الرئيسية » نقد » ادب » محبرة الخليقة (4) تحليل ديوان “المحبرة” للمبدع الكبير “جوزف حرب”

محبرة الخليقة (4) تحليل ديوان “المحبرة” للمبدع الكبير “جوزف حرب”

hussein sarmak د. حسين سرمك حسن
      بغداد المحروسة
      2012 – 2013
ملاحظة : حلقات من كتاب للكاتب سوف يصدر عن دار ضفاف (الشارقة/بغداد) قريباً .

وعنوان ديوان الكون الشاعر اسمه “الخَلْق” ، وهي تسمية تحتمل التعبير عن “العمليّة” أو “نتاجها” المخلوق ، أو كليهما معاً ، أو دلالات أخرى كثيرة (لاحظ أن من بين معاني الجذر “خلق” هو الفناء والبلى أي الموت) مُشتقة من الجذر “خلق” . فما الذي يحسم دلالة هذا العنوان ؟ وهل يستطيع الكون الشاعر ، ومتلقي ديوانه ، اعتبار هذا العنوان “ثريّا”  للنصّ ، ونحن نقف على عتبة الديوان ؟
إذا تعاملنا مع أطروحة أن “العنوان ثريا النصّ” البنيوية ، على طريقة أن المكتوب يُفهم من عنوانه ، فنحن نرتكب خطأ كبيراً . فمفردة العنوان “الخلق” هذه تحتمل تأويلات كثيرة ، ولن يحسم أيٌّ منها المعنى المباشر مفصولا عن إطار الصورة الكلّية التي لا تتحقّق من خلال تأويل النص / قصائد الغيمات الستّ حسب ، بل الإطار التأويلي العام الذي تستدعيه إيحاءات النصّ من جانب ، وإدراكات الناقد والمتلقي ، و”إسقاطاتهما” المحكومة بمخزونات لاشعورهما وخلفياتهما الإجتماعية والثقافية من جانب آخر . يبدأ الكون نصوص “الخلق” بالقول :
(هي الأرضُ ،
خاليةٌ ، خاوية ،
كمعصرةٍ ، ليسَ من عاتقِ الخمرِ
فيها ،
سوى خابيهْ ،
تنامُ بفخّارها
عَتمةُ الزاويهْ – ص 16) .
وكنت ومازلت وسأبقى أراهن على عبقرية اللغة العربية المظلومة بعجز ابنائها ولهائهم العُصابي خلف صيحات الحداثة الأوروبية ، الذي جعل شغلهم الشاغل هو هجاء لغتهم وجمودها وتخلّفها المزعوم . وكنت ، ثانيا ، ومازلتُ أشعر بأن اللغة “مخلوقة” .. فيها “روح” خُلَقتْ قبل خلق الكون أو بموازاته ، وهي التي استخدمها الله لإيجاد الكون وإبداع مكوّناته ، فمن المستحيل أن يخلق الله خلقه ومخلوقته بطريقة البنّائين أو النجّارين التي نتصوّرها . سيصبح بنّاءً أو نجّاراً عظيما . لابدّ أن تكون “أداة” خلقه غير تقليدية ، وخارقة بـ “عاديّتها” بالنسبة لنا . وكنتُ ، ثالثا ، ومازلتُ  أشفقُ على “فرديناند دو سوسير” في أطروحته عن عشوائية اللغة (تصوّروا شيئاً عشوائياً تُكتشف له قوانين تنظّمه !!) ، وكيف صدّق أن الناس كان يمكن أن “يتّفقوا” على الفعل “نهق” بديلاً عن الفعل “خلق” ككلمة تصف عملية الخلق (5) . وكنتُ ، رابعاً ، اقول إن أفضل الأدلة على أن اللغة فعل “قصدي” ومخطّط له – في اللاشعور أساساً – هو أن الجذر الواحد في اللغة يأتي كحزمة دلالات عن كل فعل نفسي أو حركي أو اجتماعي أو طبيعي يتضمن دلالة الجذر الجوهرية . والأهم أن أغلب الجذور اللغوية تنطوي على دلالة جدل الحياة والموت المركزية ، أي أن المفردة الواحدة تحمل وجهي الوجود من نماء وفناء .
jozif 6وقد استهل الكون الشاعر ديوان الخلق بالتمهيد الوصفي لحال الأرض خاوية ، خالية ، (كمعصرةٍ ، ليس من عاتقِ الخمرِ فيها ، سوى خابيهْ) .
والمعصرة هي ما يعصر الشيء فيها من زيتون وعنب مثلا لاستخراج عصيره/ خلاصته/ أو “روحه” ، أي أنه يعطي وهو يموت . وفي القرآن الكريم “إني أراني أعصرُ خمرا” (سورة يوسف) ،  والعَصْرَانِ : الغداةُ والعَشِيُّ ، والنهارُ والليلُ . و العَصْرُ الدَّهْرُ . ويظهر وجه الحياة المفرد :  عصَّر الشيء : جدَّده ، عَصَّرَ الزَّرْعُ : نبتتْ أَكمامُ سنابِله ، و عَصَّرَ الفتاة : أَعْصَرَتْ (أي أدركت شبابها) . فيلحقها وجه الخراب :  عصر الشيء : حبسه ، ثم الفناء .
أما العاتق ففي جذرها تتمظهر معان للحياة : عاتق : خمرة قديمة جيدة . عاتق : عبد حُرّر وأخرج من العبودية . عاتق : فتاة أول إدراكها . عاتق : فرخ الطائر : الذي يسقط ريشه الأول وينبت له ريش قوي .. ولا يترك الموتُ الحياةَ فيلحقها لاهثاً ليفنيها : (عتَق الشَّيءُ قدُم وبلغ نهايتَه ومداه) .
وحتى الخمرة التي يعني جذرها النشوة والإنشراح والسكر والطيب والحياء ، فإنه يتضمن أيضا معاني الحقد والمرض والإختفاء . والخمرة في التحليل النفسي تذيب الأنا الأعلى مسببة التحرّر من قيوده والإنطلاق ، وقد تقتله ، فتوصل معاقرها إلى أبشع الممارسات .
أمّا الخابية وجمعها خوابي فهي جرار الماء والخمر، الخمرة تُسمّى بنت الخابية .. وجذرها يعني السكون والهمود .. مثلما يعني الإرتفاع والنمو .. ويعني الغش والخداع والفساد .
ما يهمني هنا هو التأكيد على أن اللغة بطبيعتها خالقة ومخلوقة ، ولهذا ، ومن حيث لا يدري الكون الشاعر كما نرى في نصه هذا ، ومن حيث لا يشعر الشاعر الأكبر ، فإن كل مفردة ، وبالتالي كل صياغة تصويرية تعبيرية ، لشيء أو فعل مرتبط بالحياة ، فإن معاني الموت تلوب مُستترة في أحشائه .. منتظرة لحظة انبثاقها المناسبة عارية صارخة ، وإن لم تجد ، فإنها تتخفّى خلق أستار نقيضها الظاهر . وبعبارة أخرى لا توجد في اللغة مفردات “طباقبة” تعني الشيء وعكسه مثل البصير للمبصر والأعمى ، والجون للأبيض والأسود .. وغيرها ، ولكن كل مفردات اللغة ، بل اللغة بأكملها هي مشروع طباقي أنتجه التفاعل أو التصارع الخلّاق للحياة ضد الموت .
وساقف وقفة لغوية أخيرة ، ولكن عند عنوان ديوان الكون الشاعر : “الخلْق” ، فخلق الشيء : أوجده من عدم ، إبتكره ، أبدعه ، وخلق الشيء : بلِي .
وحسب رمزية وشاح مكتوب الكون الشاعر ، فإن النقاط غير موجودة بين مفهومي الموت والحياة في أحشاء المفردة اللغوية . ما موجود فعلا هو “فواصل” . وهذا الموقف هو الذي حكم بدء عمليّة الخلق من العدم حسب نصّ الكون الشاعر :
(ظلامٌ ، وغمرٌ عليهِ من اللهِ
روحٌ يرفُّ ، كان بياضاً ، وحبراً ، ورؤيا ، ولكنْ
بلا ذوبانٍ ، هو الله
رؤيا ، ولكنّها لم تصِرْ بعدُ حبراً ،
وذا الحبرُ ما صار بعدُ كلاماً ، وأولُ فعلِ الكتابةِ نورٌ ،
لأنّ السكونَ ظلامٌ ،
ظلامٌ
بغيرِ كتابهْ
ظلامُ يصيبُ يدَ اللهِ ذاتَ
الرؤى
بالكآبهْ – ص 16 و17) .
kh jozef 3وهنا تبدأ محبرة خليقة جوزف حرب بالإشتغال ، لتكتب أسطورة خليقة مغايرة وفريدة ، لكنها أكثر إقناعاً . يبدأ “تصنيع” الخليقة في الأساطير ، وحتى في النظريات العلمية من “مواد اولّية” تثير إلتباساً في ذهن القاريء وتُربك قناعاته حول أصل هذه المواد نفسها . أما الشاعر الكون فهو يرى غير ذلك :
(ظلامٌ ، وغمرٌ عليهِ من اللهِ
روحٌ يرفُّ ، كأنّ بياضاً ، وحبراً ، ورؤيا ، ولكنْ
بلا ذوبانٍ ، هوَ اللهُ
رؤيا ، ولكنّها لم تصرْ بعدُ حبراً ،
وذا الحبرُ ما صارَ بعدُ كلاماً ، وأولّ فعلِ الكتابةِ نورٌ ،
لأنّ السكونَ ظلامٌ ،
ظلامٌ
بغيرِ كتابهْ .
ظلامٌ يُصيبُ يدَ اللهِ ذاتَ
الرّؤى
بالكآبهْ – ص 16 و17) .
وأعتقد أن علينا  – وهذا ذكاء ماكر من الكون الشاعر ، ومن ورائه جوزف حرب طبعاً –  أن نعود قليلا إلى الوصيّة / التساؤل قبل الأخير : (هل لهُ ، ما للغمامةِ من دواةِ البحرْ ؟) ، ونتفحّص علاقاتها من منظور آخر ، سيكشف لنا حقائق شعرية وكونية مذهلة / وستشكّل مفتاحا لفهم علاقات الظلام والبياض والحبر والرؤيا ، المتشابكة ، كموادّ خام ، بين يدي الله ، كما حمل هذا المقطع السابق . فالغمامة لا علاقة لها من قريب أو بعيد بالنسبة للبحر من الناحية الموضوعانية ، أي حين ننظر إليهما كمكوّنين من مكوّنات الواقع الطبيعي الخارجي ، فشكليّاً ، الغمامة كيان صغير تسري به الريح في السماء ، والبحر كيان هائل الأبعاد مستقر على الأرض لا يتزحزح ، وإذا هاج يهيج في مكانه . ما العلاقة بين مكوّن على الأرض وجسم هلامي شفيف في السماء ؟
يأتي العلم فيفسد مكتشفات الشعر حين يبدأ العالم بتفسيراته السمجة عن ذرات الهيدروجين والأوكسجين المكونة للماء ، وتأثير حرارة الشمس عليها ، وكيف تتبخّر .. وإلى آخره من هذا الكلام العقلاني الجامد الذي يكمد النفس ؛ النفس التي سريعا ما تتفتح سرائرها المقطبة حين تسمع أن للبحر دواةً تتشكل من حبرها وتمتح منها الغمائم . لكن كيف يتحوّل البحر إلى غمامة أو كيف ينتجها ؟ كيف يكتبُ البحر بدواته كلمات الغمام على صفحات كتاب السماء ؟ ترتجف النفس لأن الشاعر يحاكي “عقلها” . العالِم يخاطب عقل الإنسان الذي في دماغه ، والشاعر يخاطب عقل الإنسان الذي في قلبه ، وقلبه كناية عن لاشعوره . وهنا يتم استقبال وفحص وتقنين “علم” الشعر وحقائقه التي لا يصدّقها “عقل” العلم ، وقد يعدّها نوعاً من الجنون ، مثلما ينظر الآن إلى هذه الخلطة العجيبة : ظلامٌ وغمرٌ ، ولاحظ أن الغمر يعني الماء الكثير ومعظم البحر . وكذلك الظلمة الشديدة . وعلى هذه الظلمة المضاعفة وفي أحشائها يرفّ روح من الله .. بياض وحبر ورؤيا .. وكأنه اجتماع الرؤيا والنصّ والكتابة .. لكن لا فعل للرؤيا إن لم تُصبح كلاماُ . أن تتحوّل مفرداتها إلى “كلمة” تُنطق أولا ثم تُكتب ، ولا أعلم كيف ينخدع فرسان التفكيك العرب – وحتى الغربيين – بأطروحة دريدا عن دور “الكتابة” المركزي ، وضرورة إلغاء مرحلة الكلام المشوّهة والمزيّفة للوعي . ببساطة تقكك كل ألعاب دريدا : من خرج من بطن أمّه وهو “يكتب” أولاً ؟ ألا نتعلم الكلام قبل الكتابة ؟ في الحقيقة هو صراع حضارتين : حضارة الكلمة ، وحضارة الصورة (وهي كتابة) . تشكّل الرؤيا (المعنى) أولاً مثقلة بنيّة السعي نحو النور للإنعتاق ، مثل خروج الجنين من سديم وعماء (وغمر) الرحم الأمومي إلى إشراقة نور شمس الولادة . وهذه هي النواة التي تلتم عليها وحولها كل أفكار أساطير الخلق والخليقة . كيف – وبتغييبات القدرة الكلّية – omnipotence ، يتصوّر الإنسان عملية خلق ذاته ، وهو في ظلمات عماء الرحم الأمومي ؟ يجب أولا أن تتوفّر “رؤيا” قصدية للخلق ، لتحريك الغمر .. للـ “الذوبان” .. لكي تتحوّل الرؤيا إلى حبر حين يمتزج البياض بالظلام ، ويذوبان في الغمر . والعملية ليست ميكانيكية ، كما أن الشاعر يقلب تسلسلاتها في الظاهر بصورة عجيبة غريبة : فالله يغمس ريشته في دواة حبر رؤياه .. الرؤيا هي حبر كتاب الخليقة . هذا الحبر ليس أداة لتجسيد الرؤيا حسب ، بل هو الرؤيا نفسها ، وقد “ذابت” تمهيدا لكتابتها .. كتابةُ مخطّط الخليقة الذي تصوّرته . والظلام والغمر كانا في سكون .. ينتظران “شرارة” الحجر الذي ستلقيه يدُ الله التي أصابها الملل والإكتئاب بسبب الظلام .. والظلام سكون .. الظلام صمت وموت .. لكن هذا الموت هو الرحم الذي ستترعرع فيه بذرة الحياة .. سيتحوّل فيه الصمت المرتعش قليلا إلى كلام مكتوب . وأعتقد أن هذه هي التركيبة التي لم يدركها المفسّرون ، وهم يحاولون تفسير الفعل الأول الذي وجّهه الوحي للنبي الأمّي : “إقرأ”. إنها قراءة الكلام المكتوب في فاصلة البياض بين الأذن والعين ! والرؤيا التي صارت حبراً . وأول إشراقة تمزّق ظلام العماء والغمر هي إشراقة الكلمة ، الجنين الذي يتحرّك في العقل ، صاعدا من عمق اللاشعور حيث كانت الكلمة رغبة .. سديمية متلوّية تبغي التحرّر من ظلام اللامعنى ، لتتلقف معنى موضوعها في ضوء إشراقة الكلام الساطعة . الرؤيا حبر ، الحبر كلام ، أي أن الرؤيا كلام بالإستعاضة الرياضية ، والكلام كتابة ، والكتابة نور .. أي أن الرؤيا كتابة .. الرؤيا نور باستعاضات معادلة الخلق . وقد رأت ريشة الله بهاء نور الكلام فأدركت أن الخلق الحقيقي يبدأ من نور الكلمة ، والكلمة هي الشيء الوحيد الذي يُخلق من العدم ، فتكون أسطورة خليقة جوزف حرب ، وكونه الشاعر ، هي الأكثر دقة ومعقولية من كل اساطير الخليقة :
(                    ولمّا رأت ريشةُ اللهِ نورَ
الكلامِ بهيّاً ، رأى اللهُ أن يفصلَ النورَ عن مسدلاتِ
الظلامِ ،
فكانَ هنالكَ نورٌ يُسمّى النهارَ ،
وكانَ هناكَ ظلامٌ هو الليلُ . – ص 17) .
بياضٌ وحبرٌ ورؤيا …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *