الرئيسية » نقد » ادب » هدية حسين : الدخول الى أقصى الحديقة

هدية حسين : الدخول الى أقصى الحديقة

hadiya 8ببساطة، بحميمية، من دون ضجة، من دون البحث عن زخارف الكلمات، تواجهنا شخصيات ميسلون هادي المألوفة والقريبة من النفس، والتي يمكن لمسها ومعايشتها واكتشاف صدقها الإنساني، والفني الذي أمسكت به الكاتبة وقدمته لنا في مجموعتها الأخيرة (أقصى الحديقة) الصادرة عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر 2013.
تترك ميسلون هادي لشخصياتها حرية التنقل والحكي وأسلوب الحياة البعيد عن التعقيدات، تلك الشخصيات التي يمكن أن تكون، أنا أو أنت أو إحدى الصديقات أو الجارات، أو من يعيش معك في البيت أو يصادفك في الشارع.. ميسلون هادي بقصصها الأخيرة تخففت من عبء النهايات المحتومة والحلول التي لابد منها، لماذا لابد منها؟ هذا هو شكل القصة وأسلوبها ورؤية الكاتبة إليها، قد تقطع تسلسل القصة المعتاد، بطرفة هنا، أو مقطع من أغنية، أو معلومة، ثم تعود بالقارىء الى المكان الذي تركته فيه، وحينما ينتهي من قصة ما، أو فكرة تناولتها إحدى الشخصيات، سيجد نفسه يتساءل: بالضبط، هذا ما كنت أفكر فيه، أو هذا ما كان على طرف لساني وغاب عني.. أفكار قد تبدو سهلة، لكنها من السهل الممتنع، الذي لا يجيده الكثيرون.. دعونا إذن نقتطف بعض ورود تلك الحديقة الغنّاء التي غرست شجيراتها ميسلون هادي.
فعلاً هذا ما كنا نفتقده، عطر الأرض الذي اختفى من حدائقنا وبيوتنا، بعد أن أصبحت قوارير العطر المصنّع هي البديل، تصحرت الأرض وفقدت ألوانها، وعندما حلّ الربيع هاجت جموع النحل باحثة عن الرحيق، تتبّعت الرائحة التي تتسرب من أحد البيوت، غضب الزوج على زوجته، معتقداً أنها استخدمت العطر، احتدم النقاش بينهما، أغلقا النوافذ  وسدّا جميع المنافذ لكي لا تدخل أسراب النحل الى البيت، ماذا يفعل النحل إذا لم يجد الأزهار؟ بالتأكيد يضج ويهاجم أي مكان تنبعث منه رائحة، أية رائحة حتى وإن كانت مصنّعة.. إنها قصة عطر الوردة، قصة تدعونا لأن نتذكر أمنا الأرض ونعيد الى حدائقنا بهجة الورود، وتجانس الطبيعة.
وفي قصة ديجافو، نلتقي تلك الكومبارس، التي منحها المخرج دور ملكة، أكل العيش أحياناً يقود البعض الى أن يتلبسوا أدواراً غير أدوارهم الحقيقية، لم تعرف من قبل كيف تعيش الملكات، وفي غرفة الماكياج بقيت لساعات بين أصابع الكوافيرة، لتغيير صبغة الشعر وتسريحه، بعد ذلك تناولها الماكير ليحولها من امرأة بسيطة كل ما تفكر فيه هو إطعام أطفالها، الى ملكة بملابس فاخرة وخواتم ذهبية ولؤلؤ وديكورات فخمة، ما عليها إلا أن تقول عشرين كلمة لا غير بعشرين دقيقة، بعد نهار كامل في التحضيرات، مساعد المخرج ينتظر، والملقن يوصل لها الكلمات، والمشهد يصوّر أكثر من مرة، وهي لا تعرف لماذا يُعاد السؤال، كما لو أنها سمعته في زمان آخر، ترتبك أكثر حين يقول لها مساعد المخرج: أنا من برج الميزان فهل أنتِ من برج العقرب؟ مع أنها سبق أن أخبرته بأنها من برج الجوزاء، الكلمات تقف متحجرة على شفتيها، يتأجل التصوير، ماذا تفعل؟ لا شك أن دور الملكة صعب، صعب للغاية مع هذا الماكياج الثقيل والخواتم وتكرار الأسئلة تحت أضواء الاستوديو.
وما نزال في أجواء التمثيل، لكن هذه المرة مع قصة (ليالي زمان) أو (المفرمة اللهلوبة ذات الزرار السحري) حيث تمطر الزوجة زوجها بالأسئلة عن الممثلين القدامى في الأفلام المصرية، من مات منهم، ومن ما يزال على قيد الحياة، هي قصة طريفة وحزينة في الوقت نفسه، تأتي طرافتها من maysalon hadi 5الأسلوب الساخر الذي استخدمته الكاتبة، ويكمن الحزن في ما تؤول إليه القصة في نهايتها.. تورد ميسلون هادي أسماء كثير من الممثلين والممثلات الذين رحلوا عن دنيانا وتركوا لنا أدوارهم في الأفلام التي مثلوها، مع ضحكاتهم وغضبهم ورومانسيتهم وأغانيهم وطرابيشهم ومناديلهم وكراسيهم ودراجاتهم، عاشوا معنا في حياتهم وبعد مماتهم، حسين رياض ومحمود المليجي وأمينة رزق وهند رستم وفريد الأطرش وعبد الحليم حافظ وأم كلثوم وتحية كاريوكا وفؤاد المهندس وكمال الشناوي وزكي رستم وعماد حمدي وأحمد مظهر ورشدي أباظة وعبد السلام النابلسي وزينات صدقي وفريد شوقي ويوسف وهبي وصلاح ذو الفقار وزوزو شكيب وميمي شكيب وزوزو ماضي وزوزو نبيل، ومن بقي حياً لكنه شاخ، فاتن حمامة، ونادية لطفي ومديحة يسري وشادية وشويكار وصباح وحسين فهمي وحسن يوسف وآخرون.. كل هؤلاء جاءت بهم ميسلون هادي وأجلستهم على سجادة القصة، وجعلت الزوجة هي التي تسأل والزوج يجيب، من قبيل: هل هذا الرجل الذي يأكل الملوخية مايزال حياً؟ وهؤلاء العازفون على الكمان في الكورس، ماذا عنهم؟ أكلهم ماتوا؟ ولكن انظر، لعل عازف الطبلة لايزال حياً؟ وهل هذا الشاب الذي يقهقه لازال حياً؟ ماذا عن بابا أمين وماما أمينة؟ الى آخر تلك الأسئلة التي لاشك أن الكثيرين يسألونها عندما يشاهدون فيلماً قديماً، تتوالى أسئلة الزوجة وأجوبة الزوج، ومن خلالها تعيد ميسلون هادي الكثير من ذكرياتنا مع الأفلام المصرية التي سبق وأن شاهدناها، لنكتشف بعد كل مشاهدة أن هؤلاء الذين أحببناهم، كلهم ماتوا، ومن بقي سيمضي الى الطريق الذي مضى إليه من سبقهم، لتنتهي القصة بذكاء الكاتبة، الى إعلان يتكرر عن المفرمة  التي لا يمكن الاستغناء عنها في البيت (…اتصلوا بسعر المكالمة العادية، وقولوا أهلاً بالسعر الجديد، تسعة وتسعون جنيهاً زائداً مصاريف الشحن، وأول المتصلين سيأخذ المفرمة ذات الزرار السحري، زائداً مروحة منضدية مجاناً، أنها هديتنا إليك من أجل إحساس دائم بالانتعاش والحيوية، مروحة منضدية تلف وتدور من أجل هبوب الهواء في البيوت والمكاتب والشركات…. فلا تتردد لحظة واحدة، إتصل الآن، إتصل حالاً، وإذا وجدت الخط مشغولاً فعاود الاتصال مرة أخرى لتكون أول المتصلين فتحصل على المروحة المنضدية مجاناً مع المفرمة اللهلوبة ذات الزرار السحري) ص107
وهكذا هي الحياة، لا تعدو كونها في نهاية الأمر مفرمة، تشبه مفرمة الإعلان، الكل يمضي ولا يترك سوى الأثر، سواء كان هذا الأثر صورة فوتوغرافية أو صورة متحركة في الأفلام.
kh maysalon hadi 4في قصة (من جنات جرمانة الى جنات البط)  تخرج بطلة القصة (انتصار)من مدينة جرمانة السورية، تجر حقائبها الى المطار ذاهبة الى كندا، بجواز سفر مزور، وهناك تعرض على المحققين كثيراً من حروق التنور على أنها آثار تعذيب وحشية، وكلما كذبت أقسمت (تعمى عيوني إذا كنت أكذب) وبعد أن تتمتع باللجوء هي وزوجها المقعد يبدأ نظرها بالضعف وتصاب بالعمى فعلاً، كأن القسم ارتد عليها، لكن العمى يأتي في نهاية القصة، وسنمر قبل ذلك بالكثير من التفاصيل عن أحوال اللاجئين ومعاناتهم في دول اللجوء، فهي ليست كما يظن البعض بأنهم يعيشون في الجنة، ولابد لقارىء هذه القصة أن يتوقف عند نقطتين مهمتين، الأولى تتعلق بالعراقي الذي يترك البلاد ويهاجر، والثانية بالأسباب التي تجعل هذا الإنسان يغادر الوطن، وهي أسباب قاهرة وموجعة، إدانة الهجرة واضحة من قبل الكاتبة لأبطالها، إدانة جاءت مطعمة بالسخرية من الأوضاع التي يعيشها المهاجرون، لكن من جهة أخرى ونحن نتمعن في الأسباب سنستخلص أن ما أحاط بهذه الشخصيات من ظروف قاسية وسط محيط لا يريد الخروج من خرابه قد دفعت بهؤلاء الى الهجرة، فالمترجم منتصر الذي لم يستطع إيجاد عمل له في كندا غير الترجمة، نراه عازفاً عن العودة للديار (لأن زميله الذي أنهى المنحة وعاد قد قُتل بكاتم صوت، وزميله الآخر اختُطف واختفى بلا أثر، والثالث مايزال في السجن المركزي ينام مع الصراصير،  بتهمة التآمر على النظام الجديد) أما زوج انتصار فقد صُلمت أذنه بسبب فراره من الجيش، وقطعت رجله بسبب انفجار لغم، وهو الآن مقعد تخدمه زوجته انتصار، وهناك الكثير مما ورد في هذه القصة التي سبق أن تناولتها بمقالة منفردة، حاولت هنا أن ألخصها.
ميسلون هادي في أعمالها الأخيرة، الروائية والقصصية، اتخذت من السخرية أسلوباً نجحت فيه وتميزت، حتى عندما تعرض بلاوي شخصياتها فإن السخرية تخرج من بين الدموع، ومن زوايا الأمكنة، ومن المفارقات الغريبة والعجيبة لسلوك شخصياتها، والقصة التي تبدأ بنكتة قد تنتهي بدمعة، والعكس صحيح، وقد تنتهي بحكمة مكثفة تشد الانتباه بعد أن ظننا أن الكاتبة تريد المزاح فقط. ففي قصة الفيل والنملة التي تبدأ بنكتة تلخص حواراً بين فيل ونملة، الفيل وجّه الدعوة الى النمله بالتنزه على الشاطىء، لكن النملة رفضت، لماذا رفضت النملة دعوة الفيل؟ هذا ما تطرحه إحدى البنات على صديقاتها، ومن هنا ندخل الى القصة بعد هذه الطرفة التي تقودنا الى مشكلة بطلتها التي تنحاز الى النملة (لأن القضية قضية مبدأ) ، مثلما هي لا تسمح لأحد أن يدخل عالمها وتحسب للناس ألف حساب، لكن في النهاية، وبأسلوب طريف، ستشجع هذه البنت جارها الذي جاء في إحدى الليالي متخفياً ليراها من نافذة غرفة نومها، وتستدرجه لغايتها في الزواج منها، على الرغم مما سيقوله الناس لأن(الناس بيت بلاء ولاشغل لهم سوى الكلام على ناس آخرين، مما يعني أن العيب فيهم وليس في الفيل المسكين)
بغداد عام 2093.. هذا هو عنوان القصة التي تأخذنا فيها ميسلون هادي الى مستقبل العراق، وأي مستقبل؟ لعلها القصة الأكثر وجعاً، والتي لم ينفع معها الأسلوب الساخر حتى لو آمنّا بأن شر البلية ما يضحك، لا ضحك ولا ابتسامات، قصة تترك في النفس مرارة العلقم.
أدخلت يسلون هادي نفسها كشخصية ماضوية في القصة، هي الجدة، التي يستذكرها العم الذي يحكي لابنة أخيه عن ميسلون التي عاشت في بغداد ولم تمت فيها، وترد بعض أعمال الكاتبة في سياق ونسيج القصة، ومن خلال الحوار بين العم  وابنة أخيه سنتعرف على ما كان يسمى العراق، لكنه الآن، في العام 2093 صار دولاً كثيرة يصعب التنقل بينها إلا بفيزا، بل صارت الفيزا حتى بين جهتي بغداد، الكرخ والرصافة، وغزا الشوك هذه المدينة، وانتشرت فيها القطط السائبة، وصار الناس يعدون الخبز بطريقة إشعال الشوك، وتحولت المدينة الى مدينة حمراء تشبه كوكب المريخ، كل شيء تغير، وكل شيء صار من الماضي البعيد، مجرد حكاية تأتي كذكرى بعيدة ذات صدىً شاحب، كيف خسرنا بعضنا البعض وتعذر الوصول الى ضفة الأمان.
وهنا، مع هذه القصة، لا ينفع التلخيص ولا الاكتفاء بهذا العرض، لأن جوانب كثيرة، في سطورها، وما بين السطور، تدعونا لأن نوجه الدعوة للقارىء، لأن يقرأها، ويتمعن بما جاء فيها، إنها القصة، النبوءة التي نتمنى من الله أن لا تتحقق.
يبقى أن نقول إن حديقة ميسلون هادي حديقة غناء، وثرية، ومتنوعة الثمر، ومتشابكة الأغصان، وكثيفة الظلال، ووارفة الخضرة، وإضافة نوعية لقصص المبدعة ميسلون هادي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *