شوقي يوسف بهنام : بسيسو ورموزه الماركسية ، رؤية نفسية لعيّنة من قصائده (2/1)

shawki  5*مدرس علم النفس في كلية التربية – جامعة الموصل

الفكر الماركسي فكر داعب ودغدغ مشاعر وأحلام المثقفين منذ ان ظهر على الساحة المعرفية  في التاريخ الحديث . و ليست مهمتنا ، هنا ، تقييم أو معالجة أو مناقشة هذا الفكر . لكننا سوف نعتبره نموذجا رائجا لشيوعه وانتشاره بين أوساط مختلفة وفئات مختلفة على صعيد العالم . نحن هنا نأخذ قطاع الشعر ونرى الى اي مدى تأثر المنجز الشعري العربي بهذا النموذج . وقد نقف على دوافع هذا التأثر عند هذا الشاعر أو ذاك وفقا للصورة التي يقدمها لنا هذا المنجز . ونموذجنا في هذه السطور هو معين بسيسو . ويبدو ان الإعجاب والتماهي هو السر وراء هذه النصوص أولا ولأنها تعبر عن الفكر الذي تنطلق منه رموزه ثانيا .   والنص الاول الذي سوف نقف عنده هو قصيدته المعنونة ” بطاقة معايدة الى بوشكين ”  . يقول فيها :-
لو عشت َ في بلاط عصرنا ،
في هذه الأيام
حيث الأرانب العرجاء ،
تركب ُ الأفيال ْ
( الأعمال الشعرية الكاملة ، ص 227 )
*******************************
بوشكين من اكبر الأدباء الروس .. شاعر وروائي ومسرحي . يعد الأب الروحي للأدب الروسي الحديث . يكفي انه روسي حتى يتماهى به بسيسو . وفي النص الذي بين أيدينا  نجد الموقف من الشعر أو مشكلة الشعر والشعراء . وبلغة علم النفس مكانة المبدع أو الموهوب في حضارته أو مجتمعه وعلاقته معهما . وعندما يختار بسيسو ” بوشكين ” فانه يختار ثقافته وأحلامه وفردوسه الموعود . ولو جاء ” بوشكين ” وعاش بلاط بسيسو فأنه يرى الواقع المرير والمأساوي . فسيرى العجب العجاب وسوف تعتريه الدهشة . الدهشة المثيرة للسخرية . فيل كبير يمتطيه أرنب أعرج . أليست هذه مفارقة تدعو للدهشة والسخرية ؟؟ . ويستمر بسيسو في سرد مأساة بلاطه في حضور ” بوشكين ” المتخيل ” ، فيقول :-
وترتمي العنقاء في قفص
وتكتب الأسماك والحيات ،
أجمل الأشعار والقصص
(المصدر نفسه والصفحة نفسها)
**************************
العنقاء هي من الطيور الخرافية التي لعبت دورها في مخيلة المسافرين وفي السعي الروحي لدى المتصوفة مثله مثل السيمورغ والرخ . انه الطائر الملك .. الذي له من القوة ما يستطيع بها ان يحرك الجبال ويحمل الثيران والأفيال .. (1) . هذا الطائر سوف نراه في قفص بدلا من ان يكون محلقا في الهواء . وتلك هي المفارقة بعينها . وسوف تكتب الاسماك  (2) والحيات (3)أجمل الأشعار والقصص . هنا نجد بسيسو يقارب بين اثنين من الحيوانات المتناقضين رمزيا لما يمكن التعبير عنه  بالقول المأثور ” اختلاط الحابل بالنابل ” اي اختلاط الأمور بعضها بالبعض الاخر بحيث لا يمكن التفرقة ما بين maein 4الغث والسمين منها . انه موقف الشاعر من واقعه .. من حضارته … من رموزه . يتمنى الشاعر لو عاش شاعره النموذج ليرى ما يراه :-
لو عشت َ في بلاط عصرنا ،
لجاء أصلع الجناح ، من بطانة الأمير ،
مبارزا ،
وأشهرتْ في وجهك السلاحف الرماح
فالشعر في المخلاة والنجوم ،
في مذاود البقر …
فما الذي تقول
زهرة البركان للحجر
(المصدر نفسه والصفحة نفسها  )
*************************
ايضا لو جاء بوشكين على رغبة بسيسو وحلمه فماذا سوف يرى في بلاط العصر ؟؟ . سوف يشاهد  ويرى العجب العجاب !! . تلك هي الصورة التي ينقلها بسيسو عن عالمه لو جاء بوشكين . ايضا .. المعايير مقلوبة .. القيم مضطربة .. السياقات في غير مكانها الصحيح .. وبالتالي ضياع الشعر .. ضياع الأصالة .. غياب الجميل .. موت الحق !! . الشعر في المخلاة  . المخلاة وفق قاموس المعاني هي ” كيس يُعَلَّق على رقبة الدابّة يوضع فيه علفها  ” . * وهذا هو الذي يهم الشاعر . النجوم هي الأخرى .. هجرت عليائها وسمائها وسكنت مذاود البقر . تأتيك السلاحف لتشهر بوجهك البهي السلاح ويأتيك أصلع الجناح من بطانة الأمير مبارزا . انه لا يعرف من تكون ولا يهمه من تكون . فقط يعرف حقيقة واحدة انه له الحق في ان يشهر بوجهك السلاح مبارزا لأنه من بطانة الأمير . في نظره أنت صعلوك .. متشرد .. والمشكلة ليست في الشاعر بوصفه صعلوكا بل بوصفه صعلوكا مستهدفا من غفلٍ لأنه من بطانة الأمير وحسب . وإذا جاء بوشكين فماذا يرى في حال الشعر ؟ انه يراه في حالة مزرية .. حالة يرثى لها .. في حالة إسفاف .. وتفاهة الألفاظ وضحالة المعنى . وقد أوجر بسيسو هذه الحالة بقوله بأنه موضوع في المخلاة . وصار مصير النجوم في عام الحضيض . ويتسائل بسيسو ماذا سوف تقول زهرة البركان للحجر .  ” زهرة البركان ” هو عنوان المجموعة المسرحية للشاعر اللبناني خليل الهنداوي  المنفي الى سورية في بدايات العشرينيات من هذا القرن . ولم نتمكن من الاطلاع على هذه المجموعة لكي نقف على مدلول العنوان ولكن سوف نقدم تأويلا له وفق تخميننا لا غير . من المعروف ان البركان هو نار محتبسة  شاء لها القدر ان تخرج وترى النور وتقذف حممها  البركانية السائلة  وهي عبارة عن كتل سائلة تخرج من البراكين ، كما تطفح من الشقوق على جانب البركان ، والتي نشأت من خلال الانفجارات الحادثة . وتتكون من مجموعة من المعادن والصخور المنصهرة وتكون درجة حرارتها بين 1000و1200 درجة مئوية  والتي لا تعرف غير الجريان الذي لا يتوقف وعندما تجف تصبح حرة والحرة هي الارض البركانية السوداء . وبسيسو يرى أو يفترض ان هذه الحمم أصبحت زهرة !! . أهذا معقول ؟.. حمم البركان النارية تستحيل أو تنبت  زهرة . ماذا تنقل هذه الزهرة للحجر … لحجر العالم ؟ اعني العالم في مخيلة بسيسو يستحيل حجرا . يضعنا بسيسو في صميم إشكالية العالم المعاصر التي لا تنتهي . لا تنتهي الا بحمم بركانية تغير من شكل العالم الى عالم جديد !! .
في النص الثاني الذي يحمل عنوان ” تانيا ” يواصل بسيسو تعاطفه مع الطموح الماركسي إن صح التعبير ؛ ثورة .. فكرا .. شعرا .. تنظيرا .. رموزا .. أبطالا .. وما الى أخره . والرمز في نصنا هذا هو طفلة تقتل بيد النازيين أيام الحصار لمدينة لينغراد . ويقدم الشاعر عبارة تعد بمثابة تمهيدا للقصيدة يقول فيها :-
” خلال الحصار النازي لمدينة لينغراد ، كانت الطفلة تانيا سافيشفا – 9 سنوات –  تكتب فوق كراستها المدرسية يوميات الحصار .. وسقطت تانيا فوق الورقة التاسعة ، فلم يمهلها النازيون لكي تكتب الورقة العاشرة ، لكي تعيش اليوم العاشر ” . **
القصيدة بهذا المعنى هي هذه الورقة العاشرة التي كانت تانيا سوف تكتبها لو لم تسقط بيد النازيين . انها صورة متخيلة لما سوف تكتبه تانيا لو عاشت يومها العاشر . فلنقرأ أفكار تانيا بقلم بسيسو أو كما يفكر بها . يقول بسيسو :-
تانيا …
أنا أعلمُ نهر النيفا
سيواصلُ جريانه ْ
والعالم سيواصل ُ دورانه ُ
سيُلمَّعُ جنرالٌ نيشانه ُ
ويُنظف ُ جرسون ،
في مطعم بيروت ملاعق وصحون
ستبدل في حمامات استانبول ،
مناديل ،
(الاعمال الكاملة ، ص 298)
******************************
كل شيء سيمضي في طريقه كما هو  على الرغم من موتك يا تانيا . نهر النيفا .. نهر في روسيا يمر بمدينة بطرسبرغ سيواصل جريانه و لا يعبأ بك سواء أكنت على قيد الحياة وتريدين كتابة ورقتك العاشرة أم قتلوك النازيون . ليس فقط نهر النيفا هو الذي سيواصل جريانه على اعتبار انك ِ روسية فكان الأجدر به ان يتوقف ويعلن الحداد ويرفع رايات الاحتجاج !! . كل شيء ينبغي ان يتوقف … حتى دوران العالم حول ذاته ينبغي ان يتوقف !! . ولكن الذي حدث يا تانيا هو انك مهملة .. منسية . كل ما في العالم منشغل بذاته . ويسير في ذات الروتين وذات النسق . ترى ماذا سيوضع في حمامات استانبول بدلا من المناديل ؟ . يكمل بسيسو ما يلي :-
وستوضع بدل القطع الذائبة من الصابون
عصافير
وسوف تكتب فوق زجاج شبابيك دمشق قصيدة
والقردة ستبدل في السيرك معاطفها …
وستبكي حتى الموت على أسوار القدس يمامة
وتنوح غمامة …
(المصدر السابق ، ص 298-299)
****************************
نحن نعلم ان العصافير تعيش على الأشجار !! . نحن هنا لا نعنى ان الأشجار هي مكانة إقامة العصافير . ولكن قولنا يعنى ان الشجرة هي المكان الذي يفضله العصفور . او هكذا يرسمه المخيال الشعبي عن سر العلاقة بين الشجرة والعصفور . ويرى سيرنج ان الطير عموما رمز التسامي الروحي .. وإنها ترمز للقديسين في الجنة عندما تستقر على شجرة الأرواح في الجنة (4) . وليس من شأننا الإسهاب في ذلك الموروث الإنساني عن الطير و العصفور كما تناقلته المخيلة الإنسانية. ولكن نكتفي بالقول ان هناك علاقة ما بين العصفور والشجرة . بينما يرى خليل في سر هذه العلاقة الى انها  واحد من ابعاد ورمزيات الشجرة .. انها ترمز الى ” الأعالي ، حيث أغصانها السامقة وذروتها ، وحيث تسرح الطيور والحشرات في فضائها ” (5) . من هنا سر تعلق العصافير والطيور بالشجرة . لكونها رمز الأعالي والطيور رمز التسامي . هنا التقاء في البعد الرمزي لكليهما . الان شاعرنا بسيسو يقلب هذه الصورة لأنه يتبنى او يحمل انطباعا تشاؤميا عن العالم . العالم قد قتل ” تانيا ” . تلك الطفلة التي ما أكملت بعد كتابة مذكراتها في ذلك الدفتر الذي تحمله مع كتبها في حقيبتها . فبدلا من ان تعتلي الطيور والعصافير الأشجار لتغرد بشجن ها هي هذه الطفلة سوف توضع في الحمامات بدل القطع الذائبة (من فرط الاستعمال) من الصابون في حمامات او (تواليتات) استانبول !! . هنا تبدو المفارقة في نظر شاعرنا على فوضى العالم الذي يعيشه وخلوه من المعنى وبكل ما تحمله المفردة من معنى . العالم ، ومن خلال موت الطفلة ” تانيا ” اصبح مقلوبا . بمعنى انه لم يأخذ شكله الصحيح . اصحاب الفكر الماركسي يرون ان حركة التاريخ كانت حركة تسير بصورتها المعكوسة . وجاء صاحبهم او لنقل منظرهم وقلب تلك الحركة رأسا على عقب . وذلك من خلال قيادة البروليتاريا لمسيرة المجتمع . وطالما ماتت ” تانيا ” فهذا يعنى ان العالم على منواله ولم تتغير معالمه بعد . تانيا رمز لروح العالم الجديد . تانيا كانت تكتب مذكراتها في كراستها المدرسية عن النازيين . وهذه المذكرات تعد وثيقة مهمة لأنها تعبر عن طهارة العالم وبراءته . فموت تانيا إذن موت لتلك الطهارة ولذلك النقاء . والمؤسف في الامر في نظر بسيسو ان تلك المذكرات لم تكتمل لأن النازيين قتلوا تانيا . ومن هنا هذه الصورة التي يرسمها الشاعر عن عالمه ذلك .. العالم الذي يبيح دم الاطفال !! . ماذا يعنى ان تكتب فوق زجاج دمشق قصيدة ؟ . ولا يعنينا كثيرا ما تعنيه رمزية دمشق عند بسيسو . وقد تكون تلك الرمزية متمثلة برمز الاحتجاج والرفض لتلك المأساة . فلهذه المدينة عمقها في الحضارة العربية لأنها انجبت الدولة الاموية في تلك الحضارة . حتى القردة في السيرك سوف تغير وتبدل معاطفها . سوف ترتدي معاطف سوداء . وبدلا من ان تكون القردة وسيلة للهو والضحك سيكون ارتدائها للمعاطف الجديدة علامة من علامة الحداد والحزن والالم . ذلك الحزن سيمتد الى اسوار القدس . مدينة الشاعر المغتصبة .. المقتولة مثل الطفلة تانيا . ذلك الحزن ستشره يمامة . ويرى سيرنج ان ” اليمامة ” كانت منذ العصور القديمة رمزا للخصوبة (6) . سوف تنقلب تلك الرمزية عند بسيسو وسوف تكون رمزا للحزن على العالم . يشرك بسيسو الطبيعة بمختلف مظاهرها في الم العالم . الغمامة وهي سائرة في طريقها سوف تنوح وسوف ُيسمع ذلك النوح من قبل الجميع . الغمامة سوف تحمل بين جوانحها ذلك الحزن على العالم . في المقطع التالي سوف يتبنى بسيسو صورة مستقبلية عن العالم . سوف ينطلق من اليوم العاشر الذي كتبت احداثه تانيا في مذكراتها . لنرى ماهي اسرار ذلك اليوم . يقول بسيسو :-
ولكني منذ رأيتك ،
وقرأت الايام التسعة في دفتر يومياتك …
فاليوم العاشر من عمرك لا يعرفه
نهر النيل او النيفا
صارت كالكأس المكسورة في حلقي الاغنية ،
وكل اناشيد العالم
كخناجر غرست في صدري ،
كل بيارق هذا العالم
دمك على وجه العالم
(المصدر نفسه ، ص 299)
*****************************
ومنذ ان رأى الشاعر طفلته وهي تتهاوى امامه بسبب الرصاص النازي..  انقلبت صورة العالم لديه . لقد كان لديه ثمة امل . ولكن الان هو مفعم بالحزن والتشاؤم والالم على بنية العالم ومصيره ومستقبله . وتلك المأساة رسم معالمها الشاعر في هذا المقطع الذي توقفنا عنده . المستقبل .. اعني مستقبل العالم .. مبهم .. مجهول . لا يعرف سره احد . فالشاعر بهذا المعنى ينظر الى العالم نظرة تشاؤمية .. ظلامية .. يكتنفها الخوف واليأس . صار دم تانيا بمثابة شاهد على العالم وعلى بربريته وهمجيته ووحشيته . العالم إذن غابة يحكمها قانون الغاب . ولذلك نرى الشاعر بسيسو في المقطع التالي يتساءل عن ماهية هذا العالم .. عن قيمه .. ها يقول :-
كيف أرى العالم ؟
يا كل َّ صبايا العالم ؟
يا من يولد من سرتكن
وتحت السرر السرية
كل الاطفال الشرعيين
تانيا لن تصبح أما
من منكن ستصبح أما… ؟
(المصدر نفسه والصفحة نفسها )
*******************************
انه رثاء للعالم الشقي .. صرخة بوجهه القاتم .. احتجاج على نواميسه واعرافه . كل اطفال العالم صاروا مثل تانيا . تانيا لن تصبح اما . ما معنى ذلك ؟ الامومة دور طبيعي ينتظر كل فتاة . غريزة من غرائز الحياة . قانون من قوانينها . ونحن نعلم ان هرمون البرولاكتين يعمل إبان فترة الحمل للدلالة على صيرورة الفتاة امرأة ناضجة من الناحية التكوينية وقادرة على الانجاب علاوة على ظهور خصائص وعلامات وسمات الامومة لاستقبال وليدها الجديد . تانيا قد حرمت من هذه النعمة إن صح التعبير !! . وبعد ان دب اليأس في ذات بسيسو حول امومة تانيا .. راح الشك يلاعب جوارحه إزاء مستقبل فتيات العالم وعلى امومتهن . انه يخاف ويخشى لأن يكون مستقبل فتيات العالم  مثل مستقبل تانيا . والشاعر ينطلق من حالة تانيا لكي يقرأ مستقبل فتيات العالم .. او بتعبير ادق مستقبل العالم . بهذا المعنى يمكن القول ان العالم سوف يكون محروما من الابداع والخصوبة والحياة . بسيسو هنا يتبنى ؛ شعوريا او لا شعوريا الفكرة التي سادات حضارات العراق القديمة من دورة المرأة في عملية التكاثر البشري . تلك التي اعطت المرأة دورا اساسيا في تلك العملية مما جعل تلك الحضارات لأن تؤله المرأة وتجعلها معبودة من معبوداتها . وعندما تقدم الوعي في تلك الحضارات فراجعت .. اعني تلك الحضارات تصوراتها ومفاهيمها حول بنية عملية التكاثر الانساني تلك . وغيرت تلك الحضارات ، على أثر ذلك التغيير صورتها عن الام ودورها في عملية الانجاب . الا ان بسيسو يستعير ، على ما يبدو ، هذه الفكرة للدلالة على هيمنة الفوضى والخراب الذي سيحل بالعالم من جراء دخول انياب البربرية والهمجية في تغيير بنية العالم وقوانينه وايقاع حركته (7) . كيف سوف يبدو العالم بعد موت تانيا وذويها .. هذا ما سنجده في المقطع التالي من القصيدة . يقول بسيسو :-
في اليوم الأول مات أبوها …
في اليوم الثاني مات أخوها …
ماتت في الثالث يا تانيا الأم
مات الشباك ، تكسرت المرآة
ومات البيت كطفل في حضن الشارع …
أصبحتِ وحيدة
مليون حصان خشبي ، لكن مدينتك المولودة
من قبل دميتك المكسورة
لم تصبح طروادة
(نفس المصدر ، ص 299-300)
*******************************
بسيسو يقدم وصفا تفصيليا عن مقتل ذوي تانيا وخراب مدينتها . تانيا اصبحت وحيدة بعد موت ذويها واحدا بعد الآخر في ثلاثة ايام . في اليوم الرابع اصبحت تانيا وحيدة . ليس معها غير القدر ودمية تحملها معها . لقد اضحت بمثابة تعويذة تحميها من ويلات القدر . انهار بيت تانيا  واصبحت مثل  طفل في حضن الشارع . الشارع والبيت رمزان للضياع والانتماء والحماية والسكينة. هنا نتذكر تأملات فيلسوفنا الفرنسي الكبير باشلار  حول جماليات وسايكولوجية ” البيت ” حيث يقارنه بالوجود الداخلي : طبقاته وقبوه ومخزنه الى شتى حالات النفس . الكهف يرمز الى اللاوعي ؛ والمخزن يدل على الترفع الروحي … ويرى سيرينج ان المسكن كان يمثل مركز الدنيا .. البيت رمز انثوي ، له معنى الملاذ والام والحماية والثدي الامومي .  (8) . المهم ان تانيا اصبحت بلا مأوى .. بلا ملجأ .. اصبحت في الشارع . مكان المشردين والمهملين والمهمشين والمنبوذين والمجانين وكل من ليس له  القدرة على التواصل مع الآخر . هو والقدر رفيقان يتقاسمان الهم والالم والمجهول . تهدم البيت ومات الشباك . الشباك والباب (9) هما وسيلة البيت للتفاعل مع العالم . حيث ان خارج البيت يرمزان الى القناع أو مظهر الانسان (10) . الشاعر يركز على جانبين من جوانب البيت . وفي تقديرنا ان هذا التركيز ليس عفويا على ما يبدو . لقد ركز بسيسو على الشباك والمرآة . لماذا هذا التركيز دون غيرهما من اجزاء البيت ؟ . قلنا ان للباب رمزية الخارج .. القناع او مظهر الانسان .. الانسان الذي يعيش في البيت فردا أم جماعة ملتحمة بقرابة ما . وخارج البيت الذي يرمز الى الآخر الغريب الذي لا علاقة لي به . الشباك هو الاخر لا يقل عن تلك الرمزية . أو هو وسيلة من وسائل المراقبة والترصد والتطلع و السيطرة على من هم في الخارج .. خارج البيت . وعندما يموت الشباك فهذا يعنى ان الشمس والضوء والنور لن تدخل البيت . سوف يصير البيت مظلما .. معتما .. مختنقا .. سجنا .. انه التعاسة والشقاء والموت . سوف يصير تابوتا كبيرا . وعندما تموت المرآة سوف تموت وسيلة اخرى من وسائل تأمل الذات ورؤيتها ومراقبتها . لنقف عند رمزية المرآة كما يقول عنها استاذنا الدكتور خليل حيث يقول :-
” المرآة اسم آخر للنظر (Speculum) . في الاصل كان النظر يعني التأمل النظري في السماء وحركات النجوم ، بواسطة مرآة . وكان من معاني النجم (Sidus) النظر اي التأمل في مجموعة النجوم والكواكب . يدل النظر والتأمل في أيامنا على عمليات عقلية رفيعة ، قوامها دراسة الكواكب المنعكسة في مرايا . للمرآة رمزية معرفية كبيرة . فهي تعكس الحقيقة (الشيء كما هو ) ، تعكس صدق الفؤاد ومحتواه ، الوعي . نقرأ في متحف هانوي :
” كن كالشمس ، كالقمر ؛ كن كالماء والذهب
واضحا ساطعا ، عاكسا ما في قلبك ” .
في المأثور الياباني ، للمرآة علاقة خاصة بكشف الحقيقة وتنزيليها على الوعي . إن المرآة هي رمز التجلي الذي يعكس العقل المبدع . العقل السماوي الذي تعكسه المرآة ، يتماهى رمزيا مع الشمس القلب مرآة بشرية تعكس روح الله ووجهه :” وما الوجه الا واحد انه … اذا انت عددت المرايا ، تعددا ” . المرآة رمز أنثوي وذكري . وهي راية الملكة في الصين . فالمرآة تعكس نور الشمس ، وتستولي على نارها . إنها علامة الانسجام ، رمز القران والزواج . لكنها حين تنكسر ، ترمز الى الانفصال والطلاق . المرأة مرآة ، وكذلك الوجه والماء .
هناك استعمال سحري للمرآة ، لكشف الآثار الشريرة (التبصير بالفنجان كمن ينظر في مرآة الكون ؛ قراءة الكف ، قراءة الزيت ، قراءة الماء إلخ ) . يتطابق استعمال المرآة السحرية مع اقدم التقاليد التنبؤية (العرافة ، الكهانة ، البخت) . القراءة في المرآة السحرية هي غير استحضار أرواح الموتى ، إذ إنها تتعلق بكشف المستقبل ، واستطلاع ما لم يحدث بعد ، ما لم يوجد (11) .
*******************
تلك إذن هي رمزية المرآة . ان انكسار المرآة هي موتها يعني الانفصال والطلاق . انفصال وطلاق بين الذات وذاتها .. بين الذات وبابها وشباكها .. ما الذي يبقى في البيت صالحا للحياة عندما يموت شباكه ومرآته ؟؟ أليس هو الموت بعينه؟؟ .. اليس هو العدم وهوته اللامتناهية ؟ . تانيا اصبحت في العراء إذن . ليس معها غير الدمية وكراستها الصغيرة . ما ينبغي ملاحظته هو وقوف الشاعر عند جانب مهم في شخصية الطفلة تانيا . فهي لا تزال تعيش عوالم الطفولة واحلامها . ومن خصائص الطفولة في هذه المرحلة خصوصا البنات هوان يلعبن بلعب تنمي لديهن الاتجاه السليم نحو دورهن الجنسي استعدادا لاستقبال ادوراهن في مرحلة المراهقة والنضج . الدمية او ” العروسة ” كما يطلق عليها المأثور الشعبي لها مكانة عند الطفلة التي تعزز من مشاعرهن ازاء دورهن الجنسي . اعني ” الامومة ” فالدمية بهذا المعنى هي بنت المستقبل لدى الطفلة .. على الاقل في مستوى المخيال الذاتي . ومن هنا هذا الحوار (الدايلوغ )الذي يدور بين الطفلة ودميتها او عروستها . وأيا كان نمط او شكل هذا الحوار فهو يبقى في اطار المناجاة (المونولوج) او كلاما احاديا . انه حوار اسقاطي بالمعنى النفسي لمفردة الاسقاط . انه بث للشكوى . تفريغ للشحنات النفسية المكبوتة في مجاهل اللاوعي . واذا كنا قد توقفنا بعض الشيء عند رمزية الباب فلا ضير ان نقف ذات الوقفة عند رمزية الباب والشباك على مستوى الاحلام . في هذا الصدد ينقلنا ” كورت ” حيث يقول :-
–    باب الدخول : عضو جنسي – راجع مادة  ” بيت ” .
–    رؤيته مفتوحا : زيارة مزعجة .
–    اجتيازه : سوف يستقبله احدهم استقبالا لطيفا .
–    رؤيته مغلقا : سيتقبله احدهم ببرود  (12) .
ولرمزية الشباك هي الاخرى دلالتها في الاحلام ، حيث يرى هذا الباحث ايضا عن هذه الرمزية ما يلي :-
– التواجد خلف شبك (شباك) حديد : اعلان سفر أو غياب طويل .
– التواجد خلف شبك حديد نافذة والنظر من خلاله : الحنين الى شخص بعيد .
– باب مع شبك حديد : الرغبة في شيء لا يمكن الوصول إليه (13) .
رمزيات الباب والشبك تشير الى ضياع الطفلة تانيا في العالم وعدم وصولها او تحقيقها لما تريد . تانيا الآن في العراء ، كما قلنا ، وليس معها غير كراستها الصغيرة ودميتها التي تبث لها شكواها . يرى الباحث اللبناني صاحب معجم الرموز عن رمزية الدمية ما يلي :-
” الدمى أشكال صغيرة ، خشبية ، قماشية ، عاجية ، ملونة ، يحركها فنان خفي بخيطان أو بأصابعه .
1- الدمية رمز الكائن الذي لا يملك معرفة خاصة به ، وينقاد لكل المثيرات الخارجية .
2- الدمية رمز شخص خفيف ، بلا علامة مميزة ، ولا مبدأ .
3- في رمزية الكهف ، ُيقارن أفلاطون أشخاص هذا العالم بمسرح الظل ، ويصورهم كأنهم دمى متحركة هي صور فاترة للمثل العليا (الافكار) .
4- الدمى تماثيل صغيرة أو ُشكيلات ، لها قيمة مقدسة لدى القدامى من المصريين والاغريق والصينين : لأنها في اعتقادهم مرتبطة بإله أو بشخص أعظم .
5- على المسرح ، ترمز الدمى إلى حماقة البشر ، فهي تؤدي دور الضحاك . حرمت الكنيسة في القرون الوسطى ، مسرح الدمى .
6- في المهابهارتا ، ارتدت الدمى رداءً قدسيا ، فهي ترمز إلى الشخص الذي يتلقى الاسرار من عقل أرفع . وفي الاوبانيشاد ، تضطلع الدمية بدور الخيط السري أو السحري الذي يصل الكائن العادي بالمعلم الخفي الذي يراقبه ويوجهه (14) . ومن تلك الرمزيات التي استعرضها هذا الباحث يمكننا ان نستفيد من المعنى الاول والثاني والربع والسادس .
لقد اصبحت دمية تانيا بمثابة تعويذة لها وطريقها للخلاص والامن والحماية . ولنرى ماذا تمثل الدمية في عوالم الحلم . يقول كورت ما يلي :-
1-  رغبات حيوية تريد ان تتجسد ، تشق طريقها .
2- رؤيتها :- تعني ، بصورة عامة ، انه لا ينبغي اللعب بعواطف اشخاص آخرين .لدى النساء : تزايد في الاسرة ، لدى الرجال : تحريض على التخلي عن هوس أو عادة غير مناسبة (15) .
وها هو دلالة الدمية في الحلم تعني رغبة غير مشبعة تريد ان تتحقق أو تتجسد او تشق طريقها . ورغبة تانيا هنا هي ودميتها تريد الحياة والعودة الى احضان الابوين , لكنها لن تجد غير صورة مرعبة مروعة يصفها ورسمها لنا بسيسو وهي انه على الرغم من وجود مليون حصان خشبي لن يجعل من المدينة التي ولدت من عيني دميتها غير مدينة طروادة العظيمة . ستبقى مدينة بمليون حصان خشبي لا غير . الحصان لدى المحللين النفسانيين رمز النفسية اللاواعية أو النفس غير البشرية (16) . وهذا يعني هذه المدينة المولودة سوف تقودها او تتحكم بها غرائز الموت والعدوان إذا استعرنا مفاهيم التحليل النفسي . ولن تصبح في يوم من الايام ” طروادة ” .
على اثر هذا المنظر المروع الذي رسمته مخيلة الشاعر سينتقل .. اعني الشاعر الى بناء صورته عن العالم .. انه عالم ما بعد تانيا وهي في العراء .. يقول الشاعر :-
تانيا …
العالم لم يصبح بعد حديقة
والخوذة لم تصبح آنية زهور
فالقتلة ما زالوا مختبئين هنالك
في الثلاجات
كعلب البارود المحفوظة …
فالقاتل حُنط يا تانيا …
ما زال يراقص في التابوت جميع القتلة
للقاتل ألف امرأة ،
وقصور حريم
من منا لا يلقي في النار قصائده ،
ما زالت يا تانيا القنبلة هي التفاحة
ما زال هنالك مدن في العالم
دمها فوق وجوه الجلادين
ما زال هنالك تانيا أخرى
في إحدى مدن العالم ،
تنتظر القتلة
مازال هنالك تانيا أخرى
تكتب في كراستها
في اليوم الأول …
في اليوم الثاني …
تانيا …
من يعطي تلك الطفلة يوما ثالث …؟
من يعطيها يوما ثالث …؟
(الاعمال الكاملة ، ص 300-301)
*********************************
ذلك إذن هو منظور بسيسو للعالم . ينبغي ان ندرك امرا مهما وهو الشبه بينه وبين تانيا حيث ان كليهما قد تشردا واصبحا في الشارع وفي العراء وبلا بيت . كلاهما يهيم على وجهه في صحراء هذا العالم القاحلة . لا زهور .. لا حديقة .. لا بيت يأويه . العالم عبارة عن قتلة ولصوص وغزاة وسراق . العالم يعج بهم حتى ولو لم يظهروا . عبارته انهم ” في الثلاجات ” إشارة الى ان العالم لا يؤتمن حتى من امواته !! . في العالم الف تانيا بل مليون .. بل مليار .. بل ” نون ” من التانيات ينتظرن مصيرهن بيد الغزاة واللصوص . لن يملهن حتى يكتبن مذكراتهن في كراستهن لليوم الاول والثاني والثالث . وبسيسو يشير الى تلك المدن واطفالها التي ترزح تحت نير الظلم والاستعمار وكل اشكال العبودية مهما كان اسمها وعنونها او هويتها . بسيسو يمقت هذا العالم ويكرهه .. هذا العالم الذي لن يعطي تانيا يوما ثالثا لتكتب به مذكراتها وتترك دميتها تترنح بين ذرعيها لتحلم بطروادة جديدة .
*********************
في النص الثالث او القصيدة الثالثة التي يكرسها بسيسو لرمز ماركسي او قل اممي … ثوري .. تقدمي .. هي بعنوان ” جوزيف أتيلا ” وهو شاعر هنغاري . ويعرفه بسيسو على النحو الآتي :-
” شاعر هنغاري ولد عام 1905 وانتحر تحت عجلات القطار ” قطار ، عام 1937 . مطاردا من البيروقراطية والبوليسية ، اعتبره توماس مان ، شاعر البروليتارية العالمية ” (الاعمال الشعرية الكاملة ، ص 423)  . وما يهمنا من هذا الشاعر الذي رثاه بسيسو بهذه القصيدة جملة من نقاط التشابه بينهما . اولهما انهما مطاردان . الشاعر الهنغاري من البيروقراطية والبوليسية وبسيسو من قوات الاحتلال . نقطة مشتركة اخرى هي انهما شاعران . انهما جوالين هائمين ابدا . لكن مسألة الانتحار قد تكون نقطة اختلاف بينهما . الا ان انتحار ” أتيلا ” لم يكن دالة على الضعف قدر  ما تكون  هي دالة ضيق السبل امامه . ولا ندري هل راودت شاعرنا بسيسو فكرة الانتحار ايضا . هذه مسألة تحتاج الى وقفة مستقلة اخرى . ايضا صيرورة الشاعر الهنغاري بطلا انسانيا للبروليتاريا هو هم  بسيسو . بسيسو يريد ان يكون بطلا هو الآخر . بطلا قوميا يقاوم الاحتلال ومظاهر الظلم والتعسف في بلده المحتل وفي العالم ايضا. بسيسو لا يفصل الشاعر الهنغاري الشهيد المنتحر من قضاياه الماركسية . سوف نرى كيف يتغنى بموسكو .. المدينة الحمراء .. يوتوبيا الشيوعين والمناضلين والعمال في كل العالم . انها كعبتهم إن صح التعبير . ورمزية موسكو تحتاج الى بحث مستقل في الشعر العربي الحديث لأن اكثر شعراء هذه الفترة كانوا من دعاة الماركسية ومن المؤمنين بقضاياها . لنرى كيف يصور بسيسو مأساة هذا الشاعر الذي ظفر بلقب بطل البروليتاريا . يقول الشاعر :-
جوزيف أتيلا ً
أتيلا جوزيف
ها نحن الآن معا
نمشي بين قطارين
ونحب امرأة واحدة ً
ترقص فوق مياه الدانوب …
ترقص وتذوب
تغني وتذوب
تبكي وتذوب
بين يديها الشمس تذوب
كقطعة صابون
كي تغسل اقدام الشعراء
(الاعمال الكاملة ، ص 423)
******************************
الشاعر بدون امرأة مثل عصفور بلا عش . انها مسكنه ومأواه الحقيقي . يجوب العالم ويغترب ويتعب فيعود ادراجه الى ذراعي المرأة . الشاعر يتماهى مع الشاعر المنتحر . انهما بين قطارين . جوزيف انتحر وبسيسو لايزال يحتضر . لا يزال يدمي وجراحه لم تلتئم بعد . جوزيف غادر العالم وودع البروليتاريا واصدقائه العمال والفقراء والمساكين . وبسيسو ما يزال يدفع ثمن كونه شاعرا ومناضلا . لايزال يجوب شوارع هذه العاصمة او تلك . وبيده دفاتر قصائده . انهما يحبان امرأة واحدة . أهذا معقول وبينهما هذا الفاصل الزماني والمكاني ؟ . ليست المرأة غير الخطاب الماركسي . انها موضوع حبهما الاكبر . بين الشاعرين وهذه المرأة الخالدة علاقة حميمية عميقة . انها ترقص وتغني وتبكي . أليست مفارقة ان تجمع في سلوكها هذه العناصر الثلاثة .. اعني الرقص والغناء والبكاء . في تقديرنا ان هذه المرأة تعيش معاناة التوافق مع العالم . انها خطاب مخالف لخطاب العالم .. مغاير له .. بينهما مسافة لا يمكن اجتيازها . بل انهما عدوين لدودين . وعندما تغني وترقص فأنها تعيش حالة الانتصار وتحقيق الذات والحضور امام الآخر . وعندما تبكي فأنها تعيش حالة الانكسار والتراجع والتقهقر . انها تبكي لان الشعراء غادروها وتخلوا عنها . وبسيسو عندما يجعل من المرأة ماسكة الشمس بيديها فانه يشير الى رؤيته الواقعية والمادية للعالم . لا ارادة تفوق ارادة الانسان . واذا كان جوزيف قد يئس وانتحر فأن بسيسو لا يزال حاملا فانوسه (اشارة الى عنوان مجموعة سركون بولص حامل الفانوس في ليل الذئاب) ليبدد به ظلمة العالم . الشمس في خدمة الشعراء بل تذوب لتغسل اقدامهم . الشعراء هم اسياد العالم ورموزه . لكن لهذه المرأة الخالدة مهمة مقدسة اخرى . بسيسو ليس نرجسيا بالمعنى المتعارف عليه للمفردة .  لنرى ما هي هذه المهمة . يقول بسيسو :-
جوزيف أتيلا
أتيلا جوزيف
هذي المرأة في كل مساء …
تشتعل يداها بالماء
تسلق كفيها
لتقدم للفقراء الحساء
وتعلم عصفورين الطيران
من بودابست إلى وارسو …
ما أبعد موسكو
ما أقرب موسكو
(الاعمال الكاملة ، ص 423- 424)
********************************
هنا تجلت ملامح هذه المرأة إذن . قلنا قد تكون الخطاب الماركسي نفسه . الا انها هنا اخذت صورة واقعية لذلك الخطاب . انها البروليتاريا صانعة التاريخ الجديد ومحركته . البروليتاريا خادمة المجتمع الجديد . بسيسو يجعل من البروليتاريا رمزا لدعم الفقراء وعونا لكل المساكين والمعدمين . وهو يمجد مدن المعسكر الاشتراكي على انها نواة للمجتمع الاممي الجديد تحت راية كعبته  الكبرى موسكو . لقد صارت موسكو القريب والبعيد معا . جميع قوى البروليتاريا في العالم  تصلي للوصول  أو الحج الى موسكو . يكمل بسيسو في المقطع التالي من مرثيته هذه مسراته مع هذا الشاعر المناضل المنتحر :-
جوزيف أتيلا
أتيلا جوزيف
ها نحن الآن معا ،
في كل محطة
في كل قطار
نسأل أحد الركاب ،
عن امرأة صارت كرسيا ،
عن عصفور كان يبيع الصحف ، وغاب
سقط الثلج ، فذاب
جوزيف أتيلا
أتيلا جوزيف
ها نحن الآن معا
الدانوب صديق الفقراء
والمطر يخبئ في أجنحة
طيور النوارس أصوات الشعراء …
ها نحن الآن معا
مطرودان من الماء الى العشب
من ليس له وطن ، ليس له رب ،
ليس له أم ، أو أب
هوذا اليوم الثالث قد مر ولم نأكل شيئا
والمستقبل فمه مملوء بالشعر
(الاعمال الشعرية الكاملة ، ص 424-425)
*******************************************
هنا تجلي لإيمان بالمستقبل على الرغم من قساوة الواقع واحزانه والامه ومأساته . الشاعر بسيسو وهو يتماهى بروح الشاعر الهنغاري البطل متناسيا جروحه ومتاعبه وكونه مطاردا وهاربا من مكان الى آخر . على الرغم من كل هذا فأنه لا ينسى اخوته للبشر . والشاعر مملوءا رقة إزاء الآخر . وهذا أمر طبيعي نجده لدى الشعراء وهي القدرة على التعاطف والمشاركة الوجدانية مع الغير او ما يسمى بلغة علم النفس بالذكاء الانفعالي ، اي ادراك مشاعر وانفعالات الغير وفهمها وتقمصها وبالتالي التعامل معها . لقد ذكر بسيسو كل من المرأة والعصفور للدلالة على الكائن الانساني الضعيف . امرأة صارت كرسيا وعصفور يبيع الصحف . ماذا يعني ذلك ؟ في المجتمعات التي اصبحت ضحية الاستعمار وفريسته غالبا ما تكون النساء والاطفال هم الضحية الاولى . وعندما يقول بسيسو ان امرأة صارت كرسيا فهذا يعني انها اضحت مشاعا للجميع نتيجة لضعفها وعدم قدرتها على الدفاع عن نفسها . كذلك الطفل اليتيم مثل تانيا لن يجد ما يقتات عليه فيصير شريدا صديق الشوارع وقد يبيع الصحف ليعيش . هذه مظاهر العبودية والوقوع تحت نير المستعمر او الغازي او الظالم او.. او … الخ . بسيسو يجوب الشوارع والمحطات والقطارات ليبحث عن طفل ضائع يحمله الى ابويه .. عن امرأة يسدي لها عونا … يقدم لها طبقا من الحساء . وينسى نفسه انه هارب ومطارد بين العشب والماء . الدانوب صديق الفقراء . انه اطول نهر في أوربا حيث يمر في عشر دول اوربية . وفي تقديرنا ، أن بسيسو حينما يصفه بصديق الفقراء فذلك لأنه يمر بمدن كثيرة وقرى متعددة من هذه البلدان وهو بهذا يكون سببا لديمومة حياة الكثيرين . من هنا سر صداقته للفقراء . وبينما يجري النهر في مسعاه او مساره ، نجد ان المطر وهو الصديق الآخر للفقراء يحمل بين قطراته وزخاته اصوات الشعراء .. اعني قصائدهم واشعارهم . طيور النورس هي التي سوف  تفشي اسرار هذه القصائد والاشعار . انهما مطرودان من الماء الى العشب . بسيسو وجوزيف أتيلا . انهما يتيمان بل هما بلا رب وبلا إله لأنهما بلا وطن . وعلى الرغم من جوعهما وتشردهما الا انهما متيقنان بمستقبل مملوء بالشعر اي بالحياة والابداع والنور . الا يقول عنوان رواية روسية ” والفجر آتي غدا يا رفيق ” ذلك المعنى . في المقطع الثالث  يكشف بسيسو سرا له هو وشاعره   لم يذقَ الطعام لمدة ثلاثة ايام ولا يزالا جائعين  في يومهما الرابع ولكن ايمانهما  بالحياة وبحتمية القدر الشيوعي الذي سيبزغ غدا ويحرك دمى وتماثيل مدينتهما ويملئها زهرا . يقول بسيسو :-
جوزيف أتيلا
أتيلا جوزيف
هذا اليوم الرابع قد مر ولن نأكل شيئا
وتماثيل شوارعنا
فمها مملوء بالزهر
(الاعمال الكاملة ، ص 425)
*****************************
ذلك هو حلم بسيسو في مسيرته مع هذا البطل الشيوعي الكبير الذي مات منتحرا لأنه لم يتخلَ عن مبادئه ولأنه كان مطاردا من البوليس . انه الحلم الذي يحلم به كل شيوعي يريد ان يجعل من مدينته موسكو يرف على مآذنها ونواقيسها راية حمراء ذات مطرق ومنجل .
***************************
في القصيدة التالية التي تأتي مباشرة يرثي بسيسو ماركسيا كبيرا آخر . هو الآخر قد انتحر لأنه طورد وفقد حبيبته حيث تخلت عنه وتزوجت من شخص أخر فأنتحر . انه الشاعر الروسي  ” ماياكوفسكي ” . الذي أمن بقضايا البروليتاريا والخطاب الماركسي . والنص صورة لمأساة شاعر مغترب عن مجتمعه .. مهمش من قبله .. من قبل مؤسساته وسلطوية انظمته وظلم قيمه . انها صورة لليأس الابداعي .. اعني يأس الابداع عندما لا يجد اذنا تصغي اليه ولا عقلا يدرك مفردات خطابه ولا وجدانا او حسا يتذوق ويتواصل مع ايقاعه . انه مثل سيمفونية تعزف لأصم . يهز رأسه لكنه لا يسمع  ولا يفهم من حركتها شيئا . انها شكوى للزمان المريض الذي يعيش به كل مبدع خلاق اصيل . لنرى كيف يصورلنا بسيسو مأساة هذا المبدع الذي ناصر قضايا البروليتاريا . يقول بسيسو :-
يا ماياكوفسكي …
أين هي الآن …؟
السمكة ذات القبعة من الريش ،
وأين هي الضفدع ذات اللحية …؟
أين القومسير(كلمة تركية تعني رئيس او مفوض شرطة ) الأول والعاشر …؟
أين هو الناقد ذو المخلاة وذو الحافر …
(الاعمال الكاملة ، ص 426)
***************************
يخاطب بسيسو ماياكوفسكي إذن مستفهما اين السمكة ذات القبعة من الريش واين هي الضفدع ذات اللحية ؟ يخبرنا شبل في معجمه عن رمزية السمكة انها ترمز ” الى الخصب والوقاية . يبعد قوى الشر ويحمي الطفل من الانظار الحاسدة …” (17) . وترمز الضفدعة كما يؤكد نفس الباحث على انها ” حيوان على علاقة بالتنبؤ . انه فتان ومثير للفتن معا ؛ فالضفدعة هي طورا قديس وتارة شيطان . لا يجوز قتلها فنقيقها مدائح الله عز وجل (حيوان الجاحظ) . ويذكر توفيق فهد ” ان الضفدعة كانت عند قدماء العرب تنتمي الى فئة اللجمة (جمعها اللجم) ، وهو اسم يطلق على نوع من الزحافات – سام أبرص – أو على الضفدعة . فالمفرد لجمة تعني ” الشؤم ” والجمع ُلجم يطلق على كل حيوان صغير يعتبر مصادفته وعطاسه شؤما  . يشير ديبارميه ، في دراسة قام بها في بداية العصر ، الى المعتقد الذي كان رائجا حينذاك في الجزائر والذي يعتبر الضفدعة كمرابط أو كحيوان طوطمي الى حد ما . ومن الخطورة قتله كما من الخطورة قتل السنونو واللقلق ” (18) . لماذا السمكة ولماذا الضفدع ؟ ما علاقتهما بماياكوفسكي ؟ هل هذه اشارة الى علاقة الشاعر بالقيصر والاميرة ؟ انها قراءة .. تأويل لا غير . وما يعزز وجهة النظر هذه ان بسيسو استخدم مباشرة مفردة ” القومسير ” وهي كما نوهنا قبل قليل بانها مفردة تركية تعني مفوض الشرطة . لقد اكتملت الدائرة التي يعاني منها بسيسو وشاعره الذي يهدي اليه هذه القصيدة . الاميرة والقيصر ومفوض الشرطة . انها عناصر السلطة القامعة للصوت الفردي والجمعي على حد سواء . سلطة قامعة إذن يعاني منها كليهما .. اعني الشاعر وبطله الشعري . وينتقل بسيسو من الرقابة السياسية التي قرأنا عناصرها الى الرقابة الشعرية بقوله :-
أين الناقد ذو المخلاة وذو الحافر
انها سخرية من انماط النقد التي سادت بيئة الشاعر الثقافية واساليبه ووسائله . يكمل بسيسو سخريته من واقعه الثقافي فيقول :-
كلب القاموس الخشبي النابح ،
في وجه قوافي الشعر وأوزان الشعر ،
الخارجة على القانون ..
(المصدر نفسه ، ص 426)
*******************************
انها  تهمة صريحة لكل ما تراه عينا بسيسو . العالم كله في حالة عدم توازن .. مختل الادوار . انه رقعة شطرنج مضطربة . كل شيئ خارج عن القانون . تلك هي قناعة بسيسو عن العالم . الشعر .. حركة التاريخ .. الشخوص ليست في محلها . انه يخاف السلطة .. يقول بسيسو مستطردا :-
هذا الطاووس الاصلع يكرهنا ،
يكره يا تانيا عينيك ِ …
ويكره شعرك يا جاكلين  …
بأسم  القيصر ُيقتل بوشكين …
بأسم الثلج الأسود ُيقتل يسنين
بأسم الثيران الخشبية والمدهونة بالورنيش الأحمر ،
فليسقط ماياكوفسكي
وليحي البريسم …
سنبلة البارود ضفيرة شعر فوق جبينك ،
والقافية هي السكين …
(المصدر نفسه ، 426-427)
*********************

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| زياد جيوسي : دوامة “منّ السَما”.

“منّ السَما” هي الرواية الثانية للكاتبة غصون رحال التي يتاح لي قراءتها بعد روايتها “في …

| احمد عواد الخزاعي : الاسطورة والدين والتراث .. في رواية (فقيه الطين) .

لغة سردية هجينة، غريبة على طبيعة السرد الروائي، تتأرجح بين الشعر والنثر، تنتج عن سارد …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *