الرئيسية » مقالات » سامي عادل البدري : حين التقى دالي بفرويد

سامي عادل البدري : حين التقى دالي بفرويد

sami albadriسببت الحرب العالمية الأولى (1914-1918) الكوارث تلو الأخرى ولم يبدو حينها أن هناك سبيل لإيقافها، فقد فشل ما وصل له البشر من تطور وقتها في الحيلولة دون بدء الحرب واستمرارها، بل أن العلم استخدم لتطوير الأسلحة التي صارت أكثر دماراً. من هنا بدأ بعض الفنانين والأدباء الذين آذتهم الحرب وشردت بعضهم من مواطنهم  في الاستهزاء بالقيم السائدة حينذاك وبالعقلانية، فروّجوا في أعمالهم إلى القيمة الخلاقة للمصادفة وإلى اللاعقلانية واللامنطقية فكانت المدرسة الدادائية في الفن. لكن الدادائية في لاعقلانيتها المتطرفة فقدت بريقها سريعاً وفسحت المجال لمدرسة فنية أكثر نضجاً هي السوريالية التي اهتمت في التقدمات الحاصلة في علم النفس وخصوصاً إكتشاف اللاشعور في انضاج تجربتها، ومصطلح الـ(سوريالية) متكون من مقطعين، (سورsur) ويعني (فوق) و (ريالية realism) وتعني (واقعية)، أي أن المصطلح يعني حرفياً (فوق الواقعية).
يعتبر الرسام الإسباني سلفادور دالي (1904-1989) أحد رواد هذه المدرسة الفنية وكان يغذي محاولاته التجديدية في الرسم بقراءات فلسفية فعُرِف عنه قراءته وتأثره بنيتشه وسبينوزا وديكارت وشوبنهاور ثم بعد ذلك اكتشف الطبيب النفسي الشهير سيجموند فرويد (1856-1939) الذي ربما أثر عليه أكثر من أي مفكر آخر ولمعرفة مدى ذلك التأثير لنقرأ ما كتبه زميله الرسام السريالي البريطاني كونروي مادوكس (1912-2005) عنه في كتابه (دالي) والذي ترجمه لنا الشاعر العراقي جان دمو (1942-2003) حيث يكتب مادوكس عن تأثر دالي بأحد كتب فرويد الشهيرة وهو كتاب (تفسير الأحلام) الذي نشر عام 1900 قائلاً:
“كان (تفسير الأحلام) ذا أهمية بالغة في حياته فكان أشد الأفعال عَرَضيّة يخضع لتحليل ذاتي معذب، وكان عليه أن يكابد عذابات أليمة وهو يحاول أن يقرر ما إذا كان مجنوناً”. (1)
كان دالي يريد لقاء فرويد وكان حاول ذلك مرات عديدة في زياراته الى فيننا لكن الحظ لم يسعفه فاتصل دالي بالروائي النمساوي المنفي آنذاك الى لندن ستيفان سفايج (1881-1942) ليطلب منه ترتيب لقاء مع فرويد.
كتب سفايج رسالة إلى فرويد يقول فيها: “ان سلفادور دالي في رأيي، رغم غرابته، حاله حال لوحاته، إلا إنه الرسام الموهوب الوحيد في عصرنا هذا الذي سيكتب له الخلود. هو متحمس لقناعاته وهو من مريديك الأكثر إيماناً وإقراراً بالجميل لأفكارك من بين الفنانين. كان لهذا النابغة رغبة في أن يلتقيك منذ سنين، فهو يقول أن فنه مدين لك أكثر من لغيرك”. (2)
فكان اللقاء في لندن حيث حضر دالي وفرويد وسفايج والشاعر الانكليزي ادوارد جيمس (1907-1984) وزوجة دالي المعروفة بإسم (غالا).
لكن اللقاء كان بمثابة خيبة أمل بالنسبة لدالي فقد كان فرويد يتكلم الألمانية التي لا يتكلمها دالي فحاول التواصل معه باللغة الفرنسية إلا أن فرويد كان يعاني من صعوبات في السمع حينها مما أدى إلى أن لا يتحاورا مطولاً.
كان الشاعر ادوارد جيمس قد جلب معه إلى ذلك اللقاء لوحة يقتنيها من أعمال دالي وهي لوحة (إنمساخ نرجس Metamorphosis of Narcissus) التي رسمها دالي عام 1937 وحاول دالي أن يتكلم لفرويد عن ورقة بحيثة كان قد كتبها دالي عن (البارانويا) حيث كان يعتقد أنه يمارس ما أسماه بـ(الطريقة النقدية البارانويدية paranoid critical method) التي يقول انها تساعده على رؤية الواقع بمنظار شعوري ولاشعوري في نفس الوقت. لم يبدو على فرويد حينها أنه مهتم بما يقوله دالي. إكتفى دالي بعد ذلك بالسكوت وبمحاولة رسم بورتريه لفرويد فيما بدأ فرويد بمبادلة الأحاديث مع زفايج وجيمس.

بورتريه فرويد بريشة سلفادور دالي 1938
بورتريه فرويد بريشة سلفادور دالي 1938

كان دالي بعينيه الحادتين ينقل نظره بين فرويد وما يرسمه من بورتريه فهمس فرويد لجيمس باللغة الألمانية معلقاً على نظرات دالي: “ذلك الولد يبدو متعصباً. لا عجب أن هناك في إسبانيا حرب أهلية ما دامت عيونهم تبدو هكذا”. (3)
لكن في اليوم التالي، بتاريخ 20 تموز 1938، كتب فرويد رسالة إلى زفايج يقول فيها:
“إن عليّ شكرك لأنك قدمتني لضيوفك البارحة، فقد كنتُ إلى حد البارحة أنظر للسورياليين الذين اختاروني بمثابة قديس لهم كمجانين مئة في المئة. لكن ذلك الشاب الاسباني ذا العينين المتقدتين بصدق الذي يتقن تكنيكه الخاص في الرسم اتقاناً كاملاً جعلني أعيد النظر في رأيي. ان من المثير جداً إن لوحة كتلك قد رُسِمَتْ.” (4)
وبالطبع فإن اللوحة التي قصدها فرويد في رسالته هي لوحة دالي (إنمساخ نرجس) أو (تحوّل نرجس) التي كان قد جلبها جيمس لقاءهم في اليوم السابق وحسب الأسطورة الإغريقية فإن الشاب الجميل نرجس (أو نارسيسوس Narcissus حسب اللغة الاغريقية) حين رأى لأول مرة صورته وهي منعكسة من على صفحة المياه هام بحب نفسه وبقى يتأمل صورته إلى أن تحول، أو إنمسخ، إلى زهرة نعرفها اليوم بإسم زهرة النرجس. واهتمام دالي بهذه الاسطورة أتى بعد اهتمام فرويد بها فقد كتب فرويد عام 1914 مقالة بعنوان (مقدمة في النرجسية) يتحدث فيها عن (ليبيدو الأنا) و(ليبيدو الموضوع) واقترح ان هناك نرجسية أولية (حب ذات) تحصل في الطفولة المبكرة ثم تتطور إلى نرجسية ثانوية حيث يتعلم الطفل التكيّف مع العالم ويكوّن (أنا مثالية). وحسب نظرية فرويد فإن نرجس في الاسطورة الاغريقية لم يستطع ان ينتقل من النرجسية الأولية إلى النرجسية الثانوية.
نعم لقد اهتم الكثير من الفنانين القدماء في رسم اسطورة نرجس مثل الايطالي ليوناردو دا فينشي (1452-1519) والايطالي كارافاجيو (1571-1610) والروسي كارل برولوف (1799-1852) والبريطاني جون وليام واترهاوس (1849-1917) وكل هذه اللوحات وغيرها من تلك الفترات الزمنية المختلفة صورت رجل شاب ينظر باهتمام على صورته المنعكسة من على سطح بركة ماء لكن لوحة سلفادور دالي (انمساخ نرجس) ترسم الاسطورة بطريقة غير تقليدية.

لوحة انمساخ نرسيس لسلفادور دالي
لوحة انمساخ نرسيس لسلفادور دالي

فلوحة (انمساخ نرجس) لدالي تنقسم إلى قسمين، يسار ويميننرى أن جهة اليسار مرسومة بطريقة كلاسيكية منطقية وهي تصور جسداً بشرياً منحنياً على بركة ونرى خلفه جبلاً كبيراً. أما في الجهة اليمين فنرى أشياء تمتاز بالغرابة واللامنطق فهناك ذلك الكفّ الذي يحمل بيضة تخرج منها زهرة، وهناك في الخلف تمثال عاري ترتكز منصته على رقعة شطرنج. ولو رجعنا في نظرتنا إلى الخلف فسنرى أن الكف والبيضة على اليمين يناظران في شكلهما الجسد البشري على اليسار وكأنهم إنعكاس لبعضهما البعض،  وهنا دعونا نتذكر تلك الطريقة التي أسماها دالي بالـ(الطريقة النقدية البارانويدية) التي تساعده، كما يدّعي، على رؤية الأمور بمنظارين، شعوري ولاشعوري، في آن، فربما لوحته هذه في جزئها الأيسر تمثل الشعور والأيمن تمثل اللاشعور.
بما أن فرويد كان يؤمن أن الطريق الأمثل لأعماق النفس، وبالتالي اللاشعور، هو دراسة الأحلام فقد عمد إلى دراستها وكان أن ركز فرويد على أحلامه الشخصية فعمد فرويد إلى وضع قلم ودفتر قرب سريره كي يدون أحلامه حالما يستيقظ من النوم قبل ان ينساها، ويحكي لنا مادوكس في كتابه (دالي): “في دأبه على الإذعان لأوامر اللاوعي، قام دالي بوضع فرشاته عند قائمة السرير” (1) وبذلك نرى أن دالي عمل مثلما عمله فرويد في محاولته لفهم لاشعوره والتقرب منه.
وكما ان فرويد لم يجد التفسيرات المنطقية لبعض أحلامه وأحلام مرضاه إلا بعد فترة من الزمن، وأحياناً ربما لم يجد مطلقاً التفسير المقنع فترك تفسيرها لطلابه، فقد كتب دالي في مقالته (غزو اللامعقول The Conquest of the Irrational) المنشور عام 1935: “إن حقيقة كوني أنا نفسي، في لحظة الرسم، لا أفهم صوري لا يعني أن هذه الصور بلا معنى”، وبذلك فإن دالي يترك لنا إرثاً من الرسومات السريالية “اللاشعورية” علّنا نجد تفسيراً لبعضها أو ربما تساعدنا على التقرب من فهم طبيعة النفس البشرية.
إن الطريق لفهم النفس البشرية يمر ليس فقط عبر علم النفس البحت بل يتفرع ويضيع في غابات الفنون ومدارسه المورقة. في تأملنا بلوحات دالي فإننا ربما كحال نرجس وهو يتأمل في انعكاس صورته على صفحة المياه، نتأمل في أعماق أنفسنا. فشكراً لفرويد ولدالي على كل ما تركوه لنا من مرايا.
المصادر:
1.    كونروي مادوكس. دالي. ترجمة: جان دمو، منشورات الجمل 2012
2.    Cowles F. The Case of Salvador Dali. Boston, Mass: Little Brown & Co; 1959
3.    Dali S. The Secret Life of Salvador Dali. Chevalier HM, trans. New York, NY. Dover Publications Ins; 1993
4.    Freud E, ed. The Letters of Sigmund Freud. Stern T, Stern J. trans.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *