وديع شامخ: عبد الخالق كيطان والعودة الى الأبجدية الأولى*

من مدينة العمارة ” أو ميسان السومرية ، من جنوب الألم وبطن العراق الرخو ” من ” برديات الجنوب الثرّ” هاجر الفتى عبد الخالق الى بغداد باحثا عن الحياة التي لم يجدها جده ” جلجامش” . لكن بغداد التي كتب عن صعاليكها مجموعة بعنوان ” صعاليك بغداد عام2000 ” أسلمته لمتوالية من المنافي كانت الأقرب مدينة عمان ،الذي كتب فيها ملّوحا الى قلق مزمن لثنائية الحضور والغياب في حياة الكائن المتمرد والباحث الازلي عن الحرية وجوهر الوجود .

” أن أبدأ بالصلاة على روحي القلقة. أن أطرز أيامي بخاصية الغياب. أن أعزو فشلي هذا لقلة حيلتي. أن أنام على على طريقة الامس، أن أعاود البكاء” .

في العام 2001 رأيت عبد الخالق كيطان المسرحي والشاعر والصحفي يحزم حقائبه للسفر الى مدينة الاحلام المفترضة ” أستراليا” وها أنذا التقيه اليوم في سدني وهو يحزم نواياه قبل حقائبه عائدا الى مرتع الحلم وملاعب الطفولة ومرايا الذات .

فمن كان الحالم إذن ؟

من كان الجلاد، ومن كان الضحية ؟

بين الوطن والمنفى مساحة من التوجس وذاكرة من وجع وسياط تلفح الأرواح اللائبة للأقامة الدائمة في الحلم.؟

هكذا هو عبد الخالق دائم القلق والبكاء والحنين . هذا المثلث الذي نراه يتكرر و يشكل أضلاع تجربتة الشعريه الممتدة الى ثلاث مجموعات أيضا وهي ” نازحون 1998، وصعاليك بغداد 2000، واخيرا الإنتظار في ماريون 2007 ” والقاسم المشترك لهذه المجاميع هو المكان . فنستطيع ان نشير بوضوح كامل الى أن الشاعر عبد الخالق كيطان شاعر حسي مكاني بأمتياز . كما انه شاعر حدث ووثيقة ، أي أن النص الشعري عند خالق لم يتورط كثيرا بالغور في الاستعارات الجمالية والصور والتجربة الزمانية ، كما انه لم يمارس التعميه اللغوية والفذلكات التي شاعت في الكتابة النثرية سواء في قصيدة النثر أو في الاقتراحات التالية كالقصيدة الحرة أو النص المفتوح وغيرها ..

لقد ظل الرجل مخلصا للمكان، ومن خلال علاقته بالمكان تتأسس العلاقات اللغوية والانساق الغائية للغة ، فلغة الشاعر دالة وموحية وعارية تماما ، تشير بوضوح وبأستقامة الى غايتها.

كما ان الشاعر لا يؤرقه المعمار الهندسي للنص . اذ اننا نلمس ان نصوصه تنساب بشفافية وتتلاقح بين الشكل الشائع لقصيدة النثر احيانا، واحيانا يستخدم الشاعر طريقة الكتابة النثرية التي تسخدم الفضاء الكلي للصفحة الورقية .

ولكي لا نمعن كثيرا في تشريح الشاعر، سنعود الى نصوصه، لانه حياته النصيه عندي، الدليل الأكيد على كل هواجسه ، واذا ما استعرنا من البنيوية صرختها المدوية “موت المؤلف ” فاننا سنمضي للاشارة الى نصوص الشاعر التي تشيء بهذا الغليان الحسي ، وسوف اسمح لنفسي بالتورط بالاستعانة بالمنهج النفسي التحليلي واستعير عبارة ” الحتمية النفسية ” للاستفادة من النصوص للدلالة على استنطاق الشاعر و “الحتمية التاريخية ” التي استخدمتها الماركسية لدراسة الحقب والتطورات البشرية ضمن المسار العام للتاريخ ،ونحاول ان نجد مهيمنات نصية تشير الى الاعتراف الصريح او الضمني لهذا الكائن المفطور على البكاء والحنين والقلق .

في هذه الورقة ” الشهادة” سوف أعتمد على علاقتي النصية بعبد الخالق كيطان لانها سوف تغنيني عن الثرثرة والنفاق الاجتماعي، إذ يقول الوشاة ” ان الشهادات مسامير في نعش المحتفى به” وأنا أقول ان الشهادة سفر من التراكم النوعي وسط جعجعة الطحين وصدأ الرحى. ، وبهذا سوف نحقق انتصارا للنص الذي هو” ما يتبقى” وما يتبقى يؤسسه الشعراء حتما على حد تعبير هولدرن .

في مجوعة ” الانتظار في ماريون ، سنجد التطبيق العملي لما اشرنا اليه، هناك مدينتان تحتضنان تجربة المجموعة وهما ” عمان و اديلاد” ، رغم ان مرجعيات النصوص تشير وتلمح الى المكان الثالث ” بغداد” .. فالانتظار ثيمة مكانية اكبر منها زمانيةعندما تقترن بمكان ، فهو ليس انتظارغودو الذي يأتي أو لا يأتي ، إن انتظار عبد الخالق انتظار موقوت ومتعين ، والرجوع الى رأس المثلث ” بغداد” محكوم بزوال أسباب النزوح . إانها رحلة مكانية فقط ، نلاحظ الشاعر يستثمر ذاكرته بشكل فعال حتى وهو يعيش أو يتكلم عن حاضر واقعي. اذ لم نرّ تأثيرا جادا لنمط وحياة المدن التي إستوطنها على تجربته الشعرية .

فهذا الشعر يحسب العلاقة بين أضلاع المثلث بدقة ،بغداد المكان حاضرة هي زمن ومكان الشاعر، وبالتالي ستكون نشيده ونشيجه ومرجعيته ومبرره للانتنصار الى مدينة أحلامه.. الى المكان الأول .

ففي النص الأول من المجموعة والذي يحمل نفس العنوان ” الانتظار في ماريون “، ليس إنتظارا فلسفيا ، ولا حتى جماليا .. الإنتظار هنا رغم كونه ظرفا يتعلق بالزمان ، نراه في نص الشاعر مغرق في مكانيته ومغرق في السأم” ساعات ثقال لا أملك فيها غير تأملات ليست ذات جدوى” حتى أن الشاعر لم يشر الى علاقته الحميمة أو الانسانية بالمكان ” ماريون ” في حاشية النص سوى أنه ” مجمع تجاري كبير في مدينة اديلاد ، جنوب استراليا” اي اننا نفهم ان ذات الشاعر غير مرتبطة بهذا المكان، سوى انه شاهد على الاحتضار وهذا ما يريده فعلا إذ يقول ” هنا في البقعة النائية، أتعلّم الجلادة كلّ يوم ” وهو يشير الى توتر انفعالي كبير ونفور وتغريب من حاضره البعيد عن حاضنته الاولى ” بغداد” كما انه يؤشر فساد المكان ، المنفى بكل مدينته وسلامه وجماله وطقوسه ، وهو يمارس قطيعة مسبقة مع المكان الحاضر ويبدو لا منتميا تماما له كما يقول ” لا اريد ما أتعلّمه ، لانه ببساطه لا يناسبني”

فماذا تعلّم الشاعرغير الانتظار وإجترار أيامه الخوالي؟ ! وهو يحترف مهنا بعيدة عن أحلامه ” سائق تكسي ، عامل في مزرعة …. الخ” ،في الانتظار نجد المكان يقود الى المكان ومتوالية الحزن واليأس تقود الشاعر الى نحر قربانه للوصول الى النبع الاول وكأنه آدم يدفع ثمن خطيئة خروجه من الفردوس الأول . واذا كان لابد من قربان للوصول الى الفردوس فلابد للشاعرأن يقابله بقربان آخر هو ” المنفى”.

المطهر : بعد الخلاص من ” الجحيم ” الاول..

العودة الى الجحيم الاول = مغادرة الحلم المفترض.

لقد افسد الزمان مخيلة الشاعر فانتقل السرطان الى الامكنة وهو هو يغادرها .. باثار نصية بينة

“العودة الى البلاد:

سأعود الى بلادي

عندما تبيض اللحى وتتغضّن الوجوه

لانني أقرر الاشياء الخطأ في التوقيت الخطأ “

الم أقل لكم ان هذا الكائن مكاني بأمتياز !!

فهو رغم كل النأي والهجران للمكان الاول يعترف له ..

في نص بعنوان ” العراق “

” اعترف بهيبتك

غوايتك التي اجتذبت الطغاة نحوك”

وكأن الشاعر في محنة حقيقية لمعرفة سبب هذا النزيف العاطفي والواقعي للمكان الاول / للوطن

فكيف يعرّف الشاعر الوطن ؟

في نص ” مريم “

احتجت الساعة ان اراكِ

بينما استغرق في باطينتي

هنا يا أخيتي ..أدرت ظهري كثيرا

أحن الى المدارس

وفاطمة التي تجهز غذائي

أحن الى أعيادنا”

وفي نص صرعى النهر يقول

” كم من الوجوه مرت هنا

عينّنهم الطوفان

حراسا على الاقاليم البعيدة

وملما استقروا

هدهم الحنين الى النهر “

فالوطن هنا نهر ” وانت لا تعبر النهرين مرتين “

وذا اتفقنا مع الشاعر رفائيل البرتي في قولته ” رحلت في الثلاثين من عمري وعدت في الخامسة والسبعين، هذا أمر رهيب حقا عندما تعيش الشعور بالعودة المستحيلة تدرك جيدا ما هو المنفى” ، فأن عبد الخالق قد أدرك المنفى مبكرا وأختصرالزمن وتجاوز المكان، وعاد الى حاضنته ومكانه ومستقره ، قبل يتداركه الله أوالتاريخ. الشاعر يغادر الامكنة والزمن سريعا للالتحاق بالزمانية الكبرى على حد تعبير بول ريكوروهو يعني ” الماضي والحاضر والمستقبل ” ، تلك التي تشهد التسلسل المنطقي لادوار استحالة عبد الخالق كيطان مسرحيا واعلاميا وشاعرا . فليس هناك أثر للندم في حقائب كيطان الهارب من فخاخ المنافي وبريق أضوائها .. لا أعتقد أنها بطولة أو أنتحارا .. أنها خيار شخصي وخلاص فردي لا نملك إلا أن نحترمه ونشدّ معه النوايا والحقائب .

“أيّنا سيعود الى وطنه ؟

ذلك هو السؤال؟”

بالتأكيد سيعود الذي حمل صليبه المثلث بالقلق والبكاء والحنين ،وبقى الشاعر مخلصا وأمينا لعلاقتة مع الامكنة، اذ كال لها من الهجاء أو المديح وبنسب متفاوته ، لكنه أثبت نصيا أنه شاعر يؤثث لنصوصة سينوغرافيا متأثرا بمرجعياته المسرحية ويرش نصوصه بالتماعات خبرية ووثائقية مستفيدا من خبرته في مجال الاعلام والصحافة .

………..

كان هاجسه العودة ، وكان له ما أراد

سوف نضع بيديك أيها الشاعر باقة ياسمين ، ونسخة غير مزورة من إرواحنا التي تحترق الى ” الهناك” .. هناك حيث العراق الوطن المترع بالحب والجراح . وكما يقول شاعرنا أبو تمام

نـقـّل فـؤادك حـيـث شـئـت من الـهـوى
مـا الـحــب إلا لـلــحــبــيــب الأول
كم مـنـزل فـي الأرض يـعـشـقـه الـفـتـى
و حــنــيــنــه أبـــدا لأول مـنــزل

…………………………………………………………..

*- شهادة ألقيت في امسية أقيمت في سدني للشاعر بمناسبة عودتة النهائية الى العراق ، والابجدية الاولى هي عنوان رواية للروائي المبدع طه حامد الشبيب

*- كل النصوص التي اشرنا اليها في الورقة مستلّة من مجموعة ” الانتظار في ماريون “

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| د. م. عبد يونس لافي : رجلٌ كبيرُ السِّنِّ، خلفَ منضدةٍ كبيرة ـ اللقاءُ الأول .

مخزنٌ كبيرٌ يقفُ عندَ مدخَلِهِ، رجلٌ كبيرُ السِّنِّ خلفَ مِنْضَدَةٍ كبيرةٍ، يُنجِزُ إجراءاتِ الْبيعِ للزبائنِ، …

| عبداللطيف الحسيني : نخلة الله حسب الشيخ جعفر .

إلى الشاعرين محمد نور الحسيني و محمد عفيف الحسيني. الشعراءُ فقط جعلوا الحياةَ بهيةً لتُعاش …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.