“المنطقة الخضراء” .. رواية جديدة للمبدع “شاكر نوري” :

(توقفت موسيقى التانغو فجأة ، وتحسس الحزام الناسف على خصره ، مدّ يده ، باحثا عن الزر المختفي ، وبحركة غريزية ، فتح عينيه ، الصورة مغشوشة وضبابية ، الجميع توقفى عن الرقص مندهشا ومتعجبا ، ووجد نفسه في وسط الراقصين ، ينظر إليهم بلامبالاة ، وكأنهم ليسوا على أرضه . عصفت بأذنه أصوات الدفوف وإيقاعات رقصة الزيران وابتهالاتها .
” هل جاء أهالي قريته إلى المنطقة الخضراء ، حاملين سجاجيد الجمر على رؤوسهم ؟ ” ” هل قرّروا عدم تركه وحيدا في مهمته ؟ ”
افترشوا بسجادة الرمل عشرة كيلومترات ، مساحة المنطقة الخضراء ، التي طالما أحبها ومقنها في آن واحد . بعد ثوان عاد إلى وعيه ، وأبصر لثانية فقط صالة المرمر تتناثر في أكوام الرماد ، تلتقط أذنه إيقاع التانغو الأخير في المنطقة الخضراء ) .
عن دار ” ثقافة ” للنشر والتوزيع في الإمارات ، صدرت رواية جديدة للروائي العراقي المبدع الدكتور ” شاكر نوري ” عنوانها ” المنطقة الخضراء ” ( 204 صفحات ) . والرواية قد تكون الأولى في السردية العراقية التي تقتحم عوالم المنطقة الخضراء السرّية ؛ المنطقة الخضراء المشؤومة التي زرعت في رحم بغداد والكيفية التي تتصارع فيها حيوات خمسة مترجمين عراقيين ( إبراهيم بطل الرواية ، ومراد ورشيد وكامل وفيفيان ) يعملون مع المحتل الأمريكي مع الإفرازات المدمرة لثقافة جديدة غازية عاشوا معها عن بعد سابقا ثم ها هم يعيشون وسط أتونها حيث تصطدم وبعنف بمرتكزات الثقافة العراقية . يعبر الروائي عن ذلك بقصتي حب متوازيتين بين ابراهيم وفيفيان من ناحية وبين الكولونيل داود الأميركي ومدام بيتي العراقية التي صارت مسؤولة عن المترجمين العاملين مع الجيش الأمريكي من ناحية ثانية . وكعادته يزاوج شاكر بين التحولات الواقعية الدامية والخراب الذي تسببه شياطين الاحتلال وبين المخزونات الأسطورية ( خصوصا أسطورة إنانا ) التي تمور في اللاشعور الجمعي في أوقات الصراعات التاريخية الفاصلة . قدما وقائع رواية شاكر تكون دائما مرتفعة قليلا عن أرض الواقع رغم أن أصابعها تكتوي بلهيبه ، ولذلك تحمل مسحة صارخة ” مابعد سوريالية واقعية ” – لاحظ المصطلح المركب – صارت من السمات الفريدة للحياة العراقية بعد الاحتلال . إقرأ مثلا على الصفحة 49:
( تألم إبراهيم كثيرا بعد أن انتهى من توقيع عقد العمل مع الكولونيل الأمريكي الذي استقبله في مكتبه . وأثناء توديعه عند الباب قال له :

” إسمي ديفيد روبنسون ، ويمكنك أن تطلق علي داود ” ” الكولونيل داود ” ” عليك أن تشعر بالأمان هنا ”
وأضاف :
” عندما دخلت فرقتنا الثالثة المنطقة الخضراء ، فرّ سكانها منها ، ولم تقاومنا في النهاية سوى فرقة عسكرية واحدة ، فقمنا بدفنها في مقبرة جماعية في هذا المرآب ” وأشار بيده إلى المكان الذي كنا ندوسه بأقدامنا .
” يا إلهي ، هل أنني أمشي فوق قبورهم ؟ ”
وكأن الكولونيل داود قرأ ما كنت أفكر به في تلك اللحظة ، فسارع إلى القول :
” هذه هي الحرب ، أما أن تقتل أو تُقتل ”
ثم أضاف مبتهجا :
” ولكن أرجو أن لا تتصور أن الحرب تعيسة إلى هذا الحد ، يوجد هنا ما لا يقل عن ست حانات .. ”
وضحك .. ثم علّق بدعابة :
” يجب مزج الحرب باللعب حتى لا نشعر بالملل “

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| عصمت شاهين دوسكي : دهوك المنطقة الآمنة ( 3 ).

منذ اليوم الأول تحمل أخي وأولاده وعائلته هذا التجمع ، رغم الضغط الكبير ماديا عليه …

| مولود بن زادي : رواية أنجلينا فتاة من النمسا – لشدة معاناتها، صارت تدعو الإله إلى وضع حد لحياتها .

رحلة النمسا بدت منذ البداية فرصة للقاء الطبيعة الجميلة والطقس الممتع الذي استحضر في ذاكرته …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.