عوّاد ناصر: الملّا والشاعر

الشاعر الجيد هو الشاعر الساكت!
السكوت، هنا، يتجلي بأشكال وإيماءات عدّة.. منها أن يكفي الشاعر أنه شاعر، حتي لو كان شاعراً بلا قضية.
رغم أن كل قصيدة حقيقية هي قضية بحد ذاتها.. لكن المقصود، هو انسحاب الشاعر إلي ركن معتم وقصي يعتقده الصومعة اللائقة بكتابة الشعر!
أعرف شاعراً لا يكتب إلا بعد أن يرتدي الروب (دوشامبر).
من بين ركائز البنية التحتية للقصيدة هو “توجيه صفعة للذوق العام” حسب بيان جماعة ماياكوفسكي.
ثمة شاعر يتمادي ويتجاوز الخطوط الحمر الجديدة.. في العراق الجديد.
وسط معرض الإيقونات المسلحة وصور الميثولوجيا المنقرضة ورجال الدين الذين يجمعون بين وظيفتين (أو أكثر: إمام جامع – وهي وظيفته الأصلية) وعضو برلمان و….و….و……. ثمة شعراء يكتبون قصائدهم المفخخة بمواجهة السيارات المفخخة والعمائم المفخخة وجلسات البرلمان المفخخة.
الملا، إمام الجامع وعضو البرلمان، قد يتساهل مع السيارات المفخخة، لكن لا تروقه القصائد المفخخة.
عندما يتمادي الشاعر، حتي عبر عمود صحفي، يكشف فيه قضية فساد أو تواطؤ مسؤول أو ورطة قائد سياسي كبير بقضية بنك الزوية – بغداد، فالملا، الرقيب، إضافة إلي مناصبه المتعددة، سرعان ما يستنفر، لا إرادياً، ليتحول (خلال المعركة غير المتكافئة مع الشاعر) إلي (إرادوي) من طراز رفيع.
الملّا هو، أيضاً، ناطق رسمي (وهذه وظيفة أخري) بإسم كتلة نال منها عمود الشاعرللشاعر وظيفة واحدة هي كتابة الشعر الذي يوجه صفعة للذوق العام.. والذوق العام، اليوم، في العراق هو الذي يوجه صفعته للشاعر.
ما الذي تغيّر إذن، بين ما قبل 2003 وما بعد 800 ألف بطانية كان يجري الإعداد لتوزيعها علي الناخبين الذي يقسمون بـ (العباس) علي أنهم لن يصوتوا لكتلة أخري غير “الكتلة البطانية”.. التي لا تستر فضيحتها مليون بطانية.
تلكم هي الفكرة الأساسية في عمود الشاعر العراقي أحمد عبدالحسين التي اعتبرها الملا وعضو البرلمان نوعاً من النصوص المفخخة التي لا يمكن التساهل معها علي غرار السيارات المفخخة.
التقاطع بين الملّا والشاعر أزلي إلا في حال واحدة: تخلي الملا عن وظيفته السياسية الرقابية وعودته إلي ثكنته (الجامع) يتعبد فيه، بحرية، إلي يوم القيامة.
لا سلطة للشاعر غير كلماته، منطوقة أو مكتوبة أو مسموعة، وهي سلطة جبارة، لكنها معنوية.
لا سلطة للملّا (عضو البرلمان ووظائفه الأخري) غير المايكروفون والمليشيا وبضعة نصوص أكلها العث يهش بها علي غنمه.
الصراع بين السلطتين ليس بالشخصاني.. إنه صراع الجمال مع القبح، عبر العصور حتي عصر العراق الجديد.
يبدو أن الملّا لم يغادر مكتبة الجامع، ولو جزئياً، وعليه فإن العراق الجديد، بإرهاصاته وميوعته وتناقضاته وغموض تاريخه وخبل حاضره وسديمية مستقبله، لا يعني عنده غير العراق القديم، بتعاويذه ولطمياته وإيقانوته المرسومة بفنون بدائية ووصاياه التي تسقط من المنبر قبل ان تبلغ الجدران.
لا يمكن للملّا، لفرط يقينه اليابس، أن يتقبل أي شك مهما كان صغيراً، لأن الملّا، تعريفاً، هو فقيه التعاويذ، والتعويذة لا تفعل مفعولها، حسب وصاياه، إلا بوسيط صارم من اليقينات.
أي اختراق يأتيه الشاعرُ ليقين الملّا مغامرة خطرة تهدد أي شكل من الرسوخ والسكونية والفكرة الفقهية البائتة.
ولأنه مسلّح بالمايكرفون والمليشيا، فالملّا لم يجرب متعة أن يكون مواطناً مدنياً يسعي إلي نوع من المعصيات الحميدة: جواز الحوار مع المقدس، كي لا نقول تفنيده بصوت عالٍ.. أو تحطيمه بحكمة شعرية، لئلا يغضب الملّا، ومن معه.
الأصعب، بعد ذلك كله، علي الملّا أن يكتب الشاعر عموداً صحفياً لا يعجبه، وأين؟ في جريدة الحكومة نفسها، لذا عدّه من الكبائر، وهو “الصغير” جداً.

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| فازع دراوشة : “واستقبل الكاتبُ مندوبٌ” .

قد يكون هذا العنوان من أغرب  العناوين التي اخترتها لكتابة من كتاباتي. الجمعة، الأول من …

| عبدالكريم ابراهيم : الألعاب الشعبية تودع ذاكرة الأطفال .

تعزز الألعاب الجماعية مفهوم الوحدة والتماسك، وتزرع روح التعاون بين الأطفال فضلا على تنشيط الجهاز …

تعليق واحد

  1. كاظم غيلان

    اثلجت قلبي ياعواد بكتابتك الشجاعة هذه، وشكراُ للحبيب د. حسين سرمك على نشر كل مايثلج قلوبنا التي تعتصرها آلام العمائم واللحى القذرة المقملة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.