نعيم شريف: ((إغماضُ العينين )).. الأداء الفذ للّوعة

(( …. حتى إذا اخترقته الرصاصةُ ، أغمضَ الطفل ُ عينيه – هكذا تصوّره – تاركاً جسده يسقط ، بلا صوت ، على الإسفلت ..))
_ هل تصلُح هذه الجملة مدخلاً للمجوعة القصصية الأخيرة (( إغماض العينين )) للكاتب لؤي حمزة عباس ؟

ماذا بوسع طفل أن يفعل بإزاء موتٍ ناجز غير هذه الإستجابة البليغةُ في إغماض عينيه، وكيف للبراءة أن تواجه الرصاصة وغير أن يسقط الطفل ” بلا صوتٍ ” ، تصوّرٌ حلميٌ مقترح لموتٍ فادحٍ لكنها محاولة شعرية للإرتقاء بالإستجابة الى مستوى أن تكون رداً ، أن تغمض عينيك وتصمت أو تموت حين يسود الرصاص والقتل قانون الحياة .

لاتكاد قصة من قصص ” إغماض العينين ” أن تخرج عن هذه المعادلة ، القتل المجاني الذي يختبيء للناس في تفاصيل حياتهم وزواياها وأركانها ، موت قد لا تراه ، ربما يكون جناحاه قد خفقا على مقربةٍ منك وأنت مُنشغلٌ بالحياة ، قد تستدل عليه من إتصالٍ بعيدٍ كما في قصة ” إتصال ” ، أو ربّما من الباب المفتوح أو خلو الطابق من الناس في هذا الوقت من الظهيرة حيث يحلو للموت أن يمارس مهنته بلا مضايقات !

في محاولتة إكتشاف الجسد ،في قصة ” قطرة دم لاكتشاف الجسد ” يغدو مسعى التعرف على الجسد هو أيضاً في قرارته مسعى لمعرفة أجساد الآخرين ، خالتة وملاحون سود وعمال ، كأنما قراءة جسدنا الشخصي هي بشكلٍ ما قراءةٌ لجسد الآخر ” مثلما يكون جسدَ خاصته وأحبائه ، ” من القصة الصفحة 5 .

كانت قراءة الجسد قد قوطعت بتدخلات الماضي ، وهو يطل برأسه من ثقب في الزمن ، فيُستدعى طيف الخالة العاشقة المنتظرة ، ومن هذا الإستدعاء تتم قراءة جسدها أيضا ،وأجساد صويحباتها ، أولئك النسوة اللواتي ” .. كانت وجوههن تتطلّع باتجاه الشط ،لا الى ضفته المقابلة ، بل لنقطة بعيدة لا تُرى حيثُ تأتي البواخر بأعاجيبها وروائحها ووجوه بحارتها متوجهةً الى ميناء المعقل ما ان تُصفر ، مع صافراتها تنقطع أحاديث الفتيات وتلتمع حدقاتهن ” ذلك أن أجسادهن، حين تلتمع عيونهن ، تعبرُ عن صرخة نداء الأجساد في إستجابته لنداء الحياة الأصيل متمثلاً ببحارٍ قادم من البعيد فجميعهن ” يحلمن بالباب الذي سيقف أمامه ،وبيده ذات الخاتم ترتفع لتدق ” من القصة الصفحة 12 . ذلك أن مهمة القاص هي أن ” …. يفتح عينيه ، في اللحظة التي يُغمض الآخرون فيها عيونهم ….. ” ليس فقط ليرى حمام الكونتننتال برفاهيته الخضراء ، ولكن ليرى المحيط بكل ألوانه ، ليستشرف الواقع بتفاصيله وناسه وذكرياتهم ، يرى الى موتهم ومجد حياتهم ، وتصل أصابعه الى ارواحهم لتنشرها في ضؤ الشمس . لعل الموظف الصحي في قصة ” إغماض العينين ” لا يستوعب العالم إلا بالإنسحاب منه مغمض العينين ” ….. حيثُ  يُحسُ بنفسه مندفعاً في ظلمته الرمادية المحببة ، ظلمةٌ يشوبها ضؤٌ بعيد …. ” لايتيح لك الواقع أن تغمض عينيك عنه لأنهُ عندها سيحتل الظلمة الرمادية المححبة التي تتحصن بها منه . ليس هناك مكان لمن يريدُ ، العيش، مُحايداً ، في واقع مجنون ، فالمساحة الترابية ،المتخيلة كملعب للأطفال ، صارت مسرح جريمة صاعقة في بداهتها إستدعت إغماضاً للعينين كي تُستوعب وتُفهم ،

لقد شوهت منطقتنا الرماديةُ إذن إحتلتها ” .. اليد التي ترتد مع كل إطلاقة ، وكان الرأس ينتفض . ” ولكنه ليس رأس الميت هذه المرة وإنما رأس حيٌ أُحتل بالموت مرةً واحدةً والى الأبد . قصة ” رجلٌ كثير الأسفار ” ، تحرز أهميتها من أن الإحتمالات المستقبلية التي نتوقعها من محيط قاسٍ ، هي حقائق ناجزة لاسبيل الى تجنبها حتى في مشروع كتابة قصة قصيرة ، لايستطيع الكاتب أن يُغير مصيراُ في واقعٍ يرفضُ ، بقوةٍ ، أن تُكسرَ حتميتهُ ، سيحتال الكاتب بالذهاب الى اللاّواقع كي يُتيح للرجل موتاً منزلياً مادام الموتُ قد تحوّل الى قاعدة وصارت الحياة إستثناءً ، ركض القاص بقوةٍ مع الرجل ، من بغداد الى البصرة بتعاطفٍ إنساني هائل كان لابد من مساعدة الروح المذبوحة التي بذلت جهداً أخيراً ويائساً للعودة الى العائلة . في قصة ” عشق الحدائق المنزلية ” تمنحنا الطفولة تفسيراً آخر للجنون العام ، فالرجل الذي ينقل خبر وجود جثة لقتيل قرب شجرة حديقتهم المنزلية لزوجته ،يكون إبنهما محمد قد سمع الخبر مصادفة ، وحين يرى المنظر (( اللغزي )) يرجع الى الرسالة التي لم يكملها الى صديقه وقد كتب فيها ” ….. أن يتأكد من حديقة منزله كل صباح قبل أن ينزل الى الطابق الأسفل ، فربما أثمرت أشجارها رجالاً بأفواه مفتوحة ” من القصة الصفحة 26 . البراءة الطفولية تراقب العالم الخارجي بعيون مختلفة ، عيون تكشف علاقاتٍ بين الأشياء التي لايُمكن أن تكون بينها علاقةٌ من أي نوع ، ذلك أن اعتقادا طفولياً [ان الأشجار تُثمرُ رجالاً بأفواهٍ مفتوحة ( إنتبه ، ليسوا موتى ، هم بافواه مفتوحةٍ فقط ) هو عجزٌ منطقي ونبيل عن قبول فكرة أن القتل لمجرد القتل صار فعلاً يومياً يُلاحق الناس الى حدائقهم المنزلية ، كأنما تخشى المخيلة الطفولية من الإشارة الصريحة بأن بشراً أخرين هم من فعل ذلك فتحيلها الى الأشجار .

هل هناك وجود حقيقي ٌ لشاب بعينين زرقاوين وسحنةٍ سمراء ، في ليل فرانكفورت البارد في قصة ” عينا رجل المترو ” أم إنه الوهم حين يستبدُ بنا الحنين الى أماكن تسحرنا ، نظل مشغوفين بها ، مدننا التي إحتضنت خطانا البريئة ، كيف للمدن أن تنادي ابناءها ، هل تهمس لهم ؟ هل تتبدى لهم على هيأة أمراة جميلةً أو ساحل بحرٍ أو ضحكة طفل ؟ ” لا زيارات للغرباء ” نسيجٌ وحدها ، عرضٌ بليغٌ للروح في لحظات ألمها العظيم ، إستدعاء الألم في محاكمة قاسية ، تتداخل الضمائر في هذه القصة المهمة ، تتقافزُ خطى السرد برشاقة الى الذروة القصوى تُستعرض التفاصيل بتأثيث فخم يرقى بفنيتها السردية الى ذرى باسقات . أنظر معي هذا المشهد : ” …. تشعر أن شيئاً ما قد إنطفأ أو غاب من حولها فتستلقي على سريرها الحديد و تغمض عينيها وتموت ، من يُصدق أنها ممكن أن تموت بمثل هذه الألفة والسكون ، كأنها ماتت مرات حتى غدا الموت معها رحيماً شفوقاً يضرب بجناحيه هواء الغرفة ثم يحطُ على عمود السرير ، يضم جناحيه ويتملاها قبل قبل أن يفتحهما من جديد ، لم تكن رما نتا السرير قد أحدثتا أي صوت حينما أسندت يدها إليه وهي ترفع جسدها لتسلقي ، أو حينما ضرب بجناحيه وحط على العمود …. ” من القصة الصفحة 51 .هذا هو المرسل ، في القصة واصفاً موت زوجته الحبيبة ، هل رأيت معي كيف يكون الفن الفذ عزاء للروح المجروحة ؟ هل رأيت كيف صيّر الفنُ الفخم الموت رحيماً وحنوناً كمحب ؟ كأنما توطأ الموت مع الميت في لحظة سلام نادرة الحدوث . الحوارات في قصص ” إغماض العينين ” حوارات مقطوعة ، أو لعلها مكسورة على حدّ تعبير الدكتورة خالدة سعيد في وصفها لبنية الكلام المكسور في قصص ” بحيرة المساء ” للكاتب المصري إبراهيم أصلان . كانما يتكلم كل منهم (( منولوجه الداخلي )) بصوت عالٍ ، مثل أُناس يعيشون بجزرٍ منفصلة ، انعدام الحوار ، في واحدٍ من تمظهراته ، هو شرخٌ كبيرٌ في روح المجتمع ، عطبٌ أصاب التواصل الإجتماعي السلمي ، كما يجدر بشعبٍ مُتحضّر ، أقول: أصاب التواصل الإجتماعي بمقتل ، جهدً الفن السردي لتبيانه .

شخصيات لؤي حمزة عباس ، مسكونة بخوف دائم من قدرٍ قاسٍ يُلاحقها في كل مكان ، مهددة الكينونة ليس لها أسماء ، شخصيات تختلس أفراحها الصغيرة إختلاساً خشيةً من قوة ما ، غاشمة ، تُطيح بها ، تبتني لها عوالم خاصةً ناشدة سلاماً مستحيلاً ، لكن الواقع يسخر ، بقسوةٍ منها ، محيلاً أيّاها الى ذوات مجروحة وشائهة . يُستدعى الفنُ بقوةٍ في مجموعة (( إغماض العينين )) لتمنحنا قراءة مختلفة لواقع نعرف لا معقوليته ، وبأدوات الفن العالي ،وحدها ، صاغت لنا (( إغماض العينين )) قلادة ماسٍ في عنق السرد العراقي .

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| حسن ملواني : تصالح الألوان في رواية ” قهوة بالحليب على شاطئ الأسود المتوسط “.

رمزية العنوان يعتبر عنوان الرواية بصيغته مزدوج الوظيفة، فهو إذ يشير إلى ما يعتبر عاديا …

| خليل مزهر الغالبي : مجموعة “ممتلكاتٌ لا تخصَّني” وخاصية البناء الشعري لآمنة محمود .

في مجموعتها الشعرية “ممتلكاتٌ لا تخصّني” راهنت الشاعرة “آمنة محمود” على تأكيد بصمتها الشعرية بمثولها …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *