حسين عجة: أنيميا وكوليرا… (إلى: محمد علوان جبر)

في عمر طاعن، وقدمي اليمنى تكاد تمس
حفرة القبر، بمشقة رأيتُ كيف يمسك صانع
الجواهر على أطرافها برقة، كما تعبرُ
النسمة العليلة ثوب العاشقة.

قد يستيقظ بشعره المُشعثِ وبؤبؤي عينيه يجحظان
من قعرهما كالبرق الذي يعبر خاطفاً جسر الحياة
وغرغرة الموت، بحذر يقترب، وكأن نقلته خطوات نملة
من لوحة المفاتيح، كيس الجواهر، يداعبه هذه المرة
كما داعب الآنسةِ، أتنفتح الشهية ويمرُ من وشاحها
المخملي طيف يعدو نحوه وله يفك خيوطه، ألوانه ويهديه
صرة أسراره، ثم ينسى التلعثم في أحلامه، وبأم عينيه ينظر،
يغتبط، يندهش، يحزن ويأكل الدخان ما تبقى من رئته، حتى
يرى
كيف
ترتسم وتكبر من حوله صورة
العالم المُهشمةِ؟

خطوة محسوبة كدقة الجبر والهندسة، ثملة بعفويةِ
الظاهر، باهظة الأثمان من جانب الوجع،
من جانب
الصنعةِ المُخمرةِ برائحة العنبرِ، حتى يسمعه أخوته
من تحت
غطاء شخيرهم ويفرزون الغضب الذي يُثقلُ صوته :

أتكون الحياة كلها، بأفراخها وعصافيرها الندية
حقلاً للقتال، للحروب التي طعنت مثلي بأعمارها
الطويلة؟

أيمكن أن يكون هذا القرن، بصراخه وعويله
بأوتاده الثابتة
والمتحركة، عصراً لقبائل التتار
وقرارات المجالس الخائبة،
مجلس للأمن، والثاني لتولي قيادة الكتيبة
الرابعة،
والثالث لكي
يتشاور مع جدرانه غير الناطقة ؟

منْ يَسَودُ ويلوي ببأسه تواريخ الطين والمدن
الحالمة بخبز الغد وعودة الأولاد من المدرسة
ترع المياه الآسنةِ، جاء ومر زمن الجذام،
أعقبته يرقات
البول الأحمر، أنيميا، من قرى الأرض قاطبة
تعالت صيحات وجع الرأس، الطاعون،
وشقيقته الباذخة
كوليرا
والأم العجوز
لا تحيى ولا تموت من السل،
سرطان الأطفال، والأورام الخبيثة
تأكل أثداء النساء وتمنع حجة
العمرة خشية الخنازير
المُسافرةِ من مطار
إلى قاعدة بالكاد أخلاها العسكر من
رعبها المهدود على ضفاف الليل،
وغفوة البحر المُدلهمِ
هل يُفتَحْ الحبس الأكبر، الرابض
فوق جزر الكاريبي وحصار غزة
لكي تفر الطيور من أقفاصها، وتحكي للأرض
ما ظل مخفياً تحت معاطف الجوع، لتبلُ ريقها،
كقاطع
الصحارى المُشتعلةِ، بقليل من
مياه الينابيع والترع
الحالمة؟

والعراق الذي أسقَطتْ فيه رأسي
امرأة كالذهب المًصفى،
بعزة، والشمس في سمت سمائها، هل
أغمض عيني عن جدرانه الملطخةِ
وأترك الأخوة يسل واحدهم الآخر
خنجر غدره
في صدره من خلف المناطق
المحصنةِ،
حتى يمر
القيظ، سموم البرد وتظل
صامتة كالمصابة بالشلل
أروقة الحكم والمحاكم،
سلطان القبائل، ومن جاء
يلهثُ من خلف المحيطات،
البوارج وقداحة الزناد بيده
ليفسد غرين الأجداد،
يحرق نخله، وكالقاتل المدهون
بالعسل
يمشي في جنازته ويتلو عليه
سورة الفاتحة؟

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| باسم محمد حبيب : طالب.

طالب من حقك ان تطالب طالب فليس غيرك من سيطالب طالب بحقوقك وحقوق أولادك وبضمان …

| مقداد مسعود : ماء اليقين .

(*) الخيرُ حين يفعل ُ : يتوارى (*) غنيّ.. غنيّ.. في الآبارِ المهجورةِ والمأهولةِ والمقهورة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *