د. جمال خضير الجنابي : أهمية الصورة الشعرية ووظيفتها عند الشاعر “هشام القيسي” (فصل من كتاب)

jamal khudier aljanabiالصورة
ظل المنهج النقدي القديم يجد تأثيره في تجارب الشعراءالعرب، سواء عبرالنماذج التقليدية القديمة أو السائدة.رغم ما حققه جماعة الديوان.وأبولو،والمهجروعدد من الشعراء اللبنانيين.
فالصورة الشعرية ظلت خاضعة للنظرة الوصفية القائمة على علاقات الشبه الخارجية،بمنطق عام ومسبق.ولعل من المفيد هنا أن نورد نموذجاً مما كانت تقدمه النظرة البلاغية القديمة مثلاً عن (فوائد التشبيه)فصاحب(جواهرالبلاغة يحصرهذه الفوائد بـ )بيان حال المشبه،أو بيان حاله.
أو بيان مقدار حاله،أو تقرير إمكان حاله أو بيان إمكان وجوده أو مدحه أو ذمة أو استظرافه(1)وهو ينص على أن أصل الاستعارة تشبيه حذف أحد طرفيه ووجه الشبه وأداته(2).
وواضح أن هذا المنهج إنما يعتمد نظرة منطقية ووصفية تقوم

-ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 0جواهرالبلاغة في المعاني والبيان والبديع,السيدأحمد الهاشمي ط4 , مطبعة السعادة 1926,ص180
2 0 نفس المصدر,ص198
على رصد التشابه الخارجي بين الموضوعات.
دون الاتجاه إلى كشف علاقات جديدة واستنباط قوانينها الخاصة منعكسة في تجربة الشاعرالداخلية. ولقد ظل هذا المنهج متمكناً من تجارب الشعراء لسنوات طويلة.
إذ أن طول عهدهم بالتجارب الشعرية التقليدية وإعجابهم بها واستلهامهم لنماذجها. كان يحول بينهم وبين الانفتاح بشكل أصيل على التجارب الجديدة التي كان يقدمها الشعر العالمين. ولهذا جاء العديد من قصائدهم مفتقراً إلى التوازن والانسجام.
إن الباحث مثلاً ليقع في قصيدة واحدة على تشبيه أو استعارة ذات طبيعة قديمة بجانب تشبيه أو استعارة متجددة.في قصيدة مثلاً يجمع الشاعربين نمطين من الصور،أحدهما يقوم على علاقة المنطق والمشابهة،من نوع :
(قال الراوي في جدل المسافات:
من اين تصمت الاسفار الحزينة؟
وقد صرخ الوجع على الجدار
ومن اين انسى احزان الليالي؟
وقد طافت بي مواسم الهمس
ومتاهات الاسرار
لا
المسافات لا تغني لحرائقي
والاغنيات شفاه تعزف الرحيل على المسار
وكل غربة لا تتمنى ان تنسى الاسر
ولا كي الاشعار
مهلا
ايها السكون المتنامي
في اشتعال الكلمات
ان مرافيء الشوق
ليس لها اخر
والمواقد تؤججها الاحبار)(1)
وعلى صور أخرى من نمط متجدد كقوله
(ترتعش
عبر
-ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 0المخاطبات,هشام القيسي,تموزللطباعة والنشروالتوزيع,دمشق, 2013 ,ص46-47
hosham alkaisyنبض
الروح
ساكن
في
عيون
اسفارك
حارس
ضائع
في
متاه
العمر
وفي
ملكوت
الرحيل
تتسلل
داخل
ما تعرف
وما لاتعرف
اهذي
هي
مدونة
الحرائق؟
ماذا
تقول
للقصائد
غير
المحنطة؟
وكيف
تتفرس
في
ممالك
تناغم
العشق؟
ثم
كيف
تسافر؟
في
اوقات
لاتلوح
بمنتهى
الوجد
تذكر
في
ابجدية
الاسماء
فنارات
تغني
وفي
الحب
المفتوح
متسع
من اغنيات
تفيض)(1)
ويمكن لهذا أن يفسرلنا السبب في تميزقصائد هشام القيسي الأولى عن نماذج زملائه في هذا المجال،وجرأته الملحوظة على التجديد في الجوانب الفنية.
إذ من المعلوم أن هشام القيسي لم يكن على تماس بالنماذج الشعرية القديمة،وبالمنهج البلاغي الذي كانت تقدمه الدراسة والاختصاص لعدد من الشعراء العرب.
لم يكن الشعراءـ عدا هذاـ قد اطلعوا بشكل كاف على النماذج العالمية،ولم تتح لهم ظروف تلك السنوات التوفرعلى دراسة وهضم القيم النقدية الجديدة،إلا في حدود ضيقة،عبرت عنها المقدمات التي احتوتها مجموعاتهم الشعرية.
وهي بشكل عام قيم لاتتعدى الإشارة إلى (الإيحاء) والغموض و(التداعي)و(مزج الوعي باللاوعي)و(الهمس)(1)والتأكيد أحياناً
-ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 0المخاطبات,هشام القيسي,ص56-57-58-59-60
2 0شظايا ورماد ـنازك الملائكة ـ مطبعة المعارف ـ بغداد(لم يثبت تاريخ الطبع ـ تاريخ المقدمة, 1949
على دور الصورة في القصيدة الجديدة(2).وحين تفتحت هذه القيم النقدية أمام الشعراء العرب.كان لا بد أن يمروقت كاف يتاح لهم خلاله استيعابها وهضمها.
ولم يكن الوضع الثقافي ليساعد على تعميق القيم الفنية الجديدة في نفوس الشعراء.لقد مر بنا أن أغلب الشعراء الشباب كانوا رغم تقدمهم الثقافي نسبياً يفتقرون إلى عمق فكري مناسب يؤهلهم لاستيعاب حركة التطورودواعيها بأصالة.
وما من شك في أنهم بهذا كانوا يعبرون عن طبيعة الوضع الثقافي والفكري بشكل عام.ولقد كان الشعراء الشباب مؤهلين بحدود متفاوتة لتلمس جوانب هذه المشكلة في حدود التجربة الشعرية.فجهدوا ضمن ما يملكون من طاقات محدودة لتجاوزها ،ولكن ذلك لم يكن سهلاً،وكان ينبغي لـه أن يمرعبرالارتباك
-ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
مقدمة,أساطيرـ بدرشاكر السياب ـ منشورات دارالبيان(مطبعة الغري الحديثة في النجف 1950
مقدمة,المساء الأخيرـشاذل طاقةـ مطبعة الاتحاد الجديدة الموصل 1950.
2 0مقدمة,جبراابراهيم جبرا,لمجموعةأغاني المدينة الميتةـ بلند الحيدري ـ مطبعة الرابطة ـ بغداد (لم يثبت تاريخ الطبع).
والارتجال والمصاعب.
لقد وعى الشعراء أنهم حين تخففوا من قيود الوزن والقافية، غامروا بالتفريط بما تقدمه الموسيقى التقليدية من مزايا شكلية، كانت قد تأصلت في أذواق قرائهم ونقادهم غالباً.
وإن عليهم لهذا السبب ولسواه أن يعوضوا عن هذا بأن يملؤوا طريقتهم الجديدة بما يجعلها جديرة ومثيرة،وجالبة للانتباه.
يذكر شاذل طاقة في تأكيد هذا المعنى:
إن الشعراء حين تخففوا من قيود الوزن والقافية كان عليهم أن يُعوّضوا عن ذلك بعدة وسائل،ومن ذلك التركيزعلى الصورة الشعرية.
ولقد كانت الصيغة التي توصل إليها الشعراء العرب في هذا المجال كل بحدوده تعبرغالباً عن هذه الحاجة،بطابع يغلب عليه الاتجاه إلى ما يمكن تسميته التجويد والتزيين الذي لايخلو من اعتساف وتعمد.
فتحت تأثيرهذه الحاجة مثلاً،ونتيجة للانبهارالسطحي الذي عاناه الشعراء أمام إنجازات الشعرالعالمية،لم يرالشاعرالعربي بأساً من التقليد،ولقد كان هذا التقليد في الغالب حرفياً ومفتقراً إلى الوعي حتى لقد اتهم بعض الشعراء بسرقة أبيات كاملة من شعراء عالميين.
ولقد دفعت الحاجة إلى التجويد عدداً من الشعراء إلى اعتماد التراكم وسيلة.لقد تميزت أغلب قصائد الرواد المبكرة بالاتجاه إلى الكم الفني،عبرحشد الصفات والتشبيهات والاستعارات والإيغال في استعمال العطف والتكرار.
ولا يعدم الباحث أن يجد مثل هذا في عدد من قصائدعبدالرزاق عبدالواحد/وحميد سعيد/وسامي مهدي/وعبدالمطلب محمود/ وعادل الشرقي وسواهم…وأغلب الصفات التي اصطنعها الشعراء العرب كانت في الغالب شائعة ومتداولة حتى لتكاد تبدو وكأنها جاهزة.
ولعل هذا يمكن أن يفسرلنا لماذا تشابهت صفات الأشياء لدى الشعراء العرب غالباً.ولم يكتف الشعراء الرواد بهذا،بل عمد كثير منهم إلى حشد أكثر من صفة لموصوف واحد.
واضح أن أغلب هذه الصفات تبدو مقسورة،حتى لكأن الشاعر يلجأ إلى نتيجة قصوره عن الصورة.وإنه ليس عبثاً أن تتردد في قصائدهم صفات من نوع الفظيع.الرهيب.الجميل.القبيح دون أن يكون في الشاعرطاقة لأن يوحي بصفة الموصوف وتهيئ لـه في الصورة ما يجعله فظيعاً أو جميلاً أو رهيباً(1).ولا يختلف الأمر في مجال التشبيه والاستعارة عنه في الصفة.
إننا لنلحظ ذلك بشكل خاص في نماذج عبدالرزاق عبدالواحد ،ومن ثم لدى وحميد سعيد/وسامي مهدي/وعبدالمطلب محمود/ وعادل الشرقي.
وكما لم يكتف الشعراء بصفة واحدة لموصوفاتهم،كذلك حشد بعضهم للمشبه عدداً من المشبهات بها ويغلب أن يجتمع في قصيدة واحدة حشد من الصفات والتشبيهات والاستعارات.
أن جهد الشعراء في تجميع التشبيهات والصفات والاستعارات لم يفلح في أن يقدم إلا قليلاًـ نماذج جديدة تتخطى القيم الفنية التي كانت معروفة سابقاً.
إن من يتابع الصفات التي أوردها الشعراء يجدها في الغالب بصرية حسية تتعلق بالشكل الخارجي للموصوف.وهي عدا هذا لصفات لازمة لموصوفها غالباً.
أما التشبيه،فإنه لا يفلح إلا نادراً في تقديم نماذج تتخطى نمط
-ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 0 أباريق مهشمة(نقد) ـ أحمد عبد الوهاب ـ الآداب 1954/ العدد 9.
التشبيهات القديمة التي تلتقط العلاقات الخارجية للأشياء،وهي علاقات يمكن للمتتبع أن يخضعها للتفصيلات التي مرت بنا عن (فوائد التشبيه)في منهج البلاغة.
ويبدو الشعراء العرب أحياناً وكأنهم حتى دون مستوى القيم النقدية التي احتواها المنهج البلاغي القديم فمعلوم أن منهج البلاغة ينص على أن التشبيه(البليغ)هو الذي حذف منه أداة الشبه ووجه الشبه هو من أبلغ أنواع التشبيه.
ومع هذا فلم يقدم الشعراء العرب كثيراً من هذا الضرب.بل على
العكس،لقد اعتمدت أكثرنماذجهم على التشبيه(بكامل أطرافه) المشبه والمشبه به وأداة الشبه ووجه الشبه ولقد كان تأكيد
الشعراء على اصطناع (كاف التشبيه) ظاهرة تعطي سمة نمطية لا تخلو من رتابة لجملة التشبيه التي أكثروا منها في قصائدهم. وإذ يجدرالتأكيد على أن الشعراء العرب حاولوا التجديد من خلال الاستعارة،ينبغي في الوقت نفسه التنبيه إلى أن أكثرالاستعارات التي قدموها لم تكن تخرج وبشكل خاص في نماذج السنوات الأولى عن مفهوم الاستعارة القديم الذي يرجع بعلاقات الاستعارة إلى قيم المشابهة باعتبارالاستعارة تشبيهاً حذف أحد طرفيه وأداته ووجه الشبه.بل لقد كانت أغلب استعاراتهم يعتمد علاقة التجسيد في مجال المشابهة هذه.
ولم يكتف الشعراء،تحت تأثيرشعورهم بالحاجة إلى التجويد باللجوء إلى حشد الصفات والتشبيهات والاستعارات.بل حاولوا أحياناً أن يلفتوا الأنظارباصطناع الصورالمهولة والمبالغ فيها، إن الباحث ليلحظ ذلك بوضوح في بعض قصائد هشام القيسي.
(كحزن مؤرخ تبتلي ايامنا
ويغلق الباب
لا حديث نفس يشير الى ميزان,ولا مدية
شيطانة تغادر قيود الغاب
ذات يوم حلت علينا لعنة شاحبة مدورة,
حذار منها,ومن عطشها
فهي لا تأكل اكثر من شخاء اليباب
وهي تحلم كثيرا في كل الفصول,وتحت
سقفها نطل من فتحات القبور
ماذا نفعل وسط هذا الذهول
والجميع اثرياء في الخطايا كالسيول
على سجادة الالم تتلوى ايامنا ساعة بعد
ساعة
مثلها كمثل حريق اذا مس غصنا تداعى
سائر اليباس بالجمر
والرماد
وكل شيء سوى البكاء مرتسم
واضداد
في الداخل شقاء يتلو
وجوع يفتح نافذة للضياع
لا اعرف كيف تمتد يد اثيمة بشهوة
الشياطين لتروض الابعاد؟
ولا اعرف كيف تمتد يد اثيمة دون ان
يتجرأ احد في الشوارع والاشجار
على قبر قطعة من ظلام
في انية من سواد ابدي
في حافظات الصناديق الضجرة
في مكائد الزمن المحبوسة
في اشباح تعرف انها ليست سوى عجوز نافق
في لسعة تتعكز على الافكار الملعونة
في ليل طويل لا يحزن على طوله
تتنزه مقبلات ايامنا بمتاهة اثر متاهه)(1)
ولا يعدم الدارس أن يلاحظ عدا هذا أن الشعراء كانوا يعنون الصور لذاتها دون الاهتمام بما تقدمه الصورة من خدمة لمجموع القصيدة كبناء.أن أحدهم ليعجب بصورة ما فيروح يوسعها ويشبعها على حساب الصورالأخرى،مما يخل ببناء القصيدة عامة.
يمكن للباحث في نماذج الشعرالحر،أن يميز أنماطاً من الصورة الشعرية تتوزع أساساً بين ما هو تقليدي وحديث.
ولئن كنا قد أشرنا سابقاً إلى طابع الصورالتقليدية عامة في هذه النماذج،إن من المفيد هنا أن نتابع تطورالصورالجديدة،ودورها في القصيدة الحرة.وفي هذا المجال يمكن أن نقسم ـ من أجل الدراسة ـ الصورة في الشعرالحر،إلى ما يلي:
-ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 0تمة ما يجري دائما,هشام القيسي,تموزللطباعة والنشروالتوزيع, دمشق, 2012  ص123-124-125
الصورة المفردة
وهي الصورة التي تعتمد المفردة وحدها،سواء كان ذلك عبر الوصف أم العطف.
وواضح أن هذا النمط، يشكل أبسط أنواع الصورة الشعرية حتى يبدو أحياناً.إنه دون القدرة على الارتقاء إلى مستوى تشكيل صورة شعرية حقاً.
ويقدم لنا الشعرالحرنماذج كثيرة من هذا النمط، أشرنا إلى بعضها أثناء حديثنا عن الصفة.وأغلب هذه الصفات،لاينهض إلى مستوى الإيحاء.بل لعله،بشكل عام،يسلب الموصوفات،القدرة عليه.
على أن الباحث،مع هذا،لايعدم أن يلاحظ عدداً من الصفات مبعثرة في القصائد،يمكن أن تشيرإلى وعي،ذي حدود متطورة، لقدرة،على خلق صورة جديدة متميزة ومن ذلك في قصيدة(عند الباب المفتوح)حيث يقول:
(في مكاني
ايام غير مهددة بالمتاهة
كأنها مواكب مخمورة
تكمل اشراقتها
عبر
قبضة
حكيمة,
هكذا هي النبضة
على شكل احلام غير مفقودة
وعلى شكل اغنية
تجرف في طريقها
بقية الالام المحطمة
وهكذا هي الغنيمة
انها شجرة الطقوس الجميلة
تقف في النافذة
ثم تجري
حتى تستيقظ الامواج
من وراء حلم)(1)
وما من شك في أن هذه المحاولات إنما كانت خاضعة لتأثير
-ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 0تمة ما يجري دائما,هشام القيسي,ص178-179
المحاولات التي سبقتها.فهي إذا تقصرعن تجاوزها،تبقى تشير إليها.ويمكن من أجل التدليل على ذلك أن نورد أمثلة من الصفات التي احتوتها مجامعيه الشعرية لهشام القيسي إننا نتابع في القصائد صفات من نوع:
(ها انت في نهاية المحطات
تشهر الصوت
وعلى ارصفة الرحيل
توقد الذكريات)(1)
(تسمع في الليل وقع الاجراس
ومن جوفها
تعزف نشيد الاسماء)(2)
(سمعت في الليل
خطى رعاة البقر
كانت رائحة السيكار
تنام وحيدة في الاجساد
-ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 0المخاطبات,هشام القيسي,ص25
2 0المخاطبات,هشام القيسي,ص31
وكانت الاشجار القتيلة
ترتدي الشظايا)(1)
(كنت تأتي صباحا
ومن جهة المنافي
التي حاصرت غربتك
هبت على الروح
بقية من افق بطيء
ثم نادت
موجعة هذي بين الايام)(2)
وتتمتع الصفة التي تقوم على (جملة) بطاقة على الصورة. ولكن هذه الصفات غالباً ما تستمد حيويتها من حقيقة أنها تحتوي استعارة أو تشبيهاً. وهي بذلك تخرج عن طبيعة الصورة المفردة:
وتتجه الصفات أحياناً إلى إعطاء تفاصيل صورة أوسع وإغنائها ولا يتحقق ذلك. إلا حين تكون الصفة ضرورة. ويكون إثباتها. إضافة حقيقية. لا يمكن الاستغناء عنها.
-ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 0المخاطبات,هشام القيسي,ص65
2 0المخاطبات,هشام القيسي,ص69
(ما الذي تبصره الان؟وما الذي تفعله
تحرق الصمت ام تقتفي خطوه
تعفرني اسئلة تتلاحق,تأخذ في الهيجان
ثم تفتح نافذة لا تدوم
هي المواسم
تحمل جرحا بقلب ساكن
وبمواقد تألف النيران
من يجمع همه
ولا يبكي؟
ومن يطفىء ضجيج النهار
وصدأ النهاية؟)(1)
فواضح هنا مثلاً أن صفة(جرحا)ليست ضرورية للصورة العامة،قدرضرورة (النيران).بحيث يمكن حذفها.ويمكن أن نتبين ذلك أيضاً في هذا النموذج:
(الحلم يلتجيء للضياء
والضياء يعرف الطريق
-ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 0تمة ما يجري دائما,هشام القيسي,ص17-18
في الشوارع
وهذه الخطى
توقد وسط,الصمت
لغة غير مفجوعة الاوقات
***
مرثية للوهم
تتفقد في المساء
صمتا مقنعا
يحوم مواسم معزولة
ومرثية لا تلامس سياج البيت
ونمط الزمن
فليدم سكوني
ولتمش وراء الارض
بقية المواعظ
***
كان الصوت
يفيق حينما تهطل في العمق
مباهج الكلمات المرفوعة
وكانت الكلمات
تبحث عن مخرج
غير غريب الكلام
فهذا اخر النزف المثقوب
وهذا اول الهاجس المغسول
خارج تيه الحروف)(1)
فالصفات في هذا المقطع لا تعطي قيمتها الحقيقة إلا داخل الصورة كاملة. وحين تنفرد كل صفة لموصوفها مجردة عما حولها، تسقط قيمتها.
وقد حاول الشاعرهشام القيسي أحياناً أن يضيف الصفة إلى موصوفها.فنجح عن هذا الطريق في كسر رتابة التركيب، واستطاع أن يحول الوصف إلى ما يقرب من الاستعارة.
على أن اللجوء إلى الصفات لم يكن يخلو من دلالة نفسية.إن من يستقرئ الصفات التي حفلت بها قصائده لابد أن يلاحظ أنها صفات تعبرغالباً عن إحساس بثبات الأشياء وسكونها.وضعف
-ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 0تمة ما يجري دائما,هشام القيسي,ص136-137
قدرتها على التغييروإنه لمما يثيرالانتباه،إن أكثرالصفات التي استعملها كانت ذات طابع سلبي،قوامه الحزن،والشحوب،والتعب، والقدم،والخوف،والضجر والقذارة.
ويمكن أن نقدم لذلك نموذجاً لبعض الصفات التي استعملها هشام القيسي في قصيدة(ثم ساد الصمت):
(بئرا طافحة بالماء/ولا تتعبها الضحكات/شيء من الحزن ينهض الان/واشعلت الامي/ئؤلمني هذا الرحيل/عند توالي الليل والنهار/ وهذا المسارالطويل الممتد…..الخ)(1)
وكذلك الصفات في قصيدة(اخي فاضل)(سقفها نطل من فتحات القبور/ماذا تفعل وسط هذا الذهول/ والجميع اثرياء في الخطايا كالسيول/سائراليباس بالجمر/المحبوسة/الملعونة……الخ)(2)
ومثل ذلك في عدد كبيرمن قصائد الشاعرهشام القيسي.إلا أنه في مقابل هذه الصفات كان شاعرهشام القيسييقدم احيانا بعض حاجته إلى الحلم وإلى تغيير الواقع.
(خذ في رحاب الايام المحفور لحظة لا
-ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 0تمة ما يجري دائما,هشام القيسي,ص116-117-118
2 0تمة ما يجري دائما,هشام القيسي,ص123-124-125
تنقاد مذهولة,وانزل منتعشا في مشاهد
غير عابرة
لا تمرق.اثقلتك الهموم,شبت فيك
الاحلام,والنوافذ التي تشظت اوقاتها
صارت تتوسد
مفاتيح المساءات.هكذا بلا خفية تفترس
العلامات,وتحاصر حدودا باكية.
الذكريات لم تعد لغمدها
الذكريات امتزجت
والساعات الشاسعة المتشوقة
بين اغطية الذاكرة
وبين كل شيء
تنساق لبقية الافق المتراكم
اعرف ان الفصول تسرح
غير نافذة الصبر
واعرف ان اجمل الاشعار
عامرة بمناجم العشق

ايها الشاعر
بنكهة من اتار غيمة
تحدق فيك الاشواق الصامتة)(1)
ويتعرف الباحث في قصائد الشاعرهشام القيسي على نوع اخر من الصورالمفردة يقوم على مجرد الجمع(العطف)ووسيلة هشام القيسي الى ذلك هوالغالب واو العطف يرصف الشاعربه مفردة الى جانب اخرى ليكون من مجموعها صورة ما.
(حبك ينفلت الان
من محطات باقية
ومن تلك الاشجار
يتتفس لحظات
يحتشد فيها الشوق
وينزف
تقف على بابها
تحاصرك الاحلام
-ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 0المخاطبات,هشام القيسي,ص21-22
بمشاهد واحدة
ومن كل فراشات الايام
تطلع مثل ابجدية
تعزف جميل الذكريات
***
تقول الاوجاع
هذا زهو العشق
ينمو على شرفات وجهك
ويقرأ تفاصيل الاشارة
وهذا الشعر
يحترف الانتظار
كي تسطع العبارة)(1)
وواضح أن الهدف من رصف هذه المفردات المتتالية هو خلق إيحاء وانطباع لدى القارئ للدخول إلى القصيدة عبرلقطات متتابعة ساكنة غالباً يطلب من الذي يتابعها أن يحس ارتباطها أو تنافرها وأن يعي السياق فيها.
-ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 0المخاطبات,هشام القيسي,ص29-30

ولطبيعة هذا الضرب من التركيب،يلجأ الشاعرهشام القيسي أحياناً لتحريك المفردة عبرالصفة كسراً للرتابة وتمهيداً لتطورالصورة:
(ينمو على شرفات وجهك
ويقرأ تفاصيل الاشارة)(1)
ثم ما يلبث الشاعرأن يتوسل بالفعل لخلق جو من الحركة في هذه الصورالساكنة.فهشام القيسي في المقطع السابق لايلبث أن يخرج عن سكون الصور المتتابعة:
(ينمو على شرفات وجهك
ويقرأ تفاصيل الاشارة
وهذا الشعر)(2)
وهو ضرب من الصورة يستدعي حساسية وحذقاً،وإلا استدرج صاحبه إلى السهولة والرتابة ومجرد الرصف الذي يؤدي بالتالي إلى عكس الغرض الذي أريد للصورة.
-ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 0المخاطبات,هشام القيسي,ص30
2 0المخاطبات,هشام القيسي,ص30
ويبدو أن هشام القيسي كان من سبق إلى هذا النوع من الصور،ثم لم يلبث أن تبعه في ذلك عدد من الشعراء بل لقد قلده بعضهم في ذلك تقليداً فجاً,كما أغرق في اصطناعه كثيرون معتمدين السهولة الظاهرة فيه.

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

|| الناقد الراحل د. حسين سرمك حسن : تحليل رواية “حياة ثقيلة” للروائي سلام إبراهيم | الحلقة الثالثة(ملف/153) .

هل يمكن أن تتفق هذه المعلومات مع تسلسل أحداث حكاية أحمد التي قصّها علينا الراوي …

| صباح الأنباري : ميكافيلية الغزل في حكايات حميمة (*) .

  العنونة (حكايات حميمة) تشي هذه العنونة بوجود مجموعة حكايات أو مرويات ينقلها لنا الحكواتي …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *