د. أسماء غريب* : شجرة الماءِ بيْن ومْضةِ الشّعْرِ وسُؤالِ التّيهِ دراسة نقدية في ديوان (أغنية الشتاء) للشاعر العراقي أحمد محمد رمضان

ASMA GHERIB 2014*جامعة المعرفة
(La Sapienza) روما
إيطاليا

(1)    دهشةُ السؤالِ وسلطةُ الإغواءِ

هَا أنَذَا أحْمِلُ “أغْنِيّة الشّتَاءِ” بَيْنَ يَدَيَّ وَأبْدَأ التّمَعُّنَ بعُمقٍ فِي هَذا العُنْوانِ المُتبرقعِ بِأبْجَدِيّةِ البَهْجةِ والطّفولةِ، فتَطرب نَفسِي لترانيم المَطرِ بيْنَ حُروفهِ، وتشْرَعُ عَيْنَايَ فِي الرّقْص عَلى أنْغَام زّخَاتِهِ النّقِيّةِ، وَإذ يَتَحَرّكُ بَصَرُ القلبِ خُطواتٍ أخْرى فَوْقَ غِلافِ الدّيوانِ، تُطَالعُنِي كلؤلوءة يتيمةٍ لوحَة زَاهِيَة الألوانِ وَالمَعَانِي؛ هِي مِنْ رَوائعِ الفنّانِ التشكيليّ العراقي ستّار كاووش التي تمّ عرضُها سنة 2013 في أبو ظبي تحتَ عنوانِ ((سِحْرُ التّرْكوَاز)) (1)، فمَا عَلاقَة الشّتَاءِ إذنْ بالتّركواز، ومَاهِي طَبِيعَة هَذَا الحَبْل السّرّي الّذي يَرْبِطُ السِّحْرَ بِالغِنَاءِ، وأحمد مُحَمّد رَمضان صاحِبَ هذا الدّيوان بستار كاووش وفنّه المُدهش وَالراقيّ؟
قديماً في طفولتي البعيدة كنتُ كلّما حملتْني قدمايَ إلى الأزقةِ الضيّقة العتيقَة في مدينتي الأمّ، شدّتِ انتباهي بعضُ البيوتِ العجيبة بأبوابِها الصّغيرةِ جدّاً، وعتباتها ذات الدّرج الواحد المرتفع. وَكنتُ أقف حائرة أمامها؛ وعقلي يحاول أن يستوعب كيف للطارق أن يدخل هذه الأبواب وهي هكذا تبدو كأنها مرسومة فوق الجزء السّفلي من جدرانِ الأزقة ولا شيءَ خلفَها. وظللتُ هكذا أعيشُ لبضع سنواتٍ من صِباي بهَذا السُّؤالِ المُعلّق في ذاكرتِي الصغيرة دونَ جوابٍ إلى أن وجدتُني ذات يومٍ واقفة دهشة في طرفِ زقاقٍ كان قريباً من بيْتِ جدّتي أراقبُ شَخْصا كانَ يبدُو عليهِ منْ لباسِه التقليديّ أنهُ فقيهُ الحيّ: هذا الرجلُ كانَ نحيلَ الجسَدِ وفارعَ القامةِ، بشُوش الوجهِ وأنيقَ الملبسِ، وحينمَا رأيتُه وقدْ أحنَى رأسَهُ وأدْخَلَ يدهُ فِي محفظتِهِ الجلديّة الكبيرةِ كيْ يُخرجَ مفتاحَ البيْتِ أسرعتُ بالاقتراب منْهُ في صمتٍ كيْ أعَاينَ كيْفَ سيفتَحُ بابَ ذاكَ المنزلِ الذي كانَ يبْدو كأنّهُ بيتٌ لأحدٍ منَ الأقزام السّبعة في حكايةِ أميرة الثلج البيضَاء (2). وفعلاً فتحَ الشّيْخُ النّحيلُ بابَ البيتِ وطوى جَسَدهُ ثمّ وضَع قدَماً فوقَ الدُّرْجِ العَالي وَنزَلَ مُتَجَاوِزاً العَتبَةَ بِأخْرى وَفعلتُ مِنْ خلفِهِ الشّيْءَ نَفْسَهُ ثمَّ ركضتُ مُسْرعَة إلى الدّاخِلِ، ويَا لَهَوْل ما رأتْ عَيْني: الشَّمْسُ تتوهّجُ بأشعَّتها في كُلِّ مكانٍ وأشجارُ النّارنْج والرّمَّانِ متناثرَة في كُلّ رُكْنٍ منْ أرْكانِ الصّحن، وقبْلَ أن يتحدّث معِي الفقِيهُ الذي انتبهَ إلى وجودِي بمجرّدِ أنْ أدارَ ظهرهُ كي يُقفلَ البابَ، أغمِي عليّ، لا خوفاً منَ السيّدِ الطيّبِ(3) ولكنْ لأنّ قلبِي الصّغير لمْ يستوعبْ آنذاكَ كيفَ يمكنُ أنْ يجتمعَ الضدّان: بابٌ صغيرٌ في زقاقٍ مُظلمٍ لبيتٍ فسيحٍ بهيجٍ وعَطر كأنّهُ جَنّة من جنانِ اللهِ عَلى الأرضِ؟
مُذّاكَ الحينِ وأنا لا أثقُ ببابٍ أو عتبةٍ أبدا، وكلّ ديوانٍ أو كتابٍ هو بيتٌ ودفتَاهُ هما العتبة، وحتّى وإنْ كانَ عُنوانُ ولوحة هذه المجموعة الشعريّة قدْ مَارسَا عليّ منذُ البدايةِ سلطة إغرائيّة وإغوائيّة لا تقَاومُ بهجتُها وجَمالها إلا أنّهُ حانَ الأوانُ لتجاوزِ كلِّ هذَا والدّخُولِ إلى صحْن هذا المنزلِ الشّعْريّ ومُعاينَة معمَارهِ الهَنْدَسِيّ علّني أصلُ وإياك أيها القارئ إلى برّ الأمانِ أو نبقى معاً هكذَا وَسطَ طوفَانٍ مَعْرِفيّ لا سفينةَ فيهِ ولا نوحَ لهُ، ولا حمامةَ ولا غرابَ يُحلّقَانِ في أفُقِهِ.

(2)    البستانيّ والمعْوَلُ والمِسقَاة

إنَّ أوَّلَ شَيْءٍ يُطالعُ القارئَ مَا إنْ يَفْتَح بَابَ الدّيوان هِيَ هذهِ الحالة منَ القلقِ التي يخلقُها بداخلِ الناقدِ المتصفّحِ والنّابعة منَ الشكلِ المعمَاري المُربكِ الذي اختارهُ الشاعر للتواصلِ عبرهُ معَ المتلقِي، فهوَ يبدأ بإهداءٍ هو في حدّ ذاته نصٌّ شِعْريّ وبطاقةٌ تعريفيّة وضع فيها المفاتيحَ الكبرى للمُحرّكِ السيميائي العظيم الذي دفعَه إلى كتابةِ هذه القصائدِ وأعني بهِ الألمَ والمحبّةَ. وكلاهُمَا في الديوانِ ليْسَا بلغةٍ بناهَا الشّاعرُ داخلَ النصّ بشكلٍ عفويّ أو صورةٍ لا واعيةٍ تقتضِي قراءةً عفويّة ولا واعيةً أيضاً، ولكنْ بشكلٍ مضبوطٍ ومدروسٍ فيهِ فصلٌ حاسمٌ بين ما هُو زمَنيّ وبيْنَ مَاهو تزامنيّ، وبيْن ما هو وُجوديّ ومَا هو كيْنونِي يَجِدُ أثرَهُ فِي قراءَاتٍ تاريخيّة وأخْرى أسْطوريّة وثالثةٍ لاهوتيّة ورابعةٍ فقهيّة وخامسةٍ أدبيّة وفلسفيّةٍ تغذّتْ مِنْ منابعِها قريحةُ أحمد محمد رمضان، فكان الديوانُ.
الإهداءُ باعتباره نصّا مُوازيا (4) يَحْمِلُ بين طيّاتهِ في هذه المجموعة كلمةً هي بمثابة حمضٍ نووي خزّن الشاعرُ فيهَا النطفةَ التي منهَا تشكلت مُضغةُ النُّصوصِ وأعني بها مصطلحَ: “وداعاً”.
وقد وردت كلمة “الوداع” في معظم المَعاجمِ العربيّة على أنّها ترك وتوديعٌ للناسِ بعضهِم بَعْضا عند السّفرِ والفراقِ (5) وموقف الوداع وإنْ كان مُؤلما بما يتلوهُ من اللّوعةِ والدّموعِ فالعربُ تضعُه موضعَ التحيّةِ والسّلام؛ لأنّهُ إذا ذهبَ المسافرُ دعَا لأهلهِ بالسّلامَة والبقاءِ ودعُوا لهُ بمثلِ ذلكَ. وهذا يبدُو واضحاً في نصّ الإهداءِ، حيث قامَ الشّاعِرُ بسَردِ لائحةٍ للأفرادِ المقرّبين جداً منْ أهلِهِ، فذكرَ الزّوجَةَ وخَصّهَا بصِفَةِ المحبّةِ والقُرْبِ (الحبيبة القريبة) ثم بعْدَ ذلكَ جَرَدَ أسمَاءَ أبنائِهِ حسب ترتيبِ تاريخ “ولادتهِم”، فهناكَ الطفلة ياسمين ثم أوّاب، ثم مغفرة. ولمْ ينسَ أبداً بقيّة الأهْل والأصدقاء والأصحابِ عبر صيغةٍ مختزلة للوداع فقالَ: (لأهلي، ولكل من أحبّني) كما هو واضح في الصورة أدناهُ:

الصورة 01: شجرة الوداع01
والإهداءُ وفْقاً للطريقةِ التي صاغهُ بهَا الشّاعر يأخذُ شكلَ شجرةٍ قلبُهَا أوّاب وشمسُها ياسمينُ ونبضُهَا مغفرة ودمُها دمعُ الفراقِ والوداعِ، فما المعنَى الدلالي لهذهِ الشجَرة إذنْ ولِعَنَاصِرهَا الثلاثِ في الدّيوان:

شجرة الوداع
أوّاب هُو الابنُ الثاني للشاعرِ، وقد وَرَدَ اسمُه في الدّيوانِ ثلاثَ مرّاتٍ: مرةً في الإهداءِ، ومرّةً كعنوانٍ لفصلٍ بأكملهِ من المجموعةِ وهو الفصلُ الرّابع، ومرة ثالثةً كعنوانٍ لقصيدة يضمهَا هذا الفصلُ.
والشاعر في الإهداءِ يخاطبُ ابنَهُ ويقول لهُ: ((لِطفلِي أوَّاب وهُو يَفتَرشُ الحُلمَ))، وهي صيغة تحتاج لأكثر من وقفةٍ وبحث وتحليلٍ وفقا لما يلِي منَ الخطواتِ:
(لــــ): في حرف اللام هذَا الذي تكرّرَ على طول نصِّ الإهداءِ، نوعٌ منَ الجرّ والشدّ والجذبِ مع تحويلٍ لملكيةِ ما يحويهِ الديوان منْ كنُوز إلى أوّابَ وأمّهِ وأختيْهِ وقراء أبيهِ.
(طفل): يحددُ الشاعرُ عُمْر ابنهِ لكنّهُ لا يُعطي ـ على الأقلِ هُنا في الإهداءِ ـ  أيّة صفة تدلّ على العُمْرِ البيُولوجيّ الحقيقيّ، فمِنَ الممْكنِ جدّا أن يكونَ أوّاب رجلاً مُسناً لكنّه في عيْني أبيهِ لمْ يزلْ طفلاً.
(ــــــي): ياء المتكلم هنا وردت للزيّادة في حميميّة العلاقة وعمق الرباطِ بين الوالدِ وابنهِ.
(و): حرفُ عطف يدل على حالٍ يزوّدُ الشاعرُ من خلاله المتلقيَ بمزيدٍ من المعلوماتِ عن ابنهِ فيقولُ عنهُ إنّه ((يفترش الحلم))، فأي حلم هذا الذي يفترشه أوّاب إذن؟
هذا سؤال لا يمكنُ الجوابُ عنهُ إلا بالوقوفِ عندَ اسمِ أوّاب نفسهِ وطرح أسئلة أخرى أجْردُها كما يلي:
لماذا اسم أوّاب؟ وكيفَ تمّ اختيارهُ؟ وماهي المرجعية التي تحكّمت في هذا الاختيارِ؟
تقول الباحثة الفرنسية ((Jacqueline Sublet)) عن الاسم في كتابها (حصن الاسم) الذي صدر سنة 1991 بباريس(6):
«Le ism est en effet le seul des éléments du nom propre arabe que l’on doive recevoir à sa naissance, et à la fois celui que l’on considérera comme le plus précieux, le plus secret, celui qui aura l’occasion d’être protégé par les autres éléments suivant les circonstances» (7)
فاسم الابنِ إذنْ حسبَ هذا التعريفِ هُو سِرّ يحْمِلُ في باطنِه أسْرارا، غالباً ما يكُونُ الشّخصُ الذِي اختارهُ هو وحده ولا أحدَ غيْرهُ من يعرفُ مفاتيحَها (8)، وهذا الشخصُ يقصد به في هذا الديوان الشاعرَ نفسه، الذي ليس للمتلقي سِوى أن يبحثَ في قصائدهِ عن هَذا السرّ علّ أبياتَها تجودُ عليه ولو بمفتاح واحدٍ من مفاتيحِهِ .
وأوّاب في ((أغنية الشتاء)) اسمٌ له وقع مقدّس، يثير في النفسِ الخشوعَ والاطمئنان لكنّه يحملُ في باطنهِ أيْضاً ازدواجيةً ينصهرُ فيهَا الإعجابُ بالخوفِ والترقّبِ، ولذا فهُو يمارسُ على القارئ سلطةً من نوع خاصّ تدفعُه ليسَ إلى التساؤلِ فقط عن بنيتهِ الدلالية والتوليديّة ولكن إلى مُحاولةِ إيجادِ موقعِ الشَّاعرِ المعرفي ومركزهِ الروحيّ الحميم وهُو في طريقه لمدّ المتلقي بأسباب تدلّهُ على ما حققّه من توازنٍ بينَهُ كفاعلٍ للاسمِ ومُوجدِهِ و بين ابنهِ كشخصٍ وقعَ عليْهِ فعلُ الاسمِ شكْلاً ومضمُوناً(9).
يستمدّ اسمُ أوّاب دلالتَه منْ مرجعيّةٍ قُرآنيّةٍ مَحْضَةٍ، فالأوّابونَ في النصّ القرآني كثيرون وقدْ ذُكروا في أكثر منْ سورةٍ وآيةٍ (10)، أمّا الدلالةُ اللغويّةُ للاسمِ فهيّ تعْني التوبة وكثرةُ التسبيح والرجوع والعَودةِ إلى الله (11). وها قدْ ظهرَ المعْنى اللغوي والقرآني لهذا الاسم فإنَّ الإجابةَ عن السؤال الذي طُرح آنفا تصبحُ الآن أمرا مشروعا: لماذا أوّاب؟ وإلى أينَ يؤوبُ وعمّاذا يمكنُ أن يتوبَ صاحبُ هذا الاسم الذي يناديهِ الشاعرُ بـ (طفلي)؟
يقول الشاعر في خاتمة الإهداء :
” فِي الجَنّةِ نَلتقِي/ وَداعاً/ سَأجْلبُ الكَثيرَ مِن الخَمرِ”، وهي عبارةٌ فيها قلق وفرحٌ بل موت وحياةٌ، ذلك أن الشاعرَ بعْد سردهِ لأسماء أهلهِ والمقربين منه وعَدَهُم باللقاءِ في الجنّةِ، وهذا أمرٌ عاديّ بالنسبةِ لأيّ قارئ يؤمنُ بالموتِ والحياةِ الأخرى. إلا أن اسمَ أوّاب والذي يعْني أيضا الغيابُ والغروبُ يدفع إلى تساؤل آخرَ جديد: هل غابَ أوّاب عن أبيهِ وعاد إلى ربّهِ جسدا وروحا وهو لم يزلْ بعد طفلا؟ وهل صيغةُ الإياب والغيابِ تشمل أيضا الطفلتيْن ياسمين ومغفرة؟
الجواب نعمْ: أوّاب ليسَ برجل يراهُ أبوهُ طفلا، وياسمين ومغفرة كما أخيهمَا ماتَتا (12) وهمَا لمْ تزالا بعدُ في المرحلة الجنينيّة (13)، أي أنهمَا لمْ تخرجَا ولا حتى أخيهِمَا أوّاب إلى عالم الوجود الدنيويّ. والدليل على هذا قصيدةُ (أوّاب) (14) التي يقولُ فيها الشّاعرُ بصريح العبارة :
” قُل بِحقِّ مَوتِكَ هَل أَنا مُرثٍ،”/ ” مَاتَ الضَّوءُ، فَانبَلجَتْ سُودُ اللَّيالِي مِن مُعانَاتِي”/ لِأنَّكَ وَلدِي…
“حَمامةُ الفِردَوسِ سَرقَتكَ و ذَهبَتْ،/ و لَستُ أَدرِي…/ أَفي الجَنّةِ لِقاؤنَا… ؟!”
وها هوَ اللقاءُ في الجنّة يتحولُ من رغبة يقينية في نصّ الإهداءِ إلى سؤال ورجاءٍ في قصيدةِ (أوّاب). هذهِ القصيدة التي إذا أمْعِنَ النظرُ جيّدا في أبياتِها وقُرأتْ بتريث وتروّ، فإنّهُ سيتمُّ اكتشاف ولا محالةَ أنّ العُنْصُرَ المهيْمنَ فيهَا وعَليهَا هُوَ ((الماء)) بكل تشكّلاته وتمظهراتهِ اللغَويّة والإيحائيّة كما هو واضحٌ في هذا الرسم التخطيطي التالي:

الصّورة 02: قصيدة الماء02
الماءُ إذن عنصرُ حياةٍ فمنُه وبهِ تخلّقَ أوّاب وياسمين ومغفرة، ولكنهُ أيضا عاملُ موتٍ فبه ماتَ أطفالُ الشّاعر، والعنصرُ السيميائي الدّال على هذهِ الحقيقة يوجدُ في الأبيات التالية: ((سُبحَانَ مَن خَلقَ العطاشَى…/وقَد عَلمَ/أَنّ المِياهَ سِرُّ آهَاتِي)، وردت كلمة “عطاشى” بصيغة الجمْع، وهذا يدلُّ على أن المعنيَ بالأمْر ليسَ أوّاب وحده، ولكنْ ياسمين ومغفرة. وكون الماءِ سبب ألم الشّاعر وعذابه، فهذا يعني أن عطشَ أطفاله للماء هو السببُ الإكلينيكي لوفاتهم، ولكنْ كيفَ؟
الجوابُ يوجد في كلمةِ عطاشى نفسِها، إذ العطشُ يقتضِي عموماً وجود السّاقي، والساقي هُنا كمصطح فيه إشارة عظيمة إلى الدّاء الذي أودى بحياة كلّ طفل من أبناء الشاعر وهُم أجنّة، وأقصد به الاستسقاء الدّمَاغي (ماءٌ يسقي الجيوبَ الدماغية للأجنّة الثلاثة).

الصورة 03: المفتاح المائي03
في نصَّيِ الإهداء وقصيدة (أوّاب) سفرٌ ومسافرون: أبناء سافروا من شجرة الماءِ إلى عرش الماءِ وأبٌ سافرَ من شجرة الماءِ(15) إلى شجرة النّار (16) ثم منهما إلى عرش الماء (في الجنّة نلتقي): والسفر والرحيل مُوسَويّ، إذ من الألم انبعثَ الشاعر وظهرت له صورتهُ الأثيرية (كرجل ملتحفٍ بالنار) (17) فتركَ كل شيءٍ وذهب للبحثِ عن كمالِ روحهِ عند شجرة الكلمة أو الشجرة المشتعلة بطفولة الحرف والشّعْر. وهي الصورة التي عبّر عنها بلاغيا عبر استخدامهِ لتقنية التناص القرآني التحويري (18) المبنية على الآية التاسعة والعشرين من سورة القصص: ((قَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَّعَلِّي آتِيكُم مِّنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِّنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ)).

الصورة 04: شجرتا الماء والنار04

ها قدْ ظهر الشاعر إذن بثوبهِ الحق، ثوب السّالك، أو ثوب البُستاني الذي يحملُ بين يديه معولا هو القلمُ الذي يشذّبُ بهِ طريقهُ وينقّيها ويصقلُ مرآتَها منْ كلِّ أثرٍ عالقٍ ويسقي بحبْره بذرةَ كل قصيدةٍ يكتبُها في هذا الديوانِ ويؤسسُ بها حديقةً من التيه لا أحدَ سواه يستطيعُ الدخول إليها دون أن يتوه أو يضلّ عن باب الخروجِ، حديقةً اختار لها هندسة معمارية نهْضويّة متبنيّا أسلوباً خاصّا من الفضاءاتِ والمسافات التي تفصلُ بين أجزاء كل قصيدةٍ على حدا، وكلّ فصل من فصول المجموعة الأربعَة، دون أن يُهْمِل أبدا أدواتَ الترقيم العربي بنقاطها وفواصِلها وعلاماتِ الاستفهام والتعجب فيها، إذ لكل أداة دور وأداء معيّن داخل البيت الواحد من كل قصيدة من قصائدِ ((أغنية الشتاء)).
وإذا كانَ الإهداء وقصيدة أوّاب هما قلبَ حديقة التيه هذه فإن بقيّة القصائد تؤسس لعوالمَ جديدة من العودة إلى الحياةِ من بينِ براثن الألم عبر حُضورِ كلّ عنصرٍ من عناصرٍ التخليق بما فيها التراب والهَواء والنار كما هو واضح في هذا الرسم التخطيطي:

الصورة 05: الشاعر وحديقة التيه05

هلْ كانتْ صادقة ياترى عتبة الديوان الأولى بما حوتهُ من خطابات لغَويّة مارستْ على القارئ منذ البداية سلطة إغرائية عبرَ حروفٍ نسْغها الحبّ والمطر والموسيقَى؟ هل حقّاً يحملُ ألمُ الشاعرِ رسالةَ حبّ كتلكَ التي توحي بها لوحةُ الغلافِ وعُنوانُه؟
نعم هو الجواب، ذلك أنّ البابَ والمنزلَ الشعريّ معاً يحملان معنىً جماليّا يفوق كلّ تصور وخيالٍ، معنىً جعل منَ المرأة/ أو الأنثى أغنيّتهُ وشتاءهُ بل الصورةَ المثلى التي يحقّقُ الشاعرُ عبر نقاءِ معانيهَا معراجَهُ نحو الشّفاء من آلام الفراقِ، ونحْوَ الصّفاء والإيمان بغدٍ أفضل وأجملَ ممّا مضى، وسطَ نعيم حديقةٍ عدنيّة ربّمَا قد يتوهُ فيهَا القارئُ لكثرة مُنْعرجَاتهَا بينَ نُصوص طويلةٍ وأخرى قصيرةٍ هي أقربُ إلى أسلوب الومضةِ والهايْكو، وبيْن التماعاتٍ هي أقرب إلى أسلوبِ الحكمَة والإشارةِ الصّوفية يفتتحُ بها الشاعرُ كل قصيدةٍ فتجعل الديوانَ يضجُّ بعتباتٍ هي أشبهُ بأدراج سُلّم يصادفُها المتلقي في كل حينٍ ولحظةٍ فتأخذُهُ من أجواء قصيدةٍ وترمي بهِ في أحضانِ أخرى دون أن تمنحَهُ ولو لحظةَ توقّفٍ واحدةٍ يسترجعُ فيها أنفاسَه الراكضَة خلفَ المعنَى أو مايشبهُ المعنىَ. أمّا عينُ الناقدِ أو الباحثِ فإنّها بَعْدَ أن تكونَ قدْ ركضتْ بما فيهِ الكفاية داخلَ مَفَاوز هذه الحديقة فإنّها تعودُ إلى العنوانِ والغلافِ كَأوّلِ عتبةٍ أو درج في الديوانِ وإذ تقف وسطَ أعلى نقطة فيهِ وأعني بهَا لوحتَه تطالعُها الحديقةُ بقصائدهَا جنّةً عدنيّة غنّاء لا تفوحُ إلاّ عطرا، ولا تُرْسِلُ إلا ضوءا ولا يُسمَع فيها إلا شدْو شمسِ روحِ الشّاعر وقد حقّقتْ عبْر اتّحادِهَا مع المعْنى الأنثَوي للكونِ بعْدَ طول معاناةٍ انسجاماً وهدوءا مُنْقطِع النّظيرِ (19) إنْ دلّ عَلى شيءٍ فإنّما يدل على عُمْقِ تفكيرهِ وقدرته على تجاوُز الصعاب كجُنديّ (20)عاد من حربٍ لم تزدهُ إلا حكمة ورباطة جأشٍ وعشقا ومحبّة:
“هَنيئَا لكِ،
أَنتِ أَوّلُ ظِلٍ
يَلبسُ ضَوئِي
مَطرا…
صَدى لَونهِ صَمتٌ،
حِينَ عَزفِ العَنكَبوتِ
أَمامَ شَفتَيكِ…” (21)

الهوامش:
(1)    تمّ افتتاح معرض (سحر التركواز) في غاليري الاتحاد للفن الحديث بأبو ظبي في يوم 16 / 11 /2013 . وقد عُرضت فيه ما يقارب 32 لوحة من لوحات ستار كاووش الجديدة.
(2)    Bianca neve e i sette nani- Ed Walt Disney Mondadori –
1 ed 1940
(3)    اكتشفتُ بعد أن ساعدني الفقيهُ على استعادة الوعي، أنّ هذا الأخيرَ لم يكن إلا واحدا من أعز أصدقاء جدّي، فشرحتُ له سبب فضولي وردّ علي بما يشفي الغليل عن هندسة ومعمار الدّور في الأحياء العتيقةِ، ثمّ أخذني إلى بيت جدّي وشاعت قصّتي في مسجد الحيّ وأطلق عليهَا بعض الرواد آنذاكَ حكاية “الطفلة وحارس العتبات”.
(4)    جرار جينيت، مدخل إلى جامع النص، ترجمة عبد الرحمن أيوب، دار توبقال، المغرب ط 2، 1986، ص. 91.
(5)    ابن منظور، لسان العرب، حرف الواو، الجزء 15، دار صادر، 2003.
(6)    Le voile du nom. Essai sur le nom propre arabe, Paris, PUF, Coll. Écriture, 1991, p.95. ; trad. arabe par Sélim Muhammad BARAKAT, Ḥisn al-ism. Qirā’āt fī l-asmā’ al-‘arabiyya, Damas, Ifead, 1999
(7)    ((الاسم في الواقع هو العنصر الوحيد من عناصر أسماء العلم في اللغة العربية الذي يتعين على الفرد الحصول عليه بمجرد ولادته، وهو في الوقت نفسه العنصر الأكثر أهمية وخصوصية وسرية، لذا وجبت حمايته وتحصينه وفقا لما تقتضيه الظروف)).
(8)    الجوة محمد، الحقيقة المقدسة في الإنسان والمقدس، تونس، دار محمد علي الحامي للنشر والتوزيع، 1994.- ص.63
(9)    Roland  Barthes, in sémiotique narrative et textuelle, Larousse, 1973.- p.34.
(10)    انظر على سبيل المثال لا الحصر، سورة ص، الآيات 19/1/30 ثم سورة ق: الآيتان 32/33 وسورة الإسراء، الآية 25.
(11)    ابن منظور، لسان العرب، ج1، ص.219، المكتبة الشيعية.
(12)    انظر قصيدة (ترنيمة)/ الفصل الثالث/ (حيث تولد الشمس / صوفا بائسا)
(13)    انظر نصّ (دراية الطفل الغريق)، الفصل الأول.
(14)    انظر الفصل الرابع من الديوان.
(15)    انظر نصّ (طهارة)/ الفصل الرابع
(16)    اقرأ قصيدة (نار)/ الفصل الثالث
(17)    انظر قصيدة (الملتحف بالنار) في الفصل الأول.
(18)    F. Fariello, Architettura dei giardini, Edizioni dell’Ateneo, Roma 1967
(19)    جربوع عزة، التناص مع القرآن الكريم في الشعر العربي المعاصر، مجلة فكر وإبداع، ص. 134.
(20)    انظر كلمة (أوسمتي) في قصيدة أواب، البيت الرابع
(21)    انظر قصيدة (دافينشي)، الفصل الثالث.

شاهد أيضاً

عدنان ابو اندلس: طلال الغوّار.. المسكون بالحب التكاملي

دراستي المنشورة في مجلة ” الموقف الادبي ” العدد 592- آب -2020 ، والتي يصدرها …

فاروق مصطفى: الدكتور فائق مصطفى وجهوده في دراسة الادب المسرحي العراقي

صدر كتاب جديد للدكتور فائق مصطفى الناقد و التدريسي الاكاديمي في كلية اللغات جامعة السليمانية …

خليل مزهر الغالبي: الخطاب العابر للأدلجة لرواية السماء المقَسَمة للروائية الالمانية كريستا فولف ترجمة الدكتور رياض احمد طه

الكاتبة الألمانية ” كريستا فولف (1929-2011)كاتبة حرة من جمهورية “المانيا الديمقراطية” انذاك، حصلت على عدة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *