محبرة الخليقة (5) تحليل ديوان “المحبرة” للمبدع الكبير “جوزف حرب”

hussein sarmak 4د. حسين سرمك حسن
      بغداد المحروسة
      2012 – 2013
ملاحظة : حلقات من كتاب للكاتب سوف يصدر عن دار ضفاف (الشارقة/بغداد) قريباً .

البياض بياضٌ بغير كلام ليس رؤيا ، والكلام بغير دواةٍ غير صالح للكتابة ، والكتابة تحتاج بياضاً يصلح للحبر كي تصبح نوراً .. وبهذا تنغلق دائرة الخلق ويصير البياض بياضين : بياض نواة لرؤيا ، وبياض لرؤيا ستغدو كلاماً كما يقول الكون الشاعر ، وهو ، في الواقع ، يستعيد استهلال تجربة خلقه ، قصّة “كتابة” خلقه :
(              كانَ البياضُ بياضاً بغيرِ كلامٍ ،
وكانَ الكلامُ كلاماً بغير دواةٍ ، فسوّتْ يدُ اللهِ
هذا البياضَ ليصلُحَ للحبرِ حين يصيرُ كلاماً .
فصارَ البياضُ بياضينِ بينهما نَولُ غزْلِ خيوطِ
الكلامِ قُبيلَ نسيجِ الدواةِ .
بياضُ نواةٍ لرؤيا .
بياضٌ لرؤيا ستغدو كلاماً . وما
فٌسحةُ الفصلِ بينهما غيرُ ما يأخذُ الوحيُ مِنْ
لحظاتِ التكوّنِ قبل النزولِ . – ص 17 و18 ) .
البياض “الخام” المرتعش برهبة على وجه الغمر ، وتحت خيمة الظلام ، حيث ترفّ روح الله ، هو أصل بياض الرؤيا وبياض الكلام ، لكن بياض الكلام ، وحين يبدأ الله بكتابته قصةً للخليقة ، سيستوعبُ بياض الرؤيا ، ويكثّفها ، وهو يذوب في حبر دواة الوجود التي سوف يستخدمها الله للبدء بخلق مكوّنات الكون . ولاحظ أن اسم “الكون” مشتق من الفعل “يكون” ، وهو الكلمة الأصل التي تنتسجُ منها خيوط بياض جسد الكون . لقد رأى “كريمر” “أنّ الفلاسفة السومريين طوّروا مبدأً أصبح عقيدةً في جميع الشرق الأدنى ، هو مبدأ القوة الخلاقة للكلمة الإلهية . إذ كل ما على الألوهة الخالقة أن تعمله ، وفق هذا المبدأ ، هو وضع تصاميمها والنطق بالكلمة والتلفّظ بالإسم . ويرجح أن تكون نظرية قوّة الخلق بالكلمة الإلهية نتيجة استدلال بالمماثلة تقوم على ملاحظة المجتمع الإنساني : حيث الملك البشري يستطيع إنجاز كلّ ما يريده بأمر منه ، اي بما يظهر أنّه ليس غير كلمات من فمه) (6) .
(ولكن يبدو أن هذه العقيدة كانت أعمق من ملاحظة المشابهة مع كلمة الملك المتسلّط كما رأى كريمر . فهي ليست عملية مقارنة وقياس في تلك المرحلة الذهنية . بل عملية إحساس جوهري بفعل الكلمة في مرحلة الدهشة التي نرافق كل إبداع جديد ، قبل أن يُصبح مألوفاً عادياً . وعند فهمنا لهذا الإحساس نحو الكلمة الفاعلة ندرك مقوّمات مرحلة هامة من مراحل بناء ذهن الإنسان . وهذا الفهم لا يتم لنا اليوم إلا بشكل تقريبي لكوننا تجاوزنا كثيراً مرحلة الدهشة اللغوية بفضل اتساع بيئتنا الذهنية اللغوية .
jozif harb 9إنّ عالم الذهن الذي نتعامل فيه بالكلمات فنستحضر بها خلاله أشياء العالم الخارجي والأفعال التي تُمارس بين هذه الأشياء لم يكن يُعتبر ، بالنسبة للإنسان القديم ، عالماً مثالياً أو رمزياً ، كما هو لنا اليوم بفضل نمو تجاربنا وتصنيفاتنا فيه . بل كان يُعتبر امتداداً للعالم الموضوعي الخارجي ذاته تماماً كما يكون لنا في حالة الحلم . وخلق الأشياء فيه بتسميتها وتحديدها برموز نستحضرها ، إنما هو خلق موضوعي بشكل نسبي ما . وامتلاك هذه الأشياء فيه أيضا هو نوع من الشعور بالإمتلاك الحقيقي ، لضآلة رقابة المنطق الذي يتعامل بالتصنيفات والتحديدات والتجارب المقنعة . فالفاصل بين الوجود في الواقع والمعنى الذهني لم يكن هامّاً في التجربة الإنسانية الأولى مع الحضارة والمجتمع قبل التراث اللغوي ، والخبرات المتوارثة ، “لأن الإنسان لا يفكّر بالعالم ويفهمه فقط بواسطة اللغة ، بل جميع حدسه فيه والطريقة التي يعيش بها هذا الحدس ، هي مشروطة بهذه الواسطة . فامتلاكه للحقيقة الموضوعية ، والطريقة التي يستعرضها بها أمام نفسه ككل وكأشكال وكأقسام ، وتحريكه لها بوجه خاص – لا شيء من ذلك يمكن أن يتحقق دون الفاعلية الحية للغة”
ولنا أن نعتبر عدم انتظام اللغة والنقص في قدراتها التعبيرية جعل الحدود متداخلة بين الذات والموضوع خلال عالم الذهن . وإذا كان لنا أن نأتي بقرينة على ضآلة الحسّ بالأنا الواعية المُدركة فأننا نجد هذه القرينة في غياب فكرة النفس المستقلة من النصوص السومرية والأكادية الأولى . لأن هذه الفكرة عن النفس لم تنشأ إلا بعد نمو الوعي للأنا في العالم .. ولم يحصل ذلك إلا بعد تطوّر استعمال اللغة وانتظام قواعدها على أيدي الأكاديين ، أي بعد اتساع عالم الذهن وسيطرة “الأنا” على قواعده .
وهكذا يكون أننا بقدر اتساع تجربتنا الفكرية مع اللغة نشعر بالأنا منفصلة عن العالم في كيان مقابل له ونشعر معها بالوجود الذهني مختلفاً عن الوجود الواقعي للأشياء . بينما في حالة لا وعينا ، ومع غياب الرقابة التي كسبنا في ظلّها عالمنا الذهني المنظّم ، أي كما في حالة الحلم يسقط الحاجز بين عالم الذهن وعالم الواقع بالنسبة لرغبات الأنا وانفعالاتها ، فتبقى هذه في صفّ وحدها ويكون الإمتداد الذهني الثري بالتجارب الماضية في صف ، يقدّم لها تشكّلات لانفعالاتها دون أن تعي في حالتها تلك فرقاً بين الوجود الواقعي والوجود الذهني) (7) .
أو يمكننا القول من مقترب فيزيائي نفسي عجيب اجترحه محيي الدين بن عربي والتقطته الدكتورة حورية عبد الواحد في كتابها “اللغة والمرآة” أن :
(الحرف يمتلك عرضا وطولا . الأول يساهم في تكوين الطبيعة الماديّة للحروف المكتوبة ، المرسومة ، المخطوطة ، أما الثاني (الطول) ، فيتعلق بالأحرى بـ “اللامرئي” . وهو موجود في “النَفَس” الذي يرسم الحروف . فإذا لم يمارس هذا الطول ، يقول إبن عربي ، سلطانه في عالم الحروف ، فلن يكون بوسع هذه الحروف تركيب الكلمات . إن الحروف والكلمات لن تتمكن من الظهور دون طول “النَفَس” هذا . فالطول إنما هو داخل فعل القول ، فعل الصوت الذي ينتزع الكلام من عتمة الصمت مبرزا على هذا النحو ، فيزيائية للغة ، والبعد الصوتي للكلام .
لا يستجيب الطول ، ولا يشارك في أي نوع من أنواع المكانية أو في أي تمثيل موضوعي للمكان . فبوصفه فعل الصوت ، فهو بالأحرى فعل اللغة . إنه فعل خلق صور ورموز داخلية . وهكذا فإن عالم الغيب الذي يحدّثنا عنه إبن عربي ، ليس هو هذا العالم الحافل بالأسرار ، العالم الصوفي الأوقيانوسي ، ولكنه ذلك العالم الأشد إيغالا في الصمت حيث تصدر ” كنْ ” الخالقة ) .
وما يهمني إضافته هنا هو أننا في حالة الإنسان القديم وحالة الشاعر نكون أمام حالتين مهمتين : الأولى هي حالة “اللاشعور العاري” إذا جاز الوصف التي تجعل الإنسان ملتحماً بما حوله وتشفّ حدود أناه ، والثانية هي العودة إلى استعمال اللغة بدهشتها الخالقة البدئية بكل ما يصاحبها من انفعالات وتغيّرات ذهنية ونفسية . وجوزف حرب هو من أصحاب “اللاشعور العاري” الكبار .. وهذا ما سوف نلمس نتائجه الإبداعية الكبيرة في مسار تحليلنا .
kh jozef 3وفي كل أساطير الخليقة يبدأ الخلق بتكوين السماء والأرض . قد يكون الدافع أن تتم تهيئتهما كمسرح للإنسان الشخصية الوحيدة على مسرح الكون . وسيكون عالم الكتابة هو المعيار الذي تُقاس عليه عمليات خلق كل المكوّنات اللاحقة . وكل كتابة لها وجهان أو مضمونان أو بياضان : وجه ظاهر واضح ، وآخر باطن غامض . كنتُ ومازلتُ أتساءل : كيف فكّر الإنسان بـ “ضغط” هذه الشمس العظيمة الجبّارة في ثلاثة حروف بسيطة : ش .. م .. س .. ليجعلها كلمةً تُكتب ؟ .. كيف كتب الإنسان الشمس ؟ كيف أعاد خلقها بالكتابة ؟ لو فهمنا الإوالية التي استخدمها الإنسان لعملية “الإستحالة” هذه ، لفهمنا مغاليق عملية الخلق من بياض الرؤيا . لقد تمت عملية الإستحالة وضغط الشمس في جسد الحرف في مشغل اللاشعور المعقّد الذي يندهش بكل مكوّن يراه ، و “يلتهمه” ، لينفعل به في ظلمات أعماقه على وجه غمره ، ويصمّم له انفعالا لغوياً حروفيا يشرق كلمة بيضاء بسيطة “واضحة” تاركة “غموضها” المحيّر خلفها . ووفق هذا النموذج بدأ خلق السماء والأرض :
(            ولمّا رأى اللهُ فُسحةَ فصلِ البياضِ
بياضينِ ذاتَ بهاءٍ ، دعاها :
سماءْ .
وقد عرفَ اللهُ أن الكتابةَ
فيها وضوحٌ ،
وفيها غموضٌ .
فخلّى البياضينِ : فوقَ ،
وتحتَ .
وخلّى البياضَ الذي هو تحتُ ،
بياضينِ : قسماً غموضُ بياضِ المياهِ ،
وقسماً وضوحُ بياضِ اليباسِ .
وخلّى بياضَ البياضِ لحبرِ الكلامِ هوَ
النبتَ منْ شجراتٍ وعشبٍ ، يكُنّ أجنّةَ بزرٍ
بأرحامِ هذا التُرابِ ، ويخرجنَ خُضراً توشحنَ
أحمرَ ،
أبيضَ ،
أصفرَ ،
حتى
يزيّنَ بالقُزحيِّ الحقولَ ، وبالسكريّ الشفاهَ ، وبالحبّ
عيدَ الطواحينِ ، والطيْبِ هذا الهواء العريس – ص 18 و19) .
الآن اكتملت كتابة كلام المكان وفق رؤيا البياض وقد ذاب في المحبرة . شكّل الله السماء والأرض ، فنهضت ، فورا ، الحاجة الملحة للزمان بحثٍٍّ من الموتٍ . الحساب هو علم الموت . الحياةُ تعدّ خطواتها لمقابلة المثكل . وكان لابدّ أن يتوفّر للزمان وعاء ، وها هو يكمل في رؤيا المكان . فالمكان هو وعاء الزمان . وخاطئةٌ – وهذا ما يثيره النصّ – دعوى من يرى أن الزمان أبديٌّ واقعٌ خارج المكان . الزمان من دون مكان ، بياضٌ هائمٌ خارج محبرة الخليقة . بياضٌ بغير كلامٍ ، وكلامٌ بغير دواة . وإذ أنشأ الله الزمان ، وعانق حضن المكان ، ترتبت نتيجة أخرى فوق ، في بياض السماء ، تقابل ما ترتب في بياض الأرض ، وصار كلاهما مكوّن من أبيضين ، كأبيضي رؤيا الكتابة ، ظاهر للحياة والنور ، وباطن للموت وبياض الظلام . صار في السماوات ليل ونهار :
(              وفكّر أنّ الظلامَ دجيٌّ ، وأنّ الزمانَ بغيرِ
حسابٍ ، فضوّأ بالقمرِ الليلَ والنيّراتِ . وشكّ مسارجَ
تُدعى : الكواكبُ .
أمّا النهارُ ،
فعلّقَ في سقفهِ الشمسً . أمّا
الزمانُ ، فأصبحَ يوماً ، أسابيعَ ، شهراً ، سنينَ .
فباتَ البياضُ الذي فوقْ مثلَ البياضِ الذي تحتُ ،
من أبيضينِ : بياضٍ هوَ الليلُ في دوياتٍ هيَ النيّراتُ ،
بياضٌ تضوّئهُ الشمسُ وهي دواةُ بياضِ النهارِ . – ص 19 و20) .
ولكنّنا إلى الآن نفتقدُ “الحركة” ، وكأنّ حتى الله يستوحش من السكون ويفزع ، وليس الإنسان فحسب . البياض مخيف ، والفراغ بياض ، قرينُ الإحساس بشبحٍ يخطف سريعاً هو شبح الموت . ألهذا تفزع النفس البشرية من الفراغ ، وتسعى إلى ملئه بكل وسيلة ؟ في أي فراغٍ يكمن شبح للمثكل مهيّأ للإنقضاض . أي حركة “حيوية” ، ومهما كانت بسيطة وغير محسوسة ، فهي تعني أن “الخليقة” حاضرة ، وليست مجرّد رؤيا في دواة . ولهذا بدأ الله الآن بملء بياض البحار وبياض التُراب بنقط من حبر كلام رؤياه المكمّلة :
(                   ولمّا جرتْ عينُهُ في بياضِ
التُرابِ ، وماءِ البحارِ ، اضمّ إلى دويّاتِ التُرابِ
خيالاً يُسمّى الطيورَ ، وموّج في دوياتِ البحارِ
تعابيرَ تُدعى السوابحَ ، ثمّ اضافَ إلى النبتِ حبرَ
ذواتِ الدبيبِ ، ليكملَ معنى العبارةِ . – ص 20) .
وقد يرى متلقٍ نابه أنّ جانبا لا يُستهان به من قصّة الخلق هذه (في المقطع الرابع خصوصا) ، أي من قصائد الكون الشاعر التي يقرؤها وينقّحها شاعرنا الآن ، هي أقرب إلى روح “الشعر” التعليمي الأسطوري إذا ساغ الوصف ، منها إلى شعر الحداثة حيث الإستخدام الباهر والفذّ للغة غير وصفية ، استخدام “يخلق” لغة جديدة ، تصوّر ولا تتحدث ، وتهزّ مواضعات الترابطات التقليدية البائرة ، وتفتح عيني القاريء ، على سعتهما ، على ما في الترابطات الجديدة من “شاعرية” ، وعلاقات غير مألوفة .
وأردّ بالقول إن في هذا الراي جانباً من الصواب ، وما يراه السيّد المتلقي يحصل حين يطغى الجانب السردي في القصيدة على جانبها الشعري ، وهو أمر متوقّع لسببين : الأول هو أننا “نحكي” قصة خليقة ، والثاني هو أن القاريء سوف يحيل عمليّة تلقّيه إلى مرجعيات “حكائية” سابقة مُختزنة . وهذا يحيلنا إلى العنصر الأخطر في الخلق الشعري وهو : عنصر الذاتية . فالشعر عمل ذاتي ، ينبثق من أعماق لاشعور الشاعر محمّلاً بتجاربه وصراعاته وإحباطاته ، وحتى حين يحاول تصوير موضوعة “خارجية” فإنها لا تكتسب قيمتها المعنوية ودلالاتها إلا إذا أدخلها الشاعر في دواة لاشعوره ، وأثقلها بحبر رؤاه الذاتية ، ولهذا جاء المقطع الأول كلّه يقطر شعراً ، وهو يصوّر الجلسة الأسطورية “الإلهية” للشاعر ، وحوله مستلزمات عمله الغير متوقّعة . ونفس الشيء يُقال عن المقطعين الثاني والثالث وإن بدرجة أقل . وينبغي أن لا ننسى عاملاً آخر شديد الخطورة يتمثل في الروح “التحرّشية” ، وهي الروح التي تنسرب في النص الشعري ، ويزحف بها الشاعر الإنسان نحو مواضع الألوهة ، لكي ينتزع امتيازاتها في القدرات الخلاقية والسطوة الخرافية مثل تلك الجلسة المتعالية والخارقة للشاعر في المقطع الأول ، أو تحوّل الشاعر إلى مرجعية نقدية للكون حين أصبح الأخير شاعراً كما في المقطعين الثاني والثالث ، أو حين يقوّض تحصينات أسرارها الملغزة والعصية على الكشف والتداول ، ويستفزّ صورتها الإتفاقية المرهوبة في الوجدان الجمعي كما حصل في المقطع الرابع . أو حين تنكشف ، الآن ، الأبعاد التحرّشية المستترة للعبة الشاعر حين يكمل الله نصّه بكتابة الكون ، مكانا وزماناً ، بدواة الكلام ، بعد أن حوّل رؤياه من بياض يرفّ على الغمر إلى نور حبر الكتابة . تتكشف لعبة الشاعر حين يجعل الله يبحث عن قاريء لنصّه ، فيه من صورة الله أقرب ما يشبه الله ، فيخلق إنساناً لن يكتفي بقراءة نصّ الله ، وسنتعرّف على هويته بعد قليل :
(        ألقى إلى نصّهِ اللهُ نظرةَ منْ
قد ينقّحُ ، أو قد يزيدُ ، فأدركً أن الكتابةَ تمّتْ ،
ولا ينقصُ النصّ شيءٌ سوى قاريءٍ ، فيهِ منْ
صورةِ اللهِ أقربُ ما يشبهُ اللهَ . مدّ يداً للترابِ ،
وكوّنَ طيناً ، وأرسلَ فيهِ الحياةَ ، فأصبحَ خلقاً
سويّاً . – ص 20) .
وستلفت إنتباه القاريء هذه السمة التلخيصية في خلق الإنسان لدى الشاعر . فكل أساطير الخليقة تفيض وتتوسّع ، حدّ التقاصيل المملة ، في توضيح الكيفية التي يُخلق بها الإنسان الأول ، وكيف ظهرت الحاجة إليه ، ثم تصوير عملية الخلق بتحضير موادها وخلطها وحضور الآلهة كل حسب اختصاصه لبناء الجسد البشري ، ثم نَفْخ الروح فيه . قصص متنوّعة متضاربة بعضها ذو طابع درامي عنيف ودموي . ولكن في قصّة خليقة جوزف حرب يأتي خلق الإنسان موجزاً ، عابراً ، ومن دون ذاك الصخب الاسطوري والإحتفاءات الكونية التي تصاحبها تغيّرات في الوجود والطبيعة والعلاقات القائمة بين مكوّناتهما . جاء خلق الإنسان هنا إستكمالا لأطراف العملية الإبداعية المركّبة حتى الآن . ففي كل عملية إيداعية هناك ثلاثة أطراف كما هو معروف : المبدع والنص والمتلقي قارئا أو ناقدا ، وقد وجد الله ، المبدع ، أن نصّه – بعد أن أكمل كتابته – لا يكتسب أهميته الكاملة إلا بوجود قاريء ، فخلق الإنسان . وهذه الخطوة تنطوي أيضا على روح تحرّشية جسور مباركة ، ففي أغلب الأساطير يُخلق الإنسان لينفّذ مخطّطات الآلهة ، أو ليحمل العبء عنها ، أو ليتصدى لحمل أمانة ، وغيرها من التخريجات الدرامية التي تداري نرجسية الإنسان حين يضع لخلقه سببا بعد أن هزّ الموت جدوى وجوده وغائيّته . لكن هنا يُخلق الإنسان ليكون شريكا ، قارئا ، وضرورة لا يكتسب نص الله جدواه من دونه ، وكأن الله الشاعر قد أدرك ، بعد أن ألقى النظرة الأخيرة على نصّه الكوني المُذهل ، خواء فعله الإبداعي حين يتحرّك النص في الفراغ ملتفّاً على ذاته ، فمن دون قاريء يكون النص وكأنه لم يُكتب ، وفي حالة بياض ، لم يغمس جسد رؤياه في محبرة الكتابة . ثم أن الحاجة إلى وجود قاريء ، وهذا يعني وفق أعراف خليقة جوزف حرب ، أن حتى النص الإلهي بحاجة إلى الإستحسان بل التقييم ، وسيأتي هذا التقييم والإستحسان من قاريء خلقته أنامل الله (مدّ يداً .. ) . ولاحظ أنّ كل ما يجري في قصة خليقتنا الجديدة هذه ، بل في أساطير وقصص الخليقة كلّها ، لا يمكن إلا أن يتم مُحالاً إلى مرجعيات الجسد البشري وفعّالياته : يد الله .. ريشة الله .. جرت عينه . وحتى مفهوم الكون وطريقة خلق مكوّناته تجد مرجعيتها في “كون” الإنسان الصغير على الأرض . فقد (كان مفهوم الكون عند الإنسان القديم أقرب إلى صورة الخيمة أو البيت ، قاعدته الأرض وسقفه السماء ، بما فيها من نيّرات . وعند السومريين والبابليين كانت فكرة السماوات والأرض انعكاساً لهندسة البيت من طابق أرضي وطوابق أخرى ، عددها سبعة ، وكان مقر الإله آنو – إله السماء ، فوق السماء السابعة . بل هناك طابق آخر للكون يشبه الدور التحتأرضي (القبو ، أو السرداب) ، ويتألف أيضا من سبع درجات  وفوق ذلك فقد صوّر الله الكائن الجديد/ القاريء ، على صورته ، ليكون أقربَ ما يشبه الله . وهذه مسألة شائكة تحيّرنا منذ فجر الكتابة ، وبدء تدوين قصّة الخلق وأساطيره وأديانه ، إذ كيف يكون الإنسان المخلوق من طين على صورة الله ؟ أو “أقرب ما يُشبه الله” ؟ يخلق الإنسان آلهته على مقياس ذاته . ويصبح القاريء مكافئا لمنشيء النص . وهي ضرورة ، فحتى في عملية الكتابة الإبداعية العادية (البشرية) ، يُطلب من القاريء أن يكون “بمستوى” النص ، وأن يمتلك من إمكانات الوعي والثقافة والدربة والذوق الفني ما يؤهّله لفهم مضامين النص العميقة وفكّ مغاليقه . وأمام نصّ الكون لابدّ أن يكون القاريء استثنائيا وفريد الذوق والمهارات . وبخلق الإنسان القاريء تكتمل “دورة” النصّ ، ويبقى عامل “الحركة” التي تمنح مكوّنات الكون إنطلاقة طاقاتها الخلّاقة :
(        وطافَ على يَبَسِ الأرضِ والبحرِ
منْ راحةِ اللهِ
هبُّ الرياحْ ،
وكانَ مساءٌ ،
وكانَ صباح ،
وكانَ رأى اللهُ نصّ محابرهِ
حَسَناً ،
فاستراحْ . – ص 20 و21) .

شاهد أيضاً

عصام الياسري: مهرجان الأدب العالمي في برلين.. منجزات معاصرة بين النثر والشعر والواقعية والروايات

في الحادي والعشرين من أيلول إنتهى في العاصمة الألمانية برلين، مهرجان الأدب العالمي ilb العشرين …

محمد الكريم: ما تجلّى في العتمةِ
(1) ذبابة ورجل

إهداء عرفاناً.. إلى الأديب الراحل عبد الهادي الفرطوسي محمد ذبابة ورجل تتجمع الحروف كسرب طيور …

حوارات مع أديب الأطفال المبدع الكبير “طلال حسن” (14)

إشارة: بين وقت وآخر يتحفنا المبدع الكبير “طلال حسن” بنتاج إبداعي جديد في مجال أدب …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *