شوقي يوسف بهنام* : بسيسو ورموزه الحيوانية ؛ رؤية نفسية (2/1)

shawki  5*مدرس علم النفس
في كلية التربية – جامعة الموصل
اللجوء الى استخدام الرموز الحيوانية للتعبير عن الانفعالات النفسية والسلوكية انما هو اشارة الى ان الذي يمارس هذا الاسلوب يعيش ما يمكن تسميته برهاب المواجهة . وسبب هذه الرهاب هو لوجود جهاز رقابي يمتاز بالقسوة والبطش في المجتمع الذي يعيش فيه صاحب هذا الاسلوب . وليس هذا الاسلوب بالأمر الجديد في تاريخ الابداع الانساني .. فالملحمة الهندية ” كليلة ودمنة ” للفيلسوف الهندي بيدبا وحقل الحيوان للروائي الانكليزي جورج ارويل في الادب المعاصر هما نموذجين لا غير لهذا السلوك. ان الباحث  يتمكن من القيام بمسح لهذا الاسلوب في تاريخ الادب العربي على مختلف عصوره للوقوف على هذا الاسلوب في هذه الفترة التاريخية او تلك . ونحن هنا سنكتفي بالشاعر الفلسطيني معين بسيسو نموذجا لبروز هذا الاسلوب لديه . ولن نقوم بمسح اجمالي لتتبع هذه الطريقة في التعبير في منجز بسيسو بل سنكتفي بنماذج بسيطة منه تاركين المجال لغيرنا بإكمال المسيرة في هذا الجانب . ففي قصيدته المعنونة ” النمل ” يقارن بسيسو بين حياته وعذاباته مع كفاح وجهاد هذه الحشرة التي يعرف عنها بانها لا تعرف الملل او اليأس او الضجر ابدا . فهي كدودة .. صبورة .. تتحمل الالم . ويكنيها الدميري ” ابو مشغول ” ويرى بان تسمية النملة انما جاءت لتنملها وهو كثرة حركتها وقلة قوائمها .. والنمل عظيم الحيلة في طلب الرزق …. (1) . ومن دلالة الكنية نستدل على ان النمل منشغل بعمله لكسب قوته . ويرى شبل ان رمزية النمل في تراث الحضارة الاسلامية ما يلي ” عنوان السورة السابعة والعشرين من القرآن .. ” النمل : 17-18 ” هكذا تكلمت النمال في السورة المخصصة لها . تحظى النملة بحماية الله لأنها مؤمنة : يروي أبو هريرة (810-870) ، وهو من أكثر الاسانيد التي يعتمد عليها البخاري ، قائلا : ” سمعت من يقول لرسول الله : عضت نملة أحد الانبياء فأمر بحرق قرية النمل ، فأوحى اليه الله قائلا : أمن أجل نملة عضتك تحرق قوما يمجدون الله ” تقترن النملة ، في الوعي الشعبي وفي الحكايات وفي الفلكلور ، بالذرة أحيانا واحيانا بالغبار . بكمية تثير التهكم ، ولكن مثابرتها وطاقاتها ونشاطها تساعد على الاحتفاظ بصورة ايجابية عنها ” (2) . وفي تقديرنا ان بسيسو يرى في هذا الكائن نموذجا للمناضل .. للثوري الذي يعمل ويجاهد من اجل قضية .. انها مثل ” سيزيف ” الذي ”  ُحكم عليه ان يدحرج صخرة الى أعلى الجبل تسقط عندما يصل بها الى القمة فيعود الى دحرجتها من جديد ” (3) . الا ان الفرق بين النمل وهذا البطل هو ان هذا البطل لم يعرف صعود الجبل ابدا . بينما النمل يصل الى ما يريد . المهم هو ان بسيسو في لحظات يأسه يتذكر كفاح النمل وصبره فيتخذ منه نموذجا له . والقصيدة من الشعر العمودي فهو يقول :-
أتظمئُ عينيك ِ السماء وتستسقي   وأشربُ من نهر التراب واستبقي
وتعلــو أعشـاش النجـوم بنخلـة    من الريـح أعلوها بســنبلة العمق
وتشـمخ ُ في قـش الفـراغ منقـرَّا    سحائب انفاسي فيمطر بي خفقي
وأمخــر رايـات الريـاح  لخيمـة     معشعشة الاسوار في جبل الرق
(الاعمال الكاملة ، ص 33 )
************************
maein 2مزاج بسيسو متقلب بين اليأس والامل . ترى من يخاطب بسيسو في هذه الابيات ؟ ذاته ؟ حبيبته ؟ ام نملته التي يراقبها من علياء سمائه ؟ هذا من جانب . من الجانب الآخر فهو يعيش مشاعر الاستعراضية Exhibitionism. الاستعراضية اضطراب جنسي . الا انه عند بسيسو استعراض لقدراته .. لإمكانياته .. لمواهبه . لميزاته الفريدة التي لا يملكها احد سواه . الا مع هذه الاستعراضية ذات النفس النرجسي .. رغم ما يعانيه من متاعب في عالمه الخارجي وما تجتاحه من الرياح . فهو على الرغم من انه يعيش في عالم شبهه بقش الفراغ فأن سحائب انفاسه تظل شامخة ..وخفقه يحمله على زخات المطر . ويمخر رايات الرياح لخيمة معشعشة الاسوار في جبل الرق . ماذا يعني ذلك . تذكرنا هذه الخيمة بخيمة تلك الغجرية التي شقتها لتستقبله . الا ان هذه الخيمة هنا ليست على قارعة الطريق مثل تلك الغجرية بل هي على جبل شاهق هو جبل الرق . ولنرى ماذا تمثل الخيمة رمزيا . يقول شبل في معجمه ايضا عن هذه الرمزية ما يلي ” ترمز الخيمة ، في نشأة الكون عند البدو الرحل ، الى محور العالم ، الى نقطة ” التعامد ” مع قوى الكون العليا . وأحيانا تكون الخيمة مشخصة : لها قدمان وجسد وطبقة عليا تتنفس منها ولها نفس . هذا الامر معروف عند الطوارق وعند المغول ايضا الذين يصنعون في أعلى خيامهم اللباد لهذه الغاية . والحبل الذي يثبت الخيمة في الارض يدعى السبب وهو لفظة ترد مرتين في القرآن ، مرة لدى ذكر الاسكندر ذي القرنين (الكهف : 84-85) الذي أوتي ” سببا سماويا ” يتبعه ، ومرة اخرى (الحج : 15) في معرض الحديث عن نصر الله للإنسان إذ يمد له سببا الى السماء ” (4) . الا ان خيمة بسيسو لم تك له سببا يوصله الى السماء .. بل هي معشعشة الاسوار على جبل الرق . اترك تحديد  موقع جبل الرق الى غيري لأنني لم اجد له موقعا جغرافيا بحسب علمي. وهذه المجهولية لا تقف حائلا اما قراءتنا للنص . ليقع جبل الرق هذا في اي مكان .. في مكان ما  . علينا بعلاقة الشاعر بالجبل وليس بموقعه . يبقى الجبل رمزا للعلو والتسامي والرفعة والتسلق بحد ذاته رمزا للكفاح في سبيل ذلك .(التسلق في التحليل النفسي اشارة الى ممارسة الفعل الجنسي خصوصا في رمزية الاحلام) . الآن بسيسو يتعالى على الكائنات بسكنه لتلك الخيمة في ذلك الجبل . وهو إذ ينظر الى النملة وحشد منها فهو بالنهاية طفح غامر  من الشعور بالنرجسية . وهو في الوقت نفسه يعيش محنة كفاحها ونضالها . قمة الجبل وحركة النملة . ما هذه الصورة التي يقدمها لنا شاعرنا بسيسو . قد تكون رمزا للقدرة الإطلاقية التي يتمناها شاعرنا . وحتى ترتسم معالم هذه الصورة عن الذات .. ذات بسيسو .. لنكمل فراءتنا للقصيدة . فهو يقول :-
وأشرف من نجم الصباح ملوحا       إلى النمل مطروف الحصاد على الافق
فرطت بمحراثي غصوني لنملة        وكـم نمـلة شـجراء تصـفر في عرقـي
تسامـر عينيها قيـود من الحصى       فـتنعـس والاصـداء مـوغلـة الطـــرق
(الاعمال الكاملة ، نفس الصفحة)
*************
إذن هو يشرف من علياء جبله وسمائه  حيث امتطى نجم الصباح . هذا الامتطاء دليل آخر على نرجسية الشاعر . تذكرنا هذه الصورة بعبارة الشاعر ادونيس عندما قال :-
أمشي وتمشي ورائي الانجم .
***************
ملوحا بيده الى النمل وهو في خضم كفاحه . الحصاد مفتوح على آخره . مقارنة يقوم بها الشاعر بينه صمته العلوي النرجسي وبين اتساع حركة النمل في الافق .نملة صغيرة شجراء ( الشجر الكثيف) استرعت انتباهه لفرط عملها وكدها . هو الآخر قدم غصونه لها فالتف الاثنان على بعضهما . هنا التماهي بينهما . صار بسيسو نملة والنملة استحالت بسيسو . الا ان امام النملة طريق طويل مثقل بالحصى . الحصى عائق للنمل في مسيره . فتنعس اي تتعب من فرط الجهد والتعب . ان تعب بسيسو … اجهاده انسحب الى النملة او ان تعب النملة صار رمزا لتعب واجهاد بسيسو . الكون برمته في طرق موغلة في المجهول . لا ضياء امامها . بالتالي الكون يمضي الى المجهول واللامعلوم .
************
يشبه بسيسو هذه النملة بجارية الاحلام كما سنرى في الابيات التالية من القصيدة . جارية الاحلام هي اضغاث احلام . لا وجود لها في الواقع الا في لاوعي حالمها . يقول مكملا الصورة :-
كجارية الاحلام في برعم خبا       به الليل أغفت كالحمامة في   الطوق
حكايتها والشمس خيط غزلته           حكاية مصباحي المسافر في الشرق
تـعلــق في ثـوبـي كموءودة رأت        ضـفائرها واللـيل يــبـزغ للنـطـق
إلى ُغـدر أمشي وطـي َّ عباءتي         غديـر وقيـد صام فيـه عـن الحرق
أريق له ناري على ساق شمعة         تقاذفها  جـزر الهـديـر الـى عنـقـي
(الاعمال الكاملة ، ص 33 )
********************
قلنا ان بسيسو يتأمل في حياة النملة او في مجتمع النمل . هذا التأمل سيتخذه معيارا ليقيس به معاناته ومأساته وكفاحه وتاريخ نضاله . وها هو الان يشبهها كجارية الاحلام . هذه الجارية الحلمية اختبأت في برعم الليل وغفت كالحمامة في الطوق . هذه الصورة دلالة او اشارة الى ان احلام الشاعر مغلولة بالطوق . لا تخرج الى النور ابدا . حكاية هذه الجارية الحلمية مثل الشمس الذي راحت تغزله حكاية مصباح الشاعر الذي سافر الى الشرق . يمكن ان يرمز الشرق الى فلسطين مثلا او الى المعسكر الاشتراكي السوفيتي . الشرق عدو الغرب . عدوان لا يلتقيان . قيل ان بين الشرق والغرب  كانت هناك حرب أيديولوجية باردة . نحن نتكلم طبقا لزمن بسيسو عندما كان المعسكر الاشتراكي مختلفا في وجهات النظر عن المعسكر الامبريالي . اذن احلام مصباحه الليلي تتجه او تسافر صوب الشرق … صوب موسكو على وجه التحديد . هذا الخيط الذي صار شمس مغزولة تعلق في ثوب بسيسو مثل ما ترى الموءودة ضفائرها بينما الليل يبزغ للنطق . هنا يطرح لنا بسيسو مفارقة عميقة . كيف للموءودة ان ترى ضفائرها ؟. انه المحال بعينه . معنى هذا ان بسيسو يرى ان احلامه وطموحاته مثل تلك الموءودة التي لا يمكن ان ترى ضفائرها . لكنه في الوقت نفسه لم يفقد الامل .. تماما فليله على وشك النطق . سوف ينبلج النور منه يوما ما . يتخيل بسيسو انه ماش الى ُغدر . وليس الى غدير واحد . ثمة سعادة تنتظره . هناك احلام سوف يراها متحققة في فردوسه الاكبر عندما تصير غزة مثل موسكو . تتمثل بها . تعيش مثلها وتحلم كحلمها . الا انه ورغم هذه السعادات يمشي وطي عباءته غدير وقيد صام فيه عن الحرق . هنا نتلمس رمزية بين الغدير والقيد . ترى ما هي تلك الرمزية ؟ الغدير لا يعرف التوقف . فهو دائم الجريان ويجري كما يشاء والى اين يشاء . لقد قال نزار مرة :-
وهل يملك النهر تغييرا لمجراه ؟
ونزار لم يك يقصد حرية الجريان بقدر ما كان يقصد الى ان النهر لا يمكن ان يغير مجراه .. نزار يؤمن بقدرية الاحداث . الا ان هذه القدرية  لا تلغي الحرية . بسيسو يركز على حرية جريان الغدير . الا ان ثمة قيد يعيق جريانه . انه القدر ايضا . سوء توزيع الادوار كما قال الدب التعيس مراد .
يكمل بسيسو مسيرة غدير احلامه من حيث بدأ . تعود خائبة الي بسيسو من جديد . ها يقول :-
أريق له ناري على ساق شمعة      تقاذفها جزر الهدير الى عنقي
(الاعمال الكاملة ، نفس الصفحة)
***************************
يفاجئنا بسيسو انه ملك النار . انه التنين ذو الرؤوس السبعة الذي  يقذف السنة نارية محرقة . المعروف ان الدم هو الذي يراق . لكن بسيسو هنا يريق لهذا الغدير ناره لا دمه . (راجع رمزية النار في معجم الرموز للدكتور خليل ، ص 169) الا ان جزر غديره هذه يعيدها من جديد الى عنقه . بمعنى ان جارية الحلم سوف تبقى الى الابد جارية حلم . الا ان نداءا صوفيا يزوره مثل الحلاج ، إن صح التعبير .. يتوجه به  الى من تتوجه اليه كل القلوب لعل هناك من يستجيب . ولا ادري ما مناسبة نداء كهذا . لم يؤرخ بسيسو لقصيدته هذه . تاريخ النص  دلالته السيكولوجية . هذه الدلالة تعبر عن التطور النفسي والروحي للشاعر . عن اتجاهاته وافكاره وكيف تنمو وكيف تختلف وتتغير . وهذا امر مهم بالنسبة للمحلل النفسي لأن هذا سوف يساعده على تتبع مراحل ذلك النمو وتحديد معالمه وكيفياته .  لنرى ما مظاهر ذلك النداء :-
وأنت بمجداف السماء تزورني            ُتكحل عيني بالزوابع والبرق
وشمسك في ليلي فضاءٌ سلكته              إليك َ واغلالي تجاذبني عتقي
ترابي في كفي وريحي وطائر             أناخ جناحه  وأغمض في افقي
(الاعمال الكاملة ، ص 33)
*******************
هنا لدى بسيسو شعور بانه بطل كوني . هو في رعاية السماء برمتها . ومن يقول ان النملة لا ترى الامر ذاته . اعني ان لديها شعورا مطابقا لشعور بسيسو بانها تحظى برعاية السماء . وانها المخلوقة التي تمشي بعنفوان الهها . من هنا اصرارها والحاحها على الحصول على ما تريد . تلك هي رمزية النملة عند شاعرنا الصبور المتعب .
******************
في قصيدة ” الديك ” … وقبل ان نتناول النص .. اعني نص القصيدة . لا ضير من الوقوف على رمزية الديك كما تذكرها المعاجم الخاصة بذلك . ولنرى الباحث اللبناني خليل احمد خليل بماذا يخبرنا ؟  ها هو  يقول ” رمز العزة وشعار فرنسا (وايضا جريدة النهار : كلما صاح الديك طلع النهار) . .. الديك منقوش على العملات الغالية (الفرنسية القديمة) .
1- عالميا ، الديك رمز شمسي ؛ يعلن بصياحه الفجر ، وبدء النهار .
2- صياح الديك يطرد الارواح الشريرة من البيوت ، لذا ترفع صورته على الابواب .
3- في فيتنام ، ترمز ُرجل الديك الى العالم الاصغر ، وتستخدم بعد غليها ، في التنبؤ والكهانة .
4- في البوذية التيبيتية ، الديك رمز مشؤوم ، يوضع مع الخنزير والحية في مركز دولاب الحياة ، ويدل على احد السموم الثلاثة . معناه الرغبة ( التعلق والظمأ) .
5- في أوربا ، يرمز الديك الى الغضب ، انفجار رغبة مكبوتة .
6- الديك ، مع الكلب والحصان ، من الحيوانات القربانية ، التي تقدم للموتى ، في الطقوس الجنائزية لدى الجرمان القدامى .
7- رمز اليقظة : انه المحارب اليقظان ، الساهر على الآفاق والحياة ، وهو رمز حراسة الحياة والمرشد الى الخفاء والاسرار .
8- رمز المسيح ، الى جانب الحمل والنسر لكنه يختلف عنهما برمزيته الشمسية : النور والنشور .
9- وفي الاسلام ، يتمتع الديك الابيض بتكريم لا مثيل له :” الديك الابيض صديقي ؛ وهو عدو عدو الله ” . صياحه يدل على وجود الملاك . يعتقد ان الديك يسبح الله ، ويدعو الناس الى تسبيحه .
10- في التأويل النفساني ، يرمز الديك والحية الى الزمان ، الى طور من اطوار التطور الداخلي ” (5) .
******************
تلك كانت رمزيات الديك . وبسيسو بالفعل يوظف من تلك الرمزيات رمزية  هي رمزية اليقظة . الا ان ديك بسيسو لم يستطع ان يكون كما ينبغي . انه فشل في اداء الرسالة او الوظيفة التي انيطت به. لنرى كيف يكشف بسيسو عن ذلك الفشل . يقول بسيسو في قصيدته هذه :-
أناخ الغروب ظلال الرحيل       وعيـني مسافـرة في  الأثـر
تفتش عن جرة في الرمال       وتبحث عن جمرة في الحجر
وتسأل ناطورة في الرياح      عن الزرع والزارع المنتظر
(المصدر نفسه ، ص 36)
*******************
بسيسو او ان ديك بسيسو ان شئنا الدقة ، ودع نهاره بحزن وتشاؤم وها هو يستقبل مسائه… ليله  غروبه في احزان الانتظار . لا اقول قلق الانتظار بل احزان الانتظار . قلق الانتظار قلق ايجابي الى حد ما . فالمنتظر في حالة رجاء وامل وثقة . لا يستطيع ان يطرد مشاعر الانتظار من مساحة شعوره لأنها مشاعر مشروعة قد تخيب او قد تصدق . ولكن عندما نقول احزان الانتظار فأننا نعني انه ليس هناك امل في سلوك الانتظار . انه انتظار قائم على محال . انه مثل محنة انتظار جودو . الذي ليس قد يأتي أو لا يأتي مثلما عنون شاعرنا البياتي احدى مجموعاته الشعرية بل انه لن يأتي البتة . انه رجاء وامل في ان لا يأتي . ومن خلال قراءة متأنية لهذه الابيات نجد ان بسيسو يستخدم مفردات دالة على هذا التأويل . فنفس الديك تبحث او تفتش عن جرة الرمال  وتبحث عن جمرة في الحجر. ترى ما هي دلالة هذه الصورة ؟  اي رمال يقصدها بسيسو ؟ انها رمال الصحراء ولا شك . هذه الرمال المتحركة أو المتراكمة على هيئة كثبان رملية .. لا يمكن الثقة بها ابدا . تجرف معها كل ما يلاقيها  عندما تجتاحها الرياح . ومن ثم فأن الباحث عن اشياء مدفونة تحت تلك الكثبان قد لا يجد شيئا عن ما يبحث عنه . قلنا ان لا ثقة ابدا في تلك الرمال لأنها مرهونة بحركة الرياح . والرياح تشتهي بخلاف ما يشتهي السفان في البحر . من هنا هذه اللاثقة بها . ايضا صورة البحث عن اشتعال النار في الحجر تلقائيا هو من المحالات . المحصلة واحدة في كلتا الحالتين . او كما يقال  ملء الجرة وهي مثقوبة . انه ليس غير فعل الجنون والمجانين والخارجين خارج اسوار العقل . كما ان في البيت الثالث تكرار لذات الفكرة والصورة معا . ناطورة الحقول . خيال المآتة وفق التعبير المصري . دمية على هيئة انسان يصنعها الفلاحون لخداع العصافير والطيور بأن ثمة حارسا يحرس هذا الحقل او ذاك . اي ثقة بهذه الدمية المكتظة بالصمت ولا تنطق ابدا . انها الحارس الاخرس . وما فائدتها إذن ان لم تنطق . انها المحال بعينه . وكيف بها والرياح تتقاذفها من حيث لا ترغب . كيف ُتسأل هذه الدمية الخرساء عن الزرع والزارع المنتظر . انه اللارجاء بعينه .. ليس هناك من يأتي ابدا .. إذن لا انتظار بعد .!!! . والانتظار يعني السقوط في دائرة الوهم او هاويته . انها مجرد دمية خرساء لا غير . بسيسو في اعلى صورة من صور اليأس . واذا كان الديك  ، او بسيسو متوحدا معه ،  قد عاش في هذه المحنة ..نراه اكثر يأسا من اليأس نفسه في الابيات التالية . ليس زرع ولا زارع منتظر . فهل من المعقول ان يكون ثمة حاصد !! . يقول بسيسو :-
عن الحاصدين وقد علَّقوا             مناجلهم في سقوف  الشجر
وراحوا على النار يسترجعون        عهود الحصاد وعهد المطر
عن العاطلين عبيد الطريق            ومولاهم   الفاتح المنتصر
(المصدر نفسه والصفحة نفسها )
*********************
اليس هذا هو المحال بعينه . ذلك الامر الذي يقوم به الحاصدين حيث لا زرع ولا زارع منتظر وقد علقوا مناجلهم في سقوف الشجر . ان هذه الصورة دلالة على انه ليس ثمة عملية حصاد لأنه لم يك هناك من عملية زرع في الاصل . صار النار وسيلتهم لاجترار ماضيهم . اعني عهود الحصاد والمطر. الحصاد لم يعد غير واقعة في الماضي لا غير . ينبغي ان نلاحظ ان بسيسو يستخدم مفردة الاسترجاع  في سياقها النفسي السليم . الاسترجاع هو فعل من افعال الذاكرة التي  تقوم بها لاسترجاع الخبرات والصور والذكريات من ذاكرة طويلة الامد الى لحظة الوعي المباشرة او الانية . انه حضور الماضي برمته في لحظة واحدة. كانت هناك عهود للحصاد وللمطر اما الان فلا زرع ولا زارع منتظر .  انه اليأس برمته . يكمل بسيسو في وصف منظوره لواقعه المؤلم هذا في الابيات التالية :-
ينادون نوح الشراع الكبير       وطوفانه نائم في السُرُر
عن الضاربين خيام الحياة       بكل كثيب قصير العمر
تباغتهم ذكريات الشروق        فتعثر في ظلمات الحفر
كأنهمو حارس في الطلول       ينـقل سلـمه فـي الجُــدُرُ
(الاعمال الكاملة ، ص 36)
*********************
ينقل بسيسو الفكرة التي تقول لا حياة لمن تنادي وهو الشطر الثاني من بيت قائله هو الشاعر الفارس عمرو بن معدي كرب بن ربيعة الزبيدي (526-642م) والبيت هو :
لقد اسمعت  لو ناديت حيا     ولكن لا حياة لمن تنادي
***************
معنى هذا ان النداء موجه الى فراغ او عدم او غياب للمتلقي . وبهذا تكون صرخات النداء محض عبث و لا جدوى . ان نوح رمز الخلاص والنجاة والحياة وهو من الرموز الكونية . اعني ان الطوفان حدث كوني تقول به كل الاخبار والقصص . وكل الديانات التي ترتكز عليها . نوح بطل كوني كبير . به انتقلت البشرية الى ميلاد جديد . هذا الحارس النائم الذي خان العهد … دب اليأس على جدران ذاته . طوفانه نائم في السُرُرُ .. تعبير عن سبات عميق من  دون رغبة في  اليقظة. انه اذن فعل قصدي من قبل الحارس . بسيسو يظهر بمظهر اللائم .. المحاسب لهذا الحارس المهمل .. المتواطئ مع رموز السلطة . هذا الشعب وبحارسه هذا يضربون خيم الحياة في كثبان رملية سرعان ما تنقلها الرياح الى حيث تشاء او الى حيث ترغب . وهي صورة يستخدمها بسيسو للدلالة على اللعب مع المحال او الوهم . ولكن على حين فجأة تباغتهم الذكريات . اي ذكريات ؟ انها ذكريات الشروق والانبعاث والنهضة . شتان ما بين الحالتين اللتين  يعيشها بسيسو وشعبه وحارسه النائم هذا . وهو في البيت الرابع  يكمل بسيسو رسم ملامح هذا الشعب مثل ذلك الحارس الذي ينقل سلمه بين الجدران ولا يعرف عند اي جدار يضع سلمه هذا . وهي صورة دالة على التخبط والضياع واللاهدف . ويستمر بسيسو في رسم ملامح هذا الحارس بصور تمتاز بالغنى النفسي والعمق الانساني . حيث يقول :-
ُيرمم في صور الهالكين       ويمسح عنها غبار السفر
فيذكر قافلة في السراب         وقـافلة فـي ظـلال الـُغـدر
وديكا عراه ذبول المشيب      وقد أمسكته سطوح الحُجر
لـقد فاجأته طيور الصباح       يـنقــرُ فـي ريشـه المـنتثـر
(الاعمال الكاملة ، ص 36)
*********************
إذن عمله وجهده منصب على الترميم . الترميم هو  في حد ذاته رمز لفعل الاجترار والدوران حول الذات . ما نفع الترميم لبيت قد نخرته الشقوق واستحالت حجارته رملا لا يقف عند هبوب ريح ما !! . عملية الترميم التي يعنيها بسيسو لا تعني خداعا للذات بل خداعا لذات الجماعة برمتها . قافلة في السراب .. وقافلة في ظلال الغـُدر . انه يستخدم مفردة الظلال للدلالة على عبثيتها ووهميتها . وفي البيتين الاخيرين يصور بسيسو الفاجعة الكبرى ولكنها المنتظرة والمرجوة . انها النهاية المباركة والسعيدة . نهاية اللعبة التي خدعت الكثيرين واغرقتهم في ليل بلا نهاية . انها ليلة الثورة .. ثورة الفقراء والمعدومين الذين طالت ليالهم وهم يجترون ايامهم الماضية السعيدة . بسيسو يكشف عن وضع مأساوي يعيشه شعبه المسكين وهو بحراسة ديكه الهرم .. الديك المنشغل بريشه الملون وهو رهين السطوح تاركا دجاجته لأهواء وشهوات الثعالب والذئاب . ها هي  نخبة من طليعة طيور الصباح الغيورة قد فاجأته وهو ينقر بريشه البالي الذي هرمته الايام . ان طيور الصباح هم الطليعة الشابة لهذا المجتمع الذين ما عادوا يحتملون صياح هذا الديك الهرم . وبدلا من ان يكون صياحه ايذانا بيوم جديد صار ذلك الصياح رمزا او علامة على الامعية والجمود والانصياع والسبات والنوم الطويل الذي لا نهاية له . نعم لقد باغتته طيور الصباح وهو ينقر في ريشه المنتثر . وهي صورة تدل على النهاية المنتظرة واليوم المرجو الموعود . ان الفجر آتي يا صديقي  لا محالة …
*****************
في قصيدته المعنونة ” الببغاء والافيون ”
لم يجد كاتب هذه السطور في المعاجم الحديثة التي تتحدث عن الرموز شيئا عن رمزية الببغاء . الا انه وجد عددا من الصفحات كرسها الدميري في موسوعته عنه في كتابه ” حياة الحيوان الكبرى ” ، على الرغم من انه لا يمكن مقارنة هذا الجهد المبذول من قبل الدميري بالدراسات التي تهتم بأنثروبولوجية الرمز ومعطيات العلوم الانسانية المرتبطة بها لكنه يبقى جهدا مرهونا بحضارة الكاتب وزمانه ، الا ان هذه الصفحات لم تشبع غليل  كاتب هذه السطور لتوظيفها في رمزية هذا الطائر  لقراءة هذه القصيدة . بينما وجد الباحث في قاموس تفسير الاحلام شيئا قد يكون له عون في ذلك .  حيث يقول الباحث هانس كورت في قاموسه ما يلي :-
– رؤيتها او سماع كلامها : احدهم سيفشي سرا كان ُيظن انه محروس جيدا . (6) . وفي نفس القاموس نجد رمزية الافيون على ذات المستوى .. اعني مستوى الحلم وعوالمه ما يلي :-
– هرب للإفلات مما هو منفر ، وكذلك ، غالبا ، انهاك للجهاز العصبي .
– رؤيته : تحذير من ميل قادر على جعلك تخسر نفسك .
– تقديمه : تحذير من محتال او مغو ٍ .
– تدخينه : الحالم مخدوع .
– رؤية الآخرين يدخنونه : تحذير من صحة طائشة .
– الدخول الى غرزة (جلسة) أفيون : سينخرط الحالم في مشروع او مغامرة ستعرضه لأخطار ضخمة  (7)  .
وعلى ضوء ما سبق لنقرأ نص القصيدة ونرى ما دلالة الببغاء وعلاقتها بالأفيون . يقول بسيسو :-
الببغاء
طليقة بلا قفص
تنقر في الافيون
وتشهر الجناح
كالسلاح
لكي تحارب البلاشفة
والعاصفة !!
(الاعمال الكاملة ، ص 106)
*************
ها هي إذن  الببغاء طليقة في السماء . كانت محبوسة في قفص . لما ؟؟ . انها لا تستطيع الصمت . ثرثارة .. تفشي الاسرار لحظة .. بلحظة . تردد ما تسمع . معنى هذا انها لا تتحمل الصبر . من هنا انطلقت من قفصها . او هكذا تخيلها بسيسو . انها لم تعد تتحمل ان ترى العالم في ان يغزوه البلاشفة أو تجتاحه عاصفة هوجاء عاتية . كان من المفروض ان تسير امام البلاشفة لكي تريهم الطريق . اليس بسيسو ماركسيا ؟؟.من هم البلاشفة . البلشفية بالروسية: Большеви́к) أو البلاشفة أو البلشفيك التي تعني الكثرة أو الأكثرية وقد أطلقت جماعة الجناح اليساري من أنصار لينين، في حزب العمل الاشتراكي الديمقراطي الروسي هذا التعبير على نفسها عام 1903. وكانوا يشكلون الأكثرية في الحزب، بينما سمي البقية بالمونشفيك (أي الأقلية)، وكانت الأكثرية تسعى للحل الثوري بينما الأقلية تسعى للتغيير السلمي. إلى جانب هذا كون البلاشفة جيش يسمى بالجيش الأحمر الذي خاض حروب أهلية مع الجيش الأبيض وهذا الأخير الذي كان مدعم من الغرب (بريطانيا – فرنسا) وكانت الغلبة للبلاشفة حينها سيطر على الحكم في روسيا في ظل الحكم الاشتراكي
وقد ظلت تلك الجماعة تعرف بهذا الاسم حتى بعد نجاح ثورة أكتوبر عام 1917 التي عرفت باسم الثورة البلشفية.
ولا ندري الى اي تيار كان بسيسو ينتمي اليه ؟ ولكن من خلال القصيدة يمكن القول ان شاعرنا كان ينتمي الى المونشفيك او الاقلية التي كانت تسعى الى التغيير السلمي . شاعرنا إذن ضد الثورة القائمة على الدماء حتى ولو كانت هذه الدماء سلما لتحقيق الحلم الكبير . الببغاء إذن لا تريد ثورة دموية . انها رافضة لمنطق القوة . من هنا خروجها في الطليعة لمحاربة البلاشفة . لنكمل رسم الصورة التي قام برسمها شاعرنا عن هذا الطائر الغريب . يقول بسيسو :-
الببغاء
في الليل والنهار
في غيبوبة اسطوانة تدور
منقارها ُيشير
كما أراد أن يشير
السيد الكبير
لنجمة البلاشفة !
فوق جبين العاصفة .
(نفس المصدر ونفس الصفحة)
****************
الغيبوبة التي يرزح تحت تأثيرها طائر الببغاء هذا ليست غيبوبة ناتجة من عوامل فسيولوجية اصابت الجهاز العصبي بل هي غيبوبة حضارية إن صح التعبير . والغيبوبة هنا لا تعني ، كما يريد ان يقول لنا بسيسو في ظاهر النص ، بالغيبوبة بالمعنى الاول بل هي غيبوبة بالمعنى الثاني الذي اقترحناه . الببغاء طائر لا يعرف غير المحاكاة والتقليد بصورته النمطية الرتيبة المملة والتي تبعث على الضجر . من هنا ربط حركتها او حالة غيبوبتها بالأسطوانة Disk. لنقف عند رمزيتها عند صاحب معجم الرموز حيث يقول ” في النصامة (الايقونوغرافيا) الهندوكية ، الاسطوانة احدى نعوت فيشنو . انها سلاح فتاك ، ُيقذف به العدو ، فلا يقوى على مقاومته ودفعه . لكن الاسطوانة الجميلة رمز شمسي ، ُينماز من الدولاب (العجلة) . للأسطوانة قرابة دلالية مع رمزيات الدائرة ، العجلة ، الخاتم (المحبس) . ترمز الاسطوانة المقدسة في الصين الى الكمال السماوي ؛ وترمز أسطوانة الجاد ، المثقوبة ، الي السماء ذاتها . في الرسم المصري ، ترمز الاسطوانة الزرقاء الى اعماق الفضاء ولا تناهي السماء . اما الاسطوانة المجنحة فترمز الى الشمس الجارية في فلكها ، وتاليا الى الطيران والترفع (8) . ولكن في تقديرنا ان بسيسو لا يشير الى هذه الرمزيات قدر ما يشير الى رمزية التبعية والنمطية والامعية . فالببغاء ولا سيما منقارها ليس ملكا لها فهي لا تحركه كما تشاء بل كما يشاء السيد الكبير والذي يقصده بسيسو معلم البروليتاريا التنظيمي ” لينين ” . فالبلاشفة بزعامة لينين يسيرون لمحاربة ” المونشفيك ”  يهيمن على حركة منقار الببغاء .. يحركها كما يشاء . وبدلا من أن تكون الببغاء حرة تبحث عن القضية المصيرية وتسعى الى حمل رايتها صارت ببغاء اكثر ببغاوية من اصلها . لقد امعنت في الببغاوية .. اي الامعية العمياء المطلقة . لقد صارت رهينة اشارة لينين . يكمل بسيسو مأساة هذه الببغاء الحزينة التي سوف يؤول مصيرها الى ان تنقر الافيون حتى الموت . يقول بسيسو :-
الببغاء في غيبوبة المصير
في نزعها الاخير
ترتجف
في مصفحة
الببغاء في الخريف
صوتها هرم
وريشها استحال
الى رماد
والببغاء حينما يذبل في منقارها الكلام
يا ايها الاقزام
ينبذها اسيادها الكبار في قفص
قضبانه خيوط عنكبوت
تنقر في الافيون
حتى تموت
(نفس المصدر ، ص 106- 107)
****************************
في  هذا المقطع يأس من الببغاء . الببغاء صارت هرمة .. في النزع الاخير . في غيبوبة المصير . ما معنى غيبوبة المصير ؟ المصير معدوم الهوية .. لا افق يلوح له . ضياع في غياهب المجهول والسقوط في هوة العدم . وتتمة النص ما هي الا استطراد لهذا المناخ النفسي الذي تعيشه الببغاء في حيرتها الجديدة . هي مخلوق رتيب . ولينين زعيم البلاشفة زادها رتابة ما بعدها رتابة . حتى القفص الذي توضع فيه الببغاء ليس الا اكثر من خيط عنكبوت . اليست هذه مفارقة غريبة . قفص قضبانه من خيوط العنكبوت !! . يفترض في القفص ان يكون ذو قضبان حديدية . الا ان بسيسو جعل من تلك القضبان خيوط عنكبوت . يقدم لنا الباحث اللبناني صاحب معجم الرموز وصفا جميلا لرمزية العنكبوت وخيوطه . حيث يقول :” يبدو العنكبوت كأنه مخلوق قمري ، قدره النسيج والحياكة . يحيل خيطه الى رمزية الزورق ؛ لكن ما معنى نسيجه ؟
1- يتوافق القرآن مع التوراة في التشديد على هشاشته :
–    ” وإن أوهن البيوت لبيت العنكبوت ” (القرآن ، 29:41)
–    وشيد كوخا للحارس :
ينام غنيا ، لكنها آخر نومه ؛
عندما يستيقظ لا يجد شيئا ” (سفر أيوب 18:27)
2- ترمز هذه الهشاشة إلى واقع المظاهر الخداعة ، وتبدو رمزية العنكبوت قائمة على عالم مصنوع من نسيج واه ، خلاب ، هو نسيج الأوهام الذي يخفي الحقيقة العظمى .
3- في الهند ، وقبل المسيح بألف عام ، طرحت مسالة الوهم أو الخدعة (Maya) ، مسألة الواقع الخادع ” الفارغ من الوجود ” . هذا في البوذية . اما في البرهمانية فالأمر معكوس : ذاك أن الواقع هو الوجود ” الحق ” لأنه من تجليات الروح ، ولأن حجاب المايا ، مثل بيت العنكبوت ، يعبر عن جمال الخلق ، ومايا من الآلهة القديمة ، الماجدة في الهند .
4- تكمن كل رمزية العنكبوت في موروث ثقافي هندي – أوربي ؛ لكنه تفرد الاغريق باستعمال رمز العنكبوت ، ولاسيما نسيجه ، للدلالة على التاجر الذي يتصيد زبائنه .
5- لدى أقوام أخرى ، في أفريقيا وأميركا الجنوبية ، يرمز العنكبوت الى درجة عليا من الهدي او التلقين الروحي (عند البامبارا مثلا) .
6- في التحليل النفساني ، يرمز العنكبوت إلى الانطواء والنرجسية ، والى استغراق الكائن في أنوّيته المركزية .
7- أخيرا يرمز العنكبوت إلى التوازن ، مثل اليويو أو الارجوحة ، وهنا يكون له معنى جنسي تارة ، ومعنى صوفي (السرَّة) تارة أخرى . وفي كل حال ، يرمز خيط العنكبوت إلى الحرية (Aum) ، خيط العرفاني الهندي الذي يحرره .. (9) . تلك إذن هي رمزيات هذه الحشرة التي طوقها القدر بذراعيه وكبلها بقيوده . ومن خلال المقارنة بين تلك الرمزيات التي قدمتها المخيلة الانسانية للعنكبوت وبين ما يطرحه بسيسو من صور عن مستقبل الببغاء ومأساة وجودها نرى ان هناك تقاربا بينهما . ان الببغاء تعاني من فشل في مواجه عالم مريض يرتدي الف قناع وقناع وتتفشى فيه كل صور الزيف والمخادعة . انه عالم لا تستطيع الببغاء ان تعيش فيه . فما بالك بشاعر مثل بسيسو . ان لم يك بسيسو نفسه هو الببغاء بالذات او متقمصا نموذجها او شخصيتها او رمزيتها . ولذلك فان من المنطقي بكائن شفاف مثل بسيسو ان يموت وهو ينقر كل ما من شأنه ان يغيبه عن العالم . الكحول مثلا .. الاعتكاف على الذات . التجوال الدائم مثل صاحبته الغجرية . او التفريغ في الشعر . انه مثل ببغائه تموت وهي تنقر الافيون حتى الوقوع في هاوية الغياب . وعلى الرغم من ان بسيسو في النص ينقل لنا خبرة انتمائه ومصداقية أيديولوجيته والصراع الذي يدور بينه وبين رفاقه لهذا السبب او ذاك ، ونحن نعلم انه ارتقى ارقى المناصب في الحزب الشيوعي في بلده ، فان هذه الخبرة قد بلورها على هيئة قصيدة بث من خلالها شكواه وهمه وحزنه . ترى هل كان في لاوعي بسيسو رغبة في ان يكون ببغاء تنتظر الموت وهي تنقر الافيون ؟؟؟ .
********************
في قصيدة ”  مأساة الدب مراد ” ينتقل بنا الشاعر الى هم انساني كبير الا وهو الجو الذي يخيم عليه ما يمكن ان نسميه برهاب البوليس * . ورهاب البوليس كما نعلم من خلال رؤية التحليل النفسي ما هو الا امتداد لعقدة اوديب او الخوف من الاب . من هنا منشأ هذا النوع من الفوبيات . ويتضخم هذا النوع من الرهاب حتى يصل الى رهاب السلطة او رهاب الله . الا ان بسيسو في هذه القصيدة لا ُيدخلنا الى عوالم هذا الرهاب بصوره المختلفة بل فقط يقدم لنا محنة ما يمكن تسميته بمحنة التحقيق خصوصا لدى رجل يعتقد بل يؤمن انه لم يخطئ او لم يقترف ذنبا او يخل بقانون ما من قوانين المجتمع . والنص هو نص مسرحي تتمثل شخوصه بالدب وهو المتهم وهو هنا الشاعر طبعا والجوقة التي ترمز الى الوعي الجمعي والمحقق الذي يرمز الى رقابة ذلك الوعي . لنقرأ النص حتى نتعرف ونتلمس مأساة الدب مراد في صراعاته مع الغير . وينطلق بسيسو من حلبة السيرك ليرى فيها صورة العالم الممزقة والشقية والمعذبة . يقول بسيسو :-
الجوقة : ُضبطت في حوزته أنياب ومخالب …
الدم فوق الناب …
والدم فوق المخلب ..
والدم فوق الكرباج ..
الدم فوق الكرباج ..
(المصدر السابق ، ص 379)
********************

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| زياد جيوسي : دوامة “منّ السَما”.

“منّ السَما” هي الرواية الثانية للكاتبة غصون رحال التي يتاح لي قراءتها بعد روايتها “في …

| احمد عواد الخزاعي : الاسطورة والدين والتراث .. في رواية (فقيه الطين) .

لغة سردية هجينة، غريبة على طبيعة السرد الروائي، تتأرجح بين الشعر والنثر، تنتج عن سارد …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *