وتبقى الكلمة (4)
شعر: د. زكي الجابر
إعداد وتعليق: د. حياة جاسم محمد

zeki aljaber 3وتبقى الكلمة
 (4)

شعر: د. زكي الجابر
إعداد وتعليق: د. حياة جاسم محمد

عراقيات

وداعاً .. أيها البصرة*

وداعاً يا من ذُبِحتِ ألف مرّة
وبُعثتِ من قاعِ الموتِ ألف مرّة
أنتِ يا من تولدين من جديد
مع كلّ صباحٍ جديد
نخلةً باسقةً ..
ترتدي قميصَ الشعرِ
وتنثرُ جدائلَ السعفِ للغضب
والريح ..
والثورة الدائمة!
*******
أتلكَ أشرعة سفائن السندباد
يعود من رحلته السابعة
أم رايات أميرك ’’الخزعلي‘‘ الجميل
ترفّ عليها أجنحة النوارس التائهة
ما بين نخيل ’’المحمّرة‘‘
وضفاف ’’الكارون‘‘
وأرياف ’’أبي الخصيب‘‘!!
وتلك جنّة ’’عدن‘‘
أم سرير الماء
يحتضن عليه ’’الفرات‘‘ دجلة
في عناق الأبد
بين تراتيل ’’الهلاهل‘‘
وأضواء الشموس
وتدفق الحليب من الأثداء النافرة
على سمرة شفاه أطفال ’’القرنة‘‘
*******
وداعاً .. لكلّ من غنّى إليكِ
وغنيتِ إليه،
وداعاً لكل من احتضن العود وغنّى
ولم يكن لديه من خيارٍ إلا أن يغنّي
لوعات ’’أبوذيه‘‘
’’ولا تعاشر البذّات والماله تالي‘‘!
*******
وداعاً لكل شاعرٍ كتب معلقاتهِ
على ’’كَرَب‘‘ النخيل
وقَصَبات البرديّ
وينشدها موقّعةً على ضربات الدفوف
وتراجيع اليمامات الضائعة!
*******
وداعاً يا قبّة ’’ابن الجوزي‘‘
ويا تلك السَعَفات المطلّة على نهر ’’خوز‘‘
ويا تلك العرائش السكرى برحيق العنب
وحليب ’’البرحيّ‘‘
*******
وداعاً يا ’’جسر الملح‘‘
على حصاكَ دماء الزنج
ورسوم الأقدام العارية
والمسامير المنثلمة!
تنقل الآهات عليك ..
تكسرات الغناء على شفتيّ ’’محيي الدين الرفاعي‘‘
سكران في آخر الليل
يلعن الجوع والأغبياء
وفتّاحي الفال
ومهرّبي السجاير
تصكُّ أذنيه الأصوات الوحشية
تركبُ الهواء الشرقيّ
عابرةً ’’جسر العبيد‘‘ إلى ’’مقام الإمام‘‘..!
*******
وداعاً .. أيها ’’الحِمريّ‘‘
يا شعاعة الذهب تتكسّر على صفحة الفضة
تعب الصيّاد
ولم يتعب الرقص!
تعب الرقص
ولم تتعب الراقصات
*******
وداعاً يا زورق ’’العشّار‘‘
العروس تحت المظلّة
وخدود المجاذيف تتهادى
تلامس خدود الموج
والصلوات تتصادى
بين صيحات النوارس وخَفَقاتِ طيور الماء
وذلكَ ’’البلاّم‘‘ يفتح صدْرَه للرذاذ
سوف توافيه ’’حَسْنَة‘‘
عروساً قمراً تحت غلالة حرير
وسعيدٌ من ضمّ صدره إلى صدر ’’بصراوية‘‘ سمراء
تُطعمه التمر المعسّل
ويسقيها ماء اللقاح
*******
وداعاً ’’أمّ البروم‘‘
لا نوم بعد النوم
موتاكِ تطاردهم سيارات الإسعاف
والفوانيس
يلّوح بها حفّارو القبور والخمّارون
وبائعات الهوى، ووكلاء ’’الشعبة الخاصة‘‘
الفلاّحون باعوا سلال الرطب
واعتكفوا يحتسون العَرَق
في الحانات الرخيصة
يميلُ بهم فيتمايلون
صوتٌ أبّح
ورنينُ عودٍ منكسر
*******
وداعاً يا ’’سوق الهنود‘‘
يا ليل العباءات المضاء
بالتماعات العيون
وهمسات المواعيد
والتوابل اللاذعة!
*******
وداعاً يا ’’مكتبة الياس‘‘
’’الياس‘‘ في السجن .. والكتب في أحباس الرفوف
ومتأدبون يفترس أعراقهم فقر الدم
عيونهم الواهنة مسمّرة على واجهة النافذة
’’الوعد الحق‘‘، ’’العائلة المقدسة‘‘،
’’آلام ﭬيرتر‘‘، و ’’هادئاً يمشي الدون‘‘
’’تحت شناشيل ابنة الـﭽلبي‘‘!
وفي الزاوية المعتمة
سيكارة ’’فيصل السامر‘‘
نجمة شرقية متقدة
آناء الليل .. وأطراف النهار
*******
وداعاً .. أيّها المتسولون
البدين الذي يبيع ابنته عند مدخل الجسر
ونصف الأعمى يترصّد حَملة المناشير
وسارقة المحفظات الخاوية
تحت ’’ساعة سورين‘‘!
*******
وداعاً .. يا مدينة العروض والمقامات
النواسيات الأولى .. وصرخات الزنج
هتافات القرامطة
وجدال الذين اعتزلوا
لا إلى هذا ولا إلى ذاك
أهذا سوق المربد أم خيام ’’النقائض‘‘
والصفقات السرية .. وشعر المناسبات الرديئة!
يا صديقي ’’محمود عبد الوهاب‘‘
المدينة الفاضلة .. امرأة عظيمة
لا يخونها من يحبّها
ولا تخون من تحب ..
فاحتفظ بالنكتة الأخيرة
للحظات الأخيرة
في الوداع الأخير ..
ثلاثون عاماً مضت و ’’عبد الغفور النعمة‘‘
يصوّر فلمه
وما زال عند اللقطة الأولى
الممثلة احتضنت عشيقها
من غير انتظار لإشارة المخرج!
*******
وداعاً يا ’’عبد الأمير عبد الرضا‘‘
ويا ’’قاسم‘‘ و ’’عبد الله النعمة‘‘
لماذا رحلتم ولم تقولوا: ’’وداعاً‘‘
لماذا تركتم ’’خضر عباس الفضل‘‘
نصف عاقل
نصف مجنون
يقرأ ’’هيغل‘‘ على صديقاته
في المبغى العام
يهمسُ في شبه إغماضة:
’’أيها الراقص في مأتمنا
شارباً صهباءه من دمنا..
لا تكن فظاً
وكن برّاً بنا‘‘
ثم يغوص في الدروب الخلفية ..
لئلا يقبض عليه عسس الليل!
*******
وداعاً .. أيها ’’الشارع الوطني‘‘
وداعاً .. يا بار ’’ماري‘‘
خلف الستارة الحمراء
عازفٌ أعمى
وكأس مغشوش
ومقامرٌ أبله
ومزوّر جوازات سفر
وشاعرٌ على حافة الإفلاس
يخطّ بيانه الأول
في ’’القرنة‘‘ التقى الفرات دجلة
فكانت الجنّة الأولى
وكان الإنسان الأول
وكانت قصيدة النثر!
وفي جيب ’’سعدي يوسف الشهاب‘‘
ربع دينار من العهد الملكي
لا يكفي لشراء ما تبقى في زجاجة ’’الرّم‘‘
في حانة ’’جبهة النهر‘‘
ومن ﮔلبي خذْ لك نار ورّث جـﮕارة ..!
*******
يا ’’قاسم حول‘‘
جفّ نهر ’’الخندق‘‘
ولم تجفَّ الدموع ..!
*******
وداعاً .. أيتها النَسَمات الباردة
في ليالي القيظ
محمّلة بروائح القدّاح
وهمسات صديقة مجهولة
في رسائل مجهولة!
لماذا يبتسم ساعي البريد
كلما سلّمني رسالة؟!
*******
وداعاً .. أيها الباكون في مآتم ’’الحسين‘‘
أفي كل عام يتناسخ ألف ’’يزيد‘‘
ولا من ’’حسين‘‘
أيها الباكون
ليس من يبكي كمن يثور
قطرةٌ من الدم تنبت نخلة
وبيدر حنطة
ونهر من الدمع لا ينبت سوى العوسج
والملح والعناكب
*******
وداعاً .. أيها البصرة
يا أطياف براءتنا الأولى
وأحلامنا الطائشة ..
طائراتنا الورقية،
كراتنا المحشوة بالخرق البالية،
قراءتنا الخلدونية
جدول الضرب
ومسطرة المعلّم
*******
وداعاً ..
غادرت النوارس
وطوى الملاّحون الأشرعة
فطواها المدّ على أجساد الجنود القتلى
وأحذية الهاربين من الجبهة
ودفاتر الخدمة العسكرية!
السفن القديمة
مصلوبة على سواحل الخليج
مقابر للأسماك الميّتة
والضفادع الهالكة ..
على الحافات المتآكلة
تقف السلاحف ..
تمدّ رؤوسها من ظلمة الدروع
لترى الشمس فلا تراها!
فتغوص ثانية في ظلمة الماء..!
التفت الطحالب على الدواسر
وأغفت الأفاعي في سلال حلاوة ’’مسقط‘‘!
*******
وداعاً .. أيّها البصرة ..
علاكِ المدُّ
حتى أغرق الشطآن ..
حتى أغرق الإنسان ..
حتى أغرق الفكرة ..
فآهٍ ..
آهِ ..
يا بصرة**!!
* سبق نشر هذه القصيدة في الصفحة الثقافية لجريدة ’’المغترب‘‘ الكندية بتأريخ 31-7-2005، وأرتأيتُ إعادة نشرها لبصريّتها الحميمة.

** محيي الدين الرفاعي، عبد الغفور النعمة، سعدي يوسف الشهاب، عبد الأمير عبد الرضا، قاسم حول، قاسم وعبد الله النعمة…من أصدقاء الشاعر. تحفل القصيدة بالكثير من الأسماء، بعضها أسماء مواقع في البصرة، وأخرى أسماء أنواعٍ من تمرها وأسماكها.
تكاد القصيدة تكون سيرة مدينة البصرة، تأريخيا وجغرافيا، وهي تُضاف إلى نصوص أخرى كُتبت عن هذه المدينة، يحضرني منها ’’بصرياثا‘‘ لمحمد خضيّر (1993).

******************************************************************

 (1)
    يزيد
اهتزّت شاشة التلفزة رعباً
حين قال:
’’باسم جدّي الهاشمي
لأصلبنّكم على جذوع النخيل!‘‘

   (2)
    القمر
حين أفلسوا
باعوا القمر
فاشتراه الظلام!

   (3)
    أحلامنا
نامت الخراف غير حالمةٍ بالذئاب
وفي أحلامنا وأحلام يقظتنا
لا ترى إلا أشداقَها الدامية!

 (4)
    عبد المحسن السعدون
انتحرتُ حين اتهمني الشعب بالخيانة
وانتحرتُ ثانية وأنا أتهمه!

 (5)
    رثاء
عهد المديح انقضى
فليأتِ عهد الرثاء!

 (6)
    البئر
قِيل لهامان:
’’قبل أن تبني صرحاً
يصل فرعون برب السماء
إحفر بئراً
لتبصر أعماق الأرض!‘‘

 (7)
    المصلوب
رأى مصلوباً
يحمل فوق رأسه خبزاً
تأكل الطير منه ومن رأسه
سأل عنه
قالوا: ’’هو العراق!‘‘

 (8)
    خطان
على وجنتي العراق
يتكسر خطّان من الدموع
أهما الفرات ودجلة؟!

قصائد للحبّ
 أيتها الشمالية الرائعة
أروع الحزن
أشهى التمرد
أحلى البكاء!
لا هدوء لبركان الجبل القوقازي
ولا صمت في عيون النجوم
ولا كلل في تدفّق الشلاّل!
أسطورة الأمس واليوم والغد
العشق امرأة
والأمومة احتراق العشق
***
أيتها الشمالية الرائعة
هلاّ أحببتِ نفسك يوماً
بقدر حبّي إليكِ
أمن يقبض على الجمرِ براحتيه
يأبى أن تحبسه الثلوج
في غرف الظلام
والدهاليز الرطبة
***
أيتها الثورة الدائمة
العاصفة في نسمة!
والموجة في قطرة!
والربيع في زهرة!
والألم في دمعةٍ ترفض الانحدار!
2000

   أغنيات في أكتوبر
 (1)
    درب الأعمار*
تعالي، لا نتوجّس الخطو على درب الأعمار
فما زالتْ بغداد تتعرّى في ثنايا جسدكِ
وما زالت شمس المتوسّط**
تطلّ من مسامات ظهرك العاري
وما زال الأطلسُ***
ينثر رذاذه على خدّيكِ المتوّردين
وما زلتُ أحبّكِ
وفي كلّ أكتوبر نولد من جديد
فتعالي، لا نتوجّس الخطو على درب الأعمار!

* إشارة إلى أغنية فيروز (تعا تا نتخبّى من درب الأعمار/ وإذا هنّي كبروا وإحنا بقينا صغار وسألونا وين كنتوا/ وليش ما كبرتوا إنتو/ منقلّن نسينا)
** البحر الأبيض المتوسط
*** المحيط الأطلسي

 (2)
    الحلم الذي أراه
بين ظلمة الليل وضوء القمر
خيط لا أراه ولكني أدركه
وبين القمر وصورته في عمق البحر
نسيج أشعة أراها ولا ألمسها
وفي عينيك حلمٌ أراه
عندما تطبقين جفنيك
حين أقبّلكِ!

 (3)
    السماء
كلما ضاقت الأرض
نظرنا إلى السماء!

    (4)
    ذلك الندى
الندى الذي يكسو زهرة الفجر
يتلاشى مع إشراقة الشمس
وذلك الندى يكسو شفتيكِ
لن يجفّ في الليل أو النهار!

 (5)
    كأس النبيذ
رشفتُ كأس النبيذ
فسكرتُ، ثم صحوتُ
وحين رشفتُ قطرة من نبيذ شفتيكِ
بقيتُ نشوان طيلة العمر!
2009

 غزليّات في عيد ميلادها
(1)
في هذا المحيط الذي لا ينتهي
حتى مع اللانهاية!
تبحر بنا هذه السفينة
تآكلتها الرياح والأملاح ولطمات الموج
تقودنا أو نقودها إلى غير مرسى
وها أنتِ تهمسين لي:
’’وستكتب لي قصيدة في عيد ميلادي!‘‘
يهدأ المسار
تهدأ السفينة
تترفق بنا أو نترفق بها
وتغرق بنا الذكريات أو نغرق في طيّها
وننسى الرياح، ونُذُرَ العواصف
والبحرَ إن طغى!

(2)
وحيدان في ركن المقهى
أنتِ أمامي
والقصيدة تسير في دمي!

 (3)
الينبوع الذي يستقي ماءه
من أعماق الأرض
لن يجفّ إذا تدفّق إلى الأعالي!
والشمس المتعالية في السماء
لن ينحسر نورها
إذا ما احتضنه البحر
وكم يكون القمر جميلاً
حين يقبّل ستائر النوافذ المغلقة

   (4)
وكلّما التهب الغضب
هدأ على لمسة كفٍ
أو قبلة هادئة!

 (5)
إنّ أحلى الدموع
تلك التي تشفّ على مقلتيكِ
وتبقى هناك!

    (7)
سلاماً
سلاماً عليكِ
ملتفّة بضوء النهار
وهاربة من حدود الإطار
وعالية على الموجة العالية
سلام التمرّد والوجع
والجرح يكبر فوق الجراح
يرقّ لديكِ الغزل
ويحلو الضياع إذا ما التقاه الضياع
والسَكَنُ التشرّد
وعذاب الترقّب
وماذا وراء الغد؟
وأُنبيك أنّ الغزل
هو اليوم
والغد
والبارحة!
2010

شاهد أيضاً

عبد اللطيف رعري: درجة الغضب تحت الصفر

ما بوسعي الكلام منذ بداية التكميم …فلا على ألاكم حرجٌ كانت أسْناني بيضاءَ وَكان جبلُ …

من ادب المهجر: اغنية غربة على نهر مور
بدل رفو
غراتس \ النمسا

من حُمَمِ الشوق والسهر .. من فضاءات الشجن .. انبثقت اغنية بنثر العشق لحنها .. …

صهوة الجراحات
عصمت شاهين دوسكي

آه من البوح الذي يغدو بركانا آه من شوق اللقاء يتجلى حرمانا أفيضي عليً دفئا …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *