .. الخراب العراقي مُشخصناً :
———————————–
ولا يمكن تقديم قراءة نقدية شافية لهذه الرواية من دون التوقّف عند شخصية ( ختام ) التي هي من النماذج التي تشخصن مسيرة الخراب وأبعاده وتجلياته وسبل تلقيه والإحاطة بأذرعه الأخطبوطية من خلال سلوكها المتصدّع ، ووعيها المأزوم ، واللذين يأتيانها في صورة نوبات . وهنا تحيلنا الكاتبة إلى محاكمة الاشتراطات التي نضعها للحكم على فعل ما بأنه سوي أو لاسوي . فقد كانت ختام تقوم كلّ يوم برمي قطعة من أثاث البيت في الشارع ، وبلا مبالاة ؛ رمت أولا قفص الكناري الفارغ ليلا فخلق دويّا هائلا وهو يصطدم بأسفلت الشارع . كانت فادية ( أو نادية كما كانت ختام تخطيء باسمها ) تتساءل مندهشة من هذا الفعل :
( يا ترى ما بالها ؟ هل فعلت ذلك حزنا على طائرها الذي قالت إنه تركها واختفى فجأة ؟ أم إن الذي كانت تحمله بيدها هو شيء آخر غير قفص الكناري ، وأنا الذي توهمته قفصا ؟ – ص 19 ) .
لقد كان القفص الفارغ صورة موازية لمحنتها حيث “طار” خطيبها إلى المنافي تاركا إياها وحيدة في المنزل الموحش . بعدها قامت برمي الكرسي الخشبي إلى الشارع ، ثم خرجت ونقلته من الوضع المقلوب إلى الوضع الصحيح . بعد أيام رأت فادية دخانا يتصاعد من حديقة بيت ختام وحين اقتربت من باب بيتها شاهدتها تجلس وسط الحديقة قرب دائرة مشتعلة من النار ترمي إلى جوفها الملتهب خرائط وتذاكر طائرات وبطاقات سينما ومسارح .. ومعها صور كبيرة لجيفارا وعبد الكريم قاسم وفرقة الخنافس ، وأشرطة وتذكارات رُسمت عليها حمامات السلام .. وعشرات الرسائل التي كانت طوابعها تحمل صورا لمصطفى جواد والرصافي وأحمد حسن البكر وكمال جنبلاط ويوم الشباب ويوم الشهيد .. وتواريخ لا أول لها ولا آخر أفشت ثلاثين سنة من العراق كانت بالمصادفة هي عمري – ص 38 ) .
وكيف نحكم على سويّة هذا الفعل ؟ أليس من حق ختام أن تحرق آثار أي شيء نفضت يديها من تراب عودته .. سواء أكان حبيبا أو تاريخا أو موعد مسرة أو ذكرى حمامة سلام ، فقد رحل كل شيء بالنسبة لها . وها هي تصفّي ما تبقى من قرائن ودلائل على وجود ما هو غير موجود ،وعلى أمل استعادة ما لن يُستعاد أبدا . وفق هذه الرؤية يكون فعل ختام المتصدع هو عين العقل ولبّه . ورغم ذلك فهي تغسل وتعلق قمصانا رجالية في حديقة بيتها الخلفية !.

maysaloon hadi# حوار الشخصيات يناسب مستوياتها الثقافية :
——————————————–
ومن المهم دائما أن يلتفت الكاتب إلى طبيعة مستويات شخصياته الثقافية ومنحدراتها الاجتماعية ، مرتبطة بالحديث الذي يضعه على شفاهها . بعض الكتاب يضع أحاديث ذات مستوى فكري و حتى فلسفي عال على ألسنة شخوص بسطاء لا تتيح لهم ثقافتهم ولا خلفياتهم الاجتماعية ومستوياتهم الطبقية التلفظ بها واستيعابها ( راجع دراستنا عن رواية المفتون للراحل عزيز السيد جاسم لتجد أمثلة كثيرة على ذلك ) . لكن في هذه الرواية جاءت الحوارات مناسبة لخصائص الشخصيات تماما ، بل أن كثيرا منها كان مصوغا باللغة العامية أو بلغة مبسطة كثيرا لكي يأتي الخطاب متسقا مع مرسله . خذ مثلا الحوار الذي دار بين فادية وعمار وهو يزرع الشتلات في حديقة الأولى :
( قلت له بصوت عال فيه شيء من التأنيب :
– هل نسيت أني أعمل في كلية الزراعة ؟ فالمشتل إذن ضروري .. وإذا كان بعيدا ، فما أفعل في العطلة الصيفية سوى المشي ..
توقفت الشتلة بين يديه والأرض وقال :
– عفية عليك ، هم رياضية .. وفلاحة .. وأستاذة ..
… قلت :
– بل قل إني عراقية .. هل تصدق أني مشيت مرة من ساحة النسور في الكرخ إلى معرض بغداد فمتنزه الزوراء فساحة المتحف ، ثم عبرت جسر الإذاعة إلى الرصافة ، وقطعت شارع الرشيد مشيا على الأقدام إلى الشورجة ، ومن هناك ابتعت لأهلي ثلاث لالات ومنقلة ..
أطلت من عيني عمار نظرة كالصيحة من شدة الاستغراب ، ثم قال :
– معقولة ؟؟
قلت له :
– حدث هذا وأكثر في ضربة أمريكا بعد حرب الكويت .. كنت لاأزال طالبة في الكلية ، وبعض الأساتذة جاءوا إلى أبي غريب على البايسكلات .. نظر إلى دراجته الهوائية المركونة قرب الباب ، وقال مبتسما :
– على البايسكلات ؟
– نعم . لعلك كنت في العام الأول من عمرك حينئذ ، ولو سألت أباك أو أحد أقاربك الذين كانوا في الجيش هناك ، لقال لك إنه قد عاد من الكويت مشيا على الأقدام بعد الانسحاب . هكذا نحن ، منذ أن وعينا وفتحنا أعيننا على هذه الدنيا ونحن نركض ونمشي ونزحف على البطون .. في كل يوم إنقلاب .. وفي كل عام حرب ( … ) أسكت يا عمار .. أسكت .. فنحن رأينا أياما أكثر سوادا من الهندس) . وتظهر قصدية الكاتبة في تصميم الحوار في أنها استخدمت وصف الدراجة الهوائية حين كانت الساردة فادية تتحدث عن دراجة عمار ، أما في الحوار فقد استعملت التسمية التي نتداولها يوميا ( عامية وهي انكليزية أصلا ) وهي : البايسكل . كما أنك ستلاحظ اختلافا بينا بين حديث فادية الأستاذة الجامعية وحديث عمّار الفلاح البسيط ، لأن التبسيط لا يعني الإسفاف وتناسي الفروقات النسبية القائمة حتما في حياتنا الاجتماعية . وقد اعتبر ( جيرار جينيت ) الحوار أو المشهد الحواري واحدا من أربع وسائل يلجأ إليها الكاتب لكسر الرتابة في السرد المتسلسل أو النمطي مع الحذف – ellipses ، والتلخيص ، والوقفة – pause ، وكلّها تهدف – حسب وجهة نظره إلى إبعاد مشاعر الملل عن القاريء وخلق حالة من التشويق لديه ، ولكن حوارات ميسلون تأتي أغلبها والساردة (فادية) طرف فيها بشكل مباشر أو غير مباشر مما يعزّز هيمنة حضورها من ناحية ، وضمن إطار سرد الواقعة المتسلسل من ناحية أخرى . إن لحواراتها وظيفة الإمعان في تعميق الطعنات النفسية التي تخلقها الواقعة المدمّرة التي تتصاعد في مسارها الخطّي . وكلّما تشعب الحوار أوغل في كشف الملامح السوداء والمخيفة لنفس الواقعة .
kh maysalon 5عندما تأتي أم ياسر هاربة بابنها من الموصل إلى بيتهم الذي استأجرته (فادية) في بغداد ويدخلان على الأخيرة بشكل مفاجيء تبدأ حوارات تعريفية تتكشف من خلالها مفاجآت متتالية عن الأزمة المهلكة التي يعيشانها وكيف أنهما يريدان الإختباء في البيت لأن ولدها ياسر تشاجر مع صديقه الذي يعمل مترجما للأمريكان وأن الأخير بلّغ عليه .. و .. إلخ .. يصعدون إلى الغرفتين المقفلتين في الطابق الأعلى بعد أن تخبر (آني) الأم فادية بأن لديها مفتاحيهما . وكل ذلك يحصل ضمن سرد متسلسل تقول فيه فادية :
(… أخرجت من حقيبتها حلقة تضم عدة مفاتيح من جهة وخارطة للعراق ملونة بألوان العلم العراقي من جهة أخرى – ص 62) ، وهذه الملاحظة :
( خارطة العراق الملونة بألوان العلم العراقي والتي تعلق مع مفاتيح البيت ) ، وضمن المناخ السردي المتأزم سيشعل استجابة هائلة وعنيفة في روح القاريء العراقي – وليس الأوربي ، بل حتى العربي – الذي يواجه مخطط تمزيق بلاده وضياع (مفاتيح المستقبل) ، وهي في باطنها حركة سحرية – وفي العقل البشري ساحر مهمل ومتروك يستيقظ في المحن المستعصية – تزاوج بين مفاتيح البيت الشخصي وخارطة البيت الجمعي المهدّدين كليهما لخلق حالة من التحصين المتقابل . فكيف يموت المؤلف ؟ وكيف يُفصل النص عن جسده الاجتماعي ؟ وكيف تنفتح استجابة القاريء على ردود فعل تأويلية لانهائية ؟ . تواصل فادية وصفها المتسلسل (النمطي) لما يجري :
( نظرت إليها تبحث عن المفتاح الصحيح ، وعندما عثرت عليه بلمح البصر كان هو الذي فتح باب الغرفة العلوية الأقرب إلى السطح . قالت لي فور أن دخلت – وهنا سيبدأ حوار “باهت” بإشارات مفروغ منها تثير ملل أي متلقي غير عراقي – ودون أن تترك لي مجالا لتأمل الغرفة : – هذه غرفة نوم … صحيح ؟ – وهل نحتاج إلى براهين كي تعرف فادية أو أي راشد آخر أنها غرفة نوم ؟! – ألقيت نظرة سريعة على غرفة النوم ، وقلت :
– نعم .
ثم تحركت قليلا وقالت :
– هذه غرفة نومنا .. أنا وأبيه .. منذ تزوجنا لحد الآن .. أقصد لحين بدأت الحرب وتركنا المنزل .
صمتت قليلا ثم قالت :
– هذا هو السرير .. وهذه منضدة الزينة .. وهذا الكنتور .. صحيح ؟
كان كلامها يبدو غريبا ، فقلت لها بفتور وأنا أكاد أفقد الصبر :
– نعم ، صحيح – ص 62و63 )

# حين يتحدّث الخشب :
———————-
… وفادية المسكينة تردّ عليها بالإيجاب على أسئلة طفلية الطابع .. فالسرير سرير .. والكنتور كنتور .. ولكن هذه الموجودات البائسة والمفروغ منها والتي تحاول الأم تأكيد هويّاتها هي آخر مسانديها في عملية إثبات الهوية ، وآخر رجاء كي توافق فادية على أن يختبيء ابنها في البيت تخلصا من ملاحقة الأمريكان قبل أن يرحل إلى سوريا . في هذا الوضع النفسي الشائك والإرادة المنشلة الحائرة أمام تهديد وحيدها بالموت تتمنى أي أم – عراقية هنا _ أن يتكلم خشب السرير أو الكنتور ويخبر فادية بالحقيقة . وهؤلاء : السرير والكنتور ومنضدة الزينة رفاق حياة (أني) الزوجية والشاهدون على صدقها وعلى مسرّات حياتها الزوجية الضائعة – وفي الحصار زارني في عيادتي شاب أصيب بالكآبة بعد أن باع باب غرفة نومه .. كان يقول : أشعر أنني انكشفت .. لا أستطيع تقبيل زوجتي .. لقد كان حارسا أمينا !! – . (آني) الأم الهاربة بابنها فلذة كبدها – ويا لفلذة من وصف سخيف كأنها طابوقة ، واسألوا الأم لتخرج لكم مفردة جديدة تصف فيها ابنها في هذه الحالة المرعبة – “تشهّد” السرير والكنتور . ولا أعلم كيف يكون من مهمات الحوار التشويق إلا إذا كان ” يدخل ” على السرد من الخارج ليكسر رتابته ؟! . الحوار لدى ميسلون جزء من نسيج السرد ولتحم به وينبع من الداخل . وفي إطار الحوار أيضا تدرك الكاتبة أن الحوار قد يعني توقف الزمن السردي المنطلق – وهذا أعترض عليه أيضا لأن الحوار هنا خطوة تصاعدية ونقلة تقدمية في مسار السرد – توقّف يتطابق فيه زمن القصة الواقعي أو المتخيل مع زمن الحكاية المكتوب ( أو الزمن الدال على الزمن المدلول كما يقول جيرار جينيت ) ، ولهذا جعلت حواراتها موجزة وقصيرة وبعيدة عن الاستطالات . وفي هذا الإطار أيضا فقد حفلت الرواية بالكثير من المفردات والصياغات العامية المتداولة التي كانت أشد رهافة وتأثيرا في التعبير عن مكنونات شخوص الرواية واحتداماتها بحيث أن استخدام البديل الفصيح سيجهض الوقع النفسي للجملة أو الموقف في أغلب الحالات :
– في آب الّلهاب …. سقط القفص سقطة مدوية مثل ليرات ذهب تخرخش – ص 19 – ..أسكت يا عمار .. أسكت .. فنحن رأينا أياما أكثر سوادا من الهندس ص -22
– لن أتحرك من مكاني لخاطر الله – ص 105.
– الدنيا بدأت تبرد بالليل .. عندك شوية نفط ؟ أريد أشعل الصوبة – ص 105 – وتبرّر ختام عدم التحاقها بخطيبها في الخارج ( سرّتي مقطوعة في هذا المكان – ص 136 ) .
– أو ( ما من مرة مررت فيها بتلك المستشفى ( أي مستشفى اليرموك ) إلا ورأيت سيارات البيكب تشق الصفوف بسرعة الطائرات ، وهي تحمل في أحواضها الخلفية أجساد الجرحى أو جثث القتلى ، مثل لشش الذبائح – ص 54 )

# المقارنة العلاجية بين الماضي والحاضر :
—————————————–
هكذا يجب أن يكون العمل الروائي ، لامباشرا وعفويا وغير قسري . إن أي تقرّب مباشر من الظواهر قد يحيل النص إلى مقالة أو بحث ، في حين أن التقرب الإلتفافي والماكر الذي يعقده الكاتب بين الماضي والحاضر مثلا من خلال الذكريات يكون اشد وقعا في نفس ووعي المتلقي . لقد حوصرت بغداد ومُزّق نسيجها بالجدران الكونكريتية التي ابتكرها بول بريمر الملعون ، ولا يوجد مدخل يكشف فضاعة تأثيرها مثل أن توضع في محلها الملائم من صورة الحكاية الكلّية . إن فادية تستدعي ذكرى أول سيارة قادتها ( برازيلي ) في ذهابها إلى الكلية عبر الطريق الريفي ، وهناك انجرح إطارها ( لاحظ أنسنة الإطار ) فجاء أحد المارة ووضع جسم السيارة على حجارة ضخمة ، وبعد أن أبدل الإطار الجريح بمهارة ، حملت فادية الحجارة وأعادتها إلى مكانها ، وها هي تتساءل :
( تُرى ماذا يمكن أن يقول الآن ؟ كم سيهز رأسه بالعجب إذا ما رأى هذين الجدارين الكونكريتيين الهائلين اللذين يحيطان بالطريق من الجانبين ، ابتداء من ساحة نفق الشرطة حتى كلية الزراعة ؟ – ص 29 ) .
الحياة الراهنة خراب وظلام وقسوة وتمزّق . وتُرسل الكاتبة الإشارات إلى ارتباك الحياة الراهنة سريعة لكنها كافية ومحملة بالدلالات الجارحة . تتحدث عن أحوال النساء الآن فتقول إنهن قد بدأن بوضع الإيشاربات على رؤوسهن ولا يتزين ولا يتجملن .. نسين حتى قراءة سورة الفاتحة على أرواح أهاليهن الراقدين في مقبرة الكرخ . تقول ختام الصابئية أن لديهم عيد للصلح ، فيعلق ياسر : لديكم عيد للصلح وعيدنا أصبح ثلاثة أعياد من شدّة الخلاف . وفي مشهد بالغ التعبير تقترب ريم بسيارتها من بائع الصحف تشاهد فادية كارتونة بين قدميه فتصرخ بريم : الكارتونة .. الكارتونة .. لا تتوقفي .. متخيلة أن الكارتونة ستنفجر ، فأي ارتباطات شرطية مرعبة خلقها الحال الجديد المفزع ؟! . وفي تعبير إشاري سريع عن الصراع الطائفي الذي تم إشعاله تقول :
(لا شيء الآن مختلف في بيوت العراقيين البسيطة ، سوى أنها أصبحت خلوّا من لوحات الأسماء لأنها لم تعد آمنة في زمن تناحر الألقاب -ص123) .
وحتى في تشخيص حالة التدهور الذي كانت تسير إليها البلاد يأتي التصوير موجزا وكافيا من خلال تعبيرين تصف فيهما لحظتين تطوريتين في حياة ياسر :
( جاء إلى الدنيا في اليوم الحلو الذي جاء فيه التلفزيون الملوّن إلى العراق ، ودخل المدرسة في اليوم المرّ الذي دخل العراق فيه الحرب مع إيران ، فبدأت ولم تنته إلا بعد أن امتلأت رؤوس التلاميذ بأغاني القتال وصور القذائف والصواريخ -ص120) .
وتشعل إعادة استخدام الفعل “دخل” لفعلين الفارق بينهما صارخ ، بل مميت ، مفارقة جارحة بين مناسبة جميلة (دخول المدرسة) ، وكارثة مدمّرة (دخول الحرب) في يوم مرّ واحد ، يقابل اليوم الحلو الذي تطابقت فيه المناسبة الفردية (مجيء ياسر إلى الحياة) والمناسبة الجمعية (دخول التلفزيون الملون إلى العراق ) . والكاتبة تستعير المثل الشعبي الذي يصف الحياة بأنها : يوم مرّ ويوم حلو . ولكن هناك مقابلتين أخريين ننشئهما – نحن القرّاء والنقاد – في أذهاننا من خلال حيثيات وتداعيات أخرى توحي بها التقابلات الوصفية ؛ الأولى هي أن الحرب نشبت مع دخول ياسر إلى المدرسة ولم تنتهي إلا بعد أن سمّمت عقول التلاميذ الصغيرة بنداءات الموت وصوره ، أي أنه لم يسلم من تأثيراتها المشوّهة ، والثانية هي أن آني الأم كانت – وهي ترى الأمهات يفقدن أبناءهن في الجبهات – كانت تغبط نفسها لأن ولدها لايزال طفلا في المدرسة ، لكنه في الواقع لم ينجو من الحرب ، بل – ومهما طالت السنوات – فقد عاد ليقع في أتون حرب أكثر جحيمية وخطورة .. حرب احتلال ودمار وصراع ملتبس ومخيف بين أبناء الوطن الواحد . بل أننا نجد الكاتبة تلخص الواقع المأساوي لقطاع واسع من شباب هذه الأمة الموشكة على الإنقراض ، بل الأمة نفسها في أزمتها المستديمة حين يصف ياسر إنهواس صديقه الطبيب – الذي يعلن أنه غسل يديه من الدين – الفرح بحصوله على الجواز الأمريكي ، هذه الوثيقة السحرية التي إن لم يحصل عليها ياسر فسوف يشبع من الذل والمهانة في المطارات ، ولكنه بكى على كتفي ياسر مثل الطفل الضائع وهو يودعه ويقول له ” دير بالك على نفسك ” ، فيلخص ياسر محنة الإستلاب والاغتراب والتمزق كلها بالقول :
( كان اسمه وياللمفارقة طارق زياد – ص 133 ) .

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| حسن ملواني : تصالح الألوان في رواية ” قهوة بالحليب على شاطئ الأسود المتوسط “.

رمزية العنوان يعتبر عنوان الرواية بصيغته مزدوج الوظيفة، فهو إذ يشير إلى ما يعتبر عاديا …

| خليل مزهر الغالبي : مجموعة “ممتلكاتٌ لا تخصَّني” وخاصية البناء الشعري لآمنة محمود .

في مجموعتها الشعرية “ممتلكاتٌ لا تخصّني” راهنت الشاعرة “آمنة محمود” على تأكيد بصمتها الشعرية بمثولها …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *