عيال الظالمي : مأسسة الحزن في الأدب الرافضي.. مسلة الأرجوان مئذنة

aial 2قبل أن يرفع رأس الحسين على الرمح
رفع رأس المحسن على المسمار
وبعدما ضرب عليّ على رأسه بالسيف
ضرب الحسن على رأسه بالسم
واستمرت السلسلة إلى الإمام المهدي فضرب على رأسه بنا.

أعادني هذا المقطع كمقدمة لقصيدة شعبية لـلفتى (إيهاب الظالمي) لقراءة قوانين (مسلّة الأرجوان)، ورغم أن الغناء الديني قد استشرى وتعدّد بطرق موسيقية طروب إلا أنّ هذه المسلّة عزفت على طبول من نوع خاص ـــــ طبول على مقام الدموع الصامتة، دموع بخرير حراريّ ضمن قاعدة فيزيائية عظيمة، على وقع ألمٍ مُرّ لإظهار معاني المعاني الروحية مرتبة بألواح ترتبط بالسّر الإلهي بكثير، تجليات خاصة ظاهرة مفهومة للعامة من ناحية التراكيب، سهلة ممتنعة على أنها طقوس غامضة عن العامة بقوانين فرادية أبعد، حيث يقول الغزّي:

طفلٌ …
وليسَ كمثلهِ طفلُ
فـي نَحْرِهِ يتبرّكُ النَّبْـلُ

رَضعَ ابتسامتَهُ … فمِنْ دَمِهِ
كانَ الرضاعُ بريقهِ يحلو

طفلٌ بعُمْرِ الورْدِ،
أَثقَـلَ خَطْـوَ أبيهِ،
إذْ هوَ للعُلى ثِقْـلُ

يمشي …
ويَعثـُرُ بالدموعِ،
فإنْ أَبْطا يُعَجِّلْ خَطوَهُ المَهْلُ

فمن قراءة العين لتراكيب الجمل، لقد صيغت بعصارة روح لا بنفث عقل ما خلا الإبداع الفني لعقل ناضج مطّلع على فلسفات الصاغة الآدميين من خلال موج الوقت الذي يضرب شواطئ كلما أصحرت رمالها وجعاً، كلما امتدّ عمر الماء اغترف الزمن ثياباً ليجمّل طول قامته ويزداد لعناً من مرتديه، لا لأنّ الزمن قد تسبّب بجرم أبداً، ولكنه حفظ ألوان وأصوات الألواح كلّ هذا النجاد ولم يبلغ الهرم ففي صفحة (104) من المسلّة يقول:

مِن كوثرِ القُدْسِ ماءً
وماءُ خَصْمَيْهِ خِلْطةْ

يا دهْرُ:
إنَّ رضا اللهِ من رضاهُ،
وسخْطَهْ

لكلّ الممتطين الصهوات يرون اعوجاج الزمن، لقد كان الاعوجاج في انكسار الأرواح التي لم تبلغ الحلم لجواب هل هم مرتدوها أم هي ترتدي أجداث وتحرك الأسئلة؟ حين النظر والتمعن بفقرات الألواح الصورية في المسلّة، يسيل الغزّي نوحه:

فقلتُ:
أَعِدْنَ مُوجـعـةَ الـمَراثي
وقُمْـنَ نـَنـُحْ لـَهُ،
فالنـَوحُ فنـَّي

لَبسْتُ حِدادَ أَيَّـامي عليهِ
وصارتْ مُنْيَتـي:
لَو لم أَكُنِّي

ولا تَطَأُ القوافلُ بي دروباً
خُطَايَ تَمُجُّها …
والدَّرْبُ مُضْـنِ

منذ التفاحة المحمرّة والأنبياء يتهافتون على أرضي، فما أصلحوا بها من نفوس معوجة ولم تزهر ربوعها على الرغم من ازدهار الأرض الآخذة البعيدة، وبقيت نفوسنا كسيوفنا للآن لأنّها لم تلجْ مسلّات الحقّ. ومن لوح (عيد الميلاد) يقول الغزّي:

وتسلَّلتْ
من حاءِ نافذةِ الصباحِ،
تذيَّلتْ بسَناءِ حَرفِ الحاءِِ

فأَثارَ فـيَّ الحَرفُ:
حاءَ حَقيقتي،
حُرِّيَّتي،
حَرْبي،
حِمَايَ … حَيائي

كـَتـَبـَتْ عليها:
عيدُ ميلادي غداً
أَوقدْ شُموعَ الكِبْرِ في خُيلائي

ولأنّ الضباب يغشي المعالم سواءً كان نثار ماء أو غبار ــــــ كانت المعابد تنثر البخور لكي تغشي الأرواح حين تغزو الروائح مكامن التجلّي مع التنغيم الذي يغشي مساحات المكان مابين انطباق الجفون وانطباق السنون على سبع شداد، ينشد الغزي:

يا نازفاً …
للآنَ وَهْجُ دِمائِهِ
مُتوقِّداً يَستَحْفِزُ الثـــُّوَّارا

يُغري بهمْ
أَنْ لا تَجِفَّ دِماؤُهُمْ
وتسيلَ فوقَ حُقوقِهم أَنهـارا

أوَ لم تترك المسلّة العظمى بكفّ ناقلها بأنّ الساق حفرت عليها صورة أول سفينة للنجاة، فهل تعلّقت الأرواح بفكر وعقيدة الركوب وضوابط السفر عن يقين عملي تطبيقي، أو كنهج فكري لمقدم تطوري يمتطي ظهر الموجات المحدثة للحصول على اكتساب نضج يقوي ويعلي الأعمدة السالفة لنقش مسلّة تهفو إليها باقي الأعين الناصعة الرؤية لتنقلها إلى أرواح نقية؟

وأحسـَّهُ مُرَّ الكرامةِ … علقمـاً
فطفا على بحرٍ منَ الدَّمِ … عائمـا

يومَ الضغائـنُ … والضمائـرُ أُرْجِفتْ
بعضٌ قسـا،
والبعضُ أذعنَ راغمـا

فأتى قصيُّ الصوتِ … طافَ بنحرهِ
والسهمُ يتبـعُـــهُ،
ملاكــاً عاصما

لو أعدنا التفكّر بإنشاء أيّ تجمع هيكلي لابدّ من رابط ضابط روحي ينسج لحمة وتجمع ذلك الهيكل، والرافضة لا على سبيل البحث بل على نوع الأدب المنتج المنبثق منها لم يعبر عنه بخصائص فكرية تطورية أو انبثاقية لهدف قادم من أجل قيام كيان قويّ وفق رؤى حضارية كباقي الروافض من العالم التي سطرت أسماء خلودها في تاريخ العالم السياسي والعقائدي من تاريخ الشعوب:

يمشي التورُّدُ في مساربِ خدِّهِ
والموتُ تجفلُ خيفةً … أَفْراســُهُ

حتَّاهُ يعبسُ راعشاً
مُتورِّمَ الجَفْنينِ …
منهُ ترنَّحَتْ حُرَّاسُــهُ

الـموتُ يبعدُ خطوتينِ …
وكلُّهم يدنو إليهِ …
ولم يَرُعْهُ مَسَاسُهُ

بنى (المهاتما غاندي) فكراً رافضاً فاستنهض القوى الكامنة، وأخذ الصبر والتضحية كإحدى الصور أو المرتكزات التي قلبت موازين التسلط والجبروت، لكن هل ممكن أن ننضوي تحت أمر لنتعرى مثلاً لكي نحارب طغيان آلة الحرب والسلاح الإرهابي؟ وبلوح وهج الماء:

غَانْدي بكَ اسْتَحيا بقيَّةَ شَعبِهِ
وبكَ استَدَلَّ خلاصَهُ جيفـارا

لا ثائـرٌ …
إلا وأَنتَ بقلبــِـهِ
نحوَ المرافئِ
يَصْطَليكَ منارا

يا نكهةَ النَارنْجِ:
طَيِّبْ رِيحَنا
أَعْتــِقْ عبيدَكَ … يَنسِلُوا أَحرارا

الصهونية حتى وإن لم تكن واضحة الفكر الروحي عندما بحثت لثبات قدمها عادت إلى الأرض بفكر مستقبلي ولغة خطاب واضحة وبمفردات موجزة، مع السعي لامتلاك القوة من الحواضن، كونت دولة رغم صغر حجمها إنمّا قادرة على قهر وعلى إبادة عشرين دولة قائمة تمتلك مقومات فكرية ومالية تصبح عندها الصهونية نقطة في محيط. فهل إتكا الروافض على شيء مما سبق؟
يقول محمد مهدي الجواهري:
عشرون كفّاً حرةً ما أوقفت     مهوى يدٍ مغلولةٍ إذ تصفعُ
يقول شاكر الغزي بـ (لكبريائه أخلع قبعتي):

هكذا أَنْتَ … ما خلا عَثراتٍ
وإذا قُلتُها فمي عثراتُ

إذ وراءَ الزمانِ
حيثُ يَبيعونَ الـمَراثي
تُسَمَّنُ الحَنْجراتُ

منذ أربعة عشر قرناً لا يمتلكون غير توطين مؤسسة البكاء العارية من استلهام فكرٍ تطوريّ سوى إنزال أقسى أنواع الأذية في أجسادهم، لا من أجل التطهير للسموّ بل للاستذكار فقط. هناك في العالم المتحضر الملايين من المِلل التي تؤذي أجسادها كالسير على النار، لكنها غير واقفة في دائرة مفرغة محيطها مأسسة الحزن الأدبي الشعبي المتنوع اللفظ هدفه الظاهري (رحم الله من أحيا ذكرنا) وحقيقة واهية لمآرب شخصية قاصرة، ولفرار المحيط الخارجي عبر ( أنفذوا في عوالم التطور الحضاري النضالي الهائل) هنا الغزي يقول:

عن عُشبةٍ للخُلْدِ
يبحثُ في السماءِ
وما ثناهُ طريقُها أنْ يعرُجَهْ

مقدارُهُ سبعونَ ألفَ دريئةٍ
مِنْ دونِ عَزمٍ
بالصِّعادِ مُدجَّجةْ

وتَمُجُّ أُذنُ الشمسِ
رَنـَّةَ خَيلِهمْ
وعيونُها من غَضْبةٍ متوهِّجةْ

أربعة عشر قرناً لم تثبت سوى تراجع القاتل الجاهلي عن تقديم التضحيات والخسائر الكبيرة أكثر مما هو مخطط لوصول موجته واستئصال معانديه. الأسئلة هائلة ولكن للمفردة قوة تضاهي السلاح كما يقال، فماذا فعلت المفردة الحزينة مقابل السيف الذي لم يتغير رغم تغير وتطور السلاح حتى وصلت إلى الطلقة الذكية بذبح الرافضة لأحياء (العودة لأبي) فهل تجرب على مدافعي الرافضة؟ وهنا يقول:

ربّما ضاعتِ الحقوقُ،
ولكنَّ حُسيناً
بهِ تُصــانُ الحقوقُ

في سماكَ ابتَنَتْ يَمامةُ روحي
عُشَّها … مُذ أَوحى لها الـمَعشوقُ

وصلاةً … إليكَ يُومئُ قلبي
مثلما إيماءً … يُصلِّي الغَريقُ

ما هي المكاسب التي حصل عليها الأدب الرافضي عبر مؤسسة الحزن الروحي الكبير والذي يصرف عليه أموال هائلة في منطقة محصورة بسياج كونكريتي مضاد لعصف الانفجار الغاضب. قال الإمام الصادق(ع): (إذا هلّ شهر محرم نشرت الملائكة ثوب جدي الحسين (ع) وهو مخرّق من ضرب السيوف وملطخ بالدماء، فنراه نحن وشيعتنا بالبصيرة لا بالبصر فتتفجر دموعنا)، ويقول الغزي:

مُذ خوَّضتْ قدماهُ بحْراً من دمٍ
خاضَ الفراتَ …
وقد تَيقَّظَ صِلُّـهُ

ولهُ بـِلالُ الماءِ … أَذَّنَ أَعيُناً
وصلاتُـهُ: دَمْعٌ عليهِ تَهُلـُّهُ

ماذا أوجدت الأرواح المتشظية عند مجاهل اللذة والمتعة ما عدا الصفوة التي لا تكاد ترى؟ لقد أُوجدت من أجل الإغاظة فقط واكتفت، وتأليب المجموع ضد الجزء بحيث تناقلوا عبر الحقب (احنه غير احسين ماعدنه وسيلة) فهل التزم الأدباء كي يصلوا الجنة عبر هذه الوسيلة العظيمة؟

ونجيءَ يومَكَ
دمعتانِ متاعُنا
يحدو قوافلَ ثأرنا رجَّازُها

وغداً نُزَفُّ إلى التغابُنِ
أُمـَّةً
(هيهاتَ) فوق شفاهِها …
أَحرازُها

تمشي …
وظِلُّكَ مَن يُقيلُ عِثارَها
كي يستقيمَ على الصِّراطِ
جوازُها

أدباء الرافضة كباقي أدباء العرب أخلصوا لعادات وتقاليد الأدباء في كل المواطن، إلا ثلة اللذين ينضوون تحت مُسمّى (الحسينيون) والله أعلم. وفي حاضر الزمن 99% يعملون من أجل الثراء والشهرة ولم تكن رسالة. لترك البقعة الصغيرة المحاصرة:

أَتى
والكتابُ يُحدِّثُ عنهُ:
أَنِ ادَّخــِـرُوهُ
لدى الرَّوْعِ حِرزا

وما ادَّخَرُوهُ …!
سَرَابيلُهُمْ
وجوهٌ بمَسَّ التعاويذِ تَخْزى

أَتى
وغَداً سيَجِيءُ بهِ
على راحتيهِ الـمُخلِّصُ رمْزا

لماذا نتوالد بوصف الفاجعة ولم نستلهم الفاجعة؟ أليس اليوم نمرّ بفواجع أعظم وأشدّ فتكاً وأكثر تطوراَ ماعدا سيف الرقاب، لكي يذكرنا بكيفية استشهاد سيد الشهداء؟ بحيث لو قتل آخر سوف يقتل بالرصاص لأنّ السيف لا يعنيه. وحيث يحلم من لوح (عتبة أخيرة):

إلى
ثوب الحسين الـمُخرَّق
من نِبال الأرزاء
علّنا
أنْ نُخرِّقَ أَثوابَ الفُرقة
وأَرديةَ الضلالة

لابدّ من وقفة لتغيير أعمدة مؤسسة الحزن السلبية إلى قوى تتبنى الأدب الرافضي بتطلعات خارج حدود الحفاظ على الوسيلة، لأن الله يقول: ( إنّا أنزلنا الذكر وإنّا له لحافظون) وأثبت عبر عصور صحتها، عبر الإغراق ومسح معالم المراقد وليس بأهل الذكر حاجة لنا لدخول الجنة بل العكس، نحن إن صدقنا. أأثبتنا صحة تطلعاتنا وهشاشة فكرنا الأدبي ونتاجه حتى على مستوى مؤسساتي عبر العالم لكي يضع الروح الصحيحة في الشارع الأدبي العالمي، حتى يرتادها أو تنجذب إليها الأرواح النقية التي تؤمن بالأدب عن طريق العقل؟

وحيٌ … يُلُـحُّ عليَّ أَنْ أَتنبَّـأَ:
اقرَأْ…!
فأَحمدُ ليسَ آخرَ من رأَى

اقرأْ…
وربُّكَ زارعُ اللاءاتِ رَفضاً
علَّمَ الإنسانَ أَنْ يتجَرَّأَ

اقرأْ…
وربُّكَ غيمةٌ ملَكُوتُها
أَغرى بقافلةِ العروجِ لِتَبْدأَ

لا أنكر مقدار الهمّ ولكن يغيب التخطيط وكلّ العمل منذ حبل الحقب المتعاقبة قيد إسقاط الفروض. وما مسلّة الأرجوان التي رتبت بما يتناسب وحجم البطولة وحجم الشجاعة وحجم الإيثار ومقدار ما زرع في النفس من شتلات لأنساق تنمو وتمتدّ في عمق فكر مقيد بتخطيط فني قسري مؤدلج، إلا أنها تتنامى مع ازدياد عدد الخلايا ــــ فيرسل (شاكر الغـزِّي) جذور محبة من القلب إلى الرمز المقدس على شكل موجات أثيرية خالدة المنبع. قال الرسول الأعظم (ص): (إن الحسين بن علي في السماء أعظم منه في الأرض واسمه مكتوب على يمين العرش):

يا لائميَّ على مَحَـبَّـتـِهِ:
ابـعـثـُوا مُرَّ الـمَلام إليَّ،
أو لا تبعـثوا

أَنا مُذ بحثتُ عنِ الحُسينِ
رأيتُـهُ نوراً،
أَروني ما ترونَ … أَو ابحثوا

حـبُّ الحُسينِ عَقيــدةٌ
نَـزلتْ بها آيُ الكتـابِ،
وأحمدٌ يتـحَـدَّثُ.

عيال الظالمي\     28رمضان 1453

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| حسن ملواني : تصالح الألوان في رواية ” قهوة بالحليب على شاطئ الأسود المتوسط “.

رمزية العنوان يعتبر عنوان الرواية بصيغته مزدوج الوظيفة، فهو إذ يشير إلى ما يعتبر عاديا …

| خليل مزهر الغالبي : مجموعة “ممتلكاتٌ لا تخصَّني” وخاصية البناء الشعري لآمنة محمود .

في مجموعتها الشعرية “ممتلكاتٌ لا تخصّني” راهنت الشاعرة “آمنة محمود” على تأكيد بصمتها الشعرية بمثولها …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *