ناصر قوطي : الهروب من خَرس الأسرّة

naser kot   أكاد لاأسمع إلا صدى صرخة وحيدة ، صرخة طفل تتناهى عن بعد ، كانت تستفزني كلما حاولت أن أغفو ولاتترك في نفسي إلا تلك النقمة الدفينة على أبويه . ترى ماهذه الصرخة المستنجدة التي مازالت تلازمني وتدوي في رأسي ، تمزق الصمت المهيمن حولي ، حين أكون قد خلوت مع نفسي . هل هي صرختي المخبوءة ؟ لحظة انزلاقي من رحم أمي وأنا أستشعر الدوار حتى اللحظة التي أغلقت بها النافذة الوحيدة ، كما لو كنت أسحب غطاء التابوت فوقي . كانت الريح قد دفعت نحوي أفواجا من النمل والقمل والعقارب وكائنات أخرى  كانت تحاول الالتصاق بجلدي ، ربما فعلت ذلك نتيجة لاحساسها بالبرد أو الرائحة التي تضمخ المكان ، باعتباري الحي الوحيد الذي يحتسي الخمرة  في هذا القفر . فها هو ذا  المستطيل يضيق فيما صبغة صفراء ترشح من شق طولي عبر السقف ، تسيل فوقي تماما ، ربما جثة حيوان متفسخة ترشح صديدها وربما .. آهٍ .. هل غدا السقف غطاء تابوت . النافذة الوحيدة لرؤيتي ورؤاي . الضوء الشاحب ، يضيق ، ينحسر ،  ينحني ، كما لو كان حدوة حصان ، أو هلالا في المحاق . لربما إثر وطء أقدام الناس العابرين على السقف أو  حدوات حصان ظل الطريق في المقبرة ، الضوء الهلالي ينحسر .. لتسقط سماء ثقيلة  ، ولاشيء سوى الغبار الذي يهمي من سماء السقف الواطيء .. السقف الذي راح يقترب مني باطراد حد ملامسته وجهي من كثرة ماضيّعت بصري في التحديق والنظر في تفاصيله ، حتى راح يتناسل ويفرخ في الذاكرة ، يهيم مثل بيوض الأسماك في مصبات الأنهر والمحيطات . كنت أسمْر عيوني بالنتوءات الحادة للمسامير التي صدئت وهي تشرئب أمام حدقاتي الثابتة..  هل كنت حيا ..؟.. كنت ممددا على السرير وأنا أنأى عن نفسي ، وأنصت لبوح الجدران ، متعجبا من قول القائل بأن الجدران بلا ذاكرة ، فها هي تلتئم حولي ، ترشح من مساماتها تأوهات ووصايا كرجع صدى بعيد ، تخترق ذاكرتي . فهل كنت منذورا لاختلاط الحواس ، لظلمات أخر ، ظلمات أشد عتمة وسديمية من قبو مظلم أو قبر .  ترى هل هو الموت الذي لايخلف وراءه إلا مرارة الذكرى والذي جعلني لاأكف عن طرح الأسئلة على نفسي ، أم هو انتظار الأجل الذي تركني مهوّما لدرجة عدم فهم نفسي وماتقودني إليه تلك التخيلات وأنا أشهد حلول أجل أقرب الناس لي ، وهل كانت الخمرة بلسما شافيا للكثير من الجراح .أدرك أننا سنتوارى يوما في تلك الحفرة المظلمة ، غير مدركين وطأة كوننا وجدنا لنغيب بتلك العجالة والفضاضة ، كما لو كنا ديدانا تافهة .. ولكن ..هل بمقدور جثتي تحمّل كل هذا الضغط  من التراب .. ؟ .. قساوة الجدران التي توشك أن تطبق عليّ ، هذا الكم الهائل من الألم الذي يعرش ويتمدد في أوردتي ، هل أتخلص منه ان أنا بحت به أوكتبت شيئا ما ..؟..  أأستطيع أن أعوض هذا الفقد المخيف ..؟..  كنت أطرح هذه التساؤلات وأنا أجلس مقرفصا قرب رأس أمي وهي في نزعها الأخير ، لاصقا أذني على شفتيها المتيبستين ، بعد أن أكون قد قطرت في فمها المتشنج بضع قطرات من الليمون، وكنت قد سألتها مرارا: ماذا تريدين ياأم ؟ فكانت تهمس بذات الصوت المبحوح : سأموت ،
كانت تتوسلني بنظراتها الغائمة  … انتبه لنفسك  … كانت تهمس بذلك ثم تعض على شفتها السفلى وتعود تهمهم بكلمات مبهمة ، لحظتها أنسحب دون أن أفضي بشيء ، فيما تعتريني مشاعر لاتوصف . هذه المرأة الجنوبية بوشمها الأخضر المطرز على حنكها كما لو كان شراعا يتحدى العواصف ، انطوت على طيبة لامتناهية ، وسذاجة لاتصدق بالرغم من انها كانت تنطوي على احساس بالمرارة نتيجة تلك المعاملة التي تتلقاها من زوجها ، فبالرغم من الأعوام الخمسين التي قضتها في العاصمة بغداد ، لم تتعلم حتى الضغط على زر النور لتضيء الغرفة . كانت تدب مثل سلحفاة بعينيها الناعستين ، فهي لاتجرؤ حتى على الهمس أمامه لتطلب منه ثمن طعامهما ، وكان هو بجثته المهولة وكفيه الضخمتين لايني عن توجيه اللطمات لوجهها دون سبب ، وهي تتقبل تلك الإهانات بصمت وطاعة خرافيتين ، غير أن  تلك الإهانات التي كانت تتلقاها ، لم تسفر إلا عن مقت شديد له ، كانت تبثه عينينها الرماديتين وفمها الصنوبري حين تزمه على نابيها الوحيدين . كنت أراها تنكمش في زاوية الغرفة ، لم أر دمعة واحدة تهل عبر مقلتيها طوال حياتها ، إلا حين همت بمغادرة الحياة وخرجت من الغرفة المظلمة الى ضوء النهار ، كانت عيناها مغلقتين ، مطفأتين حين أسلمت الروح ، فيما دمعة فضية راحت تترقرق وتنساب على خدها المتغضن وبضع كلمات تختلج بين شفتيها … لاتتركه ، حاول أن تجده .. كانت تريدني أن أثأر لها . . أثأر لكل تلك السنوات التي عاشتها معه ، لذا راحت تعيد بصوت مبحوح … لاتتركه  وإن  طواه القبر ، تتبع أثره يابني … هكذا كان يصلني صوتها من الجدران وكنت أرى طلعتها البهية مثل نجمة ساطعة ، حورية تضاهي كل ربات الأساطير ، تحملت الضيم كما لو كانت أمَة ، كنت أراها إيقونة قديمة معلقة على جدار الغرفة المظلمة ، وجهها يضيء بابتسامة خجولة ، وهو يقف قربها بشاربيه اللامعين وجبهته العريضة ونظراته الثاقبة القاسية .. مازلت أذكر همسها له :
_ ليس من الحكمة أن ألده ..!!
_ الأمر ليس بيدك ، ستلدينه وإلا سأهجرك ..!!
كان صوته وهو ينهرها يترك في دخيلتي ذلك الاحساس الغريب الذي لايوصف ، ذلك الخليط من المقت والازدراء ، فيما هي ترد عليه بذات النبرة المرتعشة :
_ رغم كراهيتك لي ..؟
_ ……… !!
_ ستكون أنت أول من يتخلى عن مسؤوليته ..!!
_تكفلي به إذاً ، علميه كيف يشتمني ..!!
_ أعرف أن لاشيء يهمك .. أعرف ..!
_عندما يتعلم الكلام أكون قد رحلت ..!
_ سينتقم منك ..!!
هكذا كانت تقص لي حكايتها معه ، كان صوتهما المتشنج يجيء من الجدران ، مثل فحيح افعوانين لايقطعه إلا شهقات متناوبة تصدر عن المرأة ، وكنت لاأمل التفكير بحياتهما الغريبة ، هذا الخليط من الكراهية والرأفة الذي يضمرانه لبعض ، ولكنني لو كنت أدرك فداحة الأمر الذي قادني الى ما أنا عليه الآن ماكنت حفرت بأناملي رماد رممهم… ولكن لا .. وأنا أسعى زاحفا كنت قد تيقنت من جدوى التصاق جسديهما ، ذلك الالتصاق الذي أسفر عن وجودي ، ذلك الذرق الحار الذي سلحه أبي في جوفها  لتذرقني بدورها إلى هذا العالم . رجل عجوز ضخم الجثة ، نصف أعمى ، وامرأة مترهلة مشلولة وأنا بينهما برزخ من عذاب لايوصف . صدفة غبية أورثتني الخصلتين معاً ، في غرفة ضيقة مظلمة ، بثلاثة أسرة وبأغطية رثة ، السرير الذي يكاد لايرى وهو يغيب في الظلمة ، يضم جثة أمي ، أما السريران المتقابلان فأحدهما يضم جثة أبي والآخر يحتويني منذ أن فصلوا المشيمة عن سرتي وألقوا بها في نهر قريب يحاذي المقبرة . كنت لاأسمع أي نأمة صوت إلا اللهاث المحموم المتواصل واصطفاق الأفخاذ المترهلة والصرير الذي يحدثه أبي حين يترجل من سريره ليهم بمداهمتها ستره هناك ، لايمل ممارسة عادته القديمة … كان صوتها يتردد عبر أثير ثقيل وأنا أسعى جاهداً إليه ، زاحفا نحو العتبة ، متسائلا … ترى كيف التقى هذان الكائنان ، وأية فروج شيطانية سلحتهما للوجود … لِمَ لايملان ممارسة تلك العادة التي غدت طقساً من وجودهما ، هل هي تصفية لثارات قديمة ، هل تلاشى كل شيء بينهما وفقدا لغة الحوار والتواصل ليرتكنا الى هذا اللهاث المتواصل للجسد ؟ ربما احساسهما بتفاقم عزلتهما ودنو أجلهما هو الذي جعل كل واحد منهما يزداد يقينا ، بأن لاشيء يحقق وجودهما غير ممارسة وتكرار تلك العادة . الغريب في الأمر انني لم أرَ أحدهم يمارس أية شعائر أو طقوساً دينية ، رغم دنوهم من حافة القبر ، ماعدا تلك الارتجاجات والرعشات المتناوبة والأصوات التي تصدر جراء احتكاك هياكلهم ببعضها ، الأكثر غرابة ان هذه المرأة المشلولة كانت تحرك كل أطرافها حين تسمع رجلها يهم بخلع ثيابه من خلال الهمهمات التي يبثها في الظلمة ، وكانت هي تستجيب للذبذبات وهي تهتز بخضات متناوبة ، فيما تأوهاتها تتصاعد  ملتفتة نحو سريري … إمض له ، لاتتوقف … صوتها الشائخ يتصادى في أذني وأنا أزحف للمرة الألف ، بغية الخروج من عالمهم ، هي لم تفكر بابنها الوحيد ، كانت لذتها تصادر سريرها الذي يعني لها كل شيء في الآونة الأخيرة ، وكنت أتسلل زاحفا من الغرفة المظلمة التي احتضنتني  لأعوام طوال ، حد انني فقدت احساسي بمرور وتقادم الزمن … ترى هل خطوت ..؟ هل زحفت وتقدمت بضعة بوصات ام أنني اجتزت أميالا لاتعد . الذي كنت أتذكره ، انني زحفت على جنبي اليسار وكنت أصنع من يمناي مجذافا أسعى به لأصل العتبة ، كان صوتها يرن في أذني وأنا أتقدم الى غاية لاأعرف كنهها ، أخيرا تهاويت مرهقا في مكان ما ، فسحة صغيرة أزيلت بكارتها من ضوء قمر مريض أطل عبر فرجة الباب . تفتحت الظلمة عن ظلال قاتمة فرأيت وجهها ثانية ، شاحبة كانت وهي تحتمي وراء ظهري بشفتيها الداميتين وثوب عرسها الناصع البياض وهي لاتني تكرر باصرار ووعيد … لاتتركه ، انه يريدك عاجزا …  سيقتلك مثلما فعلها مع أخيك الصغير … كان أبي يقف قبالتها وهو في عز فتوته ، منتشيا يمسك برقبتها البضة  ، يعريها ثم يدفع مزلاجا فولاذيا صدئا في باب الـ….غرفة ليعم الظلام . ليبرز رأسي ، يندلق ، من رحم الظلمات إلى ظلمات أشد عتمة وعماء ،  هناك رأيتهما عاريين ، هيكلان عظميان ، كان الضوء الخاطف الذي فضح وفتت الظلام عبر الباب هو الذي كشف لي سر أزمتهما وأنا أجاهد في إغماض عينيّ اللتين تفتحتا لأول مرة كي أتجنب رؤية عورتيهما . سمعته يهمس …/ أتذكرين ، طالما قلت لك لاتعارضينني في أي قرار أتخذه ، وها أنت تختبئين وراءه /… هل تريد الآخر أن يحمل تشوهاتنا / .. بل أنت من يتحمل … / .. قال ذلك وراح جسده يرتفع وينخفض مثل نابض حلزوني إثر ضغط جسده المترهل على السرير… ياللسماء  .. ويالي .. أي مسافة أقطعها الآن بين ظلمة الغرفة والعتبة التي يتسلل اليها الضوء … برج شاهدة يلوح عن بعد في نقطة غائمة ، رأيته كما لوكان فنارا على ساحل وكانت ثمة مقبرة ، تسللت من الباب سألت امرأة عجوز تتكيء على عصاها ، قلت لها / أين قبورهم /،همست بصوت كالفحيح ../ هل أنت أحد أقاربي الميتين / ، همست بذلك واختفت بين القبور ، التفت الى ناحية قبر قريب ، رأيت صبيا يكنس قبرا بمكنسة من سعف النخيل ، ويزيل الغبار عن الشاهدة الحجرية ، اقتربت منه ، كان يشبهني ، رأيت فيه وجهي سألته عنهم غير انه أمال رقبته الى حيث كانت المكنسة تذرو الغبار ، تململ لحظات وقبل أن يتلاشى أطلق ضحكة ساخرة  . رأيت وجوها  تنبثق من بين القبور ، وجوها كالحة ، كامدة ، خالية من أي ملمح للفرح ، على شفاههم ترتسم علامات امتعاض ، تساءلت وأنا أمعن النظر في الوجوه … أي وحشة في وجوه الميتين ، أي صمت يرين على سيماههم ، وفيما كنت مستغرقا في حيرتي تلك عادت المرأة العجوز بعصاها المعقوفة وشعرها الأبيض المنفوش ، كأنها انبثقت من الأرض وهي تفح بذات النبرة المتقطعة .. / ماتوا كلهم اذن وها أنت وحدك ، لم يتركوا لك إلا الكوابيس / .. همست بذلك ومدت كفها المعروقة كما لو كانت تستجدي ، قلت لها ../ هو المسؤول عن موتهما .. وهو الذي أورثني هذا العوق الأبدي ، وأنا أبحث عنه الآن /.. أشارت باصبعها وهمست …/ انه هناك في الغرفة التي جئت منها ، ، انظر .. / .. ثم مدت يدها الأخرى نحوي وماكان مني إلا أن أفرغ مافي محفظتي في راحتها ، صمتت لحظات ثم أردفت … / يبدو أنك مجنون أو سكران ، ما نفع المال للموتى … خذ وابتنِ لك ضريحا ً/… / سيقتلني مثل ماقتلهما /…/ لاتخف ، ماالموت إلا أضغاث أحلام ، أتعرف أن حبك الجارف لهما قد قادك الى هذا المكان دون أن تشعر/ … قالت ذلك وتلاشت ، وكنت أسير كما لو كنت مروبصا ، حافيا كنت وأنا اسعى ، أدوس على إبر الشوك دون أن أستشعر وخزات الألم في راحتيّ أقدامي ، منتصبا بقامتي وأنا أعود الى الغرفة  … دخلت رأيته وهو يسحب الغطاء على رأسه فيما كانت هي تذرف دمعها تحت ذات الغطاء وتهم بخلع ثيابها. كانت سماء السقف  تنث غبارا ، لم تلعنه ولم يقدر هو بعد الآن على اهانتها ، كانا جثتين متصلبتين في الغرفة التي تتراقص بعشرات الظلال الراعشة . فهل كنت أنا الآخر ظلا من هذه الظلال ؟ كانت العتمة تتسرب من الجدران ، ثم يحل ظلام مطبق مخيف ،  الجدران تقترب ، حتى اذا ما السقف راح يضغط  ويلامس أنفي ، أكون قد صحوت لتتلاشى صرخة الطفل…….. !

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

عبد اللطيف رعري: درجة الغضب تحت الصفر

ما بوسعي الكلام منذ بداية التكميم …فلا على ألاكم حرجٌ كانت أسْناني بيضاءَ وَكان جبلُ …

من ادب المهجر: اغنية غربة على نهر مور
بدل رفو
غراتس \ النمسا

من حُمَمِ الشوق والسهر .. من فضاءات الشجن .. انبثقت اغنية بنثر العشق لحنها .. …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *