حميد الحريزي : حسن البصام : قارئ خارطة الذئاب، وكاشف مصادر العذاب؛ قراءة نقدية تحليلية في مبنى ومعنى مجموعة(البحث عن اللون)

hamid alhraiziالمجموعة القصصية  للأديب  المبدع  (حسن البصام) بعنوان ((البحث عن اللون )) من إصدارات مؤسسة المثقف العربي(استراليا)\ سدني الطبعة الأولى في 2014 والمكونة من (14) قصة قصيرة .
فتح علبة  ألوان (البصام ):-
اللون إحدى المميزات الهامة  للشيء ، فمن يمتلك اللون هو المحسوس بالنظر ، لون له دلالة بدونها لا يعرف ولا  يمكن الاستدلال عليه ، البرتقال لونه برتقالي ، الزنجي لونه أسود ، سيارة  التاكسي لونها اصفر ، بعض الألوان هي  صفة جينية للشيء أو الكائن ، وأحيانا لون يتحكم به الإنسان فيكون ميزة اصطلاحية  قابلة للتغيير والتحوير، تمتلك بعض الكائنات الحية قدرة على تغيير ألوانها حسب الظروف والبيئة المعاشة  مثل الحرباوات  وهي وسيلة وقائية  من اجل البقاء ….
إما  اللون بالمعنى الاصطلاحي  فهو  أسلوب أو طريقة الحياة للإنسان ، لأسلوب تفكيره ، لردة فعله ، لتفكره للظواهر والأحداث ، فحينما نقول هذا  إنسان  متلون  طبعا لا نقصد انه يصبغ جسده  أو وجهه بألوان  مختلفة  بل  لأنه  غير ثابت  الرأي والموقف إزاء  قضية أو موضوع  أو ظاهرة بعينها ، سواء أكان سلبيا أو ايجابيا  حسب المنظور العام للمجتمع أو  قياسا  بمنظومة القيم الاجتماعية السائدة في فترة من فترات  واقع اجتماعي اقتصادي ثقافي  معين  .. هذا هو اللون الذي  ينقب عنه القاص البصام  ، حاملا عدته الفكرية والثقافية لعمل حفريات  دقيقة   في جغرافية  قارات المجتمع العراقي بمختلف  تضاريسها  وطبقاتها ، بذكاء وفطنة  ومهارة  يقوم بجمع نماذجه  المختارة  حاملا إياها بعناية كبيرة مجنبا إياها  قدر الإمكان  مختلف عوامل التعرية والتآكل المجتمعية المحيطة  لمتطلبات بحثية  ، وليعمل منها شرائح قابلة للفحص تحت مجهره الفاحص في مخبره  المجهز تجهيزا جيدا ، سواء بالة الكشف أو بالمصادر  الرصينة التي تغص بها مكتبته الفكرية ……
بعد إن يستكمل  دراسة الشريحة ومعرفة لونها  تحضر  قدرته  الرائعة  على تظهير الظاهرة  وإلباسها رداء الإبداع ، بأسلوبه  الفني المتمكن من السرد والتمكن من الحبكة والإمساك بخيوط السرد ، مخلصا  القصة من كل  روائح المحاليل  المختبرة  وجفاف العلم الصرف ، مطهرا  إياها  من  عوالق وأشتات الواقع المعاش  لتكون قريبة من ذائقة المتلقي دون إن تفقد مضمونها  ودلالات ارتباطاتها بما حولها ، فهو يعطينا الثمرة   مع صورة وتاريخ شجرتها وطبيعة الأرض التي أنبتتها   ومدى  مهارة  الفلاح الذي  اشرف على إنباتها ورعايتها  وطبيعة المواد  المساعدة  لنموها  والمياه التي روتها .. وهو القائل  في القصة ((القصة هي  اكتشاف ورؤى  أو وشائج علاقات المجتمع  أو  أفراد من لحم ودم … أجس نبضهم وحرارتهم واسمع بكائهم أو ضحكاتهم … يهمسون لي واهمس لهم أصادقهم وأداعبهم … انظر لهم استقبلهم  أو أودعهم)). مقابلة مع الكاتب منشورة في موقع النور بتاريخ 1-9-2013
وكما قال فلوبير (( لقد كان كل كاتب بالنسبة لي طريقة خاصة في العيش))- مباديء تحليل النصوص الأدبية –الدكتور بسام بركة ن الدكتور ما تيو قويدر ، الدكتور هاشم الأيوبي – الشركة المصرية العالمية للنشر-لونجمانط12002 ص57
hasan albassam هذا الأسلوب من السرد القصصي   دال على  مهارة  الكاتب وموسوعيته ودرجة عالية من الإبداع  من حيث الشكل والمضمون ..
في هذه المقدمة  الموجزة حاولنا إن  نستعرض محتويات علبة  البصام  والتعرف  على الملون واللا ملون  نتمنى إن نكون قد تمكنا  من الإحاطة  بهذه الحزمة اللونية  الرائعة ….
لو إننا  أخذنا بنصيحة  المفكر الكبير الراحل  الدكتور نوري جعفر فيما يجب على الباحث إن يتبعه  في دراسته لآي  مبدع سواء أكان قاصا أو شاعرا  ومنها :-
أولا :-طبيعة الفترة الزمنية التي يعيش فيها الأديب… من حيث خصائصها التاريخية البارزة المتميزة ومن ناحية المنعطفات الاجتماعية الكبرى  الشائعة أثناء تلك الفترة للكشف عن مدى  تغلغل الأديب في أعماقها ومدى  انعكاس ذلك التغلغل في أدبه  بشكل صريح أو ضمني)).الجوانب السيكولوجية في أدب الجاحظ- د نوري جعفر دار الرشيد 1981 ص6.
فالأديب  حسن البصام  من مواليد 1960  أي ولد في العام الثاني من ثورة 14 تموز 1958   وفورة المد الثوري الكبرى  آنذاك وخاصة المد الشيوعي  خصوصا واليساري عموما  والتغيرات الكبرى التي عاشها  المجتمع العراقي  آنذاك والخاصية المميزة لمدينة الناصرية  مولد  ومكان ترعرع الكاتب  التي شهدت  ولادة الخلايا الأولى  للشيوعية في العراق   وقد طبعت المدينة بطابعه في تلك الفترة وما بعدها  لأسباب موضوعية منها القهر الطبقي الصارخ من قبل الإقطاع مالك اغلب الأراضي الزراعية ، والإهمال الشديد  للناصرية وناسها وخصوصا فقرائها من قبل السلطات الحاكمة .
العامل الذاتي الذي ميز شخصية  الناصري  وهو  الساكن لأرض أجداده السومريين ، حيث الأنهار وانفتاحها وحيث الاهوار وسعتها  وامتدادها الموحي بالحرية وتحدي قهر الطبيعة الطاغية حيث الفيضانات  وكثرة الغزوات …
الإحساس بالاكتفاء الذاتي للناصري نتيجة ما تجود به أرضه واه واره وأنهاره من الثروات والخيرات  حيث الأسماك  والطيور  والجاموس وأنواعا لا تحصى من الحيوانات الأخرى والطيور  المتوطنة والمهاجرة  هذا من ناحية السلة الغذائية ، والاكتفاء الذاتي من حيث السكن حيث القصب والبردي هذا المادة الأولية  لتشييد  البيوت ومادة للعلف الحيواني ومادة غذائية  حيث ((العكَيد والخريط ))…. مما يجعل الناصري  لا يرتبط  بعلاقة ارتهانية بالسلطات من أي شكل كان  فاكسبه ذاتا متفردا شامخا مميزة بالإباء ورفض العبودية والخنوع …… الموروث الثوري الكبير لسكان البطائح في المنطقة  الجنوبية عموما ومنها الناصرية  فهي موطن ثورة الزنج والزط وثورة العشرين ضد الاستعمار الانكليزي وثورة 1936  في سوق الشيوخ  وامتدادات ثورة  وانتفاضة إل زيرج في العمارة …الخ.
مما يكسب الناصري دفعا وموروثا كبيرا  من أمثلة الشجاعة والجرأة والثورة بوجه الظلم والظالمين محليين أو أجانب . فاكتسب  سكانها  سعة الخيال  وغنى التجربة  ودقة الملاحظة  فلا غرابة إن يتتلمذ البصام  كما   ماركيز على يد جدته
(( تتلمذت على يد جدتي… كانت تتقن سرد القصص الخيالية ..)) المقابلة السابقة
وتأثره بالبيئة  المحيطة  كم هو حال  أي إنسان  يمتلك روحا حساسة  ونظر لماح  كما هو  البصام
(( منذ أول دهشتي أمام  جمال  شروق الشمس على نهر الفرات  وأنا انظر  بمتعة  فائقة  إلى ظل النخيل  وحمرة الشفق)) المقابلة
كما عاش الأديب لانتكاسة الكبرى التي تعرضت لها ثورة تموز على اثر انقلاب  8 شباط 1963 واستيلاء  القوى القومانية  على السلطة وسلوكها الانتقامي الثأري من كل  آثار وأفكار  1958 وانجازاتها  وخصوصا ضد الشيوعيين وأصدقائهم  وما ارتكبت من مجازر آنذاك  لازالت عالقة في  أذهان  الناس لحين التاريخ ولاشك احدهم الطفل الصغير  أديبنا  البصام ….
ومن ثم ما شهدته المدينة من ردة فعل بعد 1964 حيث تم إقصاء البعث من السلطة  وما لحق  بأفراد البعث ومناصريه وخصوصا ((الحرس القومي)) من ملاحقة وسجن ….
في مقتبل صبا الأديب كانت هناك انتفاضة أسطورية  في الاهوار  بقيادة  الثائر الشيوعي  الأسطورة المهندس خالد احمد زكي ورفاقه  ضد حكم البعث الثاني في 1968  والنهاية المأساوية  للانتفاضة  في ذلك الوقت ….
kh hasan albassam 2سياسة التبعيث الكبرى التي شنها الحزب الحاكم منذ توليه للسلطة ،  الصلح الغريب   للإخوة الأعداء البعثيين والشيوعيين تحت لافتة التيار للبعث في السبعينات 1973، مما آثار تساؤلات كبرى في ذهن من  عاش  هذه التبدلات الدراماتيكية في السياسة وسلوك السياسيين ….
الشاب الأديب ينمو وتنمو معه حافة به التناقضات وحالات التشظي وتغير الألوان بما لا يخطر على بال ، حيث استعرت الحرب في كردستان ، وتهجير الأخوة الكرد إلى مناطق الاهوار  عام 1975 بعد انهيار انتفاضتهم ، انفراط عقد الجبهة الوطنية عام 1978 وملاحقة الشيوعيين  ثانية ولم يبلغ الشاب بعد الثامنة عشرة من عمره …..استلام القائد الضرورة للسلطة عام 79 والمجزرة الكبرى ضد رفاق الطريق من كبار البعثيين ، ثم الكارثة الكبرى  التي استمرت   تسعة سنوات ونيرانها مستعرة حصدت الأرواح  وأحرقت الثروات  وقد سيق الشباب إلى جبهات القتال بالإكراه لعبثية الحرب وقسوتها الخارقة ، تصاعد المد الديني الشيعي عقب ثورة إيران وعلى هامش فكر تصدير الثورة . ودون أن يأخذ المواطن العراقي نفسا للراحة استعرت حرب الخليج واتت على الأخضر واليابس ، فترة حصار قاس لم يشهد العراقيين  مثيلا  لا من حيث الشدة ولا من حيث طول  الفترة ، انهيار الديكتاتورية وما تبعها من أحداث لازالت تهدد وحدة الشعب  والوطن وسط حرب  طائفية معلنة  ومستترة بين أقطاب الطبقة السياسية الحاكمة ما بعد الانهيار  ولحين التاريخ وقد بلغ عمر أديبنا أل((55)) عاما …أي تناوب حكومات سوى القمع  والقهر ، لا تغير ولا تطور سوى أساليب   قمعها وقهرها للشعب  كما  يقول  البصام
(( العراقي ضحية  حكوماته المتعاقبة  عليه … أو المعاقبة لإنسانيته… كل حكومة  لها سوطا بلون مميز  ولا ندري متى يسلم  جلد المواطن من الدباغة …)).المقابلة السابقة
فأي عدسة  قادرة  على استيعاب هذه الصورة السريالية المتغيرة  الراكضة  الملطخة  بالدم  والمشبعة  بالعرق والدموع  والمظهرة  في أقبية الخوف والتعذيب والملاحقة وما هي الانعكاسات التي تفرزها هذه الأحداث على صفحة مخيلة  روحا شاعرة  حساسة  منذ الطفولة  الأولى  والصبا والشباب والكهولة على روح حساسة  متفردة   تقول    الحرية :-
(( أن اعشق دون تهمة  أو تكفير … أن اغني دون أن يخنقني احد .. أن لا يقتلني أحد أو يضيق علي الخناق حين ابني بيتا لا يشبهه بيت احد… أن لا يسأل  احد أو  يسألني  عن ديني أو مذهبي)). المقابلة السابقة
هذه الذات المبدعة التي  عاشت أو عايشت ما تقدم من تحولات دراماتيكية  ودرامية ، مبهجة ، محزنة ، باهتة ، بارقة … متناقضات حد التشظي  ولا عقلانية حوتحدي.الية  المتطرفة ، رقة متناهية وقسوة وحشية لا توصف ، فقر حد الموت  وغنى فاحش حد التخمة… انعكست في وعي ولا وعي المبدع القاص حسن البصام  وهو القائل:-
(( حياتي كلها مكابدات   ومجازفات وتحدي … تجاربي  اكتسبتها  من أخطائي لان جيلنا هو جيل الحروب ، والحرب لا تخلف إلا الموت  أو العوق … ونحن جميعا  معاقين  سواء جسديا  أو فكريا )) المقابلة السابقة
وجدنا ذلك في مجموعته القصصية   الرائعة ((البحث عن اللون في محاور عدة نرى أبرزها:-
((ماريوكا )) حسن البصام
 الخوض في بحر المجهول للقبض على المراد  :-
إحدى عذابات الإنسان  ومرارة  ما يعانيه ، هي عدم الفطنة، التبرم ، عدم إدراك ماهية  السهل الممتنع وعدم الإمساك بالفرصة المتاحة  ، وهذا   يعود إلى عدة أسباب  منها : قلة التجربة، رتابة المحيط  ، الافتقار إلى دقة الملاحظة ، عدم التركيز  وعدم الرغبة في تفكر الظواهر  والإحداث  وكسل  في عملية التحليل والتركيب والاستنتاج المخية …. مما يجعل لفرد يعيش  حالة من الجزع والتطير  والإحساس  بالحرمان  الوهمي  في كثير من الأحيان ، كمن  يغفل   مفتاح الضوء  الماثل أمامه  ثم يشكو  ظلمة الغرفة!!!!
قد تجسد هذا المعنى  بشكل واضح  في  قصة (( البحث عن اللون )) فاتحة المجموعة  وعنوانها  وكذلك في  قصة ((الميلاد )) و((الهاتف))…
ففي ((البحث عن اللون )) بعد رحلة  طويلة شاقة في البحث عن حبيبة  متخيلة  في  خيال  العاشق ، يعجز  العاشق الفنان  الرسام المعذب في النجاح لإخراج التركيبة اللونية  كما هي  في  ذاكرته   لألوان  فستان الحبيبة  المفقودة ، ولكنه بعد أن يعجز  يرمي فرشاته في قدح الماء – المملوء إلى النصف – انحلت واختلط ألوانها  في القدح الذي  اندلق محلوله  الملون هذا  سائحا  على  ارض الغرفة  حيث ترقد زوجته  على فراش الزوجية ، أصاب  هذا العاشق  الذهول  لان هذه التشكيلة اللونية  هي بالضبط ما رسم في خياله  لفستان الحبيبة  ، والفستان هذا  هو  ما ترتديه  زوجته !!!!
((…اندفع الماء الملون إلى ابعد نقطة في الغرفة، ومن فرط دهشتي رأيت اللون الذي شغلني يغطي أرضية الغرفة كلها…نظرت إلى ثوب زوجتي صرخت في سري: يا الهي انه اللون ابحث عنه)) مج  ص10.
وكأن  الفنان يقول :-  يا الله ما  أغباني  فانا  ابحث عن  ما هو في يدي ، كأني مصاب بعمى الألوان ؟؟؟
وكذا هو الحال  في قصة ((يوم  الميلاد )) حيث إن كلا الشابين  اكتشفا إنها  يحبان  بعض وان هذا الكشف المخبوء داخل  روح كل منهما  انكشف  في أول رسالة بوح  ومكاشفة ، فكان هذا اليوم  هو عيد  ميلاد  حبهما  المرادف لعيد ميلادهما  حيث الحب والود  وشراكة حياة مقبلة …..((ارتسمت ملامح الدهشة على وجوه الموظفين عندما عدت حاملا علب الحلوى ، لعلن للجميع اليوم هو عيد ميلادي ((……قال أحد الموظفين: يا لها من مصادفة غريبة ! تصورا  ان عيد ميلاد ((ضحى)) كان نهار يوم أمس، وقد نسيت هي الأخرى، فهرعت من مكتبها مسرعة، ثم رجعت مثقلة بعلب الحلوى ، احتفالا بعيد مولدها )) مج .ص35
إما قصة ((القمامة )) فهي قصة الاستلاب ، وهي إشارة   بليغة جدا  إلى إن  جمال  المكان  مقرونة بمدى  صدق وحميمة  وجمالية  لحظة الوجود ، وهنا الحب  يخلق المستحيل  ويجعل من أكوام القمامة عش الحب  والعشق  الجميل  الذي يضم الحبيبين  ويؤمن لهما  الستر الواقي من عيون الفضوليون  والمتطفلين ، الشعور بالسعادة  بين أكوام القمامة  بعيدا  عن عدوانية المجتمع القامع  للرغبة  المشروعة ،
((  أنا وأنت هنا نفترش القمامة  عشا لقلبينا وملاذا لهمساتنا؟؟ هل لاحظت يوما إننا لم نقرف من هذا المكان ، مثلما يبتعد الجميع عن قذارته!!))مج . ص37
حتى إنهما  كرها   ضوء وإطلالة القمر  رغم جماليته  ورومانسية هذا المشهد وتغني العشاق  بشعاعه الساحر ، ولكن لمن للعشاق الأحرار  المنفلتين  من القمع والمنع وليس لأمثالهما الذي  يكون القمر بمثابة الكاشف لسرهما والممزق لسترهما ، وبذلك تتجلى  نسبية  الجمال من حيث الزمان والمكان ، وتعبيرا عن القدرة الفائقة للإنسان في  التقاط لحظة الفرح والسعادة رغم   قسوة الظروف وقهر المحيط  ونتانة المكان ،  عش الغرام  والبوح الجميل  الذي انبت  أجمل الزهور  بعد هطول المطر  وامتناع الحبيبين عن الحضور…. ولكن يبقى القبح وعامل  القطع والمنع ((اليد الخشنة)) تقطع هذه  الورد الجميلة  فتنتفض روح القارئ والمتابع صارخة بوجه القبح الفضاضة فيبتسم  القاص المبدع لأنه  تمكن من كسب   صوت  منحاز  للجمال ….
الحرمان  والكبت  هي السبب الكبير وراء  سلوك اللا مشروع وركوب مركب الممنوع  من اجل تحقيق الرغبة ، الرغبة في  الحب  ثم الحب والموت  على طريق الحب  هذا  ما جسدته قصة (( عشية سوداء))، وكأنها  (( عشية الحياة )) الجلجامشية  واهبة الخلود ، هنا هذه العشبة واهبة  الحب  المعادل  لمعنى الحياة ….(( … دعوني أسيل في مجرى صدورهن قطرة عطر … وخذوا عمري كله ، ليس بمقدوري أن أكذب وأتوب …))مج.ص56

تجريف القيم ومسخ الذات الإنسانية :-

نتيجة  لدوام  عملية  القهر وحالة  عدم التوازن  الاجتماعي  بين مختلف طبقات المجتمع وشرائحه المختلفة ، وسعي القوى الشريرة  الساعية  إلى امتهان  واستلاب حرية الإنسان واستغلاله وامتهان كرامته ومسخ ذاته ، تعمل هذه القوى إلى بث روح الخنوع والخضوع وقتل روح المقاومة  لديه  فتخلق منه كائنا ممسوخا  جبانا فاقدا لذاته ولكرامته  كانسان ، وقد تجسد هذا المعنى  بشكل واضح  في قصة (( خارطة الذئاب ))، ((خارطة الطريق )) لقوى الاستغلال  والاستبداد والقهر  الحيوانية الذئبية الافتراسية ،المهيمنة على مصائر البشر وترويض الشخصية العراقية  ،  وصولا  إلى الرضي بالهوان  والذل  والعبودية والتبعية ، الذي لم يكتفي بالخنوع  والخضوع  للذئب العقور  والمسعور   لا بل   أصبح خائفا   مستسلما  مستجديا  الرحمة حتى من الكلب  الأجرب السائب !!!
((لم نتوقف عن ترديد كلمة نعم ، حتى للسائبة التي تمر من أمام بيوتنا وهي تتشم في الأرض بحثا عن لقمة عابرة تسد بها جوعها… بل إني سمعت يوما احدهم يهتف للكلب  بصوت واضح : نعم)) مج.ص18
والقاص االأول:يلقي الضوء على  فئات السلوك البشري في  حالة  شيوع  حالة الذئبنة البشرية ممثلة  في  الأنظمة الاستبدادية الديكتاتورية والفاشية القامعة  وهي ثلاثة نماذج:-
النموذج الأول :-
كامل الاستسلام والخنوع والاستسلام   يكشف للذئاب عورته لتلتهمها متلذذة بالدم وبدرجة الإذلال والمهانة  لهذا البشر الخنوع المهان  الذي لم يستفز حتى لو التهمت عورة زوجته !!!!
((تمكينه وباختياره، من الكشف عن عورته لالتهامها… وبدافع الاحتفاظ بالأغلى، يتم التنازل عن الغالي))مج.ص17
النمالثاني:ني :-
وهذا  النوع هو  النوع المشاكس الرافض  الخضوع  وقول  نعم  ولم يبايع  ، هؤلاء الرافضون السلبيون المشتتة صفوفهم  والغير موحدة ولا منظمة  كلمتهم ، والذي لم  يرتقي رفضهم إلى امتشاق السلاح ومقاتلة  الذئاب والكلاب  الغازية ، لذلك  فلا تخشاهم الذئاب ولا تحسب لهم حساب  لأنهم والأموات سواء …
(( هؤلاءالثالث:، الذين لم أجد لصدى خطواتهم نغمة موحدة، كانوا يشاكسونها، ولا يجيبون بنعم ، إلا إنهم يهربون، يقفزون قبل إن يلمحهم، ويختبئون، دون أن يمسكوا بعصا أو بندقية لمواجهتها… منهزمون دائما ومشاكسون )) مج.ص17
النموذج الثالث :-
هو النموذج المثال ، هو النموذج الطليعة القدوة ، الرافض لكل أنواع الاستعباد والإذلال والخضوع …. هذا الرافض لقول نعم  لكل سلطان مريد  الذي  ظل  صامدا مقاوما  ممتشقا  لسلاحه ويده  على الزناد لا يأتمن صوب الذئاب ولا الكلاب  حتى وان بدت   متذللة مستجدية ، هذه الفئة التي  استثارتها خسة هؤلاء القتلة وانتهاكهم لكل الحرمات والمقدسات بما فيها اغتصاب النساء  والتهام جثث الاطفال  وكان القاص المبدع يتنبأ بمدى وحشية الفاشية الداعشية  في الوقت الحاضر  الذي عاثت فسادا  في  الأرض .
(( الذين أرعبوا الذئاب حقا ،هم الذين هجروا بيوتهم وسكنوا  أعالي التلال الصحراوية المحيطة بالمدينة من الجوانب .. قتلوا الكثير منها..لم يساوموا على عوراتهم درءا للخطر… ولم ينطقوا بكلمة نعم ذاعنين)) مج.ص19
والقاص يشير بفطنته ووعيه  أن هذه الذئاب ((الوطنية)) المحلية  ستحاول  افتراس الذئب  الغريب   المصاب بمرض مهلك وهي حقيقة بنوبة لكل  القوى المستبدة  وصراعها فيما بينها  كبيرها  يفترس صغيرها ، وقويها يفترس ضعيفها ،مهما طال الزمان لابد إن  تهلك  وتنقرض  فلا دوام لظلم ،  والكبار المصابة بمرض ستنقل العدوى للذئاب المحلية التي افترستها ، هذا هو القانون الذي يحكم حياة وممات قوى الاستغلال والاحتلال  كبيرها وصغيرها  الأجنبي والمحلي ، وستهلك جميعا  لأنها  لا تتكاثر لان التكاثر  يؤدي للتنافس وهي لا تريد منافس  بحكم أنانيتها وطبيعتها الاستئثارية والاحتكارية ، مما يقودها إلى مصيرها المحتوم  إلا وهو الهلاك  جسديا  ولكن ظلها  يبقى  مختزنا  في  اللاوعي الجمعي لكتلة الجبناء  والخانعين  فيبقون يرددون أل ((نعم)) حتى  لظلها الباهت ولأشباهها من الكلاب السائبة وحتى بعد انقراضها  تبقى صورها والخوف منها مزروعا في اللاوعي .(( حتى في الأحلام، تجثم على أنفسنا ، كوابيس ؟أنياب، فقد رسمتنا الذئاب خارطة لأحلامها))مج.ص20
وهنا القاص المبدع يدعو إلى عملية واسعة لإزالة ثقافة القمع وآثار عهود الديكتاتورية والاستبداد، ونبذ حالة الخوف والتردد والجبن والالتحاق بالنموذج الثالث من اجل بناء حياة تحفل بالحرية والعدالة  والسلام …..
قصة (( سقوط النخلة )) بسبب تفسخ  قلبها ، حيث غزتها الديدان  كدالة على فساد  المهيمن  المستبد ، وما سببته  ثمارها  من  عدوى الإصابة  بعدوى الاستبداد  بين  من  تناول من ثمارها  ناقلة له المرض  وهنا إشارة رائعة لمن اعتاش على  فتات وهبات الحكام المستبدين المنحورة أجسادهم وأرواحهم ، وخصوصا من  استأثر  بعذق كامل  من  النخلة المنهارة  المتفسخة التي لم تصمد أمام   رياح التغيير  رغم  مظهرها المهيب وضخامة جذعها ، وعجز  حاميها  عن  وجود من يخلفه  لان  كل  خلفه بنات  مسلطا عليهن وعلى من يتقدم لهن  نيران بندقيته  التي  لا ترحم ….
عين الأديب   كانت  شاملة المسح لظواهر التردي في منظومة القيم الاجتماعية  والتبدلات الخطيرة  التي  جرفت  الكثير من القيم  الايجابية النبيلة  ومنها ، تماسك الروابط  العائلية  وخصوصا  رعاية الوالدين  وقد أو عز  هذه  التغيرات  إلى :-
الركض وراء الثروة  والمال  والحصول عليه  بأي  وسيلة حتى وان كانت بعقوق الوالدين  والتنكر لهم  كما  ورد  في  قصة (( قصة لم تكتمل )).
((أراكما مهتمين بشهادة الوفاة أكثر من أمكما؟؟ نحن الوريثان الوحيدان… وان كل أموال أبي سجلت باسم والدتي، ونخشى إن يتوسع الموضوع لاحتمال أن أبانا متزوج بأخرى فيهددوننا)) مج.ص86.
بمثل هذه الخسة والنذالة والقسوة يتعامل أبناء تاجر الطحين نموذج البرجوازية الطفيلية الجشعة، بالتنكر لامهما ورميها في دار العجزة متنكرين لها ، منتظرين موتها للاستيلاء على ثروة أبيهم !!!!!!!!!!
الخوف  والإرهاب   أي الترهيب والترغيب  كما   ورد  في (( خارطة الذئاب)).
الجهل  والتخلف  والفهم الخاطئ للدين   كما   ورد في قصة (( الملثم )).
((… انمحت كل مخزونات الذاكرة لحظة تمددي على وجهي فوق الأرض، إلا الصرخة التي سمعتها قبيل اللكمة: أنت أيها السافل تدعو لإلغاء المساجد؟؟!)) مج.ص22
إن الحديث حول  هذا الأمر  الذي أصبح شائعا في مجتمعنا وخصوصا بعد انهيار اختفاء الديكتاتور الأكبر  وتوزعه إلى ديكتاتوريا  قزمة  ارتدت رداء الدين ، متقردنة، مثعلبة ، متحربنة ،انتهازية  وضيعة ، أساءت لجوهر الدين وخربت مؤسسات الدولة  خصوصا بعد أن أصبح التلاصق إلى حد الاندماج بين رجل الدين ورجل السلطة ، فأفسدت ((الدين)) وأفسدت السلطة ..
فأصبح الموت ،وتكسير الأسنان رافعة الكلام  المضاد والكاشف لهذا الزيف هو سلوك هذه العصابات  العاوية باسم الله ، والله  جل جلاله  بجرائمهم وخبث نواياهم  عليم ، فكم روح طاهرة  أزهقت ، وكم صوت  حق أخمد، وكم من يد نزيهة ، وعقل قدير ، ذهب ضحية هذه الذئاب  والكلاب المسعورة التي تسترت بستار الدين ، والتي ارتضت  لنفسها إن تقيل الله لتقيم  بدله يوم الحساب والعقاب على الأرض ….!!!
وها هو ((الخليفة )) يرتقي المنبر إمام رايته السوداء ليطالب العباد ببيعته فهو وكيل الله في الأرض، يحف به حملة السيوف والخناجر  والرشاشات والقاذفات ، وويل لمن يتخلف …. فأي كارثة كبرى تحل بنا  باسم الدين في القرن إل((22))؟؟؟؟!!!!
ولم بهمل القاص الآثار الكارثية لعوامل  التغييرات البيولوجية    الناجمة  عن الحروب العدوانية المدمرة  كما  هو الحال  في  قصة (( عقرب الثواني )) حيث حول الإنسان الهادئ الوديع إلى وحش مفترس في لحظات هياج بين حين وحين ، تحدث الكوارث والمصائب تسيل الدماء ويحل الخراب  وماكينة الحروب تدور دون توقف  رغم اصطباغها بدماء الضحايا  كل شيء تحطم ((… باستثناء عقرب الثواني، هو الوحيد الذي ظل يدور، في قلب الساعة، وإطارها الخارجي الضخم ، إلا أنها ظلت محتفظة بحركة ماكينتها))مج .ص57
الذات الفاعلة  ومقاومة التردي :
لم يغفل الأديب  وهو يبحث  عن اللون  عثوره على ألوان زاهية مشعة للقيم  الايجابية  كالنبل  والعفة والنزاهة والإخلاص للإنسان  والوطن  و تبعث  على السرور و الأمل  رغم حجم وجسامة  الخراب  وعملية تجريف القيم  وهيمنة القوى الاستبدادية وشراسة ووحشية (( خارطة الذئاب))، وظاهر  الملثمين  وأصحاب القلنسوات البيضاء  وما إليهم
رغم الظلام الحالك يبقى  ضوء  الأقمار والنجوم  المشعة  هي الأقوى والأقدار  على هزيمة دياجير الظلام  لتؤشر  بارقة الأمل ….
يتجوالله لوضحا  في قصة ((المعلم )) ومثال النزاهة  والصدق  والعفة في شخصية  ((عدنان كيكه))((اله النور ))، هذا الإنسان المتقد حماسة وحب للوطن والشعب والمترفع  على  المصلحة الشخصية  والأنانية  الضيقة  وعلى كل  العناوين  واللافتات السياسية  ، متمرسا خلف قناعة فكرية  وسلوكية  تشع إنسانية ووطنية  لا تنثني أمام كل أشكال الترهيب والترغيب ….(( والله  لو عرض علي بقدر هذه الغرفة ذهبا، ما فرحت به…. لا يهدأ لي بال حتى أرى رقبتي حرة لا يطوقها شيء حتى وان كانت قلادة من شعاع القمر … وان لا يثقل رأسي حمل حتى وان كانت خيوط حرير…. أو أحمل على رأسي سلة  لا يشتهي ما فيها فمي…)) مج .ص14
كما يظهر هذا النموذج في  صورة موظف الزراعة  في  قصة((ثقب طري)) والموظف النزيه  في ((قصة  لم تكتمل))، وفئة المقاومة الفاعلة  في  قصة ((خارطة الذئاب ))،والمقاوم  لهيمنة  أدعياء الدين  في   قصة ((الملثم )). رغم تعرضه  للضرب  والتهديد  الدائم بالتصفية  وتخاذل  من يحيط به  في  الانتصار  له ضد  مروجي الخرافة واستغلال مناصبهم الوظيفية باسم الدين والتدين الزائف . والعاشق الذي اقتحم المصاعب وتهديد المستبد ليبلغ حبيبته  بحبه  في قصة  ((سقوط  النخلة )).
((يقال  إن هناك صخرة معلقة في كبد السماء بخيط دقيق، تسط على رأس كل من صغر نفسه وأذلها علانية)).مج .ص25
كم رائع هذا الذي يمتلك بعزة نفسه وكرامة ذاته،  لا يرضى الذل ولا الهوان  تحت   ضغط الحاجة أو سيف الإرهاب ، هذا الذي يقي رأسه  من  سقوط  الصخرة ، فيبقى شامخا ً شموخ الإنسان العزيز الكريم .
عدم الخلط بين  رجل الدين ورجل  الدولة :-
للدين  دور كبير في  تهذيب  الروح ، عبر  وجود الرقيب الداخلي  دائم الحضور  للسلوك الإنساني في السر والعلن  مما يفترض بمن  يدعي  الالتزام  بجوهر الدين  أن يكون  نزيها ، عفيفا ، إنسانيا ، متفانيا في عمله ، صادقا  مع نفسه  لان  الدين هو المعاملة ، وخير الناس من  نفع الناس ، وان له عند الله ثواب كبير ……..
في زمننا  هذا  وخصوصا بعد انهيار الديكتاتورية  في 2003  وهيمنة  الأحزاب الإسلامية  على مقاليد السلطة  العراقية  ، وهيمنة  موجة التدين  على سلوكيات اغلب الناس ، اختلط الحابل بالنابل ، حيث تفشت المظهرية الزائفة  وكثر أدعياء التدين  لمواكبة الموجة واسترضاء الحاكم  والحصول على المناصب  في مؤسسات الدولة ، والحصول على  امتيازات  الرأسمال الرمزي لمظهرية التدين ، كلبس العمائم والقلنسوات  ، وإطلاق اللحى  ولبس الخواتم  وما إليه ……
مما أدى  إلى عملية  خلط  كبير بين مهام  رجل الدين  ومهام  موظف الدولة ، فخلق  هؤلاء  الأدعياء البدع  للتحايل على قوانين الدولة  وعلى حقوق  المواطنين  وتعطيل ا إعمالهم  تحت غطاء ديني مزيف ، مما أساء كثيرا  لجوهر الدين   والتدين  وأربك  وافسد عمل  دوائر الدولة ، وأصبح وسيلة  تتستر على المتكاسلين والفاسدين والانتهازيين  والفاسدين  والفاشلين  وقد أشير لهذه الظاهرة  بجرأة كبيرة  ووضوح كما في  قصة ((الملثم )).
هذا ما يخص النصيحة ((النورية )) الأولى  للباحث  ، أما  النصيحة الثانية فهي :-
(( لابد من إماطة اللثام عن نزعة الأديب الاجتماعية  العامة  وخصائصه السايكلوجية وروابطه الايدولوجية  وانتماءاته السياسية  والاقتصادية )).
إننا  إذا كنا لم نعايش البصام  فيبدو انه مكشوفا أمامنا  وفق مقولة – قلي ماذا  تقرأ وما ذا تكتب أقول لق من أنت .
فالبصام من عائلة بسيطة  وهو القائل (( لم يكن احد من أفراد أسرتي معني بالقراءة  أو الكتابة …. ولم يؤسس لي  معلم  أو مدرس قاعدة لإطلاق  أول حرف  في فضاء الإبداع ، كنت اشعر إني بحاجة  للكتابة وقد سبقها إحساس بحاجتي للقراءة )). المقابلة
فهذه هي سيكولوجيا أديبنا انه المتسائل منذ الصغر ، الباحث عن أجوبة ، الباحث عن سر الحياة ، عن  سر الجمال ، عن  ما يكمن وراء السعادة ووراء الألم ، وراء الفقر والحرمان  ووراء  الغنى  والثروة .
منذ  نعومة أضفاره تحسس الم الفقر وخطورته على  حياة الإنسان  جسدا وروحا  وهو القائل :-
(( الفقر هو المعول بل الحزام الناسف الذي يحطم كل شيء ، حتى المبادئ في أحايين كثيرة ))المقابلة
وهو الكاتب لأول قصة بعنوان ((الموقد)) التي تتحدث عن الفقر والقهر والحرمان وعن معاناة الفلاحين الفقراء.
بمعنى إن  انحيازه واضح  إلى جانب الفقراء والمهمشين والمحرومين في بلده  وكل قصصه  تدل على ذلك ، وهو الرافض للظلم  والعسف والقيود ، محبا لوطنه  حد الصراخ  وهو القائل  في الحرية (( أن اصعد على  سطح بيتي وافتح أزرار قميصي واصرخ  احبك ياوطني بأعلى صوتي )).المقابلة
أما بالنسبة  لتوجهه الفكري والايدولوجيا فلا أكون مخطئا   وأنا أراه  بلون اليسار  فماذا  يمكن أن يكون  من  يقول :-
(( أحببت جدا بابلو نيرودا ولوركا وناظم حكمت وأعجبت بحياة جيفارا وفيدل كاسترو)). المقابلة
وبهذا نكون  قد  أوفينا  ولو بشكل  موجز جدا  الوصية الثانية  لنوري  جعفر .
التقنية  الحكاية وأسلوب السرد :-
مجموعة  (( البحث  عن اللون )) كما هي دالة عنوانها  مثقلة  بالمعنى ، الدال على  سلوكيات   الأفراد والجماعات  في ظل  ظروف  مختلفة ، ملقية الضوء  على  النماذج السلوكية المختلفة  المؤثرة والمتأثرة بالظروف  الاقتصادية والسياسية  السائدة ، ونسب التثبيت والتكريس للقيم  سواء الايجابية أو السلبية ، ومدى  قوة الذات  المتفردة أو التابعة ……. إنها حصيلة معاناة الكاتب  المبدع  وعصارة فكره  وجديته في خلق  جملة المعنى عبر جمال الكلمة  وكما يقول فلوبير :-
(( عندما أجد نفسي فارغا وعندما تتمنع اللفظة علي ، وعندما اكتشف بعد  خربشة صفحات طويلة إنني لم اكتب جملة واحدة ، أقع على أريكتي وأبقى مخبولا في مستنقع داخلي من السأم)) ص57 مبادئ  تحليل النصوص
و لا شك إن أديبنا المبدع عانى كثيرا من السام وتقلب كثيرا على أريكته كي تولد هذه النصوص القصصية الرائعة.
هيمنة  روح الكشف والفضح  ونزع عصائب التضليل  والتجهيل  فرضت على الكاتب  النزوع  للخطابية والمباشرة  أحيانا  في  العديد من القصص ، أي  تغليب الرسالة  الهادفة على  الجانب  الشكلي والجمالي  للنص. ولكن شعرية  المفردة للقاص  الشاعر  غطى على الكثير من  مثالب المباشرة  في السرد .
من مميزات القصة القصيرة أن تختم بحدث صادم غير متوقع بالنسبة للقارئ وقد كان الكاتب موفقا في هذا الأمر وخصوصا في قصة ((البحث عن اللون )) مثلا وقصة (( قصة لم تكتمل )) و (( الثقب الطري)).
في حين  لم تمتلك العديد من القصص هذه الضربة  أو الخاتمة  الصادمة بعد  التنوير.
عناوين القصص بين  المباشر  كاشف  مضمون النص وبين  الرامز  المتضمن  لدلالته وقد بينا  روعة وعمق دلالة  عنوان المجموعة  في مقدمتنا أعلاه …..
أسلوب القص والسرد  تناوب بين الواقعية النقدية ، والواقعية  السحرية  والغرائبية ، وقد أبدع  القاص في  سيطرته  على الحبكة  ونجاحه في اختيار  الرمز الدال  بصورة بليغة على المدلول  كما  ورد في  قصة (( البحث عن اللون )) و ((خارطة الذئاب )) و ((عقرب الثواني)) و ((سقوط النخلة )).
كان موفقا  إلى درجة الإبداع في  التورية والاستعارة والتشبيه وفي اختيار  المجاز في  أسلوبه السردي  الجميل ..
بهذا  الموجز نكون أوفينا الوصية (( التورية )) الثالثة  في مهام الناقد أو الدارس للنص  وكاتبه  وارتباط احدهما بالآخر .
(( النظر إلى فنه اللغوي وبراعته في التعبير عن آرائه في ضوء الأسلوب الأمثل الشائع في مجتمعه)) ص6 نوري جعفر ((الجوانب السيكولوجية في أدب الجاحظ)دار الرشيد 1981.
في الختام  نقول  إن ((البحث عن اللون ))، مصباح  وهاج  أنار الكثير من  كهوف  السلوك  الإنساني  للمواطن  العراقي ، وعين واعية  استطاعت  إن تشخص الكثير من  عوامل القوة والضعف في  سلوك الشخصية  في مختبر البحث ، لعقل  خبر وعاش  التحولات الاقتصادية  والاجتماعية والسياسية  في  وطنه  وكما  ذكرنا في  مقدمة الدراسة ، فكان  عقلا  عالي الكفاءة في  التقاط الصورة  وتحليلها وتركيبها  وإعطاء الحكم فيها  مميزا  بشكل جلي بين القبح والجمال   بين القوة والضعف بين الجرأة والخنوع في السلوك الإنساني ، فهنيئا للأدب وهنيئا للشعب  بهذا   العقل  المنتج للفن الجميل  الرفيع  الملتزم  بقضايا الإنسان وهمومه ، المبحر  بواسطة   زورق الفن  صوب حيز الحرية  والسلام  والسعادة الإنسانية ….
أخيرا نقدم اعتذارنا مقدما إن  أخطأنا أو قصرنا  أو بالغنا في  التحليل أو التأويل ، متمنين  للأديب  المبدع  ((حسن البصام )) المزيد من العطاء والتألق ، والى القارئ الكريم المتعة  والفائدة وهو يشاركنا  في  فهم وفتح  مغاليق  القص الرائع …..

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| طالب عمران المعموري : سريالية القص في “مريم البلقاء” للقاص علي السباعي .

صور عفوية بتقنية قصصية وبأسلوب يخرج عن المألوف على طريقة السورياليين بهواجسهم في ما يتعلق …

| مهند النابلسي : جزيرة الكلاب” لـ”ويس أندرسون”: تحريك تجريبي مجازي آخاذ…(Isle of Dogs 2018).. فانتازيا تحريكية فريدة وطريفة تناقش مواضيع القمع والفساد والبيئة وتضافر مقاومة “الكلاب المضطهدة البائسة” الناطقة مع تعاطف المراهقين الشجعان! .

*استهلال: فيلم خيالي تحريكي حول الكلاب التائهة “المنبوذة” الناطقة في اليابان، يمثل انعكاسا واسقاطا مجازيا …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *