شوقي يوسف بهنام : الغضب المقدس ؛ قراءة نفسية لقصيدة “العرندس” للشاعر معين بسيسو

shawki  5*مدرس علم النفس
في كلية التربية – جامعة الموصل

رأينا كيف ان ادونيس رأى نفسه ذئبا الهيا جاء ليلتهم عالمه المتعب هذا . ونتذكر المسيح ، وهو الحمل الوديع كيف حمل السوط واجتاحته رياح الغضب ، ودخل الهيكل وطرد من به ، وقصة الطوفان نفسها تدل على هذا الألم الناتج من تهور العالم .. ونتذكر موسى عندما نزل من الجبل وهو يحمل لوحي الشريعة ورأى شعبه الذي أنقذه من بطش فرعون يعبد العجل فغضب وكسر لوحي الشريعة اللذين كانا معه . ولا يتسع المجال لاستعراض كل النماذج التي ترمز الى الغضب والاستياء من هشاشة العالم الذي يعيشون به . هؤلاء يبنون يوتوبيات مثالية في أذهانهم لينقلوها الى عوالمهم الغارقة في متاهات ذواتها . انها رمز للعلاقة بين النبي وشعبه ؛ الشاعر وشعبه ، المثقف وشعبه وخذ ما تشاء من صور وأمثلة ونماذج . وشاعرنا معين بسيسو هو الآخر قد مل من شعبه .. يأس منه .. أصابه الضجر من حركته فتخيل نفسه انه العرندس . وفي اللغة تعني هذه المفردة ما يلي :-
1- أسد عظيم  وثابت .
2- سيل جارف .
3- شجر طيب الرائحة ويشبه العود .
4- الفحل من الجمال .
******************
وتدل  كل هذه الدلالات على امتياز صاحبها وقدرته على الهجوم والمواجهة والهيمنة وعموما القوة . انه قوة لا تعرف الحدود . السيل الجارف .. لا يعرف التوقف ابدا . انه يأتي ويجري ولا يتوقف ولا ينتهي . ما من احد يقاومه ولن يتمكن من ذلك ابدا . يجرف أمامه كل شيء يعترضه . وأيا كانت الدلالة التي ينطلق منها بسيسو فأنها تبقى دلالة للامتعاض والضجر والسأم من عالمه الذي يحيا فيه . ولنقف على سبيل المثال عند المعنى الثالث وهو الشجر الطيب الرائحة . ما من شك لو كان بسيسو في استثماره لهذا المعنى كان يشير الى نتانة العالم !! . ومجيئه دلالة على غزو الرائحة الطيبة وطردها لتلك النتانة . وكل الدلالات تشير الى نرجسية الشاعر من جهة والى رغبته بأن يكون بطلا من أبطال التاريخ الذين غيروا من وجهه وحركته طبقا لوجهة نظره وانطلاقا من رؤيته . المهم هو التبرم بالعالم والسخرية منه . وحتى لا نبقى في إطار التنظير الأجوف لنقرأ النص ونرى الدلالات التي ركز عليها بسيسو للتعبير عن ذلك التبرم . يقول بسيسو :-
أنا العرندس
أتيتكم على جناح نورس
ما دام هذا العصر ، عصركم
يا أيها الذباب
(الاعمال الشعرية الكاملة ، ص 394)
********************************
maein 2الضمير ضمير الانا . وكما تعودنا في تعاملنا مع النص هو تصديق الشاعر أو الناص لعبارته . والمفارقة العجيبة هو ان العرندس ، إذا كان أسدا أو جملا ، جاء أو أتى ممتطيا طائر النورس . ذلك الطائر المائي الذي يعيش في شواطئ البحر . معنى هذا ان الشاعر قد جاء من عالم غريب على عالمه . انه محمل برسالة لهذا العصر . لنرى كيف يرى بسيسو عصره الذي جاء ليغيره :-
عصر الدفوف والطبول والأبواق
أبوكمو أنا العرندس
أتيتكم على جناح نورس
(نفس المصدر ونفس الصفحة)
***************************
إذن هذا هو عصر بسيسو . عصر ضجيج ، هرج ومرج ، عصر فوضى ، عصر نفاق وكذب ورياء . كل هذه الخصائص للعالم رمز إليها بسيسو بالدف والطبل والبوق . وهو يصف نفسه انه الأب لهذا العالم . ولا يعني بهذه الأبوة بمعناها المألوف بل الأبوة بمعناها الروحي والقيمي والإنساني . أنه نوح جديد مثلما تمنى ادونيس ان يكون . إذن بسيسو ينظم الى ركب المخلصين .. اعني الذين جاءوا لخلاص العالم . فهم صارخون بوجه العالم .. ساخطين عليه . لا ننسى نعته لعالمه أو على وجه الدقة  الناس الذين يعيشون فيه انهم ذباب . تلك الحشرة الكريهة . في المقطع التالي يخاطبهم بل يهجوهم بصورة ساخرة فيقول :-
فرسانكم دقوا قوائم َ الجياد
كالأوتاد في التراب …
وكلهم يصيحُ بالجواد  ِطر ْ ،
يا أيها البراق …
(المصدر نفسه والصفحة نفسها )
**************************
معنى هذا ان فرسانهم ليسوا بالفرسان . انهم أشباه بذلك . صورة لهم .. ظل لهم . وعلى الرغم من هذا … اعني من فرسان قومه ليسوا كذلك حقيقة الا انهم قيدوا جيادهم مثل الأوتاد في التراب ويصيحون به ِطر يا أيها البراق !! . الصورة التي يقدمها لنا بسيسو لشعبه أو لعالمه صورة دقيقة وجميلة . البراق دابة معروفة في الموروث العربي . انه ” دابة نحو البغل تركبه الرسل عند العروج الى السماء   وسمى بذلك لنصوع لونه وشدة بريقه ، وقيل لسرعة حركته كأنه يشبه البرق ” (1) . كيف تنطلق الجياد مثل البراق وهي موثقة ومربوطة . انها مفارقة يسخر بسيسو من خلالها من عالمه ولاسيما شعبه الذي يلفه سبات عميق . ومقاطع القصيدة كلها تفوح منها رائحة السخرية والتهكم والازدراء . ترى ماذا يأكل شعبه ؟ انه يقول :-
أكُّلكم أعناق …
أكلكم  ِقمم
فليس فيكم ذنب ولا قدم …
أكبر من صدوركم دروعكم …
أطول من قامتكم
سيوفكم
(المصدر نفسه والصفحة نفسها)
*************************
بسيسو يهاجم وعيه الجمعي . ويقيم مقارنة بينهما . اعني هو وعيه الجمعي . ويتجلى هذا الهجوم بتساؤلاته عن ماهية الوعي . وهو يشمت بذلك الوعي بالمقارنة مع قدراته لأنه العرندس . هل كلهم أعناق ؟ هل كلهم  ِقمم ؟؟ . والجواب جاهز عند بسيسو .. انهم ليسوا هذا ولا ذاك . فليس لديهم ذنب ولا قدم . وهذا النعت هو أنه وعي مضطرب .. غير سوي .. تسوده الفوضى والبلبلة . وعلامة أخرى على هذه الفوضى هو عدم تناسق الصدور والدروع والسيوف والقامات . معنى هذا ان الوعي الجمعي لا يعرف حدود نفسه .. ولا يعرف قدراته ولا إمكانياته . باختصار انه وعي دعي . فارس مخادع لذاته هو . انه غفل بين الفرسان . من هنا يتجلى دور بسيسو ورسالته ومهمته الخلاصية إن صحت العبارة . هذا الوعي معذب .. يعيش الحيرة والضياع . وبسيسو جاء لإنقاذه . لنرى كيفية هذا المجيء . يقول بسيسو :-
إن كان هذا حالكم
أبوكمو ، أنا العرندس ..
وراءكم أنا العرندس
وراءكم بالنعل والقصيدة الشمطاء
وراءكم على جناح بغلة عرجاء …
(المصدر نفسه ، ص 395)
***************************
اي سخرية هذه التي يكشف جوانبها بسيسو لوعيه الجمعي ؟ هذا من جهة . من جهة أخرى نشم عبير النرجسية وقد تجلى بوضوح في سياق هذا المقطع من جهة أخرى .  والنعل كما يذكر شبل انه يتدخل بين القذارة وجسم الانسان وإنها تعنى النجاسة (2) . أنه إقرار صريح من الشاعر على نواياه لازدراء هذا الوعي ورغبته بقيادته نحو ما يريد وما يحلم .. اي إلى حيث مدينته الفاضلة . حتى القصيدة صارت شمطاء لأن هذا الوعي لا يتذوق غير هذا النوع من القصائد . لأنه وعي عديم الذوق . امتطاء البغلة العرجاء هي الأخرى صورة واضحة من صور السخرية والتهكم اللاذع . هل من المعقول ان تقود بغلة عرجاء فرسانا وجيادا وتتقدمهم الى حيث تريد ؟ نعم لأن راكبها هو العرندس ولتكن ما تكن . ولا ندري هل وصل هذا العرندس الى ما يريد ؟؟!!!! .

الهوامش :-
1- د . إبراهيم ، رجب عبد الجواد ، 2002 ، معجم المصطلحات الإسلامية ، دار الأفاق العربية ، القاهرة ، جمهورية مصر العربية ، ط 1 ، ص 29 . بينما يصفها شبل بكونها دابة خرافية  يمثلها التقليد حصانا مجنحا امتطاها النبي للصعود الى السماء . انظر شبل ، معجم الرموز الإسلامية ، 2000 ، تعريب : أنطوان . الهاشم ،  دار الجيل  ، بيروت ، لبنان ، ط1 ، ص 46 .
2- شبل ، مصدر سابق ، ص 331 .

شاهد أيضاً

نايف عبوش: نعمات الطراونة.. والتواصل العصري الحي مع التراث

لعل ما يقلق المهتمين بالتراث اليوم، هو الانحسار المستمر، في ثقافة التراث،وخاصة لدى شريحة الجيل …

صباح هرمز: مسرحيات يوسف الصائغ بين الخيانة و الانتماء
أولا: ديزدمونة وجدلية الشرق والغرب (ملف/6)

إشارة: رحل المبدع الكبير “يوسف الصائغ” غريبا في دمشق ودُفن هناك بعد أن قتلته السياسة …

شكيب كاظم: كانا يغيّران في قصيدهما أبو عبادة البحتري ونظيره أبو فرات الجواهري

وأنا أقرأ الكتاب النقدي المهم، ككل النتاجات النقدية والمعرفية للدكتور عبد الله محمد الغذامي، الموسوم …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *