كريم الثوري: حوار مع حذاء قديم

إشارة : كنا بعد وصول الحلقة الأولى من نصوص حوارات كريم البغدادي الثوري وكانت ( حوار مع قطة ) قد اقترحنا على المبدع أن يجعل هذا مشروعا متكاملا لأنه بادرة فريدة في الكتابة ” الساخرة ” السوداء في الثقافة العراقية . هذا النص الفاجع والممتليء بالأفكار والرؤى ( حوار مع حذاء قديم ) بعد ( حوار مع ديك ) و( حوار مع ديناصور بشري ) يثبت صحة وجهة نظرنا ، ويؤكد ضرورة استمرار أبي حاتم المثابر في مشروعه هذا .

(اصغوا هذا تعبي  مهر يضرب طوال الليل حوافره في الأرض ويصهل جمعت فمي لصراخ يوقظكم لكني الليلة حتى الصرخة تعوزني ويظل كلامي يتمزق بين الفك الاعلى والفك الاسفل وكمثل نبي انكره اهل مدينته احمل زادي وعصاي وارحل).
ثمة هاجس يدفع لميل غريب لم يستطع معه كظم اشتغالاته على أشكال وأصناف الأحذية وتلويناتها ، لم يبال كثيراً لهندامه إن كان متزناً أو متناسقاً مع تشكيلات الموضة، لكنه كان يهتم كثيراً بلون وشكل الحذاء الذي يستريح له قبل قدميه فيبعث طمأنينة يستذوقها فيتحسس خُفيّة تبعث فيه شعورا غريباً بالحيوية ،فمازال هندام الحذاء الأول راسخاً في مخيلته حينما يذهبون لساحة الميدان لقضاء وقتا طويلاً في تقليب الأحذية الإيطالية والفرنسية قبل أن يستقر رأيه في اقتناء حذاء وكأنه كان مقيداً بحضوره ، فيبرز بوزهُ متباهياً وهو يطوحه  بتقلبات يديه ليتأكد من جنس  سلالته ،حتى أن خبيراً بالأحذية كان يطوية كورقة ثم يطلقه فيعود الحذاء كالسبرنك الى سابق وضعه
هذه الممارسة ما كانت تفارق ذاكرته لذلك هو يعاني كثيراً اليوم حينما يريد أن يبتاع حذاء لسبب لا يعرفه فيصول ويجول في الأسواق ويرجع مستخفاً ببضاعة اليوم التي يراها فاسدة لا تلبي الذوق  الرفيع .
لم يسأل نفسه فيما اذا كان مصيباً في رأيه أم لا وكأنه لا يريد أن يلغي تاريخه الشخصي وممارساته القديمة التي غادرته بكل مطيباتها وكوارثها وما يجمعها ذلك السمو والبريق المتألق والاندفاع المشاغب والعفوية التي بلغت مقامات رفيعة لا يشوبها الدنس، لذا هو كثيراً ما كان متواجداً ومتعاطفاً وشغوفاً بكل ماله صلة بالقديم اعتقاداً منه بإصالة الأشياء دون مقدمات أو تلويحات تحرفها عن طبيعتها البكر.
هذا الإنعطاف الخطير كان يدفعه بقوة لمعاينة معطوبات الأشياء التراثية وتواريخ ولاداتها ليتشكل بها بكل ما لديه من قوة استرجاع فيتنفس الصعداء بعد أن يتشكل بها في غيبوبة جميلة ترطب فؤاده……
مرت سنوات طويلة ولم يصبني الجزع ‘ كان هناك أشياء تختفي وأشياء تستجد فتزيد معلوماتي وانبهاري بالتراثيات ودلالاتها المثيرة الطاعنة بالسن ، وفي أحد الأيام مررت بحذاء قديم جدا منزوع النياط لم يلتفت اليه أحد ،حتى ان صاحبنا ركنهُ بعيداً عن أعين المتسوقين .

إقتربت منه وكأنه كان بانتظاري ، قررت شراءه وحينما فاتحت صديقي بذلك أطلق ضحكة مجلجلة أصابتني بالخجل ، لكنه تدارك الأمر قائلا: يمكنك شراءهُ بالمجان ولكن قل لي ماذا تفعل به؟ لم أبال بالجواب قدر حصولي عليه فوليت هاربا وكأني اقتنيت كنزا ثمينا.
في الطريق الى بيتي راودتني أفكار كثيرة حول طفولته وصباه ، شبابه وكهولته ، لذا قررت أن أستعرض معه سيرة حياته، فكلانا على أبواب البطالة المقنعة ننتظر قدرنا ، أختليت بهِ وقررت أن احسن ضيافته اولاً فاحضرت له –طشتاً- للإستحمام كما كنت أفعل مع مقتنياتي التراثية، فأنقعته فيه نصف يوم حتى عادَ له شيء من طراوته ثم  تركته تحت الشمس قبل أن أدهنه بالبويا ، وهكذا أحضرت له قيطانين يُناسبان شكله الطاعن في السواد، وهناك رأيت ملامح الحياة قد عادت اليه فوجدتها فرصة مناسبة لتصويره قبل لبسه.

– أراك بأحسن حال اليوم
– الفضل يعود لك سيدي فقد انتشلتني من انتظار مقيت في آخر ايامي
– انتظار من؟
– تراني لا اصلح لشيء ولولاك لكنت مركونا اعاني عجائب الدنيا او في طريقي الى القمامة انتظر المحرقة
– هكذا حال الدنيا أتريد ان تأخذ عمرك وعمر غيرك؟
– الحقيقة اني اعاني من غرابة  وشيزفرينيا ازاء كل جديد
– انها المودة وكما يُقال لكل زمان دولة ورجال
– صحيح ذلك ولكنكم لا تهتمون كثيراً بجودة  واصالة الاشياء؟
–    – عمّ تتكلم؟
– باعتباري حذاء قديم اتكلم عن سياسة النوعية
– ما علاقة السياسة  بالاحذية بالنوعية؟
– الكل متربط في جدلية الكون….
– كيف ذلك اشرح لي ارجوك فقد التبس الامر علي؟
– دعنا من امور السياسة فاننا سنختلف حتماً
– مازلت لم افهم عليك؟
– جيلكم جيل الجدال لا الجدل يُحب الثرثرة وانتم معذرورون على اية حال
– هل لك أن توضح لي؟
– ألا ترى انكم تسبحون خارج دائرة الحياة؟
– الحقيقة فيما تقول ولكننا لنا موقعنا على الخريطة ومازلنا نوثر في حركة الكون
– حسبتك ابعد من ذلك وإن رابطا من بقايا الاصالة يجمع بيننا أين انتم من جيل الاجداد؟
– إنها الايام ياصاحبي فما عاد الواحد منا يكترث كثيرا فزمن اليوم غير البارحة…
– في زمننا كانت الاهداف واضحة والجرائر سليمة والخطوات واضحة
– لا تبعدنا عن صلب موضوع الاحذية كيف تراها اليوم؟
–  بعيدة عن النوعية  والجودة كانت تعمل وتدار بالايادي لا بالمكنات
– هل تعلم سررغبتي باقتنائك؟
– اعرف بالتأكيد فقد وجدت فيّ ابعد من حدود البحث عن حذاء مستهلك
–    – لم افهم عليك؟
– حينما كنت تزور المحل وتُعاين بروحك قبل اناملك التراثيات اصابني شعور التوحد فيك
– وكيف يتوحد الانسان بالحذاء؟
– كلكم لادم وادم من تراب
– ولماذا لم تعلمني بذلك؟
– كنت استدعيك بسري الذي لا يعلمه احد…
– سرك ‘ اي سر؟
– لقد كنت حذاءاً  فاخراً مصنوعا من افخر انواع الجلود اتبختر بين الاحذية مزهواً بسيدي؟
– وما علاقتي بسيدك؟
– لا ادري وجدت شبها بينكما فانت لا تمت الى عالم اليوم بصلة تُعاين الاشياء القديمة وتتوحد فيها  وكانك تخترقها في حاضرة التاريخ…
– ومن هو سيدك؟
-كان رجلا ارستقراطيا ذواقا يحسن معاملتي ويُقدر قيمة الحذاء حتى انه يوصي خادمه بطليي بالبويا مرتين في اليوم وكنت اشع نوراً بزهوه فيّ  لقد كان يقدمني على قوامه حين المشي…
– كلنا يفعل ذلك فالحذاء ملحوق بالقدم ؟
– أعذرني لا ارَ ذلك في خطواتكم المُبعثرة
– أكمل حكايتك ارجوك؟
– مات وجاء ابنه الارعن الاقل خبرة ومن سوء طالعي إن مقاس قدميه كمقاس قدمي ابيه فانتعلني؟
– انتعلك؟
– نعم كان طائشاً ومغرورا فكان يُثنيني كما يشاء اثناء السير ويطوي موخرتي ويرميني اياما دون طلاء؟
– لماذا تسرد لي حكايتك؟
– قلت لك ثمة رابط بيني وبينك والا لما اقتنيتني ربما تسخر مني احيانا كنت اتخيلك…. بدون قيطان؟
– كيف ذلك؟
– رايتك مُترنحا ‘ مشدوه ‘ وكانك في سكرة ابدية ‘ تبحث عن عالم النوع في زمن الكم
– وهل انا حذاء حتى تركبني بذهنك كيف تشاء؟
– وما الفرق بين الحذاء والانسان  فكلاهما مطية الاقدار
– ولكن بامكان الانسان الا يكون حذاءاً ؟
– هذا في التصور اما في مجال التصديق فصعب في زمانكم
– إنك تُلغي خصوبة الفكر وأمكانية التحرر من القيود وهذه ميزة الانسان فكيف المقارنة؟
–    -هل لي بسوالٍ جري؟
–    – تفضل
– من ذا الذي رماك هنا منفيا في استراليا بعيدا عن وطنك؟
-اردت ان اجد حريتي بعدما ظاقت بي السبل في وطني
– وهل وجدتها؟
– نسبيا نعم فانا الان حر في ضل قوانين تحترم الانسان أياً كان جنسه او لونه
-ولماذا لم تقمها في بلدك إن كنت وطنيا بالفعل ولديك خصوبة العقل كما تدعي
– حاولت ما بوسعي حتى كنت قاب قوسين او ادنى من الموت
– اتخدع نفسك ام تستغفلني؟
– انما اقول الحقيقة
– وما هو تعريف الحقيقة؟
– ان تقول ما تشعر به دون تزييف او خداع
– برايك الوطن حقيقة ام وهم؟
– طبعا حقيقة
– وهل تشعر بوجودك الحقيقي في استراليا؟
– اشعر بالغربة بالرغم من تحقيق مضمون الحرية هنا والكفاف الاقتصادي
– الا ترى أنك وقعت في تناقض آخر؟
– كيف ذلك؟
– كيف يتعارض مفهوم الحقيقة مع الحرية ؟
– لا ادري؟
– هربت من وطنك بحثا عن الحرية في حقيقة الوطن فلا انت الى الوطن ولا انت الى الحرية؟
– وما العلة في ذلك برايك؟
– لو كنت حراً بما يكفي لكنت على مقربة من حقيقة الوطن
– لم افهم عليك؟
– كنت تبحث عن ذاتك فاختلقت في مخيلتك وطنا بديل وحرية مكتسبة فالوطن الذي تنعم به هنا هو حقيقة غيرك والحرية لشعب لا تربطك به اي صلة وهذا سبب قلقك وتوهانك…. انت انسان جبان
– والحل برايك؟
– لا يوجد حل ففاقد الشيء لا يعطيه
-أنت ام أنا ؟
– انا حذاء فرنسي قادتني الضروف ان اكون بمحاذاتك في استراليا وانت حذاء عراقي قادتك الظروف للعيش هنا منفيا عن وطنك
– ساعود الى بلدي وابدا مشروع التغيير من هناك
– تغيير نفسك او وطنك؟
– وما الفرق بينهما برايك؟
– انت المتحرك وهو الثابت
– اذن سابدأ من نفسي اولاً
– تكون قد توهم نفسك مرة اخرى فما بنيته اليوم لا تستطيع تجاوزه
–    – لم افهم عليك؟
– انت تحن اليوم الى مستنقعات بلادك وتخيرها على جنائن استراليا ولكنك لو عدت فلسوف تقرفها وتعاود الرجوع ثانية وتقطع اجازتك…
–    – اجازتي؟
– نعم فالعراق بالنسبة اليك اليوم ليس اكثر من حنين مكبوت وتاريخ مبتور وسكة لمرور ما أن تطاله  حتى تعود هاربا الى الوراء؟
– لقد اغلقت عليّ كل المنافذ؟
– الا نافذة واحدة
– ما هي؟
– الذاكرة
– وماذا افعل بها؟
– ستعوضك عن الوطن لانها ستمدك بنزيف من الهذيان حتى اخر ايامك
– هل لك بكلمة اخيرة؟
– ( أذا خربت حياتك في هذا الركن الصغير من العالم فهي خراب أينما حلَلت……. )
لمت نفسي كثيراً لكوني أُكرر ذات السيئة في البحث عن المتاعب  وكل مرة اكتشف اندفاعي غير المُبرر فأعود منكوساً .  كان عليّ أن اتجاوز المحطات الماضية من حياتي مادمت اعيش هنا .
امسكت بالحذاء ومسحت عنه البويا ووضعته  بالعراء أياما وأياما وسط تقلبات الطقس بين فصول لا ترحم لسبب اجهله وكانني اردت معاقبة نفسي به حتى تناسيت أمره . وفي احد الأيام انتبهت إلى ولدي الصغير وهو يحمل الحذاء ، وقد تغيرت كل ملامحه ، فقد نبتت في حوضه  أعشاب برية ، وكم كان شديد الوقع عليّ حينما سالني : بابا وجدت هذا الجسم الغريب في حديقة الدار : هل تعرفني بجنسه وماذا نفعل به ؟
اجبته وانا انظر في بعيد السماء واتحسس مناطق لا تعيين فيها في جسدي : بابا إنهُ حذاء قديم من مخلفات العصور
ومع مرور الايام خيرتني زوجتي ان نعلقه  من رباطه قبالة واجهة الدار درءاً للحسد ، فكل قديم مُبارك حسب قولها… لم اعط رايي بالموضوع وتركت لها حرية اتخاذ ما تراه يتوافق مع العادات والتقاليد بعد أن قررت ألا اتدخل في أمور ابعد من الزمان والمكان الذي أعيش فيه حتى مواراة الثرى ، وأُدفن في ارض الغربة كالذين سبقوني من الاولين والأخرين…..

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| د. م. عبد يونس لافي : رجلٌ كبيرُ السِّنِّ، خلفَ منضدةٍ كبيرة ـ اللقاءُ الأول .

مخزنٌ كبيرٌ يقفُ عندَ مدخَلِهِ، رجلٌ كبيرُ السِّنِّ خلفَ مِنْضَدَةٍ كبيرةٍ، يُنجِزُ إجراءاتِ الْبيعِ للزبائنِ، …

| عبداللطيف الحسيني : نخلة الله حسب الشيخ جعفر .

إلى الشاعرين محمد نور الحسيني و محمد عفيف الحسيني. الشعراءُ فقط جعلوا الحياةَ بهيةً لتُعاش …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.