الرئيسية » مقالات » عبد الكريم ابراهيم : عالم زاير حنتوش (البداية الاولى/ الحلقة الاولى)

عبد الكريم ابراهيم : عالم زاير حنتوش (البداية الاولى/ الحلقة الاولى)

abdulkarim ibrahimزاير حنتوش رجل بسيط لدرجة السذاجة وحسب تعبيرنا الدارج (من اهل الله) يعيش خارج زمن التغطية والانترنيت ولايكترث بما يجري من حوله من مشاكل وهموم، لا يهمه انتشار مرض انفلوانزا الخنازير وقبلها الطيور، لم يتشرف حتى يرى الابقار والجواميس وهي تدخل (الشماعية) فهو دائماً يؤمن بالقول المعروف (المكتوب على الجبين لازم تشوفه العين)، لان القدر اذا وقع لاتنفع معه المضادات الحيوية والادوية الهندية والاردنية والسورية، لذا لا يعبأ بشيء اسمه المرض تمنعه (الكمامات). ذات مرة مرض واخذه ولده الاكبر الى الطبيب فكتب له قائمة طويلة من (الانبولات) واقراص الادوية وعندما شاهدها اخذها من ابنه وقال له والضحكة بادية عليه كأنه يسخر من المرض:(ابني هي نشله وتنتهي)، كل ما احتاجه (مغلية) دهن حر مع (طابك تمن عنبر) واعود كأنني ابن ثمانية عشر !! ضحك ولده على قائمة الادوية التي وصفها زاير حنتوش اعني الطبيب حنتوش حيث يحتاج الى وقت من اجل تحقيقها، لان الدهن الحر الذي يباع في الاسواق حالياً اغلبه (مغشوش) اما (تمن العنبر) فانه يعرف صديقاً من اهالي (المشخاب) لعله احتفظ بشيءٍ منه للذكرى بعد ان غزا العطش تلك المنطقة!!
رغم ان زاير حنتوش تجاوز التسعين عاماً، فانه يحتفظ بذاكرة قوية جداً فهو يتذكر الاشياء كأنها اليوم ويصفها بدقة (الكمبيوتر) ولكنه لا يستطيع التأقلم مع (روزنامة) اليوم فهو لديه تقويم خاص به لتحديد الاحداث التاريخية كبقية اهل ذلك الزمان، وعندما تسأله عن تاريخ ميلاده مثلاً يقول لك بعد ان (يلف سيجارة من التتن): والدي رحمه الله اخبرني انني ولدت في سنة (ام المصران) وهي نفس السنة التي توفي فيها( حجي موحان اللفتة) !! وبعد( طبة) الانكليز بعشر سنوات، طبعاً لا يعرف احدنا اليوم حادثة (ام المصران) والسنة التي توفي فيها (موحان) وهذا .ولكن من خلال قراءة التاريخ يمكن ان تحدد السنة التي ولد فيها زاير حنتوش هي تقريباً في منتصف العشرينيات من القرن الماضي وكلما سألته عن تلك الايام يطلق العنان لذكرياته حيث (الفالة) والهور لان حنتوش قبل ان يصبح زاير كان (صايودا) بـ(الفالة) من الطراز الاول، يعرف نوع السمكة سواء كانت (شبوط) او (كطان) او(بنية) من (اللبطة) ودائماً يذكر (تفكته) الانكليزية التي اشتراها والده بتسعة دنانير وكيف كان يحملها على كتفه، حيث يصيد كل انواع (البش والكراكي والغرنوك والحجل) ويروي زاير حنتوش حادثة يعرفها اهل العمارة خصوصاً (ريف علي الغربي) ودائماً يرويها بكل اعتزاز وشموخ كيف استطاع ان يذبح خنزيراً برياً بمنجل الحصاد، وبعد ان لف حول يده مجموعة من الخرق (القماش) البالية ووضعها في فم الخنزير، ثم قفز على ظهره لحز رأسه امام اهل القرية وزغاريد نسوتها، وربما اضاف لهذه الحكاية الكثير من الاحداث كلما عتقت وانقرض الرواة، مع كل هذا السرد الطويل تشعر بالمتعة والشد الذهني لذاكرة هذا العجوز طبعاً يصاحب الحديث حركات وقفزات كأنه ينقلها لك (صورة وصوت) وطبعاً زاير حنتوش كبقية اهل الجنوب ميزهم الله سبحانه وتعالى بجمال الصوت وقريحة الشعر يستطيع معها ان يصف لك كل الاشياء موزونة ومقفاة وربما كان كما يقول: إنّ له اجمل الاصوات بين اهل منطقته، حيث يردد عبارته المشهورة: عندما كنت اغني محمداوي (اوكع الطيور) وتحصد النسوة ايديهن بدل سنابل القمح، ربما بالغ زاير حنتوش في هذا الامر وانا دائماً احاول ملاطفته: (يا زاير قابل انت يوسف)؟!! يضحك لدرجة الاطراب، ثم يقرأ ويغني لي مما حفظ رغم صوته الاجش من كثرة تدخين (اللف)، وقال لي ذات مرة انه التقى المطرب مسعود العمارتلي وسمع غناءه وسيد جاسم وداخل الغجري وكل هؤلاء من مطربي العمارة في بداية القرن العشرين هو يملك قدرة على غناء (المكالب)وهو نوع من الغناء الجماعي يكون على طريقة الحوار ينتقل من شخص لاخر.

وللحديث بقية
•    (من اهل الله) الجملة التي تطلق على الانسان الفطري
•    (الشماعية ) : مستشفى الامراض العقلية
•    ( المكتوب على العين لازم تشوفه العين ) : مثل العراقي
•    النشله : الافنلونزا
•    مغليه : طاسة وهي وعاء مصنوع من الالمنيوم او النحاس
•    طابك التمن : اكلة عراقية تصنع من الرز
•    العنبر : نوع من الرز العراقي دات رائحة عطرة
•    المشخاب : منطقة في النجف الاشرف معروفة بزراعة رز العنب
•    اللف: طريقة لفة السجارة
•    التتن: التبغ
•    ام مصران : حادثة شعبية
•    طبلة : دخول الانكليز
•    الفالة : اداة لصيد السمك
•    الشبوط ، البنية ، الكطان : من انواع الاسماك العراقية
•    لبطة : حركة السمكة
•    التفكة : البندقية
•    البش، الغنوك ، الكركي : من الطيور
•    علي الغربي : من اقضية مدينة العمارة
•    المحمداوي : نوع من الغناء الريفي الحزين
•    وكع الطير : اي ان الطيور ستسقط من حلاوة الصوت
•    يوسف : نبي الله يوسف عليه السلام
•    المكالب : نوع من الغناء الريفي الذي يشرك فيه اكثر من مطرب (ديدتو )

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *