ريم العيساوي: الزمن ودلالاته في مجموعة “رياح الشمال” للقاصة شيخة الناخي

إن شتى الحضارات على مر العصور لم تهمل حقيقة الزمن وأهميته وكل حضارة وأساليبها في تحديده، فهو دعامة الوجود وعنصر أساسي مكمل لعنصر المكان ويرى أفلاطون ترابطا بين الزمن والمادة وعرفه أرسطو بسلسلة عددية مجودة في تصورنا للفعل أي الحركة ،واحدة سابقة وأخري لاحقة، وظلت هذه الازدواجية إلى العصر الحديث ،والزمن من أدق المفاهيم الفلسفية وأكثرها تعقيدا ،فهو مادة معنوية مجردة يتشكل منها إطار كل وجود وكل حياة وكل حركة بل هو جزء لا يتجزأ من الموجودات في كل مظاهرها وسلوكها.

ولدقة مفهومه يستعصي عن التعريف الشافي القاطع، وقد أسهمت الفلسفة الحديثة والفكر الحديث في إبراز حقيقته وتخليصه من الغموض والدلالة الضيقة.

ومن أنواع الزمن ، الزمن التاريخي ، وهو ما يؤديه الإنسان يوميا من أعمال ليصنع الوجود الذي يعيشه.

ومن الزمن الذكرى وهو الماضي المنصرم ، يدخل في الزمن النفسى، وقد بين علم النفسي الحديث قيمته في توجيه السلوك البشري وفي تحليله وتفسيره. وتفاعل الإنسان مع الزمن يمثل الزمن الشخصي ، وتفاعله معه من خلال المجموعة يمثل الزمن الجماعي.

وظل الزمن بين الذاتية والموضوعية إلى أن جاء الفيزيائي الكبير ” انشتاين ” وأصر على موضوعيته ، وأكد طبيعته الديناميكية فلم يعد مفهومة مطلقا ، مستقلا بذاته بل نسبيا يختلف قياسه ويتنوع يتشكل منه إطار كل راصد إلى آخر ، وتعامله مع عناصر وجوده. فهو يتغير حسب الأحداث، يتأثر ويؤثر ولا ينفصل عن المكان بل يندمج فيه.

كما مثلت نظرية ” امانوال كانت ” ، في الفلسفة الحديثة ، انعطافا حاسما للتطور التاريخي لفلسفة الزمن ، فهو عنده صورة حدسية ، أو بالأحرى أحد أشكال الحدس المتفقة تماما مع حواسنا الباطنة. وهكذا نلاحظ إن أهمية الزمن لا تكمن في مفهومة بقدر ما تكمن في دلالاته وهي التي تخرجه من التصور السكوني وتوحي إلى معاينة المتغيرة، وهذا يحيل إلى مدى وعي الأديب ونشاط كل ملكة فيه من عقل وقلب وذاكرة ، وانعكاس هذا على اللغة والإبداع.

فالزمن زاوية نظر جديد للإبداع ومدخل لتحديد علاقة المبدع بالكون وبنفسه وبمحيطه وكيفية تعامله مع الواقع.

وليس من المغالاة في اعتبار العامل السيكولوجي للزمن مهما جدا لأنه يصعب علينا إدراكه، دون إدراك الذات العاقلة ، فكيف تجلت صورة الزمن في مجموعة رياح الشمال للقاصة شيخة الناخي ؟ وما هي الدلالات التي يشير إليها؟ وكيف تحددت من خلاله علاقة الشخصيات بالواقع؟ وإلى أي حد تعكس دلالة الزمن علاقة القاصة بالوجود ورؤيتها للواقع؟

لقد مثلت بنية الزمن إطارا أساسيا لسير الأحداث في المجموعة ، وقد جاءات تسمياته متنوعة عبر نسيج القصص تصريحا وتلميحا ، وقد جسدته الكاتبة بمفردات دالة على الإطلاق والشمول مثل : ” الزمن ” : (5 مرات ) جاء التصريح به في قولها : ” كان قدرهم أن يوجدوا في هذا الزمن العصي ، وهذا المكان المليء بالمتناقضات” (ص13) و ” الحياة ” (4م)، و ” الوجود ” (3م) ” والعالم الغريب ” و ” الأيام ” و ” الوقت ” والذي صورته الكاتبة انه ليس في صالح الأفراد ، كما جاء على لسيبل التشبيه فهو ” الرواية الحزينة ” (ص10) , ” رحلة السفر المجهول ” (ص41) وواقع غارق في الضياع ” (ص63) ، ” وقمر رحيل مضاء بفوانيس مقلة باكية ” (ص58).

كما عبرت عنه الكاتبة بمفردات تفيد التجزئة والتفصيل ، فهو ” الليل ” (22م) و” الحلم ” بمرادفاته (7م).

والذكريات (4م) والأمس والانتظار (8م)والمساء واليوم والساعات (20م).

والدقائق واللحظات (14م) والثواني (3م) والغد والذاكرة (5م) والعيد (6م).

ومن الملاحظ أن الليل يمثل ” زمنا متعدد الأبعاد ” في المجموعة ويغطي تقريبا أكثر الأحداث ومنها التي تدور في ساعات متأخرة جدا من الليل ، الإطار المسيطر على سيرها وتفاعل الشخصيات معها.

إن صورة الليل تجلت بشكل بارز مما يثير السؤال عن دلالته . وهو لا يرد مستقلا بل يأتي مؤسسا للفضاء المكاني وفي علاقة ازدواجية مكررة في ثلاثية متماسكة : الزمان ، المكان ، الوجود تقول الكاتبة منذ بداية المجموعة : ” منذ إن لف المدينة ليل سرمدي ، وتغشاها سواد حزين ، يعزف نشيده الجنائزي ، تحول كل شئ حولها إلى ما شبه الخواء غابة تتحدى زمجرة العاصفة الهوجاء ، تلك التي لا تزال تكشر عن أنيابها لتفترس الأحلام الجميلة”(ص9).

يتجلي الليل زمنا متحركا لا نهاية له ، يضفي على الوجود مسحة العدم ، مسحة سوداوية توحي بالموت ، وتتأكد هذه الصورة الدرامية في العديد من القصص، زمن مخيف أثره مرعب على النفوس تقول الكاتبة : ” كانت لحظات صامته ، التزم خلالها الجميع أماكنهم… وقافلة الليل تجري سراعا وسط خيط من سواد مظلم مخيف غطى وجه المدينة الغارقة في الذهول”(ص21).

وصورة الليل المقترن بالموت تتكرر في المجموعة ، ولعلها صفة ذات دلالات ، ولذلك فإن القاصة تشكله بصورة حسية لتعميق ثقله: ” فهو يحكم سياجه الحديدي حول الذات ” (ص65).

وتصور ثقله من خلال الشخصيات: ” وقد انتزعت من أعماقها صرخة تلاشت ضمن أسراب هائلة من قطع ليل بهيم يمر مثقلا بتراكمات واقع غارق في الضياع”(ص63).

وتتعمق صورة الليل بظلمتها الدائمة ، في قصة حزمة ألوان وهو الليل الأعمى وإحساس المعاق بالحرمان من نعمة البصر ومن نعمة اللقاء المباشر مع الوجود.

إن الليل زمن مؤثر في المكان والإنسان ، يسبب بإيقاعه العطب والجمود وقد عمقت الكاتبة ما يعتري الوجود بفعل الزمن بتشخيصها المدينة ، فهي غارقة في الذهول وما توحيه هذه الحالة من عطل شامل وإحساس بالغياب ، إنه زمن يكسر إيقاع الحياة ويربك توازنها.

وهذا الزمن السردي في المجموعة يتشكل في صورة متباينة ، متلونا بمتناقضات الحياة ، وبقدر ما يكون سريعا ، ثقيلا على النفوس ، فهو بطيء يتمطط يتعاظم ثقله على الإنسان ، ويكتسب من صفاته الكثير ، فبعد أن كان مخيفا صار خائفا ، تقول الكاتبة : ” أذرع الليل ترتجف ، وجدران صامته تلفنا ، ونوافذ مفتوحة ونفحة من نسيم خفيف يختلس من سكون اللحظة يقظتها اختلاسا ، يمر حذرا … يشهد ليلتنا المشحونة بالخوف والقلق، تمتد الساعات متباطئه ، ثقيلة وتجر معها غربة غرست في قاع بحر هانج وموج صاخب وساحل مهجور..”(ص53).

وبهذا الوصف نلاحظ التحام الزمن بالإنسان ، فيصبح مدركا نفسيا ، شيئا متأصلا في أعماقه. ويبدو ذا خصائص غير موضوعية على الإطلاق ، يرتبط وجوده بوجود الذات وتلون بأحاسيسها وبناء على هذا التلوين في صورة الليل فإن الذات الراوية والشخوص تبدو في واقعها مسكونة بالهواجس ، يلازمها الإحساس بالسأم والغربة من ثقل الزمن ، فتعيش صراعا قويا تجاهد فيه من أجل الخلاص وقد يصل بها الضجر إلى نشدان الموت وهو السبيل للهروب من دائرة الزمن و المرء لا يطيق واقعه، جاء على لسان إحدى الشخصيات : ” ليت الموت يخطفني لأنهي عذابا (ص31) وتعيش الذات في حالة توجس وحيطة حذرا من المجهول ومن المفاجآت ، تصف القاصة إحدى الشخوص : ” لقد غص حلقه بالكلمات ، كان يرتعد خوفا ، فقد تملكه جزع عظيم ، جلس منزويا تتصاعد أنفاسه وتهبط” (ص63).

إن هذه الحالة ، تدفع بالذات إلى درجة من الانهيار ، إحساس بالغربة والوحدة القاتلة صورة للإنسانية المهزومة المتأزمة والتي لا تجد أمامها سوى الحلم : ” قلب ناءت به الديار، يسكنه وجع الليالي المكروبة وفي نفسه حلم اللقاء ” (ص54) . والحلم هو الوسيلة لتبديد الحزن وهو نفسه تحت وطأة الزمن ، تقول القاصة : ” كل ما يجري أمامها يحدث قسرا … لا شئ يشغلها في هذه الساعة بالذات غير حلمها وهي تراه الآن يلملم خيوطه ليتوارى مغبونا خلف التلال البعيدة يندب عثرته ” (ص89) . إن حلم الإنسان بالسعادة مثل حلمة لتحقيق مصيره ، حلم مقتول : حلمة بالذهاب إلى الجامعة .. تمدد في العراء سرابا ” (ص83) . ولا تخرج الأحلام الجماعية من دائرة الموت ، تقول القاصة في إحدى القصص : ” ها هي أحلامكم تحتضر ، تسقط مصروعة في قاع نفوسكم المخدوعة بانتصارات موهومة ، لتصلب في فضاءات مشحونة بنيران قاتلة تكوي قاع نفوسكم المخدوعة بانتصارات موهومة، لتصلب في فضاءات مشحونة بنيرات قاتلة تكوي روحكم المسلوبة ” (ص77) . ” والليل يفترس الأحلام الجميلة ” (ص9).

لذلك لا يخرج الإنسان من الإحساس بالأسر وبلوغ درجة من التشاؤم والعدم ، تصور القاصة هذا الشعور بقولها : ” تحولت الحياة من حولي إلى لوحة معتمة باهته الخطوط (ص38).

في هذا المقطع القصصي ، تصوير دقيق لمعاناة النفس ، تخاطب القاصة إحدى الشخصيات.

” يا من ضللت الطريق مهاجرا تطارده أشباح عالم غريب ، محاصرا بالخواء من سفري المشحون بالألم ، نسجت من حروف الكلمات عباءة أتدثر بها في الليالي المرعبة” (ص54)

إنه الزمن النفسي يكثف غربة الفرد ويطبق سياجة السميك عليها بلا رحمة ويلون وجوده بمعاني الحزن والألم والضياع الدائم والمصير المجهول ، ويبقي الدعاء والتضرع لله الملجأ الأخير:

” رددت في سرها دعاء خافيا يخفف نبض جرحها وهي تتوسد أحزان الليل “(ص64).

ولا مفر للذات من مرارة اليأس ، فهي عاجزة فريسة للمخاوف ، عاجزة عن المواجهة و الصراع يهزمها الحزن فيعطل حياتها ، تقول في إحدى قصصها : ” وحين ينتابك اليأس وتضيع في متاهات الخوف ، يبدأ العزف على قيثارة الأحزان ، ويلفك صمت مشحون بقسوة الساعات المؤلمة ، وتلون المشاهد وانكسار النظرات” (ص58).

فلا غرابة إذا بدت الشخوص حالمة تحن إلى ذكريات الماضي السعيد علها تجد فيه خلاصا من مأساتها ويبلغ بها الحزن إلى إرهاق ذاكرتها وخاصة في استعادة الجميلة منها ، تقول واصفة أحدى الشخصيات : ” شعور غامض غريب ، اخذ يتزاحم بداخله .. يضرب جدران قلبه الخافق ، زفر زفرة حارة وقد أنهك ذاكرته لاسترجاع اللحظات الجميلة ” (ص77).

وبقدر ما تشرق صورة الماضي في حياة الشخوص ، فإن صورة الآتي تبدو مظلمة ، ويتقابل الماضي مع الآتي في ثنائية الحزن والفرح ، كما يبدو من خلال هذا المقطع : ” امتطت ذاكرتها صهوة الاشتياق لتلك اللحظة ، تطاردها أفكار مبهمة تصادر فرحها وخوفها من وحشة الغد الآتي وخواء روحها وآهات أنينها المتقطع من ثورة الصمت المسكون بالوجع” (ص56).

ولا تخرج القاصة شيخة الناخي في رسم صورة الانتظار عن الملامح التي رسمتها للزمن عامة فالانتظار فيه من متناقضات الزمن كالبطء والسرعة وفيه من ثقله وقدرته على إيلام الفرد الذي لا يملك سوى سلاح التبرم والضجر وهذا الشعور إزاء الاتي يحس به الصغار مثلما يحس به الكبار.

تقول طفلة في إحدى القصص: ” تعبنا يا أبي من الانتظار ، نريد أن نستنشق هواء نقيا … لا هواء ملوثا بالبارود ” (ص13).

وتقول إحدى الشخصيات :” كثرت التساؤلات وقطار الانتظار يستبق دربه بلا هوادة ، مسرعا في اتجاه أول محطة تستقبله ، صفارة الإنذار تعلو مقبلة نحوهم”(ص21).

كما تعيش الذات فرحا لا يكتمل ، فرحا مهددا بالزوال والاندثار ، وحتى فرحة العيد تبدو في صورة ومضات ، كأنها مسروقة من الدهر ، وهو يوم الخروج من الزمن بعملية النسيان تقول إحدى الشخصيات : ” لا بد من النسيان في هذا اليوم ، من خارج دوامة الألم تناثرت حطام المخاوف المقهورة ، أمام دفء العيد وفقرات من غيث عابر مشبع بالرجاء ، تدفق ليسري حلما يحمل مشاعري” (ص56) .

إن ما نلاحظه في مجموعة رياح الشمال ، غياب الزمن التاريخي ، لأن القصص في مجموعها ليست توقيتا بالمعنى الدقيق وليست تأريخا ، إلا أن القصص تحمل اصواتا للتاريخ ولجملة من الأحداث التاريخية ، ولذلك فقد نزلت الكاتبة الأحداث في منظومة داخلية هي الليإلى والأيام والساعات والدقائق والثواني ، وقد سيطر على الأحداث الزمن الذاتي ، زمن إحساس الشخصية وتفاعلها معه وهو نوع من الزمن محكوم بوضع الشخصية ورؤيتها للوجود ويدل على وعيها القوي بسيرورة التاريخ ( ويزداد حظ هذه الذاتية في التفاعل مع الزمن أهمية إذا نأت الممارسة عن التدبر الفكري واقتربت من الانفعال الوجداني، وفي هذه الحالة تبتعد الشخصية عن زمن الناس المشترك المعيش ، مرتحلة في زمن خاص ، وقد تتوغل في الابتعاد ، فتذهل عن دنيا الناس تماما وتنقلب إلى عالمها).

وفي تعامل الكاتبة مع هذا الصنف من الزمن، انتقت وحدات قياسه وغابت أبعاده الموضوعية و المنطقية وقامت مقام هذا كله إشارات ذاتية وألوان نفسية خاصة سار فيها الزمن رجراجا ، كانت في الأهواء والانفعالات وحدها علة استحضاره ومحددة لمنطقه ولذلك بدا مقاسه مطاطيا زئبقيا، كما جاء هذا الزمن معقدا ، في اختزاله الذاتي بالموضوعي ، فيبدو على صفة من الغرابة ، لما يسببه من توتر وانفعالات لكننا في الوقت نفسه ، نحس انه معبر عن إحساس هو صدى وعي مخصوص وصورة وعي معقد تتداخل ، فيه الأزمنة والأماكن والأحداث والشخصيات.

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| طالب المعموري : للشعر كينونة زمنية أيضاً.. قراءة في “سبأ أخرى” للشاعر أحمد جاسم الخيّال‎‎ .

فكما للسرد كينونة زمنية يسجل من خلالها الكاتب زمنه النفسي في الزمن الكوني على حد …

| جمعة عبدالله : معاناة الانسان المضطهد  في الديوان الشعري “ثلاث روايات” للشاعر عبد الستار  نور علي.

  تشير بوضوح قصائد الديوان الشعري في بدايات السبعينات القرن الماضي , الى ولادة ونبوغ …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.