د. عبّاس العلي : كتاب “إبراهيم العراقي” : الفصل الرابع إبراهيم في التوراة (2) عدم الحياء

abbas alaliلم تبق معرة لم يلصقها التوراتيون إلا وألصقوها بجدهم الأكبر الذي لولا كرامته عند الله وبركات الله عليهم لم يكونوا إلا مجرد خلق من خلق الله قد لا يوفقهم الحظ حتى أن يعرفوا ما الله وما الحكمة وما النبوة,(( زعم إبراهيم مرة أخرى أن سارة هي أخته، فأخذ (أَبِيمالِك) مَلِك جَرار سارَة، وفي الليل، وقبل أن يتزوّج أبيمالك منها، جاءه الله في الحُلم، وأخبره بأن سارة هي زوجة إبراهيم، وأمره بأن يردّها إلى زوجها، وإلا فإن مصيره الموت, ومع الصباح استقدم أَبِيمالك إبراهيم، واعتذر له، وعاتبه على إخفاء حقيقة سارة عنه، وهنا اعترف بالحقيقة، إِنِّي قُلْتُ: لَيْسَ فِي هذَا الْمَوْضِعِ خَوْفُ اللهِ الْبَتَّةَ، فَيَقْتُلُونَنِي لأَجْلِ امْرَأَتِي)) ,ملك جرارة الطاغية يأتيه الله في المنام ليحفظ للسيدة سارة شرفها فقط ولا يحفظ شرف نبيه .
بالرغم من أن أبيمالك ورجاله كانوا وثنيين لكن قلوبهم كانت مستعدة لقبول كلمه الله، ففي الصباح المبكر دعا أبيمالك جميع عبيده واخبرهم بإعلان الله له: ” فخاف الرجال جدًا” .إن كان الله قد كرم إبراهيم جدًا في عيني أبيمالك، قائلًا: “فإنه نبي فيصلي لأجلك فتحيا” ، لكنه سمح لأبيمالك الوثني أن يوبخ نبيه ويعاتبه، قائلًا له: “ماذا فعلت بنا؟ وبماذا أخطأت إليك حتى جلبت عليَّ وعلى مملكتي خطية عظيمة؟! أعمالًا لا تعمل عملت بي” . وكأنه يقول له: ماذا قصدت بي، فإني لم أسيء حتى خدعتني وجلبت عليَّ غضبًا إلهيًا؟! لو أنك قلت الصدق إنها امرأتك لبقيت معك وما حل بنا هذا كله.
والعجيب أن إبراهيم عوض أن يعترف بالخطأ الذي ارتكبه قدم عذرًا: “قلت ليس في هذا الموضع خوف الله البتة، فيقتلونني لأجل امرأتي” . حكم على أهل المنطقة أنهم بلا مخافة قط، وأنهم يقتلونه، وهكذا سقط في خطية الإدانة والتسرع في الحكم على الآخرين، مع أنه قد ظهر في أبيمالك ورجاله خوف الله واضحًا. أما السبب الثاني فهو أنه لم يكذب لأن سارة أخته من أبيه دون أمه، وإن كان هذا لا يبرر إخفاءه حقيقة علاقته بها كزوج لها، مادام هذا الإخفاء يعرض الآخرين للخطأ معها.
النص التوراتي والرواية الإسرائيلية تصر على أنه لا يستحي في كل مرة تسلب منه زوجته لتذهب لرجل أخر ولما يكشف أمره لا يستح أن يعتذر بخوفه على حياته , أي رجل هذا يفاخرون به ,هل الخوف والجبن وقلة الحياء تليق بأبو الأنبياء المجاهد الذي قاوم الطغيان وخاصة طغيان نمرود العصر وقال مخاطبا أهل بيته (إني ذاهب إلى ربي سيهدين) هذه الرحلة التي تتلخص بالخلاص الدنيوي من الظلم النفسي والظلم الخارجي تتوافق مع الصورة التي قدمها المؤرخ التوراتي هنا للنبي وزوجته السيدة سارة التي يحولها النص إلى سلعة يتاجر بها زوجها حبا بالمال وخوفا على حياته .
إن تكرار القصة أكثر من مرة بالشكل والجوهر مع تعدد أبطال الرواية المراد منه الزعم بأن النبي إبراهيم يتخذ من هذا السلوك اللا أخلاقي منهج هو بالضرورة جزء من شخصية الدين وجزء من سلوكيات المتدين لأنها لم تأت مرة واحدة قد تكون تحت ظروف قاهرة ملجئه لا يمكنه التغلب عليها وبالتالي التعذر من هذه السلوكيات يمكن أن يجد صدى وقبول ,لكن الغريب أن التوراتي الإسرائيلي يعمل جاهدا على تثبيت هذه الصورة في العقل الباطني للذين يؤمنون بها و تتحول إلى نمطية عامة مبررة ومرضي عنها دنيا وسماويا وهي جزء من أخلاقيات الدين وسلوكياته .
في الرواية الإسلامية نجد تعارض كبير وصورة أخرى تخلو منها فكرة التوراة عن علاقة النسب بين إبراهيم النبي والسيدة سارة والتي عمل التوراتي جاهدا لطمس معالمها ,تقول الرواية (عن ابن بابويه ،حدّثنا محمّد بن موسى بن المتوكّل ، حدّثنا عبدالله بن جعفر الحميري ، حدّثنا أحمد بن محمد ، عن الحسن بن محبوب ، عن إبراهيم بن أبي رباب الكرخي ، عن أبي عبدالله ع، قال : إنّ إبراهيم ع كان مولده بكوثا ، وكان من أهلها وكانت أمّ ابراهيم وامّ لوط ع اختين ،وأنّه تزوّج سارة بنت لاحج ،وهي بنت خالته ،وكانت صاحبة ماشية كثيرة وحال حسنة ،فملكت إبراهيم جميع ما كانت تملكه ،فقام فيه وأصلحه ،فكثرت الماشية والزّرع ،حتّى لم يكن بأرض كوثا رجل أحسن حالاً منه .
فهل يا ترى من الأجدر أن نعتمد هذه الرواية أم ننصرف لتلك التي يتبناها بقوة التوراتي الذي يركز عليها في كل مرة هي قضية زواج النبي من سارة التي هي أخته من أبيه وليس من أمه حيث يركز ويؤكد في كل مرة على مسألتين مهمتين هنا في هذا النص وفي الكثير من النصوص المتأثرة بالوثنية القديمة المصرية وهما .
•النسب الذي يعتبر نسبا حقيقيا هو الأنتماء للأم وهي فكرة فرعونية موغلة بالثنية لها علاقة بفكرة الإلهة الأم ودورها في ترتيب النظام الكوني حيث أن القوة والسيطرة دائما كانت للأم الآلهة وأن الرجال كانوا مثل ذكر النحل الوظيفة الأساسية لهم التلقيح ثم الموت خارج الخلية , هذه الفكرة هي المسيطرة تماما على عقلية المؤرخ التوراتي ولا يمكنه أن يغادرها تحت أي سبب .
•يلحق بها وبناء على الفكرة السابقة يظهر مفهوم زواج الأخ والأخت على أنه تراث إنساني أمتدادا من رواية التوراة عن أبناء آدم وصولا للنبي إبراهيم وبعيدا عن ما يسمى اليوم وقديما زنى المحارم فإن أصل الفكرة وجوهرها هو نظرية تزاوج الآلهة التي أستقاها التوراتي من التراث المصري الوثني القديم وكذلك ما وجده في الحضارة العراقية القديمة من وثنية طاغية , هذه الفكرة يبتنى عليها مفهوم التزاوج بين الأخوة بالرغم من أن هذا الأمر لو كان حقيقيا لم يتكرر في حياة النبي إبراهيم ولا في حياة أولاده من بعده , وما يعزز ذلك أن شريعة الله التي جاء بها وهي الإسلام الرسالي تحرم تحريما قاطعا حدوث هذا الأمر واعتبارها من السنن الإلهية التي لا تتغير .
من خلال ما يرده من وقائع يقول أنها وردت في التوراة من رب العالمين نجد أن الوثني مثلا أكرم وأنقى وأطهر من نبي الله بالتالي فالدعوة الخفية للوثنية هي الطاغية على النص وروحه وجوهر التوراة كما يطرحها أمام القارئ المحايد فضلا عن المؤمن بها فمثلا وفي نفس الموضوع نجد كما يقول القمص(تادرس يعقوب ) وهو من شراح العهد القديم ما نصه (بعد حوالي 23 عامًا ترك إبراهيم بلوطات ممرا وذهب إلى جرار، ربما لأنه قد تأثر بصورة سدوم وعمورة وهما تحترقان فأراد ترك الموضع كله، أو لأن مواشيه كانت قد كثرت فصار يطلب مرعى آخر، أو لعل مجاعة قد حلت بالمنطقة. أيًا كان السبب أنتقل إبراهيم إلى جرار وهناك قال عن سارة إنها أخته، فأرسل أبيمالك ملك جرار يأخذها لنفسه زوجة وكانت قد بلغت في ذلك الحين التسعين من عمرها. فجاء الله “الوهيم” إلى أبيمالك في حلم الليل يوبخه: “ها أنت ميت من أجل المرأة التي أخذتها فإنها متزوجة ببعل”. وكان أبيمالك لم يقترب إليها، وقد أجاب الله: “يا سيد أ أمة بارة تقتل؟! ألم يقل هو لي إنها أختي، وهي نفسها قالت: هو أخي. بسلامة قلب ونقاوة يدّي فعلت هذا” “فقال له الله في الحلم: أنا أيضًا علمت أنك بسلامة قلبك فعلت هذا. وأنا أيضًا أمسكتك عن أن تخطئ إليَّ، لذلك لم أدعك تمسها. فالآن رد امرأة الرجل فإنه نبي يصلي لأجلك فتحيا. وإن كنت لست تردها فأعلم أنك موتًا تموت أنت وكل من لك”) .
أبيمالك ملك جرارة الوثني وحسب النص يريد أن يتزوج سيدة بالتسعين من عمرها وكأن العالم يخلو من امرأة ليتزوجها ومنها مملكته حسب الوصف التاريخي التي تقع داخل الأراضي الفلسطينية أو قريبا من سهلها الغربي ,كيف يبرر المؤرخ التوراتي هذا الطرح ولماذا لم يقل زوجتي حتى يعصمها ولا يتزوجها أحد غيره عكس لة قدمت أنها أخته تكون مطمع للراغب بالزواج , يأت الجواب مخيبا للعقل وضاحكا على الفهم العقلاني أن من عادة أهل ذلك الزمان لا يتزوجون إلا من كانت صاحبة زوج!!!!!.
يستطرد القمص كنموذج للفهم التوراتي ليقول في أخر تفسيره أن إبراهيم سقط في الأمتحان مرات ومرات بسبب السيدة سارة والعلة في ذلك الكبر والشيخوخة ,معتبرا أنه أيضا فاقدا للناموس الإلهي الذي لا يحل للزوجة أن تتزوج برجل أخر حتى تتحرر , فقدان الناموس وسقوط إبراهيم من عين الرب هما عنوان إبراهيم الكبير في التوراة (فإن كان إبراهيم يمثل الناموس فانه لا يستطيع أحد أن يقتني الحكمة الروحية مادام الناموس حيًا، وكما يقول الرسول بولس: “إن الناموس يسود على الإنسان مادام حيًا، فإن المرأة التي تحت رجل هي مرتبطة بالناموس بالرجل الحيّ، ولكن إن مات الرجل فقط تحررت من ناموس الرجل” (رو 7: 1-2). ) .
في التراث الإسلامي في شقه المنسوب لمدرسة أهل البيت عليهم السلام نجد عشرات الروايات عن المعصوم تبين زيف الرواية التوراتية ولكن المؤرخ الإسلامي المحافظ لا يؤمن بها ولا يوقن لأنه أمن بمنهج التوراة وعمد على تخليد منهج أوصله بالتالي إلى إهانة وأستهانة كرامة خاتم الأنبياء والرسل الحذو بالحذو مع منهج الإسرائيليون في كتابة التاريخ , والأمثلة لا تعد ولا تحصى على هذه الإهانة.
ففي رواية واحدة كمثال نرى السرد الأقرب كثيرا للواقعية العقيدية في نسب وعلاقة نبينا إبراهيم عليه السلام والسيدة المبجلة المكرمة سارة فترد الرواية كالأني (فخرج إبراهيم ومعه لوط وسارة « وقال : إنّي ذاهبٌ إلى ربّي سيهدين »يعني إلى بيت المقدس ، فتحمل إبراهيم بماشيته وماله وعمل تابوتاً وحمل سارة فيه ، فمضى حتى خرج من سلطان نمرود وصار إلى سلطان رجل من القبط ، فمّ بعاشر له ، فاعترضه فقال له : افتح هذا التّابوت حتّى تعطيني عشره وأبى إلاّ فتحه ، ففتحه إبراهيم صلوات الله عليه ، فلّما بدت سارة وكانت موصوفة بالحسن ، قال : فما هي؟ قال إبراهيم : حرمتي وابنة خالتي ، قال : فما دعاك إلى أن حبستها في هذا التّابوت ، فقال إبراهيم صلوات الله عليه : الغيرة عليها أن لا يراها أحدٌ ,قال : فبعث الرّسل إلى الملك فأخبره بخبر إبراهيم ، فأرسل الملك أن احملوه والتّابوت معه ، فلمّا دخل عليه قال الملك لإبراهيم : افتح التّابوت وأرني من فيه ، قال : إنّ فيه حرمتي وابنة خالتي وأنا مفتد فتحه بجميع ما معي ، فأبى الملك إلاّ فتحه ، قال : ففتحه فلمّا رأى سارة الملك ، فلم يملك حمله سفهه أنّ مدّ يده إليها ، فقال إبراهيم : أللّهمّ احبس يده عن حرمتي ، فلم يصل إليها يده ولم ترجع إليه ، فقال الملك : إنّ إلهك هو الّذي فعل بي هذا؟ قال : نعم إنّ إلهي غيور يكره الحرام ، وهو الّذي حال بينك وبينها ،فقال المكل : ادع ربّك يردّ عليّ يدي ، فان أجابك لم أعترض لها ، فقال إبراهيم صلوات الله عليه : اللهمّ ردّ عليه يده ليكفّ عن حرمتي ، فردّ الله تعالى عليه يده.
فأقبل الملك نحوها ببصره ، ثم عاد بيده نحوها ، فقال إبراهيم عليه‌ السلام الّلهمّ احبس يده عنها ، فيبست يده ولم تصل إليها ، فقال الملك لإبراهيم : إنّ إلهك لغيور فادع إلهك يردّ عليّ يدي ، فإنّه إن فعل بي لم اُعد ، فقال له إبراهيم عليه ‌السلام : أسأل ذلك على أنّك إن عدت لم تسألني أن أسأله ، فقال الملك : نعم ، فقال إبراهيم : الّلهمّ إن كان صادقاً فردّ عليه يده ، فرجعت عليه يده) .
برغم طول الأقتباس ارتئينا أن نستعرض بالمقارنة بين الرواية الإسلامية وإن لم نؤيدها باليقين القاطع الجازم لكنها مقبولة عقلا ومنطقا وتعارض كل الدس والتحريف والمس الذي تعرضه الرواية الإسرائيلية بما فيها من تسفيه وتحقير لشخصية النبي إبراهيم عليه السلام والسيدة ساره زوجته ,ويظهر من خلالها صفة التعظيم لخلق النبي وغيرته وحياءه على زوجته وعرضه .

هوامش :

————–

(1) (العهد القديم، سفر التكوين، الإصحاح 20، الآية 11 – 13).
(2) تفسير الأصحاح الثامن من سفر التكوين للقمص أبونا تادرس يعقوب ملطي
(3) تفسير الأصحاح السابع من سفر التكوين للقمص أبونا تادرس يعقوب ملطي
(4) تفسير الأصحاح التاسع من سفر التكوين للقمص أبونا تادرس يعقوب ملطي وتفسير الأصحاح التاسع من سفر التكوين لأبونا القس أنطونيوس فكري
(5) تفسير الأصحاح الحادي عشر من سفر التكوين للقمص أبونا تادرس يعقوب ملطي
(6) البحار ، الجزء ( ١٢/١١٠ ) ، برقم : ( ٣٤ ) ومرة أخرى هذا الصّدر عن الكافي في نفس الجزء ( ٤٤ ـ ٤٥ ) بنحو أحسن وأوسع.

(7) http://st-takla.org/pub_Bible-Interpretations/Holy-Bible-Tafsir-01-Old-Testament/Father-Tadros-Yacoub-Malaty/01-Sefr-El-Takween/Tafseer-Sefr-El-Takwin__01-Chapter-20.html
(8) المصدر السابق
(9) قصص الانبياء قطب الدين سعيد بن هبة الله الراوندي [ قطب الدين الراوندي ] ص 107 _108

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| طلال حسن : رواية للفتيان – خزامى الصحراء

إشارة: بعد أن أنهينا نشر فصول مخطوطة كتاب “حوارات” لأديب الأطفال المبدع العراقي الكبير “طلال …

هشام القيسي: أكثر من نهر (6) محطات تشهد الآن

ينفتح له ، وما يزال يرفرف في أفيائه مرة وفي حريق انتظاره مرة أخرى ومنذ …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *