ناطق خلوصي : خطوات الفجر الآتي (فصل من رواية)

nateq  2سكون !
سكون مبهم يستكين المنزل في ظلاله ، مسترخيا ً تحت هسيس هواء رخي يهفهف على صفحة  وجه صباح مبلل بالندى ، أما الشمس فما زالت جالسة في ملكوتها القصي ، ملتمّة على نفسها ، متلفعة ً بذؤابات ضوء فاتر ومحاطة بفضاء من الزرقة الشاحبة. سكون ، لكنه قلق ، ما يلبث أن يستسلم لاستفزاز الايقاع الصاخب الذي تفجّر بغتة  ً: زعيق أبواق ، دمدمة طبل ، رنين صناجات : خليط من الأصوات يتناسل ويفترع قشرة الهدوء ، ويتداخل أنين أبواب الحجرات تداخلا ً متواترا ً مع وقع أقدام مدربكة تبدو كأنها تطأ أرضا ً يفترشها الجمر ، ولغطٌ يتناثر من أفواه نسوة أيقظ فيهن هذا الايقاع الصاخب شهوة الفضول وأثار كامن الاحساس بالعطش لاقتناص صوت فرح حقيقي منتظر بفارغ الصبر ، ويكاد صراخ طفل افزعه الضجيج يضيع وسط فوضى الأصوات .
لاشيء حتى الآن يشي بأن هذا الصخب قد استفز سبات الراقد لوحده في عراء الباحة . فجأة يفح زفير ، يتململ الجسد متضايقا ً ، تمتد يد متوترة لتسحب طرف اللحاف حتى يغطي فروة الرأس ، في حركة تنم عن استياء ، كأنها تتوخى اتقاء شعاع ضوء ساقط ينكسر عند الوجه . غير ان الايقاع الصاخب يظل برغم ذلك يهمي في صيواني الأذنين ، يخترق القناتين السمعيتين ويطرق الطبلتين طرقا ً عنيفا ً قبل أن يفتر قليلا ًفيأتي مكتوما ً مختنقا ً كما لو أنه يمر خلل قبو أو نفق ضيق ، ثم ما يلبث أن يخرج ضاجا ً من جديد ، معاودا ً زعيقه فيستحيل الآن إلى مطارق تهوي على الرأس . ياله من صباح منحوس تنذر بواكيره بالشؤم !
اللحظة ، يتمنى لو يغوص في أعماق أرض طينية ليهرب بسمعه كي لا يصله هذا الخليط الأهوج الهجين من الأصوات . لا جدوى من أن ينقلب على جنبه أو أن يخفي رأسه تحت الوسادة ، ولا مناص من أن يزيح عن جسده اللحاف ويجلس على الفراش متربعا ًومنحنيا ً فيبدو مثل جذع شجرة كسرته ريح هوجاء ، شاعرا ً بضيق ينبجس من كل مسامة فيه.
دمدم صوته المبحوح عن فم مازال يحمل بصمة خمرة الليلة الفائتة :
ــ زفة من في هذا الصباح المنحوس ؟
لا يدري من أين جاءه الرد المثقل بمرارة السخرية :
ــ لعلها زفتك وأنت لا تدري يا خائب  . نائم ورجلاك في الشمس .
وما لبث أن التقط باذنين مشوشتين كركرة زوجة شعلان اسعيدة ، لكن صوتا ً تداخل  مع تلك الكركرة  :
ــ أو لعله ختان يادحام !
تعثرت المرارة الساخرة بين شفتيه  الهامستين هذه المرة  :
ــ أيكون ختاني وأنا لا أدري ؟
وكتم ضحكة ألم روحي ، فقد صار الزعيق قريبا ً تماما ً بعد أن اجتاز رواق المنزل ، وهاهو يتفجر ببالغ عنفوانه الوحشي  الجامح ، ويبلغه مضخما ً حتى ليكاد يخترق كل خلية في الجسد . انتبه إلى دربكة فرأى أرجلا ً تتراكض وما لبث أن صار يتبين تفاصيل المشهد وقد صارت تتوالى وتتشكل متكاملة في الباحة فيما بعد . والآن فقط بدأ يدرك حقيقة ما يجري . نهض على عجل الهارب من خطر داهم . طوى فراشه وانحنى ظهره ورفع الفراش وجرجر رجله المعطلة وانسحب صوب حجرته مدمدما ً، لاعنا ً ، مدفوعا ً بالخشية من أن تدوسه الأقدام بعد  أن صار نافخ البوق النحاسي الكبير قريبا ً منه  .
انتهى من القاء فراشه على أرض حجرته العارية إلاّ من حطام ، وعاد فوقف عند بابها ليتابع ما يجري ببصر مسكون بالفضول . وها هو يرى الأجساد تتدفق إلى الباحة في فوضى متعمدة : أجساد نافخي الأبواق النحاسية ، قارع الطبل الكبير  ، ضاربي الصناجات  وأجساد شلة من رجال لطالما وقع بصره على أمثالهم يتكدسون في زوايا المقاهي الخاصة بأجواق الموسيقى الشعبية ، وقد التفوا في حلقة اجيرة راقصة ، محمومة ، تطوّق جسد صاحب الزفة وهو يتبختر بدشداشة بيضاء تبدو مثل كفن ناصع البيض ، متكئا ً إلى كتف رجل عريض المنكبين ، مفتول الشارب ، ذي ملامح قاسية توقظ المخاوف ، يشد وسطه بحزام عريض من الجلد الأسود مطرز بمسامير معدنية بيض ذات رؤوسي لامعة ، وقد شمّر عن ذراعين تسكنهما آثار وشم قديم .
همس لنفسه : ” ها قد عاد الخنزير إذن ! ” والتقطت أذناه صوت مراقب البلدية عبود وهو يهتف من مكانه أمام باب حجرته بلجاجة مستهجنة :
ــ الحمد لله على السلامة يا عزيز منزل السرور .
ولم تلتقطا رد القادم الذي تمتم بمفردة لم تغادر ابعد من أرنبة أنفه ، لعلها كانت شتيمة بذيئة أو كلمة استخفاف . طارت نظراته المتأججة من مكانه عند باب حجرته وعبرت الباحة وكأنه أراد بها أن تشتم الواقف كسير الخاطر المصدوم بالرد الفاتر الذي تلقاه . ود لو ان صوته المكتوم يغادر حنجرته ويحط في اذني عبود : قاتلك الله . ألا تستقر على موقف أو رأي ؟!
أخذ نافخ البوق النحاسي الكبير منتفخ الأوداج ، محمّر الوجه ، يدور حول نفسه في حركة محورية بطيئة ، رتيبة ، لكأنه يتعمد أن يمسح ببوقه المكان ، مصوبا ً فوهته الواسعة باتجاه الحجرات حجرة ً حجرة ، وينفخ بزعيق متوتر يصم الآذان لكأنه يريد أن ينفّس عن احساس مكبوت بالرغبة في التشفي ، أو روح التحدي للذين يصوّب فوهة بوقه نحوهم . حين صارت فوهة البوق في مواجهة حجرته تماما ً ، خُيّل اليه ان فوهة ماسورة مدفع مصوبة نحوه . المنزل مقبل على تصفية حساب قديم إذن ، وليستر الله من العاقبة يا دحام !
تلك اللحظة كانت نديمة آل غراب تدور حول نفسها ، تدور بحركة مرتبكة ، مسكونة بفرح تتمنى معه لو انها تستعير جناحي طائر من طيور شجرة السدر وتحلق بها عاليا ً في فضاء المنزل  . انها تحاول أن تزغرد فتخذلها حنجرتها ، يخرج الصوت  مستلا ً من جوف عميق مثل مأمأة عنزة هرمة . تضع نسوة المنزل بواطن أكفهن على افواههن ليخبئن تحتها ضحكاتهن المبتسرة . تحاول أن تداري خجلها  بأن تستجدي استثارة هممهن  :
ــ ساعدنني وزغردن معي أيتها الحبيبات .
لكن صوت استجدائها   الخجول يتلاشى وسط الضجيج ، فتهرول نحو الحجرة التي على يمين الباحة ، الحجرة الغارقة في عتمة عفنة تبدو معها كأنها معزولة عن فضاء المنزل المكشوف للشمس ، وبراحة يد مضطربة تطرق الباب الذي يبدو مثل باب قبر مغلق ، ويعوي صوتها في حنجرتها :
ــ أبشرك يا ملا . خرج أبو غائب من المستشفى !
وما تلبث أن تعود أدراجها راكضة ً، تتعثر بأذيال لهاثها ، إلى حيث صار زوجها يتجه صوب السلّم . وإذ بدأ يرتقيه تناهى إلى سمعه الصوت الأخن الهرم  :
ــ الحمد لله على السلامة سيد زكي  . لقد كنت أدعو لك ليل نهار فاستجاب الله إلى دعائي .
لم يعر ما يسمع اهتماما ً . غمغم جوار أذن الرجل عريض المنكبين الذي لا يزال يتكىء إلى كتفه:
ــ كلهم أولاد كلب ، سفلة ، منافقون  . حتى هذا الهرم العفن الذي نبح قبل لحظة . فلولا اللقمة الدسمة التي تسد بها زوجتي حلقه لما سمعته يلهوج بهذا النفاق .
ما لبث زعيق الموسيقى أن خفت قبل أن يتلاشى تماما ً ، وبدأ عقد الحشد المأجور ينفرط وصار افراد الجوق الموسيقي وأفراد الشلة الراقصة المأجورة يبرحون المكان مخلفين بصمات وقاحتهم وبعض صدى ضجيجهم الأجوف في الباحة لوقت قصير .
اغرورقت عينا حسيبة بالدموع وهي تضحك وتناثر رذاذ كلماتها الساخرة في وجه زوجها عبود وهي تغلق باب الحجرة وقد صارت في مواجهته وهو يقعي كسير الروح :
ــ ها قد عاد مشافى مثل حصان الريسز !
شم ّفي كلماتها رائحة لوم أو تقريع ، وأدرك انها تحاول من جديد أن تستفز في ذهنه ما سبق أن أكده لها بأن زكي آل غراب سيخرج من المستشفى بشلل لن يكون قادرا ً معه على أن يهرب منه حتى الموت . نكس رأسه شاعرا ً كأن شيئا ً ما ينكسر في داخله . قال :
ــ ما أدراني انه مثل القط له سبعة أرواح  ؟
لكم كان يتمنى أن تتحقق نبوءته فيعاد زكي  آل غراب إلى منزل السرور محمولا ً  بين الأيدي او معلقا ً بالأكتاف فيتعذر عليه السكن في الغرفة العلوية مرة أخرى . لكن المحظوظ عاد على قدميه ففوّت عليه فرصة الحصول على تلك الحجرة وهي تاج رأس حجرات المنزل جميعا ً وحلمه الذي طالما راوده والهاجس الذي ظل يؤرقه منذ زمن . ساوره إحساس بقلق مضاف : هل ستستيقظ شهوة الانتقام في دخيلة نفس زكي المسكونة بالحقد وتنفلت لتطول الذين تدور الشكوك حولهم لديه ؟ دمدم هاجس الخشية من الانتقام  في داخله فأطرق واجما ً . وكأن زوجته شمت رائحة القلق الذي ينث في داخله ، فقالت وهي تقترب منه  بعد ان وضعت ابنها في المهد :
ــ هل تظنه سيسكت ؟
سمع  طرقا ً خافتا ً على الباب . جعلته كلماتها يشعر بشواظ نار يلسع سمعه تلك اللحظة فرد على عجل المرتبك :
ــ وما شاني أنا .في ذلك ؟ لست طرفا ً في الموضوع لا من قريب ولا من بعيد .
أ ُلجم لحظة ً وظل ساكتا ً كأنه يحاول أن يلملم أطراف اضطرابه قبل أن يقول وهو ينهض لكي يرى من الذي يطرق الباب :
ــ لعله يعرف من فعلها معه فينتقم منه !
لكن الراقد على سريره وهو في الحجرة العلوية الآن لم يعرف بعد من الذي كان قد أنزل نصل سكينه بين كتفيه وأحدث جرحا ً غائرا ً في الجسد والروح معا ً أوقعه طريح سرير المستشفى زمنا ً .
قال صاحبه الذي جاء معه :
ــ من تظنه فعل بك ذلك يا سيدي ؟ بح لي باسمه  وانا كفيل بأن أصفي لك الحساب معه .
اكفهر وجه  زكي وكأن جمرة الحقد قد أخذت تتقد في داخله ووجم لحظة وما لبث أن قال :
ــ لا أعرف على وجه التحديد يا مرزوق . انهم في منزل السرور موضع شكي ولابد من أن يضيق الخناق على واحد منهم بالتأكيد وأعرف كيف أنتقم منه .
التقطت كلمات زوجها بسمع وجل ، مضطرب فوجب قلبها وعاودها ذلك الخوف الذي ظل يتلبسها منذ تلك الليلة المشؤومة ، الخوف من أن تكون زوجة شعلان اسعيدة قد اخبرت زوجها بما كان زكي قد حاول ان يفعله معها تلك الليلة . وجمت قليلا ً ، وتراءى لها خلل عين ذاكرتها من جديد جسده اللحيم وهو ينسل من الفراش ويغادر الحجرة محتميا ً بخيمة الظلام ويتسلل إلى باب حجرة شعلان الذي كان خافرا ً في مركز السراي انذاك ويحاول اغواء زوجته . انتابتها قشعريرة هزت جسدها . حاولت أن تتحرر من اسر مخاوفها فالتفتت إلى حيث يرقد على الفراش واغتصبت ابتسامة يتيمة قسرتها على وجهها . ألفته قد أغمض عينيه ، لكن مرزوق الغريب ردّ على ابتسامتها بابتسامة عريضة تراءت لها ماجنة تلك اللحظة . لم يكن زوجها نائما ً ، انما كان يحاول أن يستجلي في ذاكرته تفاصيل علاقته  بالذين يضعهم في دائرة شكوكه  . لينتظراولاد العواهر إذن  . هذه المرة لن يعتمد على معارفه في الحكومة ، فالحكومة في شغل شاغل عنه بعد الذي حدث في السجن . دمدم في أذنيه  صدى دوي الرصاص الذي كان يتناهى إلى سمعه من السجن المركزي القريب  وهو على سريره في المستشفى الملكي الذي يرقد فيه . تراءى له شرر الغضب وهو يتقادح من عيون العاملين في المستشفى والراقدين فيها على حد سواء ، ما عداه هو المسكون بالخوف من أن يكتشف أحد بانه من أعوان الحكومة فيثأر منه للسجناء السياسيين السبعة او الثمانية الذين بلغ سمعه انهم سقطوا صرعى رصاص الشرطة في السجن .
لن يعتمد هذه المرة على الحكومة إذن ما دام مرزوق الغريب معه . سيكون يده الطولى  واداته المنفذة ، وهو ذو باع طويل في كل ما يخطر أو ما لا يخطر من أفانين الانتقام . شكرا ً للحظة التي برقت في ذهنه خلالها فكرة الاستعانة به فأرسل في طلبه حين بدا يتماثل للشفاء في المستشفى فجاء على عجل وصار يلازمه  ملازمة الظل منذ ذلك الحين . فتح عينيه فسقط شعاع بصره المغبش على مرزوق الغريب وهو يلامس ببصر دنيء مؤخرة نديمة المنحنية على وعاء الشاي . تنحنح فبوغت مرزوق وتنحى ببصره على ارتباك . قال بنبرة عتاب رقيق :
ــ أين هرب بصرك ؟
تعثرت الكلمات بين شفتي مرزوق :
ــ كنت أتأمل حركة انامل أصابع أم غائب الماهرة وهي تعد الشاي .
شم رائحة الاصطناع في كلمات مرزوق ولم يقتنع لكنه سكت على مضض.أو ربما عن قصد تحت الحاح حاجته إلى خدماته . لم ترفع هي بصرها عن وعاء الشاي ولا استدارت براسها نحوهما . غير ان الكلمات التي التقطتها أذناها اليقظتان لامست وترا ً حساسا ً فيها واستفز الكامن في روحها من عطش للكلام العذب الرقيق وهو ما لم يرد على لسان زوجها في يوم من الأيام .
ليس مرزوق الغريب قريبها ولا هو قريب زوجها ، ولا من معارفه الذين تعرفت عليهم من قبل ، انما سمعت باسمه يتواتر ذكره على لسان زوجها في الأيام المخصصة للزيارة في المستشفى فاستيقظ في راسها سؤال لجوج منذ ذلك الحين عن سر العلاقة الحميمة التي تجمع بينهما . قالت وهي تقترب منهما باكواب الشاي :
ــ لابد ان أحدكما يعرف الاخر منذ زمن !
التقط  مرزوق كوب الشاي بحركة تعمد فيها ان تلامس أصابع يده أصابع يدها فسحبتها على عجل المرتبك لكنها ظلت تحتفظ بدفء أصابعه :
ــ انه سيدي وتاج رأسي وأنا خادمه المطيع .
وجب قلب زوجها وخشي من أن يزل لسان صاحبه ، لكن هذا سكت وسرح به الخيال قليلا ً ساحبا ً إياه إلى تخوم الماضي حيث تلك السنوات التي جمعت بينهما وراء الأسوار العالية : سيده المحكوم سبع سنوات بجرم اختلاس مافي خزانة الوزارة التي يعمل فيها من اموال ، وهو المحكوم بتهمة ترويج الدعارة  . وجده ذا حظوة وكلمته تسير قانونا ً بين أناس لم يعرفوا معنى القانون . والآن يرن في أذنيه صوت سيده الذي صار عين ادارة السجن على السجناء في القلعة الأولى :
ــ ستكون ذراعي في كل شيء يا مرزوق !
انتبه إلى صوت زكي وهو يخاطب زوجته :
ــ سيكون مرزوق واحدا ً منا . أعني سيبيت معنا .
فشعر كأنه يغطس في بركة ماء بارد في ظهيرة يوم شديد الحر . وقفت بقامة منحنية على قدمين مرتجفتين . لقد فاجأهها واجفلها ما سمعت وتمنت لو أنها تستطيع أن تدع صوت احتجاجها المنحبس في تجويف الحنجرة  ينطلق ، أو أن تسأل في الأقل : أليس له أهل أو بيت ؟ لكنه قمع هذه الرغبة حتى وهي ما زالت جنينا ً إذ عاجلها بالقول :
ــ لبعض الوقت ، سيبيت في السطح ليلا ً  ويقاسمنا الغرفة نهارا ً إلى أن ندبر له مكانا ً يليق به في منزل السرور.
صمت هنيهة ً ثم قال :
ــ اشيعي في المنزل انه أخوك وانه كان غائبا ً في مدينة بعيدة وجاء حين سمع بوجودي في المستشفى . سأفعل ذلك أنا أيضا ً
ساورها شيء من القلق اصاب صدرها بضيق مكتوم : كيف ستمارس حياتها اليومية وهذا الزائر الغريب يلقي بظله الثقيل عليها ؟كيف ستستبدل ثيابها أو تتزين أمامه ؟ كل حركة ، كل نأمة ، كل كلمة ، كل رفة جفن لابد من أن يكون لها حسابها بعد الآن.
أخرجها من عتمة نفق أفكارها صوت مرزوق الغريب :
ــ ان جميل زوجك يا سيدتي لا ينسى  . لقد كنت أنتظر الفرصة التي أرد له الجميل فيها وها ان هذه الفرصة قد حانت والحمد لله .
كان دحام السبع يرتشف الشاي في غرفة عبود بلدية وكأن خيط تخاطر يمتد من هذه الحجرة إلى الحجرة العلوية المقذوفة في جوف العزلة مثل عش غراب . وهاهو عبود يقول له :
ــ لن تستطيع أن تبيت في الباحة بعد الآن . لقد جاء الماء الحار .
وأطلق ضحكة لها رنين مجلجل لعله أراد بها أن ينفس عن احساسه بالقلق . قال دحام المسكون بهاجس القلق هو الاخر وقد اصطنع هدوءا ً زائفا ً :
ــ لن يقدر على أن يفعل شيئا ً. ليس هو صاحب الشأن في منزل السرور . لا تنس انه وحيد ومعزول مثل حصان أجرب .
ــ والبغل الذي معه ؟  من تظنه يكون ؟
ــ علمي علمك .
ــ انه ذو هيئة مخيفة والعياذ بالله يادحام .
وجم دحام قليلا ً وشعر كأنه يسمع طنينا ً يضج في رأسه . انتزع نفسه من مكانه ناهضا ً ولبث واقفا ً هنيهة .وما لبث ان ودع صاحبه وخرج . سار مطرقا ً صوب حجرته ووقف عند بابها يفكر  . ألتفت فيما حوله فشعر بأنه هو نفسه الوحيد المعزول الآن . كل الأبواب موصدة ولا أحد يصغي إلى هواجسه . ضياء  شامل مقذوف في جوف صحراء السماوة نزيل نقرة السلمان ، وما زال كفاح شاكر يسترخي في مدينته مع أمه ، ولم تعد نجمة بعد من مدينة النجف التي ذهبت اليها بصحبة أبيها وأخيها علي في زيارة لقبر أمها في وادي السلام . نفث زفير أساه في فضاء الباحة ورفع بصره إلى الحجرة العلوية وتمتم بحزن :
ــ غاب القط إلعب يافأر !

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| د. ميسون حنا : مسرحية “الحلم”.

مسرحية من أربع لوحات سأنشرها تباعا ، مثلت هذه المسرحية ضمن فعاليات مسرح الهواة عام …

| جمعة عبدالله : قصيدة : أم الشهيد للشاعر يانس ريتسوس ( ΓΙΑΝΝΗΣ ΡΙΤΣΟΣ ).

قصيدة : أم الشهيد   يا ولدي , لا أعرف أي قدر كتب عليك وعليَّ …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *