حميد حسن جعفر : ذاكرة أرانجا.. ذاكرة الأمكنة الأليفة

hamid hasan jaafar 3(1)
منذ ظهور الانسان على وجه البسيطة، والمكان يشكل حجر الأساس/ حجر الحياة؛ بالنسبة لهذا الكائن الجديد على تضاريس لم يكن لها وجود من قبل. حيث كان الانسان ـ قبل هذا ـ يعيش في الجنة، حيث المكان المباح/ المشاع، حيث لا صراعات ولا اقتتال من أجل التملك والاقتناء والاستحواذ.
هذا المكان الحجر يشكل أساس تشكيل النص الروائي لدى القاص “محمد علوان جبر”، في عمله السردي “ذاكرة أرانجا”. و”أرانجا” هو أحد أسماء مدينة كركوك؛ اذن هناك ذاكرة للمكان أو للجغرافية.
القارئ لهذا الفعل من الممكن أن يجد نفسه بين ما يبتغي الروائي، وما يريد أن يقوله البطل السارد، ما بين قوة المكان/ الذاكرة، وحراك الانسان الفرد. وليتساءل هذا القارئ: عم ماذا كان يبحث القاص؟ وعلى أي شيء يحاول أن يضع يده؟ هل كان يسرد سيرة المكان “أرانجا”؟ أم سيرة فرد؟! هل كان الحس الجمعي هو المحرك/ الداينمو للنص؟ حيث الفرد البريء/ المغفل الذي يتحرك وفق مفصل الغياب عن الحراك الكلاني للمجتمع!
من الممكن أن تشكل التساؤلات الكثير من مفاصل السرد التي تتحرك مكانيا، على مساحة واسعة من الأرض المسكونة بالتناقضات القائمة ما بين براءة الانسان الطيب، ومخططات السلطات التي لابد لها من صناعة الخصوم، لكي تديم عجلة بقائها على كرسي الحكم.
*****
في “أرانجا” كمدينة، في الشرق الذي كثيرا ما تتسيده البداوة، وسلطات الأديان ومهيمنات التقاليد. حيث المجتمعات المنغلقة في هكذا جغرافيات قد يتحرك الانسان، ضمن شيء من المعرفة، وسط الكثير من المحرمات أو الممنوعات، أو الخطوط الحمراء. الانسان المقيم وسط هكذا مدن قد يجد نفسه في أحضان امرأة، أو متهما بامتلاكه لأفكار “هدامة” معادية لجميع السلطات.
القارئ للذاكرة المكانية هذه، سوف لن يجد نفسه في محبس الجسد/ أو في معتقل اسمه المدينة أو الشارع أو النهر أو الزنزانة أو المقهى أو المعسكر أو الفندق، لن يجد ما يمنع الروائي من أن يتخلص من ولعه بالمكان وفتنة الجغرافيات؛ بل إنه سوف يجد العشرات من الشخصيات، سوف يجد أكثر من ملجأ، وأكثر من ذخيرة تمكنه من مواصلة الكتابة، حول تداخلات الأحداث، من أجل صناعة “الورطة” والتي يتحول عبرها الانسان الأبيض الى انسان “ماكر”، انسان قادر على أن يمسك الحياة ـ رغم قسوتها ـ من قرنيها، ليقودها نحو أهداف أخرى، غير التي كان يستقبلها من غير سابق إنذار.
كائن مخادع يستقبل الأحداث لا كما يستقبلها سواه من الكائنات البدائية غير العابئة بالمعارف. انسان بدائي، أمي، يمارس الحياة بميكانيكية قد تنتمي الى ما يعرف بالجبرية أو القدرية أو الحتمية.
إلا إن نسيج الحياة الذي يعتمد القصدية والتخطيط في صناعة الحياة أجبره على أن يتحول الى كائن “آخر”، كائن مجبر على المشاركة، ومضطر على التفاعل؛ يأخذ ويعطي، يستقبل ويصدر، كائن ثنائي الممارسة، كائن يعتمد شيئا من المعرفة أساسا في محاكمة الأشياء.
(2)
mohammad alwan 7لابد للقارئ/ المتابع لهذا الكائن الذي هو “حسن كنيهر/ هوبي عبد الرزاق” سواء كان قبل التحول، قبل أن تتنامى مفردات حياته عبر ورطة غير محسوبة، أو بعد التحول، بعد أن استساغ التعايش مع منتجات الخداع.
القارئ سوف يجد في هذا الكائن انتماء متعددا بتعدد الجغرافيات/ الأمكنة. كائن يتحدث عن الواقع أكثر من حديثه عن اللاواقع.
الكاتب “محمد علوان جبر” رجل مغرم بالاماكن، مهووس بالمدن “كركوك، العمارة، البصرة، بيروت، بغداد”.. رجل مفتون بالحياة نفسها، بالممارسات التي يجد نفسه بقصد أو بغير قصد وسطها. فهو يدفع بأبطاله الى ممارسة الحياة نفسها وبشكل مكثف ليجد البطل نفسه في أزقة “حافظ القاضي” في حضن “سمر” كما يجد نفسه في المعتقل.
الروائي قد لا يجد غير الفنطازيا وسيلة لصناعة الواقع المعيش لمجموعة لا يمكن أن توصف إلا بالهائلة من الشخصيات التي تدير شؤون النص، ومن غيرها لا يمكن للروائي أن يدير شؤون مشروعه السردي.
هل من الممكن أن يقول قائل ما: إن أفراد ومجاميع/ عوائل “أرانجا” وذاكرتها، من الممكن أن ينتسب معظم نسيجها الى الروائي نفسه. من الممكن أن تكون الإجابة بنعم بعيدا عن الغلو. فالكاتب يعمل على إعادة تشكيل الحياة بعد أن يدمر بعض ما ينتسب اليها ليجد القارئ نفسه بمواجهة واقع آخر ينتمي الى الاختلاف.
*****
“محمد علوان جبر” لا يعمل على أن يحبر ديكتاتورية السارد باسمه، إنه يتفضل على سواه، في أن يقوم بمهمة السارد/ الحاكي ـ نساج التدوين. هذا ما سوف يتلمسه القارئ بنفسه.
بل حتى “حسنة” أم زوجة “حسن كنيهر/ هوبي عبد الرزاق” التي لم تكن بحاجة الى امتلاك اسم آخر كما فعل ابنها، ها إنها تمسك بسلسلة القول، وتتحول الى سارد وبامتياز. إذ إن هذه المهمة لم تكن بحاجة ـ وهي بين يدي “محمد علوان جبر” ـ الى مواصفات وامتيازات؛ فالروائي بإمكانه أن يضع عدة السرد بين يدي من يشاء، رجلا كان أو امرأة، متعلما أو أميا، صاحب معارف كان أو جاهلا. هذا الكشف “قدرة الروائي” وضع اليد على مبدأ تعدد الرواة، وهذا المبدأ لا يمكن أن يحصل عليه القارئ من غير امتلاك مفاتيح الدراية ،عبر متابعة المرسل والمرسل اليه. على الرغم من وجود العناوين المستقبلية للحديث.
إلا إن تعدد الساردين وتعدد المستقبلين من القراء، وتداخل الأدوار، قد يؤدي الى صناعة نوع من الارتباك ضمن عملية الفرز والكشف.
إن انتقالات مهمة السرد وتحولاتها قد لا تثير انتباه القارئ كثيرا، فما من إشارات، وما من علامات دالة حول البداية والنهاية. ما من أرقام، أو عناوين فرعية، إلا عبر الأقواس والنقطتين والشارحة. تلك الإشارات المؤدية الى بدايات الخطاب السردي، أو التي تنتمي الى الأهلة والأقواس. إن العلامات التي تنتمي الى إجراءات الكتابة تمتلك من الأهمية الكثير؛ فهي التي تمنع تداخل الأنسجة السردية.
إلا إن الكائن الهلامي/ الوهمي الذي يخيل الكثير من إحداثيات السرد، البطل الغائب الحاضر “عازف الناي” الذي كثيرا ما يدير شؤون الأحداث وكما يقال “من بعيد” من غير أن يعلن عن نفسه، هو الأكثر حضورا. البطل الذي يتحرك ما بين الصحو والسكر، ما بين الواقع والفنطازيا، ما بين الظاهر والباطن، القارئ وربما الروائي نفسه، لا يعلم متى يظهر “عازف الناي” كمتحدث، أو كمستمع أو كسارد.
من الممكن أن يمتلك القارئ تصورا عن شخص ما، ولكن عندما يدخل نفق المجهول يتحول الواقع الى وهم. واذا بهذا الوهم لم يكن سوى (العازف) الذي استطاع عبر صناعة إهمال الموت، أن يتخلص من الخوف.
(3)
kh mohammad alwanإشكالية الزمن لدى الجميع، سواء كان الروائي “محمد علوان جبر” أو شخوصه “نجمة، حسنة، حسن، هدى، سمر، ابراهيم، عازف الناي، شهاب، هوبي، سلام الجميل/ المنغولي، شخصيات كركوك، شخصيات بغداد، شخصيات البصرة والعمارة”. الزمن بين أيدي هؤلاء الفتية والفتيات لا سلطة له عليهم، بل إنه أي الزمن يتحول الى “طينة اصطناعية أو الى أواني مستطرقة”، يتحول بين أيديهم الى مجموعة لعب. فيهملونه ما شاؤوا، ويشتغلون على صناعته متى يرغبون؛ فما من زمن واحد. وفق هكذا واقعة، هكذا إحساس، يتحرك الزمن، يركبه الجميع ويوجهونه أنى شاؤوا.
إنه الكائن المتشظي الذي لا حول ولا قوة له على بني الانسان الذين يعيشون في فضاءاته. ورغم هذا يظل عنصرا مهما من عناصر الكتابة لدى محمد علوان جبر.
الزمن كائن صبور يستجيب لكل التحولات، ولكل إرادات الانسان. ولولا قدراته على البروز والتخفي لما استطاعت معظم شخصيات القص من أن تمسك بالحياة. فعلى مساحة زمنية قد تتجاوز العديد من العقود عمل الزمن ذاته على مسايرة هذه الكائنات التي عمل القاص على أن ينفخ فيها من روحه، لتتحول أحلامها وكوابيسها الى أفعال قد تدفع بها نحو المعتقلات أو المنافي، أو الى الجحيم/ الجنون.
ورغم غياب سلطة الزمن وتحولاته في صناعة مسارات القص، إلا إنه لم يتحول الى مجموعة خيوط سائبة أو ملتفة على نفسها، ليختلط الحابل بالنابل. خيوط مهملة لا دور واضح لها في إسناد مهمة الروائي في شد وحدات الكتابة، عبر تحولات الأشخاص وممتلكاتهم.
الزمن كائن يتماهى وبشكل فذ لا يكون لافتا إلا لمن يحاول ويعمل على تجميع خيوطه/ شظاياه. ليتحول بالتالي الى ما يشبه الكائن المتفرد والذي يحاول الجميع إخفاءه من أجل عدم الإحساس بالشيخوخة.
كل الشخصيات/ كل الأحداث تأخذ حصتها من فيضه. الكل يعترف به مع نفسه، وينكره أمام الآخرين. وليظل الجميع رغم الموت الذي كثيرا ما تصنعه الحروب، ليظل الجميع يطمع بالمغايرة.. ويحلم بالسفر الذي هو نوع من أنواع الفراديس؛ لأن المكان لدى “محمد علوان جبر” كائن قريب من الروح، استطاعت شخصيات الرواية أن تتعامل معه بشيء من الألفة الغريبة، سواء كان مكانا محاصرا أو مفتوحا. قد تتعامل هذه الشخصيات بحذر مع الأماكن الضيقة “المعتقلات، سيارات الشرطة، الأقفاص؛ ولكنها تتحدث وبشيء من الألفة والمحبة مع الأماكن الفسيحة، البعيدة عن الجدران والحواجز، والبوابات الحديدة.
*****
العديد من شخصيات “محمد علوان جبر” من الممكن أن تنتمي الى الضبابية/ الى عدم الوضوح؛ فالروائي لا يقدم الوافي من سير حيواتهم. فهو يميل الى حالة من الشح أو البخل في الحديث عن مخلوقاته السردية، بل على تلك الشخصيات وعبر حراكها وتاريخها وفضائها الجغرافي عليها أن تقدم نفسها للقارئ. وكذلك الحال مع القارئ الذي عليه أن يتحول من التلقي فقط الى المساهمة بصناعة تلك الشخصيات عبر محاولة كتابة ما يتيسر من تواريخ وأحداث استطاعت أن تقوم بها أو تؤديها. أن يعمل هذا القارئ متضامنا مع الشخصية نفسها على صناعة فضاء خزيني يجمع من خلالها ملامح هذه الشخصية أو تلك، على الرغم من أن جميع الشخصيات لم تكن منتمية الى حالة من الانطواء أو العزلة.
معظم الشخصيات تتحدث عن نفسها أو عمن يحاذيها. بل إن الكثير من المعلومات يحصل عليها القارئ أو يساهم في صناعتها تكون عبر طرق غير مخطط لها، وعبر وسائل لم تكن في الحسبان. هذه المعلومات لا تضعها الشخصيات تحت تصرف القارئ كحالة جمعية، بل تكون على هيئة معلومات متفرقة قد تنتمي في الكثير من الأحايين الى فن الكلمات المتقاطعة.
(4)
تحولات السرد/ انتقالاته ـ أفرادا وأمكنة وأزمنة ـ وتعدد مصادره، من الممكن أن تحدث في أية لحظة.
شخصيات السرد وما يتبعها لدى “محمد علوان جبر” لا يمكن ان تكون ميكانيكية، من الممكن ان يستحضرها، بعد ان زودها/ ضخّ في فضاءاتها ما يرغب من قول أم من حراك. بل ولأنها قادرة على صناعة الحراك/ حراك النص السردي، استطاعت ان تهيئ قدراتها على ان تتدخل في اللحظة ذاتها التي يكون الروائي محتاجا اليها، لا لملء فراغ بل لتشكيل جانب من النسيج الحكائي للرواية.
فهي تمتلك من مخططات الكاتب الشيء الكثير عبر حدوث حالات التنافذ الروحي والإيحاءات. بل كثيرا ما يتبين للقارئ إنها تشكل الكثير من المفاصل الإبداعية والفكرية للكاتب نفسه. حتى بات تبادل المراكز ما بين الكاتب وشخوصه أمرا قابلا للحدوث في أي لحظة أو في أي واقعة.
*****
قد يشكل الموت مفصلا مهما في تشييد بنية النص السردي لدى “محمد علوان جبر”، الموت الذي لا يشبه سوى الحياة نفسها، إذ انه يشكل الوجه الآخر لعملة الوجود والعدم.
هل من مخلوق/ كائن سوى الانسان قادر على صناعة الإحساس بالموت؟ أو ان يكون قادرا على دراسة الموت وأسبابه ونتائجه!! ان الروائي في “ذاكرة أرانجا” لا يعمل على صناعة حالة امتحان ليختبر عبرها قدرة الانسان على المواجهة، مواجهة الوجه الآخر للحياة.
كائنات “أرانجا” لم تكن متفردة، بل ان ممارساتها للحياة لم تكن تستهدف صناعة الموت بقدر استهدافها لديمومة الحياة.
“ممارسة اللصوصية عبر سرقة مخازن الأقمشة”، “تزوير المستندات الثبوتية”، “السكوت على الوقوع على ورطة الانتماء”. لن تشكل هذه الأحداث في عرف الكائنات حالة تجاوز بقدر ما تشكل خلق ثغرةـ رغم عدم شرعيتها ـ في جدار الموت الذي يأتي على شكل رغيف خبز مفقود/ أو على شكل بحث عن مصدر رزق، أو من أجل صناعة لحظة حب أو مودة، أو حالة حميمية تتماهى خلفها حالة عدم رضا.
ان حالة الموت ـ ربما تكون على شكل غيبوبة، والتي يمارسها “سلام الجميل” ـ الشقيق المنغولي لعازف الناي “ابراهيم”. لم تكن هذه الممارسات سوى محاولة لتدجين الموت نفسه، والاستهزاء به، والسخرية منه، ومن مفروزاته.
***
لقد استطاع الروائي “محمد علوان جبر” ان يكتب نصا سرديا لم تستطع الممارسات السياسية ـ رغم سطوتها ـ ورغم قدرتها على ابتلاع فن الكتابة. لم تستطع الأدلجة اذا ما اعتبر القارئ ان تدمير الآخر سياسيا هو فخ تابع للأيديولوجيات بكل ما تملك من قوة واستقطاب على المستوى الجماهيري. بل وكذلك الدولي لم تقدر القوة الشمولية باستبداداتها ان تأكل من جرف السرد أو ان تحول الفعل الإبداعي الى “ريبورتاج” أو تحقيق أو مقال.
وعلى الرغم من ان الرواية تتحدث عن انسان “حسن كنيهر/ هوبي عبد الرزاق” والذي يجد نفسه “متورطا” بتهمة الانتماء ـ للفعل الشيوعي ـ ليجد نفسه محاطا بسلوكيات المحبة والاحترام، والإخلاص والمواطنة، وليجد نفسه كذلك وسط ممارسات السلطة المضادة، سلطة الاستبداد، والفكر الشمولي، والقمع، وإلغاء الآخر.
“5”
ما بين مفتتح/ استهلال الفصل الأول، أحداثا، وشخصيات ووقائع حيث “عازف الناي ـ ابراهيم، شقيقه المنغولي/ سلام الجميل” وحديثهما عن أسماء/ اجلايا ابنة عمهما، تلك الفتاة التي تزوجت من شخص آخر، رغم حبهما لها، وإحساس سلام بالموت.
ومفتتح الفصل الثامن ونهايته، وحديث الشقيقين نفسهما عن ابنة عمهما “أسماء/ اجلايا”، اجلايا بطلة “الأبله” لدوستويفسكي، ورحيل “سلام الجميل” المتوقع أمام عيني شقيقه عازف الناي/ ابراهيم؛ ما بين هذا وذاك، تتحرك شخصيات وأحداث النص السردي “ذاكرة أرانجا” للقاص والروائي “محمد علوان جبر”، مائتين وعشرين صفحة، وعشرات الشخصيات والأحداث والمواقع/ الأماكن الجغرافية. ليتشكل النص السردي الممتلئ بالكثير من الجمال الذي من الممكن ان تطغى على العديد من الأحداث التي تنتمي الى الكشف عن موبقات وآثام وكبائر الآخر المستبد والتي لم تستطع ان تذهب بجمال وروعة المتون السردية.
واذا ما فشل “هوبي عبد الرزاق” ـ الذي كان في يوم ما اسمه “حسن كنيهر” ـ اذا ما فشل في الالتزام والتمسك بأخلاقيات الكائن الطيب، والذي لم يتمكن من ان ينصف اضاءات الفكر الذي اتهم به، ضمن ورطة جمع التبرعات؛ فإن العيب لم يكن بالأفكار الجميلة، والممارسات السامية النبيلة والقدرة على التضحية، بل وكما جاء على لسان “ابراهيم/ عازف الناي”،الفنان المتنور: “إنه لم يستطع ان يواصل السير على السكة التي هيأتها الأقدار أمامه”، و: “ان أباك ـ مخاطبا أخاه سلام الجميل ـ كان يتطفل كثيرا على السياسة”.
***
“محمد علوان جبر” غير معني باستقرار القارئ، بل من الممكن ـ وهذا ما يجب ان يحسب له القارئ بعض حساباته ـ انه يعمل على صناعة القلق ـ حاله حال سواه من المبدعين الباحثين عن إشكالات الحياة والأفكار والانسان ـ القلق الذي ينتمي للإبداع، والذي لا يمكن ان يكون بعيدا عن مهام القراءة بكل أنواعها.
ليتشكل هذا القلق عبر طرفي العمل الكتابي، وأعني به الكاتب من جهة والمكتوب/ المدون السردي من جهة أخرى.
تساؤل القارئ/ أو التساؤلات التي يبثها الروائي في طريق القراءة لتواجه المتلقي، هذه التساؤلات تبدأ بالإنبات/ الظهور عبر الصفحات العشرين الأولى، وتؤتي أُكُلها ـ كما يقال ـ في الصفحة الحادية والعشرين. تحديدا عندما يطلق ابراهيم/ عازف الناي توقعاته، أو نبوءاته، عندما يقول متسائلا: “هل هي كوابيس دخلت جسده كوابيس الموت الذي كنت أحلم به دائما؟ هل أحاول أن أحزر ذلك؟ أم إنه حقيقة واقعة”.
اذن هناك تداخل بين اخوين، ابراهيم/ عازف الناي، والمنغولي/ سلام الجميل؛ كلاهما يشكلان وجهي العملة السردية. حيث تتوفر للوجه الأول الثقافة والمعرفة وللآخر التردد والعزلة.
ابراهيم الموسيقار والشاعر والخطاط وهاوي العطور حد الجنون،
وسلام: البريء، الطيب، البدائي.
يقول ابراهيم/ عازف الناي مراقبا أخاه “سلام المنغولي”: “إنه يراقب ما أفعله، ويواصل الصمت، مؤكدا توحدنا معا”.
التقابلات داخل الشخص الواحد تشكل واحدة من مهام الروائي في “ذاكرة أرانجا”، إضافة الى صناعة هكذا مفصل داخل مجموعة الأفراد، وذلك عبر امتلاك أكثر من هوية شخصية. رغم تأكيده على إن “تحولات” هوبي عبد الرزاق/ حسن كنيهر، لم تكن تتحرك ضمن حقول القصدية. بل ان المصادفة وحدها ولا سواها هي التي دخلت خطوط ومسارات حياته، وكانت تمثل حالة طارئة على الرغم من إحاطته بمجموعة قادرة على صناعة المغايرة.
إن التحولات الفكرية الحقة لا يمكن أن تنمو في الفراغ، وما كان “حسن كنيهر” إلا الفراغ الذي لم يتمكن من صناعة حالة تقبل الامتلاء، أو امتلاك حالة الإنبات، وبالتالي فإن دخوله التجربة ـ التي لم تكن إلا الورطة/ الخطأ ـ كان دخولا غير معني بالآخر “سامر ـ أستاذ حسين ـ شكيب”، فهو لم يستطع أن يصنع علاقات للربط ما بين الأسباب والنتائج. بل كان وجوده داخل البودقة ـ حراك المجتمع ـ وجودا ينتمي الى ما يمكن أن يسمى “الفوضى أو المصادفة أو غياب الثقة” لا الى القصدية والتخطيط وتوفير الأرض الصالحة للإنبات.
فالرجل ـ حسن كنيهر ـ لا يمتلك من التاريخ ما يؤهله للدخول في المستقبل.
فالعمل وبقصدية على امتلاك شخصية الغير/ البطاقة/ الهوية، والعمل وضمن القصدية ـ مع توفر المعرفة حول حيثيات العمل الذي يقوم به ـ على سرقة أطوال القماش من مخازن الموانئ، ومحاولة إغواء الأنثى، التي أنتجت حالة طرده من القرية، والعمل على التهريب، تهريب الأحجار الكريمة، كل هذه الأفعال ـ التي تقف خارج الفعل الأخلاقي للمجتمع ـ لا يمكن أن تنتج رؤية واضحة تشتغل الى جانب الفعل السامي.
لقد استطاع الروائي أن يقدم ما ينتمي الى الشظايا أو النتف الحياتية، والتي من الممكن أن يعمل القارئ على تنسيقها لتشكيل كائن غير مؤهل على امتلاك ما ينتمي الى المدينة الفاضلة.
الروائي لم يعمل، لم يشتغل على صناعة المختلف ـ لحياة “حسن كنيهر” خاصةـ فالورطة التي وجد “حسن/ هوبي” نفسه فيها، وبإيمان من الكاتب لم تكن كافية لإقامة بنية انسانية قادرة على صناعة القيادة. بل استطاع هذا الرجل/ الروائي أن تتحول هذه البؤرة بين يديه الى مفصل من الممكن أن يؤدي الى مفاصل أخرى أكثر نزوعا نحو البحث عن المستقبل.
لقد استطاع الآخرون/ المحيطون بما يمكن أن ينتمي روائيا الى السارد العليم أو الى الشخصية الرئيسة. لقد كان هؤلاء أكثر قدرة على السطوع، بل وحتى الفصول السردية التي تتحدث عنهم هي الأكثر قدرة على صناعة الإبداع. وان الروائي قد تعامل معهم بعفوية كبيرة، مما أدى بالتالي الى امتلاء النص السردي بالكثير من المودة، بالكثير من الاعتناء بالمكان/ المدن، حتى تحول البعض من هذه المفاصل/ الأمكنة الى نوع من الغناء، عبر نوع من الرومانسية التي تقدم علاقات جميلة، عبر ألفة فائقة مع الجغرافيات التي استطاعت أن تشكل جانبا مهما من جوانب الحياة الانسانية لشخصيات الرواية.
“6”
ورغم أمية المرأة بكل تشكيلاتها والتي كونت الكثير من إحداثيات السرد، إلا إن دورها ـ وإن لم يكن قياديا، ما عدا حسنة المرأة القادرة على أن تملك الاستثناءات ـ فإن ما تبقى لم يكن بمستوى الفعل الروائي. فقد ابعد الروائي المرأة كعنصر منتج للحراك، وكذلك كمفصل يمتلك جانب الشراكة لا المشاركة.
واذا ما كانت هناك “سمر” الأنثى كعنصر متمرد، ونجمة/ الام، وحسنة/ القيادة، فإن غياب عنصر المرأة داخل العائلة، عائلة “هوبي”، يكاد يشكل حالة انكسار داخل الفعل الروائي. إذ إن وجود المرأة لا يمكن أن يحسب إلا على انه دفع نحو الكتابة المختلفة، إلا إن الذي من الممكن أن يقوله القارئ في الفصل السابع، حيث يخرج ابراهيم من شرنقة الحصار الروحي والجسدي الى حيث بيروت والنسوة/ الإناث، الى حيث اللوحة التشكيلية، والبحر والصبايا نصف العاريات، حيث “اجلايا”، المرأة المستبدة، و”أسماء” المرأة التي لا تملك لا حولا ولا قوة، حيث “ناستاسيا” بطلة “دوستويفسكي”، حيث “روزماري” صاحبة الكاليري، المرأة العراقية الى حد العظم. الزوجة التي هجرها زوجها، الأستاذ منذر الخبير الاقتصادي، امرأة في الأربعين من العمر، شعر قصير مصبوغ بلون أشقر، عينان ملونتان تختفيان خلف نظارة شفافة. المرأة في هذا الفصل امرأة أخرى، امرأة غير مقهورة رغم العزلة، امرأة كثيرا ما وجد ابراهيم/ عازف الناي الكثير من تفاصيلها بين يديه، وسط قراءاته عن عملية عند المرأة عامة.
“محمد علوان جبر” يكتب بشكل مغاير في هذا الفصل، كتابة مفتوحة تنتمي الى السرد الشعري، أكثر من انتمائها الى السرد النثري. إن شخصياته هنا تعبُّ/ تكرع الحياة عبّا، لا تتذوقها فحسب، فالحياة متاحة للجميع، وما على الكاتب سوى أن يحياها.
“7”
التجربة السردية عامة فعل ينتمي الى الإبداع، الى الواقع غير المكتشف، وبالتالي هي تجربة من الممكن أن تتفوق على الفعل الشعري، إنها تشتغل على صناعة الاختلاف. الكثير من الكتـّاب الروائيين يعمل على صناعة سيرة حياتية سابقة لأبطاله، عملية تجهيز مسبقة لمفردات البطاقة السردية: الأمكنة، الأزمنة، الشخصيات، الأحداث، التاريخ.
في الكثير من الأحايين قد تبدو على جسد النص السردي حالات من السرطنة، أو الجفاف، أو الخمول. ومن الجانب الآخر قد تظهر العافية على هذا الجسد فيبدو ريانا ممتلئا بالغواية. هناك العديد من الأحداث يمنحها الروائي حرية الفعل مع شيء من المراقبة والتقويم.
البعض من المستجدات قد تظهر على السطح أو في الأعماق.
قد يدعو النص السردي وفي الكثير من مفاصله الى ما ينتمي الى اكتشافات التناص مع الحياة أو مع الآخرين. وقد يدفع هذا النص أو ذاك بالقراءة الى استحضار الأفعال القراءاتية السابقة. أو استذكار أفعال وأحلام للحياة التي يحياها، مما ينتج عن هذا وذاك الفعل المنتمي الى التأويلات.
قوانين الكتابة رغم انتمائها الى ما يحاذي الثوابت أي الأشياء شبه المقدسة، إلا إن الفعل التدويني يقول غير هذا، وذلك بسبب انتمائه الى المتحول؛ أي الى الاختلاف. وبالتالي فإن الواقعية اذا ما استخدمت كفعل شاطب، كنسق ثابت، لا يمكن أن تنتج حياة روائية، بل تنتج أفعالا خاملة.
الواقعية في الكتابة فعل ينتمي الى المستقبل، الى البحث عن البدائل. لذلك فإن المدرسة الواقعية استطاعت أن تغادر مواقعها القديمة. الواقعية الاجتماعية أو النقدية. بل تمكنت من أن تساير واقع الكتابات الحديثة والذي ينتمي ولا ينتمي الى الحياة نفسها عبر البحث عن حياة أخرى.
فالرواية عمل لا يسير على سكة حديد، بل عمل من الممكن أن يتحرك في كل الاتجاهات، عمل بعيد عن أفعال الدمية المحكومة بقوانين الآلة.
***
“محمد علوان جبر”، كاتب يشتغل على إطلاق حرية الفعل السردي، مع الكثير من التوجيه والعناية؛ لذلك فقد استطاعت العديد من الشخصيات أن تتحرك بشيء من الحرية، على الرغم من تحديد حركة البعض الآخر، وعدم السماح لها بالذهاب بعيدا بأفعالها، لا لأنها غير قادرة على ذلك ،بل لأن فعل الكتابة المرسوم قد يتحول الى فعل مائع.
لقد كان لدى الروائي أكثر من هدف، وسط هكذا كتابة. واذا ما اتخذ هذا المفصل أو ذاك مبتدأ للكتابة، فليس من الضروري أن يكوّن هذا المبتدأ ما يريد من النهايات، إضافة الى أن هناك الكثير من الجماليات التي تنتجها المغايرة.
أفعال لم تكن بالحسبان، ووقائع تطلع من المصادفة، وحركات غير مدروسة تظهر من غير المتفق عليه، مما يمنح النص الروائي الكثير من السطوع. لذلك قد يعتمد البعض على شيء من اللاتخطيط، أو اللابرمجة في الكتابة.
هذا البعض قد يعتمد على صناعة الاستهلال أولا ليضع إصبعه على أول الجمل، أو أول الشخصيات أو أول الأحداث، ليترك مجرى الكتابة عبر حركة الحفر والتعرية. وما ينتج من اهتمامات الكائنات التي تعيش وسط أو حول أو بعيدا عنه، وليتحول الكاتب الى مراقب، أو الى منظم، أو الى مكتشف. وفي الكثير من الأحيان الى منتج فن “الارابسك” حيث يعمل على مجاورة الأفعال والأحداث والحذف والإضافة. أو الى التدخل في صناعة الفعل الإبداعي وتحويله الى حقل السرد، لينتج من المشهد البدائي/ البري المنتمي الى الفوضى والارتباكات الحياتية، لينتج مشهدا فيه الكثير من العناية والتوافقات، بل والكثير من التناقضات والصراعات، مشهدا ينتمي الى الحياة المتوقدة لا الى الفعل الجامد.

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| د. محمد حسين السماعنة : السحر الأسود في قصيدة نزار قباني “يوميات امرأة”.

احتلت المرأة مساحة واسعة من أوراق نزار قباني فقد مدت ظلها على أكثر عمره، وأكثر …

| علم الدين بدرية : رحلة استطلاعيّة على أعتاب الفردوس وقراءة نقديّة في لوحة الأديب والشاعر وهيب وهبة الإبداعيّة (الجنَّة).

كتاب الجنَّة الطبعة الرابعة يقع في مئة صفحة من الحجم المتوسط باللّغتين العربيّة والإنجليزيّة، يضمُ …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *