محبرة الخليقة (2) ؛ تحليل ديوان “المحبرة” للمبدع الكبير “جوزف حرب”

hussein 5      د. حسين سرمك حسن
           بغداد المحروسة
              2012 – 2013
ملاحظة : حلقات من كتاب للكاتب سوف يصدر عن دار ضفاف (الشارقة/بغداد) قريباً .  
# شاعر يهدي منجزه إلى قاتله :

——————————-
من العلامات الفارقة لديوان “المحبرة” ، هو هذا الإهداء الصادم حيث أهدى الشاعر ديوانه :
(إلى الموت)
وهو إهداء في غاية الجسارة على المستوى النفسي ، فلا أحد منّا يقرّ بفنائه الشخصي أبدا . نحن مرعوبون من خطى المُثكل التي تطاردنا ليل نهار ، ونخضع في تعاملنا مع الموت لقانون “التناقض الأولي -primary paradox ” الذي فيه يُنكر لاشعورنا قابليتنا على الإنجراح، ويُتخم بمشاعر الخلود المخدّرة والبقاء العصي على الموت ، في حين يقرّ في الوقت نفسه ، ويسلّم بحقيقة أن البشر الآخرين فانون وقابلون للموت . نحن لا يمكن أن نتصوّر موتنا الشخصي برغم أننا نعرف حتمية الموت. عبّر عن ذلك “تولستوي” – مثلاً – في قصته “موت إيفان إيليتش” حيث قال إن إيفان إيليتش كان يرى بأنه يُحتضر .. في أعماق فلبه كان يعرف بأنه يُحتضر ويموت ، ولكنه لم يكن غير مهيأ لتقبّل هذه الفكرة حسب ، بل ما كان ، ولن يكون ، قادرا على استيعابها . الشعراء الجسورون هم الذين ابتكروا لنا طرقا وآليات وألعاب للإلتفاف على هذا الشعور المُرعب . وفي الإبداع فقط تتوفّر لنا فرصة للمماطلة أو اختيار طريقة موتنا ، وحتى عدم الموت ، بل التلاعب بالمثكل . الإبداع هو بلسم أرواحنا الجريحة المفزوعة . ,إهداء جوزف حرب ديوانه الضخم هذا للموت يكافيء كمنجز هائل سعة وضراوة سطوة الموت . وفي العادة يربك الشاعر توقّعاتنا ويلطّف من سعير محنتنا ، بتصميم المتناقضات التي تطفيء قلقنا قليلا ، فيختار عنوانا مترفاّ جماليا بعد الإهداء المزلزل مباشرة هو : “الرائعة” .

jozef harb 3الرائعة: الكون يكتب قصيدة خلقه
——————————-
(هي الأرضُ ،
خاليةٌ ، خاويهْ ،
كمعصرةٍ ، ليسَ من عاتقِ الخمرِ
فيها ،
سوى خابيهْ ،
تنامُ بفخّارها
عَتمةُ الزاويهْ )

و”الرائعة” هي قصيدة المفتتح ، وتتكوّن من أحد عشر مقطعا ، ويستهلها الشاعر كما يأتي :
(يديْ
ريحٌ
وطاولتيْ سوادُ الليلِ ، والأوراقُ غيمٌ
عن يمينيْ ، قربَها أقلامُ صندلةٍ ، ومحبرةٌ تقطّرَ
حبرُها الكحليُّ
من ماءِ البنفسجِ
عنْ
يَساريْ
شمعةٌ من فضّةٍ ، يدعونها : قمراً ،
ولي كرسيّ أيلولٍ ، خفيف الحَور ، أجلسُ فيهِ
مستنداً إلى
قُزَحَيْ سَحابهْ
وظهرِ عريشةٍ
عند الكتابهْ – ص 11 و12) .
وهذه جلسة أسطورية خارقة “يرتكبها” شاعر من عصرنا ، تخرق حدود الوجود الفردي/ وجودنا البائس الذي تتسع دائرته هنا لتشمل الكون كلّه ، جلسة مشرفة من علٍ ، تتحكّم بالريح وسواد الليل والغيم وماء البنفسج والقمر .. كرسيّه الزمان .. مسنده قوس قُزح السحاب ، ومتكأ ظهره العرائش ، ومسترخياً عند الكتابة .
وإذا كان الشاعر “العادي” يوصف بأنه ابن الطبيعة لأنه يمتح من روحها وصورها ويخلص لقوانين نمائها ، ويتمثل حكمتها وهذا هو الأهم ، فإن شاعرنا هنا هو “أبو الطبيعة” ، أو هو طبيعة كبرى كونية هائلة ؛ يتجسد هذا في “مكتب” إبداعه ومستلزمات كتابته : فيده الريح ، وطاولته سواد الليل ، يخطّ على هذا السواد الكوني قصائده بأقلام الصندل على جسد ورقة الغيم ، بحبر كحلي تقطّر من ماء البنفسج . أما شمعته التي يستهدي بها في عمله الذي يبدأ عادة في الليل فهو : القمر ، وأمّا زمانه ووقت فعله ، فهو وقت قدوم الربيع الباهر حيث صمت الولادة لا يقطعه سوى حفيف الحور .
إنها أجواء ومناخات أسطورة مهيبة ومقلقة نسبيا . وفي جلسته المسترخية هذه يدخل على الشاعر خادمه : السنونو ، يطلب منه الإذن بدخول رسول عليه هو : الملاك . رعيّة الشاعر سماوية لا أرضية ، وبدخول الخادم السنونو نبدأ حكاية عالم الشاعر بإشكالية خلق . وحين نقول “حكاية” فليس الوصف هنا معنويّاً حسب ، بل لأن السمة الحكائية السردية تهيمن على ديوان “المحبرة” بأكمله . فنحن أمام قصّة للخلق والخليقة والكون والحياة والإنسان كما سنرى .
يدخل الملاك بغموضه الباهر المشوّش ، وبخفّة لون مّربك خلطته أنامل وحساسية فنان لم يشهده تاريخ الأرض كـ :
(غامضاً كالزرقةِ الملأى مساءً)
kh jozef 3وهنا تتضح عظمة “الكلمة” ، فلو جئت بأعظم رسّام في التاريخ ، وطلبت منه أن يجري بفرشاته وأنابيب ألوانه هذه الخلطة المعجزة : أزرق مملوء بالمساء ، يتضبّب بالزرقة فيلفّه غموض الكينونة – ولعل جوهر بداية عملية الخلق كلّها هو بهذه الصيغة الجنينية اللونية والتركيبية – أقول لو جئنا بهذا الرسام ، ومهما كانت درجة عبقريّته ، لأعلن عجزه فورا عن التعبير عن مثل هذا المشهد الخارق بتركيبيته ، مثلما لا يستطيع تصوير صرخة أم مثكولة جارحة ؛ قد يصوّر تعابير الصرخة على وجه الأم ،  لكن الصرخة نفسها ، لا يمكن تصويرها إلا بأداة من “جنسها” وهي هنا “الكلمة” . إن كلّ ما هو مادي يحدّد إمكانيات “التشخيص” ؛ تشخيص المجرّد ، ويضيّق من قدرات “التصوير” . ومن المفارقات الصعبة التي يتمأزق بها العقل البشري ، هي نزوعه المستحيل لتصوير ما هو مجرّد بما هو مادي !! ولعل هذا واحد من أهم اسرار موقفنا المسلّم بعظمة الصانع الأكبر حين يعلن عقلنا عجزه السافر عن تصويره ، كما أنه – من ناحية أخرى مكمّلة – من دوافع موقف المرجعيات الدينية المتصلّب والشاجب لعملية التصوير عموما ، والذي بدآ خطوته الأولى في التوراة ، فأن تقوم بـ “تصوير” الأشياء من دلالاته المستترة ، معناه أنك “تخلقها” أو “تعيد إنشاءها” في صورة أحسن ، وأن تحاول أو تستطيع تصوير الذات الإلهية ، فهذا يعني أنك مثلها ؛ كفؤها وندّها ، وهل لهذا اختار الله صفة (المصوّر) كواحد من أسمائه الحُسنى ؟ وهل هذا هو سبب كره الآلهة للشعراء الذين شُغْلهم الأساسي هو “التصوير” ، لا باللون المحدود الإمكانات ، ولكن بالكلمة الخارقة التي تحيي وتُميت ؟  :
(  تقدّمَ مرّةً منّي السّنونو
خادمي
قالَ :
الملاكُ .
فقلتُ :
فليدخلْ .
فأقبلَ لابساً فوفَ الصباحِ ، أخفّ
من نومِ الخُزامى ، غامضاً كالزُرقةِ المَلأى
مساءً، حاملاً مخطوطةً من ستّ غيماتٍ، ومكتوباً
بمنديلٍ ، وقال :
الكونُ حمّلنيهما سرّاً إليكْ – ص 12 و13) .
وقد يتساءل القاريء : من أين جاء الشاعر بمفردة “فوف” ، وكيف عنّ له ربطها بمفردة “الصباح” ، فأقول إن هذه من السمات الأسلوبية لجوزف حرب ، حيث تجد في كل شعره هذا العناء والدقّة الهائلة في البحث عن المفردة المناسبة وانتقائها من بين عشرات المفردات المرادفة لها في محيط اللغة . ولعلني لم أكن دقيقا حين اخترت مفردة “البحث” ، فهو – وأي شاعر “محترف” مقتدر صار الشعر مفتاح منظوره إلى الموضوعات ، وروح رؤيته إلى الكون والحياة ، أي صار “اختصاصه” – هو – وحسب التعبير الدقيق لبيكاسو – لا يبحث ، ولكنه “يجد” . إنه مخزون اللاشعور العارم والمكتظ بالمفردات المتحرّكة في صلتها بالأشياء لتنغمر بدلالاتٍ يعود أغلبها إلى عوامل انفعالية وعاطفية واستعارية لا صلة لها بالمعنى القاموسي ولا بالمعنى الإستعمالي والتداولي للمفردة . ولو سألتني هل كان جوزف يعلم أنَ  من معاتي الفُوفُ : الحبَّةُ البيضاءُ في باطن النَّواة تنبت منها النخلة ، والقِشْرُ الرقيقُ يكون على النَّوَى ، وثيابٌ رِقاقٌ مُوَشَّاةٌ مخطَّطة بخطوط بيض طوليّة ، وأنها تعني ، ايضاً ، قِطَعُ القُطْنِ ؟ فأجيبك بأنه لم يكن يعلم بكل تلك المعاني ، ولكنه “وجدها” فيها من خلال بنية الكلمة ، وجرسها الموسيقي ، وطبيعة حرف الفاء “الشفّاف” والمهموس الذي لو استعدت حركته ، متخيلا إياها وأنت مغمض العينين ، لأحسست أن حركته تشبه ملامسة ثياب النور لجسد الصباح ، وهذه الثياب هي فوف الصباح البيض التي ستناسب طبيعتها التركيبة الغامضة و “العطرية” لكيان الملاك الذي سلّم “الأمانة” للشاعر ، وانطلق تتبعه موجات من فوح الآس والغار .
والأمر تفسه يُقال حين تتأمل موقع الفعل “مرى” ، الذي وصف به الشاعر خفقة جناحي الملاك المودّعة في ختام هذا المقطع :
(..
ولوّح للسنونو بالجناحينِ
اللذينِ مَرَى بياضَهما ،
وطارا – 13) .
فقد يرتبط أحد معانى هذا الفعل – إذا لم تكن تعرف دلالاته القاموسية – بالمرآة ، أي أن الشاعر نحت “فعلاً” ليدلّ به على الطبيعة الصقيلة الشاهقة لبياض الجناحين . لكني أحمل في ذهني واحدة من دلالات هذا الفعل :  مَرَى الرِّيحُ السَّحابَ : أنزلت منه المطر . وقد يرى بعض السادة القرّاء أن هذه المحاولة توغل في التعمية وغموض الدلالة . ولكني أراها تأويلا مناسبا لكن ذو حدود ، وهذه الحدود مطلوبة لكي نلجم فوضى “استجابة القاريء” حين تكون بلا ضوابط ، وهذا ما يوصلنا إليه المنهج التقويضي (التفكيكي) . فلابدّ أن يرتبط التأويل بالسياق العام ، وبالمعقولية الشعرية ضمن إطار الصورة الكلّية فمهما حاول البنيون أو التفكيكيون ونقاد منهج استجابة القارىء ، اللعب على أوتار التأويل ، ولعبة فصل الدال عن المدلول .. إلخ ، فإن ما يمكن لأي أحد – حتى لو كان من سكّان المريخ – أن يلاحظه هو تماثل المعنى الشديد ويقينيّته . فلو قرأ مليون قارىء الرواية الجاسوسية ذاتها (مثل العميل رقم 7 لإيان فليمنغ) لافترض كل واحد منهم أنها قصة عن الجواسيس . ولن يخطىء أحد منهم فيخلط بينها وبين كتاب في الكيمياء الكهربائية . أمّا لو كان المعنى نتاجاً للتأويل لتوقّعنا أن نجد بعض النقاد ممن يرون أن “الدكتور لا” كتيّب في الكيمياء الكهربائية ، وأن جيمس بوند اسم مادة كيمياوية . وما يمكن للمريخي أن يقوله هو أن للنصوص سمة مميزة تتمثل في أن لها معان متقنة ومحددة مرتبطة بها ، وأن هذا واحد من الأشياء التي تميزها عن الأشياء الثقافية الأخرى ، مثل أحجار البناء والناس ، التي ليس لها مثل هذه المعاني . ويبدو أن المعنى المتاح للعموم في نص من النصوص يحدده موضوعيا ترتيب محدّد للكلمات التي يشتمل عليها هذا النص ، واللغة التي كُتب بها ، والأعراف التي تقرر كيفية قراءته ، والإحالات السياقية (إلى أوضاع واقعية ، أو إلى نصوص أخرى) التي يمكن لهذا النص أن يطلقها في أزمنة محددة وفي سياقات قراءة محدّدة . (أحد الأمثلة على سياق من “سياقات القراءة” هو استشارة دليل الهاتف ، ومثال آخر هو فراءة المرء قصيدة من أجل المتعة) . وعليه يمكننا أن نصرف النظر ودون ضرر عن ذلك التناول الذي يرى أن كل قراءة هي تأويل وحسب ، وأن ما من قراءة موثوقة أكثر من غيرها ، كما لو أن من الممكن ومن المشروع أن نقرأ “مرتفعات وزرنج” بوصفها دراسة رصينة في الحبّ السحاقي في الصين في القرن الرابع عشر . فهذه النظرة إلى التأويل هي طريقة الشخص ذي العقل الكسول في التأكيد على أن ما من شيء مهم لكي يتم تفسيره (4) . ووفق هذا المفهوم ، وفي هذا النصّ الشعري ، وتحديداً في هذه الصورة منه ، وحسب البنية النحوية للجملة ، يكون الملاك فاعلاً يستمطر بياض جناحيه الآسر بخفقاته العالية ، مثلما يتسق مع رداء الجسد الملائكي : فوف الصباح  الأبيض ، بل مع الحرّكة الكلّية الخفيفة التي عبّرت عنها المفردات التي حكمها حرفا الفاء والخاء ، ومع حركة التسليم والحمل والتوديع الرقيقة التي تكفّل بها حرف الحاء ، وليس أيّ تأويل آخر :
(…
أخفّ مِنْ نومِ الخزامىْ .. وقالَ :
الكونُ حمّلنيهما سرّاً إليك .
وخفّ نحويْ
طافراً بهما ، حملتهما علىْ قوسِ اليدينِ ، فهفّ نحوَ
البابِ وهو مفوّحٌ
آساً ،
وغارا ،
ولوّح للسنونو بالجناحينِ … إلخ) .

شاهد أيضاً

أضواء على أدب ال facebook
ألحلقة التاسعة ألبساطة منهجاً وموضوعاً
الشاعر نامق سلطان أنموذجاً
ليث الصندوق

بودّي أن أنصح القاريء ألا يطمئنّ لهذا الشاعر ، فهو سيستدرجه من حيث لا يدري …

د.جودت هوشيار: من أين جاءت مقولة “كلنا خرجنا من معطف غوغول”

” كلنا خرجنا من معطف غوغول ” من أشهر المقولات في تأريخ الأدب الروسي ، …

د. رمضان مهلهل سدخان: مسلسل “واحد زائد واحد”.. في الميزان

يطلّ علينا الفنان قاسم الملاك هذا العام بشخصيتين مختلفتين تماماً عن أدواره السابقة طيلة مسيرته …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *