ليث الصندوق : حروب الأسماء والهويات في ( سيدات زحل )

laith alsandook 4وسط نوعين من الحرائق ، حرائق الحرب وحرائق الحب تبدأ رواية ( سيدات زحل ) للروائية لطفية الدليمي عبر ذاكرة قلقة لامرأة تقف حائرة ما بين التذكر والنسيان متمسكة بخيار الحب ، ومسنودة بصوت رجل يعدها وسط الخراب بحياة أكثر أمناً وسلاماً ، لا يصنعها الأخرون من حرائق حروبهم ، بل يصنعها هو لمن يحبها من الحرائق أيضاً ، ولكنها حرائق من نوع آخر لا تشتت الناس ولا تفرقهم ، بل تعيد لمّ شعثهم ( كل هذا إلى زوال ، سنعبر الزمن معاً ، وأشفي ذاكرتك من هذا الموت ، وأضرم ناراً في كل شيء ، ونمضي إلينا وحدنا . ص / 10 ) . ولكن المرأة الموعودة تتأرجح ذاكرتها ما بين إسمين لم تعد تعرف إيهما إسمها الحقيقي ، الأول تعرفه ، لكن وثائقها الثبوتية تنكره ، والثاني تُنكره ، ولكن وثائقها الثبوتية تؤكده . ويبدو إنّ سبب ذلك الالتباس لا يعود إلى خلل في الذاكرة فعدا حيرتها ما بين الأسمين ما زالت تتمتع بذاكرة يقظة تستعيد من الماضي أحداثاً مماثلة في قسوتها لتلك التي تعيشها ، والمفهوم السردي للحدث هنا ينشطر إلى حدثين مرتبطين ببعضهما ارتباط السبب بالنتيجة ، الأول هو الحرب ، والثاني هو النسيان الذي يتسبب به للذاكرة هول الحدث الأول ، أو أن النسيان هو الوسيلة الدفاعية التي تعتمدها الذاكرة لامتصاص صدمة الحروب ( تتكرر الأحداث أو تستعاد بطريقة أو أخرى ، يُخيل لي أن شيئاً كهذا مرّ بي ، واحدة من البنات كتبت لي رسالة بعد إسبوعين من سقوط بغداد ، وقصف المدن . ص/12 ) والذاكرة النسّاءة – الناشطة لا تتذكر فحوى الرسالة ، ولا زمنها المرتبط بزمن نشوب الحرب فحسب ، بل تتذكر لون ورقتها  الوردي ، وتتذكر المرأة عمرها يوم اندلعت الحرب ويوم تسلمت الرسالة ، وتبلغ حدة الذاكرة مداها الأقصى عندما تربط ما بين ثلاثي ( الزمن – الرائحة – المكان ) / ( يوم اندلاع الحرب – أزهار البرتقال – حي الداوودي ) ( أوآن تفتحت أزهار البرتقال في حدائق حي الداوودي . ص/12) وللون والطعم والرائحة في الرواية عناية خاصة سنأتي عليها لاحقاً . وبالمكوث متأرجحة ما بين منطقتي التذكر والنسيان تخشى الشخصية المحورية حياة البابلي في مونولوجها الداخلي من سطوة  النسيان في صراعه مع الذاكرة ( ذاكرتي خط دفاعي الأخير ، لكنها تخذلني وتزج بي في تيه الجنون . ص/ 16) ثم تكشف سر ذاكرتها المغلقة وسرّ المفتاح الوحيد الذي تفتح به ، وهو صوت من تحب ، فحين يتناهى لذاكرتها ذلك الصوت الليلي ( تنشط ، وتستحضر أحداثاً وأحزاناً ، ومباهج ، وكوارث مرت بي . ص/16)  . بعد هذا المفتتح التذكاري تنفتح أبواب الذاكرة على خزين من ذكريات الحبّ والحرب ، فذاكرة حياة البابلي لا تتوقف على مشارف

لوحة رائعة للمبدع ليث الصندوق
لوحة رائعة للمبدع ليث الصندوق

الماضي القريب ، بل تمتد عميقاً في نفق الزمن لتستعيد ذكريات زبيدة التميمية وحبها لناجي الراشدي أيام الوالي داود باشا ، وزبيدة هي جدة حياة ، لكنها مرآة روحها التي تنعكس عليها قصة حبها لعاشق أخر يحمل ذات الأسم هو ناجي الحجالي ، وهذا التناظر في ملامح الشخصيتين ، وفي حكايتي عشقيهما يربك ذاكرة حياة فما تعد تدري هل هي حياة البابلي ؟ أم زبيدة التميمية ؟ أم آسيا كنعان ؟ أم هي واحدة من جداتها الراحلات ذوات الأصول النبيلة ؟ وحياة البابلي تتمتع بذاكرة خارقة في تذكرهن ، وتذكر أصولهن المتداخلة ، والتي تعبر بشكل رمزي عن الوحدة في الاختلاف فبالإضافة إلى زبيدة التميمية هناك :
–    أمينة خان الكردية
–    صفية العربية
–    آيتن التركمانية
–    آنوش الأرمنية
وتتداخل عروق الشجرة بعروق وجذور أخرى من اشجار الإنسانية الوارفة :
–    هاني أخو حياة تزوج زينة التركمانية
–    جد زينة تزوج حسناء من بلاد القفقاس
–    ابو زينة تزوج شميران الأثورية
سرداب السراب :
LUTIFIA ALDALAMIلغة الرواية لا تتوخى الملموس ، ولا تحبس قاموسها بين دفتي الواقع ، بل تخترقه مفارقة منطقه الحدّي المنضبط بحثاً عن منطقة سباحة وسطى ما بين الوعي واللاوعي ، والواقعي والتخييلي ، والعقل والجنون ، والحلم واليقظة . ولذلك تستعير حياة لغة ضبابية تتحول فيها الاستعارات والتشبيهات والمجازات اللغوية والكنايات إلى مسارح ومنصات تحتوي الأحداث الملموسة ، ثم تفتت ملموسيتها لتعيد إنتاج أبجدية لغة حالمة متأرجحة ما بين عالمين ، عالم حياة الهاربة من تعاسة ( الواقع ) الذي جاءت به الحرب ( الحروب ) إلى سعادة ( الحلم ) الذي ذهب مع سلام ( الماضي ) النسبي . والمكان الذي يضمن لحياة تحقيق هذا الهروب ، وينقذها من الخراب هو ( السرداب ) الذي تزيحه الإستعارة اللغوية من معقوليته عندما تجعله ( سرداب السراب ) . ومن بلاغة اللاملموس يطل فجأة من ( سرداب السراب ) عنصر لغوي مباغت يعيد اللغة إلى سكة الواقع اللغوي والحياتي ، والمفارقة أن يكون العنصر الذي يدفع باتجاه اليقظة هو ( الزمن ) ، والزمن بحد ذاته عنصر ملتبس ، ومتأرجح ما بين المادي ( الفيزياوي ) ألذي تعبر عنه آلات الزمن ( الساعات المعلقة على جدران السرداب ) إضافة إلى كراريس العم قيدار النابشة في التاريخ من جهة ، وما بين الإحساس بالزمن أو ما يسمى سردياً ب ( الزمن النفسي ) من جهة أخرى . وعندما يُعيد الزمن قاطرة الحلم إلى سكة اليقظة ، يعيد معها عناصرها الواقعية المتممة ( ذكريات الأب الراحل وهواياته ) والعم الغائب – المغيب قيدار البابلي ( تبللني تكتكة الساعات التي تملأ جدران السرداب ، هي ما تبقى من هواية والدي الذي كان مولعاً بتجميع آلات الزمن . ص/16) . ومن هذا السرداب الذي يبدو وجوده واقعياً في بيت الأسرة تطل رؤى فنطازية ذات إيحاءات رمزية ، فمن ألواح المرايا المكدسة طلت في وجه حياة حين دخلت السرداب وجوه ( كل الموتى الذين ابتلعتهم الحروب والمصائب . ص/53 ) وبذلك يتسع الدور الرمزي للسرداب ليتحول من مجرد (مكان) للوقاية من نيران الحرب إلى ملاذ لاستعادة الذاكرة المهددة بالنسيان ، وحافظٍ للوصايا ومستودعٍ لأشباح الأحباب من الميتين ( ص/55) . ولكن الفنطازيا لا تحصر عالم حياة داخل السرداب بل ترافقها إلى خارجه مطلقة أشباح الماضي من سجن السرداب الآمن إلى فضاء الواقع المهدد بالانفجار . وعلى هذا الوضع لم تكن حياة وحيدة ، فقد رافقها أحبابها الموتى وأنقذوها من الموت الذي تعرضت له في أعقاب إحراق مكتبة الفراهيدي ( كان الموتى من أهلي أبي وأمي وإخواني يسحبونني إلى ممر مغبر يتوهج فيه ضوء برتقالي وأنا أصرخ ، وهم يتصايحون بأصوات مشتبكة ضارعة : تعالي ، تعالي ، هيا غادري أرض الجنون . ص/64) .
وفي نار الأحداث تذوب المادة الصلبة للتاريخ ممثلة بالأدب العربي ورموزه الكبار ( المتنبي وأبو نواس والرصافي ) ، ورموزه النصية ( ألف ليلة وليلة ) ، ورموزه الفنية ( ناظم الغزالي وسليمة مراد ) . ومن ذوبان هذه العينة من المادة التاريخية الصلبة تتشكل مادة هلامية لا هي من عالم الواقع ، ولا هي من عالم الوهم ، ولا هي من الماضي ولا من الحاضر ، بل هي مزيج من كل ذلك ( رأيت المتنبي بعمامته وطيلسانه يهبط من عليائه متخلياً عن هالة الكبرياء ، ويعدو في الأزقة منشداً …. ص/30) أو ( أبو نواس كان يترنح ثملاً والدموع تسح على وجنتيه الضامرتين ما بين فندق الميرديان والشيراتون . ص/30) ثم ( الرصافي كان يسير حزيناً في شارع الرشيد . ص/30) . ويبرز الرمز بشكل صارخ ومؤثر من تصادم حضارة الماضي الوطني بطابعها الإنساني المسالم مع حضارة المحتل بطابعها العدواني المتغطرس ( جندي من المارينز أطلق الرصاص من مكمنه نحو الشاعر المترنح . ص/30) .
ألعنونة :
kh lutfia 3تنفتح العتبة النصية – العنونة ( سيدات زحل ) على ممرين ، الأول ممهور بطابعه الجنسي ( الجندر ) الأنثوي كونه مخصص أصلاً للنساء ، ولكن ليس لكل النساء ، بل حصراً لأؤلئك النسوة الخاضعات للتأثيرات التي يكشف عنها الممر الثاني الممهور بطابعه التنبؤي والذي يحيل إلى كوكب النحس والطوالع السيئة ( زحل ) ، والعنوان يضيء النص الروائي من حيث إنه يمهد لعرض تجارب النسوة الوحيدات اللاتي جنت عليهن كوارث الحروب . تعرض تلك التجارب حياة البابلي التي ظلت تختزن في ذاكرتها المتعبة كوارث مدينتها بغداد قديماً وحديثاً . فهي تجمع تراكمياً في روايتها قصص النسوة اللواتي خضعن لتأثيرات سوء الطالع ، وفي كل تلك القصص ظلت حياة البابلي ترنو إلى السماء وهي تتبع حركة الكوكب الغريب يرسم أقدار المدينة ونسوتها ( أبصر في سماء المدينة ذلك الكوكب الرهيب الأزرق ، وأشفق من النظرة الثانية إليه ، لا أريد أن أصدق ظهوره في طالع المدينة فذلك يحملني من الهم ما لا طاقة لي به . ص/ 239) . وللطوالع وما تثيره من استبشار أو تطير أثر في تاريخ بغداد ، فقد تطيّر مؤسسها الخليفة المنصور حين رسمها مهندسها ( الحجاج بن أرطأة ) بمقاييسها على الأرض بالرماد ، وأمره أن تُرسم بالقطن المنقع بالزيت ثم تضرم به النار ، بينما تطيّر الإمام ( أبو حنيفة النعمان ) من هذا الخيار البديل خشية أن يكون ابتداء العمران بالنيران نذير شؤم للقادم من الأيام ( ص/ 248 ) وقد صدق حدس أبي حنيفة ، فكان واحداً من ضحايا المنصور .
ومن المفارقات الطريفة أن صاحبة الذاكرة الملتبسة حياة البابلي هي ذاتها راوية الرواية . وهي مثلما أقنعتنا بعجز ذاكرتها على تقبّل إسم طاريء بلا تاريخ ، فقد أقنعتنا أيضاً بقدرتها على خلق نموذج تاريخي يجمع الخاص بالعام هو بعض من تاريخها الشخصي وتاريخ أسرتها ممتزجاً بتاريخ بغداد بدءاً من يوم بنائها على عهد المنصور العباسي ، حتى يوم سقوطها تحت الاحتلال الأمريكي .
أدوار الراوي الثلاثة :
تدور الأحداث على لسان حياة البابلي الراوية المشاركة مستعرضة تاريخ أسرتها العريقة والنبيلة ذات الأنساب المختلطة ، وقصص الحب والفقد والمصائر المبهمة . وحياة تروي الأحداث من الخارج عادة واصفة ما يحدث على سطح المدينة ، وما يحدث لأهلها ، لكنها تضطر أحياناً أن تخرق السطح إلى الأعماق مستعيرة دور الراوي العليم ، فقد كان من اليسير عليها أن تسمع ، وتفهم حماوة خطاب الصمت الذي ردده حامد الأخرس مع نفسه حين طلبت منه ( راوية ) أن يؤجل إهداء قفص الطيور إليها لوقت آخر غير وقت الانفجار ، مع وعد ضمني منها بأنها عندئذ هي التي ستطلبه منه ( قال لنفسه : كم سأكون محظوظاً . ص / 70 ) . وكان يسيراً عليها كذلك اختزان الطبقات العميقة من لا وعي منار ، وهي بين الموت واليقظة تقاوم ألم جراحها النازفة ، وإحساسها بالعار بعد تعرضها للقتل والاغتصاب من أربعة رجال مسلحين ( ص / 237 ) بل أن اختراقات الراوي العليم في هذا النص ( الكراسة 28 ) مكنت حياة من تتبع أثر الإحساس بالنشوة لدى القتلة ، واكتناه ما انطوت عليه حواس سمعهم  ( هم يترنحون من نشوة الإحساس بالنشوة والقتل . رائحة الدم تعبق من أجسادهم وثيابهم . ما عادوا يسمعون شيئاً . همدت الأصوات والصرخات . ص / 277 ) . أما زمن السرد فهو زمن متقطع ولا يمضي على استقامته ، فحيناً يمضي أماماً مؤرخاً ومحدداً بالأيام والشهور والسنوات بما يوحي أن النص ذا نزوع ببلوغرافي ، لكنه سرعان ما يتهشم عائداً إلى الوراء إلى أيام الوالي داود باشا ، بل إلى وراء الوراء أكثر من ألف عام إلى أيام احتلال هولاكو لبغداد . لكن حياة البابلي ليست الراوية الوحيدة ، فهي تسلم المهمة أحياناً إلى الشخصيات الأخرى التي يكتب كل واحد منها كراسته الخاصة ، عندئذ تصبح حياة البابلي مروياً له . لكنها في كراسات أخرى تجمع في وقت واحد ما بين ( المروي له + المروي عنه ) كما في ( كراسة 30 ) ألتي كتبتها هالة تتحدث فيها عن اعتقالها في سجن أبي غريب ، وتذكر فيها أنه بعد إطلاق سراحها ( أشترينا جوازين مزورين بعون من حياة . ص / 296 ) و ( إتصلت بحياة لترسل لي مبلغاً من المال . ص / 297 ) و ( في منتصف الليل رنّ الهاتف ، كانت حياة تهاتفني من الحدود العراقية السورية . ص/ 299 ) . ففي تلك المقاطع النصية كانت هالة ( الراوي المؤقت ) تروي لحياة ، وعن حياة ، بيد أن ما ترويه نص مجتزأ على ما يبدو من مقام عائم غابت محدداته ومؤشرات اكتماله عن القاريء ، ولذلك وصل إليه بوساطة الراوي حياة البابلي واتخذ ما يسمى بنيوياً طابع الأسلوب غير المباشر ، ولا بأس من أن نتأوّل جانباً من مقام الخطاب ، وبالتحديد ذلك الجانب الذي يتعلق بأطرافه ، فندّعي أنه ربما كانت هالة قد  دونته في كراستها ليكون خطاباً مباشراً موجهاً إلى واحد من الأطراف الثلاثة :
–    فهو إما أن يكون موجهاً من قبل المتكلم ( هالة ) إلى ذاتها في صيغة خطاب إنعكاسي يتوسل أساليب الكتابة السيرذاتية ( الأوتوبيوكرافية ) من أجل ترسيخ وتثبيت الحدث عند لحظة معينة من شريط الزمن ، بما يمكن الذاكرة من استعادته باستمرار ، وقهر النسيان به .
–     أو ربما يكون موجهاً إلى حياة البابلي – الراوية ، وقد بينا ذلك سابقاً .
–    أو ربما يكون موجهاً إلى قاريء ما مجهول أومفترض .
أو ربما يكون الخطاب موجهاً إلى الأطراف الثلاثة معاً في وقت واحد .
وحياة البابلي – البطلة تروي ما يدور أمام عينيها من يوميات مدينة تحت الاحتلال ، ولذلك فوجودها في الأحداث العامة هو وجود الراصد والمدون ، وليس وجود المؤثر والفاعل . إنها مثل عين الكاميرا تلتقط ما يطفو على سطح المدينة ، وتدون حركات الجماعات المسلحة واللصوص والجنود الهاربين ، وفي هذه الحالة تضيع ملامح وأوصاف الشخصيات وتتلاشى أسماؤهم ، وتتحول أفعالهم إلى نشاط مشترك يتقاسمون إداءه مشتركين مثل آلآت في مكينة الجماعة . لكنها في الكراسات والمدونات الخاصة بها أو بصديقاتها أو قريباتها تنتقل من دور المدون الذي تُملى عليه الأحداث ، إلى الفاعل الذي يصنعها ، وعندئذ تتحول الشخصيات إلى أبطال ، ويستعيد كل منهم ملامحه ودوره وزمنه ، وتعود شبكة العلاقات الاجتماعية تربطهم لا من أجل أن تضيّعهم داخلها ، بل من أجل أن تميز كل واحد منهم عن الآخرين .
حروب الأسماء :
وعلة الرواية هي الأسماء ، ومن علتها تنسحب البلبلة لذاكرة الراوي المشارك حياة البابلي إنعكاساً لوضع طاريء جاء به الاحتلال حين نبش الصدور وأخرج منها اوهام وأضغان الماضي ليحولها إلى تنانين وديناصورات . فالأسماء في الرواية نظام إشاري ، دواله تحيل إلى مدلولات من حقول خارج لغوية ( تاريخية أو دينية أو طائفية أو عشائرية أو مناطقية ) ، والعلاقة ما بين الدال والمدلول علاقة افتراضية تحددها سوء نية المقابل وأراؤه المسبقة ، وفي كل الأحوال لا دخل لصاحب الأسم بتلك العلاقة لأن الأسماء تُلحق بأصحابها ، وليس أصحابها هم الذين يُلحقون بأسمائهم وذلك في مرحلة عمرية يستعصي فيها تبين دلالاتها . وبموجب قواميس تلك الحقول غير اللغوية تتشكل الهويات الفرعية ، وتفرض سواء بالرضى أو بالقسر . ومن حدود تلك الهويات يبدأ صراع الوجود داخل بيئة معادية ومنشطرة على نفسها ، حيث تُحدِد الجبهات المتصارعة هوية العدو من إسمه ، أو إسم عشيرته ، أو إسم أسرته أو إسم المدينة التي ينتسب إليها . وهروباً من شبكة العنكبوت المميتة هذه تبدأ عملية تحايل مركّبة بعضها تحايل على الذاكرة ، وبعضها الأخر تحايل على الشخصية ، وبعضها تحايل على التاريخ . وكل تلك التحايلات تتم باستبدال وتغيير الأسماء بما يتلاءم والوضع الطاريء الجديد . وتشتغل السيميولوجيا لتفكيك هوية الأسماء من دون أن تضطر حياة ( الراوي المشارك ) ولا شخصيات الرواية من أن يكشفوا عن انتماء صاحب الأسم ، بالرغم من أن الجانب الخفي من الحوارات يكشف ما لم يقله الجانب المعلن . هكذا تعبر راوية عن مخاوفها لحياة ( أتعلمين أخي محمود مغرم بهيلين . ص/ 76 ) ويأتي الرد مؤيداً لخيار محمود ومؤكداً وجود اختلاف في الهويات يحول دون إتمام صفقة الحب ، من دون التصريح بملامح ذلك الاختلاف ولا طبيعته . ثم تأتي المعالجة المقترحة من قبل حياة بصيغة سؤال ( ولماذا يرفض أهلها ؟ هناك زيجات كثيرة مختلطة في عوائلنا ؟ ص / 76) .
وليست البطلة حياة وحدها ضحية حروب السماء وما تترتب عليها من الهويات الملفقة ، فأخيها هاني بعد أن فقد أخويه في حروب الدكتاتورية وسجونها ، ثم فقد والديه كمداً عليهما ، ثم فقد زوجته ، قرر أن يستبدل إسمه وهويته ويعيش بهوية مزيفة حمته من تبعات حروب الأسماء لمدة ثمانية عشر عاماً . وبالرغم من هزيمته ، وهزيمة البطلة من بعده بسنوات طويلة في ذات الحروب ، إلا أن هاني ظل متفائلاً بالمستقبل الذي سيأتي مع طلائع جيل جديد يمثله إبنه سرمد ( وللإسم هنا دلالة ) وظل يؤمن بالرغم من كل الهزائم والخسارات بإمكانية التغيير ( متفائل بك ، يمكن أن تغير حياتك وحياة الأخرين . ص/151) ولم يسلم مصدر الضوء الوحيد في ظلمة ( هاني ) من أن يتعرض للانطفاء عندما اختطف سرمد . ومن المفارقة أن تتردد أصداء حروب الأسماء في مكان آخر هو الأبعد عن عواصمنا المغلقة قيمياً والأقرب إلى عواصم التسامح وقبول المختلف ، وهذه المرة في الجزء اليوناني من قبرص ، وقد زارتها حياة والتقت هناك بناجي الحجالي ، وفي إحدى مقاهيها طلبا قهوة تركية ، فامتعضت النادلة من الطلب الذي أثار فيها حساسيات الصراع التاريخي ما بين القوميتين ، ولكن عندما جاءتهما بالقهوة تبين إنها ذاتها التركية بالإسم اليوناني . ويتخذ ناجي من القهوة قناعاً  لغوياً لإدانة الوجه – الأسماء ( ألتسميات علة من علل جمودنا . ص/ 195) مع إعفائه اليونان من الإدانة التاريخية إعفاءاً تعلنه لغة التقدير والاحترام ( أنحني لليونان التي تخلصت من بقايا العثمانية . ص/195 ) .
والأسماء تكتسب أحياناً دلالات السلاح الخطر ، وفي هذه الحالة يبدو الإصرار على التخلص منها واستبدالها مسوغاً ، كما تبدو دواعي الإرباك والقلق التي تتسبب بها مفهومة سواء لحامليها ، أو لمن يخشى حدّة دلالاتها . وكثيراً ما نقع على نماذج نصية يُستعار للإسم بها دلالة السلاح ، ففي خلوة الحب ما بين العاشقين ( حياة وناجي ) إستحضرت لهما سعادتهما الطاغية لقاء فنطازياً مع ثالثهما الغائب – الحاضر ( الحرية ) التي هي مجرد فكرة هلامية يجسدها إسمها الخطير . وطلبت ( الحرية ) منهما أخذها إلى البلاد التي تُفتقد فيها لتعرف قيمتها وجدواها . لكن خشية حياة على الحرية من القتل في تلك البلاد دفعها لأن تقترح عليها قبل دخولها أن تخفي سلاحها ( إسمها ) الذي يُرهب عبيد الظلام وذلك بأن تتنكر وتستبدل إسمها ( ص/197 ) كما تخلت حياة ذاتها عن سلاحها واستبدلت إسمها .
مرجعيات طوالع النحس :
وللنحس الذي يحيل إليه كوكب زحل في الرواية ثلاث مرجعيات ، ألأولى تاريخية من الماضي البعيد ، والماضي الموغل في البعد ، أما المرجعيتان الأخريان فكلتاهما من زمن الحاضر . بيد أن المرجعية الماضوية وأحدى المرجعيتين الأخريين تقعان خارج زمن القص ، أما مرجعية الحاضر الثانية فتقع ضمن زمن القص الذي يبدأ مع مرحلة الاحتلال الأمريكي ، وفيما يأتي تفصيل ذلك :
ألمرجعية الأولى – مرجعية تاريخية ( ماضوية ) : وتخصص الرواية للتاريخ سواء بمحطات رخائه أو محطات نكباته وكوارثه أكثر من كراسة ، ولعل أهمها كراسات الفصل السادس ( كتاب زبيدة – ص / 207 ) ألتي تتناول فترة إعادة إحتلال العراق من قبل الوالي المملوكي داود باشا ، ثم فترة احتلال هولاكو للعراق وفترة شيوع جائحة الطاعون الأسود . ولعل أوفى تعبير لفكرة ( التاريخ يعيد نفسه ) حسب تلك الكراريس يأتي من تشابه مصيري كل من الخليفة العباسي المهزوم المستعصم أمام الغازي المغولي المنتصر هولاكو ، والحاكم العراقي المهزوم أمام قوات الاحتلال الأمريكي المنتصرة .
ألمرجعية الثانية – مرجعية سياسية : زمنها الحاضر وطبيعتها الاستبداد الذي وصم المرحلة الزمنية التي سبقت الاحتلال الأمريكي ومنحه ذرائع للتدخل ، فأغلب شخصيات الرواية تعرضوا للسجن والتعذيب والاغتصاب ، أو للتصفية الجسدية على خلفيات سياسية :
–    حامد مدرس اللغة الانكليزية قطع النظام السابق لسانه ، والطبيب الذي تكفل بذلك جراح تجميل مشهور ، يهوى الرسم ويستثمره لتصوير الرعب الذي يستجلبه لضحاياه ( والإيحاءات واضحة مثل وضوح الإحالات ) .
–    أخو حامد ( عبد الله ) قتل في انتفاضة 1991 .
–    حازم طليق البطلة تعرض للإخصاء من قبل أجهزة السلطة القمعية وعلى يد الجراح الفنان ذاته الذي بتر لسان حامد .
–    فتنة زوجة قيدار عم البطلة أختطفت من قبل عناصر حماية أحد المسؤولين وضاعت أخبارها .
–    ماجد أخو البطلة أعدم مع ثمانية من زملائه لهروبهم من الجيش .
–    إغتصاب ناهدة وساهرة وسهام في التحقيق ، وانتحار ناهدة بعد ظهور علامات الحمل عليها . أما ساهرة فقد استولى أحد الضباط عليها وحولها إلى عاهرة . أما سهام فقد هربت إلى الجبال .
–    تعرض والدة البطاة في السجن لأقسى أنواع التعذيب .
–    إجبار أحد المعتقلين على أكل برازه .
–    حيدر إبن خالة البطلة أستشهد في انتفاضة 1991 .
–    حرق الجيش للقرى الكردية واغتصاب النساء ( ص/ 141 ) .
–    مجزرة قرية صورنايا المسيحية ( ص/ 314) .
وقد تتحول مظاهر الطغيان إلى رموز لقصص الأطفال تلك التي راحت ترويها البطلة حياة للطفل إبراهيم الذي عثرت عليه هائماً بعد فراره من خاطفيه إثر انفجار أتى على البيت الذي أودعه  فيه الخاطفون ( ص/120) وفي تلك القصة تستعير الدلالات لها مدلولات جديدة أكثر قرباً للمعنى الذي تبحث عنه حياة ، وتريد إيصاله للطفل من أجل أن يفهم بأن كل كوارث البلد ، ومنها ما يعانيه الطفل من ضياع وحرمان سببه الاستبداد وغياب الحرية . ولعل معايشة جرائم الإستبداد من خلال ضحاياها الكثر ، ومن ثمّ هضم وتمثل تلك الجرائم ، هو الذي كان ينشط ذاكرة الإستقبال لدى البطلة فتقول لأخيها مهند ( إن كوننا من هذه البلاد يقودنا نحو المهالك . ص/133) ولعلها بذلك كانت تتنبّأ بالكارثة الكبرى – كارثة الاحتلال – قبل وقوعها بسنوات طويلة وما استتبعها من كوارث .
ألمرجعية الثالثة – عسكرية : زمنها الحاضر وطبيعتها الإضطراب الأمني والمجتمعي الذي نتج عن الإحتلال الأمريكي للعراق ، وظلال هذه المرجعية تغطي أغلب أحداث الرواية ، ومنها تتخذ الرواية ذريعة لاستعادة الماضي ، والبحث فيه عن نقاط تتلاقى فيها الأسباب والنتائج .
وبينما اتسم خطاب المرجعية التاريخية بطابع الدرس التاريخي ذي النبرة الهادئة التي تتحاشى الوعظ والنصح وتستبدلهما بسرد لأنماط من أحداث الماضي تتناظر دلالياً مع أحداث الحاضر بما يسهل على المتلقي استلام الرسالة وإجراء المقارنات ، فإن خطاب المرجعيتين الأخريين اتسم بطابع الرفض والإدانة دون أن يستعين بمفردات قاموسيهما اللغويَين الصاخِبَين ، فرفض وإدانة الأحداث المتطرفة وفاعليها لا تتولاه الراوية التي تروي تلك الأحداث ولا الشخصيات التي تضررت بها ، فهؤلاء تقبلوا الضرر بصبر أيوبي ، واكتفوا بسرده بحيادية تامة . ولكن رفض وإدانة الأحداث تتولاه الأحداث المسرودة ذاتها ، فالقساوة المتطرفة التي انطوت عليها ليست مجرد مادة تروى فحسب ، بل هي مادة تدين ما ترويه ، فهي تضمر في طيات خطابها العدائي تناقضاً لمباديء الحرية والسلام ، ولنزوع الإنسان الفطري للأمان والإستقرار .
ألمرأة تكشف مسكوتاتها :
تحفل الرواية بمواقف شجاعة وجريئة في وصف مشاعر المرأة الوحيدة والمحرومة ، وفي  استكشاف مجاهل العلاقة بين الجنسين ، والتعبير عنها بلغة وواضحة ومن دون الإختفاء وراء الأقنعة البلاغية والتوريات سواء كانت تلك العلاقة قد اكتسبت طابعاً رسمياً بالزواج ( حازم ) ، أو إنها بقيت في حدود المشاعر الإنسانية الحرة والطليقة ( ناجي الحجالي ) وقد انتقلت علاقة حياة به بعد افتراقهما من مستوى الحضور الواقعي إلى مستوى الحلم تعيشه  في حياتها السرية في سردابها تحت الأرض ( يُقبّل عنقي ويدي ، وعندما تفيض شهوته يكبحها احتراماً لألمي . ص/ 77 ) ثم ( أفتح عيني فلا أجده ، لا أجد أحداً . ص / 77 ) . أو ربما تتمثل العلاقة بكونها مجرّد نزوة ، أو شكل من أشكال الحب القلق والمتأرجح ما بين الحرمان ( هاني ) وبين البراءة ( الفتاة التركمانية ) والتي اقتسم حرارتها ونشوتها الطرفان ، وارتفعا بها إلى ما فوق مفهوم الإغتصاب بالرغم من فشل الطرفين في الإبقاء عليها وحمايتها ، فانتهت نهاية تراجيدية . أو ربما تكون العلاقة حالة اغتصاب رخيص يمارس بالإكراه من قبل طرف قوي ومسنود بسلطة القمع الرسمية ( ضابط الأمن ) على طرف مستلب وضعيف ومدان ( ساهرة ) . ولعل أجرأ المواقف من بين تلك الحالات جاء في الوصف الدقيق لمشاعر الحب من طرف واحد التي عاشتها حياة مع زوجها حازم الطيب والوديع والذي لم تشفع له طيبته ولا وداعته في أن يفجّر كوامن الحب لدى حياة ( ص/163) ولعل استجابة حياة العاطفية الفاترة لحازم كان يمهّد سردياً لقطع هذه العلاقة ، بما يُحرّر كل طرف من الآخر . وكان هذا القرار بحاجة إلى طرف ثالث خارجي لحسمه ، طرف لا علاقة تربطه بهما ، بل لا علاقة له بمشاعر الحب النبيلة . وكان ذلك الطرف هو السلطة القمعية التي دخلت مصادفة على خط العلاقة بينهما فأفقدت حازم ذكورته تحت التعذيب ليتحقق الانفصال بين الطرفين بعد ذلك بطلب من حازم نفسه دفاعاً عن كرامته المهانة ( ص/51 ) . أما أندر المواقف في السرد العراقي فذلك الذي يلمح إلى علاقة ما بين امرأتين ( لمى وشروق ) أنضجتها ظروف مجتمع بلا رجال . وبالرغم من أن حياة كانت تكشط طبقة السطح من تلك العلاقة إلا أن أكثر من تلميح كان يجنح بها نحو العمق كاشفاً أسرارها ، وباحثاً لها عن مسوغات ، وهذا ما كانت تحاوله زوجة اخي لمى ( بلد بلا رجال ، ألحروب التهمت نصفهم ، وشرّدت النصف الآخر ، لا فرص أمام البنات ، دعها تدبر حياتها ، وترعى إحداهما الأخرى ، ما هو العيب في ذلك ؟ ص/309) . وما بين الإحساسات والتعبير عنها مسافة لا يملؤها إلا الإبداع في أسمى حالاته وأرقى مستوياته ، وهنا لنا عودة  إلى مرحلة ما بعد انفصال حياة وحازم ، إذ أن ما يستلفت الإنتباه ويثير موجة التعاطف مع أو ضد طرفي العلاقة أو أحدهما هو هذه اللغة الحية النابضة التي تحاكم من خلالها حياة البابلي موقفها العاطفي الباهت من حازم الوديع الطيب الذي فشل أن يستثير فيها غريزة الأنثى ( هل كنت سيئة إلى هذا الحد لأضحّي بحياتي من أجل أن أعيش في رفقة رجل طيب دون حب ؟ ألأنني وحيدة بعد أن فقدت أهلي جميعاً ؟ هل كنت أقايض روحي مقابل أمان زائف ؟ ص / 164 ) ثم يأتي اعتراف النفس المتهمة صاعقاً ( إعترفت لنفسي إنني كنت أتصرف بنذالة أنثى ، وليس بكرامة إمرأة ، ناقشت هذا مراراً مع نفسي ، ماذا لو انفصلنا ؟ أين أذهب وسط غابة الضواري ؟ ص / 164 ) .
خلخلة اليقين :
ولا بدّ من الإشارة إلى أن الرؤية الغيبية التي تربط مصير بغداد بطوالع النجوم والأفلاك ، وبحركة كوكب زحل تحديداً والتي هيمن تأثيرها على الأحداث والشخصيات ، والتي كانت قد استخرجتها حياة من كتابات العم الغائب قيدار ، لذلك لم يجرأ أحد على التشكيك بها ، لا بد من الإشارة إلى أن هذه الرؤية المحورية قد تعرضت في ( الكراسة 29 ) إلى خضة تحت تأثيرات الأحداث الموجعة زحزحتها عن يقينيتها . والغريب في الأمر أن تكون الخضة قد جاءت من حياة البابلي ، الشخصية الأكثر إيماناً وتأثّراً بأفكار العم قيدار ، حيث أعادت تشكيل العلاقات الخارجية للرؤية – الفكرة بفك ارتباطها بالغيب والأفلاك ، وربطها بمحركاتها الواقعية ( الناس ) وهذا ما قالته حياة البابلي لخالتها أم هالة ( قدر بلادنا لن يتغير ، خالتي كل بلاد تصنع قدرها بأيدي أناسها ، وتجلب الأيدي النحس والدمار ، أو الخير والأمان ، أفعالنا لا النجوم من يحدد مصيرنا . ص/ 283 ) . ولكن عودة حياة إلى التفسير المادي للأحداث ليس باتاً ونهائياً ، فما دامت ضربات الأحداث الموجعة تتالى فاحتمال التقلب ما بين الغيب والمادة ما زال محتملاً ووارداً ، إذ سرعان ما حلت رؤية غيبية أخرى لدى حياة البابلي لتعوض عن نقضها لرؤية طوالع الأفلاك ، ومصدر الرؤية الجديدة ارضي ،  وليس سماوي كالرؤية السابقة ، ولكن ربما كانت الفكرتان تعبران عن استحالة استيعاب وتفسير هول الكوارث التي أحاقت بالمدينة . والرؤية الغيبية الجديدة التي راحت تراود بال حياة هي أن من قتلوا من عائلتها ما زالوا أحياءاً يحيطون بها من حولها ( يظهرون جميعاً ، وقد تسمعين همسهم ، إنهم يحرسوننا ، هل تصدقين أن الموتى يحرسون الأحياء . ص / 283 ) .
بلاغة المحسوس :
لغة الرواية ليست صوتية فحسب ، بل لها مذاق ونكهة ورائحة ولون ، فلا يكاد يخلو حدث من ربطه بعالم الحواس الخارجي ، إن لم تكن الأحداث تتشكّل حسيّاً من داخلها . فلكل شيء في الخارج له رائحة ، والرائحة لها كيان وملمس ودور تؤديه تجاه من يتشممها ، فرائحة القتلة في أنف منار ساعة تعرضها للقتل ( رائحة شائكة وخزت أعصابها ، وانتشلتها من الغياب . ص/273 ) وذلك الكيان المادي الحسي للرائحة يشيع من حوله قيماً مماثلة له ،  حسية ومادية غيرية تمنح عالم المجردات القوة السببية على الامتياز بالرائحة . وبذلك فليس للمطر وحده رائحة ( فاحت نداوة المطر . ص/ 55) ولا للياسمين والأكاسيا فحسب ( فاح بعض شذا الياسمين والأكاسيا .ص/55) بل تصبح للأيام رائحة ( شممت رائحة أيامي .ص/56) ويصبح حتى للفناء رائحة تتشممها حياة من أنفاس وأصابع حازم ( أشم رائحة الفناء من أنفاسه وأصابعه . ص/57) . وتعمم تلك القيم الغيرية على عالمي الصوت واللون اللذين هما أصلاً عنصرين محسوسين . ولكن أثر القيم الحسية الغيرية يُخرجهما من عزلتهما كل في حدود طبيعته سواء ألمسموعة بالنسبة للأول أوالمرئية للثاني ، ويخلط المسموع بالمرئي في نماذج نصّية غاية في الغرابة  ( نغمة الألم السوداء تتردد في أرواحنا . ص/72) أو ( ألضجيج كان أحمرَ ، أزرقَ ، أسودَ . ص/98) .
والروائح هي روح المكان ، وتقاويم لاستعادة ماضيه ، تتأبد فيه حتى إن تغيرت خارطة المكان ، وزالت ظروف انبعاث الرائحة وذلك من أجل تقليب صفحات الذاكرة واستعادتها من قبضة النسيان . والروائح المتأبدة في المكان نوعان ، الأول يذكر بالأمان والرخاء . والثاني يذكر بالفجيعة والموت . وعندما يختلط النوعان في هواء المدينة يمكن لمن خبر المدينة ،  وخبر روائحها ان يفرز كل نوع من الرائحة عن الآخر ، ويردّه إلى زمنه . كما يمكن لتلك الروائح السحرية بالمقابل أن تفرز ما تداخل من أزمان متباينة عن بعضها ، وتردّ كل زمن إلى صِنفه – رائحته ( تدافعت نحوي الروائح البكر لمدينتي ، روائح غضّة من آس وماء ورد وقرنفل وروائح نتنة من عرق وبيرة ورماد ودم طازج ، روائح توابل السمك والدجاج المقلي والمخللات الشهية والفول والفلافل التي كانت فيما مضى تهب من تلك الزوايا الصغيرة بين المحلات التجارية العتيقة في شارع الرشيد . ص/ 110 ) .
وبالعموم فإن للألوان والروائح والمذاقات والنكهات والمعطيات الحسية الأخرى وظائف لغوية وبلاغية شتى لا يمكن الإيفاء بحقها ما لم تخصص لذلك دراسة متأنية وشاملة ، فهي بتضافر دلالاتها وإيحاءاتها تشكل ملمحاً أسلوبياً يميز النص ويشكل جزءاً مهماً من أدبيته .
هوية كونية :
وفي نزوع إنساني يتجاوز موانع الأسماء والمحددات العقائدية والهويات المصطنعة والألوان والأشكال ، ويجنح إلى وحدة صوفية ما بين كل الكائنات ( البشر والنباتات والحيوانات ) ما داموا جميعاً يقتسمون العيش والمصير في كون واحد ، تنتهي الرواية برؤية غرائبية لحياة البابلي تتجول في حديقة فردوسية ، وهناك تلتقي ببستاني ذي شخصية شبه أسطورية جاء من أكيناوا اليابانية ليستنبت بعد سنوات من التجارب زهرة النجاة ، تسأله عن هويته فيجيب ( لا تسألي عن هويتي ، ولا تحكمي على سحنتي ، ألسحنة قناع ، والهوية صورة للحظة عابرة في عمر البشرية تتغير باختلاف الأحداث والأزمنة . ص/333) لقد استخلص الرجل مأساة حياة البابلي في غربتها ما بين الأسماء ، وفي هروبها من حرب الهويات المفتعلة ، ولخص بجملة واحدة ما أرادت الرواية ان تقوله ، فلم يكن الأسم الثاني لحياة البابلي الذي ظلت حائرة أزاءه طيلة الرواية وهو ( أسيا كنعان ) ، لم يكن سوى القناع الذي يستر هويتها الفرعية ، فهو إسم محايد يتوفر على شروط الأمان وعناصر التمويه والاختفاء ، بعد أن صار للأسماء صوت ومذاق ورائحة تفضح أصحابها ، وتضعهم ضمن دائرة التعقب والقتل من قبل الذين يتحسّسون من المختلف ، ويطمحون بالقوة والعنف في بناء يوتوبيا منقوصة الفضيلة كل أهلها مستنسخون عن نموذج واحد ، ولذلك فجميعهم إمّعات متشابهون مع بعضهم في الباطن والظاهر والملبس والمعتقد والأسم .

شاهد أيضاً

نايف عبوش: نعمات الطراونة.. والتواصل العصري الحي مع التراث

لعل ما يقلق المهتمين بالتراث اليوم، هو الانحسار المستمر، في ثقافة التراث،وخاصة لدى شريحة الجيل …

صباح هرمز: مسرحيات يوسف الصائغ بين الخيانة و الانتماء
أولا: ديزدمونة وجدلية الشرق والغرب (ملف/6)

إشارة: رحل المبدع الكبير “يوسف الصائغ” غريبا في دمشق ودُفن هناك بعد أن قتلته السياسة …

شكيب كاظم: كانا يغيّران في قصيدهما أبو عبادة البحتري ونظيره أبو فرات الجواهري

وأنا أقرأ الكتاب النقدي المهم، ككل النتاجات النقدية والمعرفية للدكتور عبد الله محمد الغذامي، الموسوم …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *