سامي عادل البدري : قراءة نفسية في رواية “العودة إلى جذوري البدوية” لسيف شمس الدين الآلوسي

sami albadri“في الحقيقة نشأ معي كره ونقص من كلمة بدوي، حتى أصبحت أشعر بالعار من أصلي ولم أحب أحداً يناديني بدوي”. ص151 من رواية (العودة إلى جذوري البدوية) لسيف شمس الدين الآلوسي
“إنه لأتعس شيء أن يشعر المرء بالعار من موطنه.” من رواية الآمال العظيمة لتشارلس ديكنز 1812-1870

ما هو يا ترى رأينا بأنفسنا وبأهلنا، بأصلنا وبجذورنا وما هو الموقف الحري بنا اتخاذه تجاه هذه الأشياء؟ ذلك هو السؤال الذي أعتقد أن رواية الكاتب سيف شمس الدين الآلوسي التي تحمل عنوان (العودة إلى جذوري البدوية) الصادرة عن دار ميزوبوتاميا في بغداد في طبعتها الأولى 2014 تحاول أن تجيبه. رغم أني أعتقد أن العمل الفني يهدف بالأساس للإمتاع والتأمل ولا يهدف للتنظير، رغم ذلك إلا أني سأسمح لنفسي باستعراض بعض نظريات علم النفس التحليلي في قرائتي لهذه الرواية الجميلة القصيرة.
الرواية  تتكلم عن رجل اسمه هلال، ولد في صحراء العراق لعائلة بدوية. ولد لأبيه وأمه بعد عشرين سنة من عدم الإنجاب، عشرين سنة يشعر خلالها الأب بالعار، كما تصرح الرواية في المقطع التالي:
“تزوج أبي قبل ولادتي بعشرين عاماً ولم يرزق بأي مولود.. كم يشعر الانسان البدوي بالعار إذا لم يكن لديه أولاد..ص17″، ويقول في سطور أخرى من الرواية: “سأعوض له نقص الأولاد، سيفخر بي..ص169”
إن الشعور بالعار بدءاً بسبب عدم وجود الأولاد، ثم محاولة تعويض ذلك النقص من خلال الولد الذي ولد أخيراً، الولد الوحيد الذي صار على عاتقه تعويض النقص وجلب الافتخار، كل ذلك هو مفتاح مهم لفهم الرواية، فالرواية تتحدث، ولو عن غير وعي صريح، حول موضوعة الشعور بالنقص وكيفية معالجته.
لو انتبهنا على الكلمات المستخدمة في وصف مختلف الشخصيات وخصوصاً هلال فسنجد أن هناك كلمات يكثر ترددها من قبيل: الشعور بالنقص، والشعور بالعار، والشعور بالذنب، والاستهزاء، وضعف الشخصية، وهي تؤكد ما نعتقده من أن هذه الرواية تدور حول محور عقدة النقص. لكننا سنجد بالمقابل معاكساتها المتطرفة مثل: الأنانية، الغرور، والتكبر وتفسير ذلك أن هذه المعاكسات المتطرفة ما هي إلا رد فعل مبالغ فيه على الشعور الأصلي بالنقص.

الروائي سيف شمس الدين
الروائي سيف شمس الدين

بما أننا ندعي أن رواية (العودة إلى جذوري البدوية) تتكلم عن موضوعة الشعور بالنقص، فأعتقد أن علينا أولاً هنا أن نستعرض نظرية ألفريد أدلر (1870-1937) حيث تخصص هذا العالم والطبيب النفسي بالتكلم عن عقدة النقص. كان ألفريد أدلر أحد طلبة سيجموند فرويد (1856-1939) لكنه اعتقد أن أستاذه كان يبالغ في منح الأهمية للجنس كدافع لاواع لسلوك كل البشر. كان أدلر يمتاز عن أستاذه فرويد بأنه كان مطلعاً على أعمال الفيلسوف فريدريك نيتشه (1844-1900) الذي كان يتكلم عن فلسفة القوة فتأثر به أدلر ووجد في مقولات نيتشه الكثير من الأمور الصادقة والمقنعة فوضع أدلر نظرية تقول أن الشعور بالنقص (نقص القوة) هو الدافع اللاشعوري الأساسي لكل السلوكات الإنسانية حيث كل البشر يصبون لتجاوز ضعفهم ليكونوا أقوياء. يوضح أدلر نظريته بالقول بأن الطفل ما أن يوعى على وجوده وكيانه حتى يدرك أنه محاط بعالم من الكبار الأطول والأقوى منه. هؤلاء الكبار الذين يحيطون أي طفل وهو يكبر يمتلكون قدرات تفوق قدرات الطفل جسمانياً وعقلياً ويدرك الطفل ذلك فيصير أهم هاجس لنفسه وأهم دافع لسلوكه هو أن يتفوق على النقص الذي يعتريه ويصير كالكبار أو أفضل منهم. إن الشعور بالنقص، حسب نظرية أدلر، شعور طبيعي لكل طفل وهو المحرك الأول والدافع الأول لسلوك الطفل. وحسب نظرية أدلر فإن الشعور بالنقص يصاحب الإنسان من طفولته إلى كل مراحل عمره، فالطفل حين يدخل المدرسة مثلاً يبدأ بالتنافس مع أقرانه ويشعر بالنقص ممن يفوقوه قوة بدنية أو عقلية ويكون ذلك الشعور المحرك اللاواعي الأهم لسلوك الطفل في المدرسة، ثم بعد سنين الدراسة تبدأ سنين العمل ويستمر معها الشعور بالنقص ممن هو أعلى مقاماً أو أغنى أو أجمل أو أقوى بدناً أو ممن يمتلك موهبة موسيقية أو غيرها، وهكذا فإن حسب نظرية أدلر فإن الشعور بالنقص هو الدافع اللاشعوري الأهم لكل سلوكات البشر حول العالم بمختلف ثقافاتهم.
لنعود إلى الرواية ونقرأ شيئاً عن طفولة هلال. يتكلم هلال عن رحلته الأولى للشمال، حيث يحزم أهله خيمهم وغنمهم ويتجهون لشمال العراق حيث لم ينزل المطر في صحرائهم في ذلك الموسم فقرروا الاتجاه للشمال بحثاً عن العشب لماشيتهم. يرى هلال في طريقه إلى هناك لأول مرة شارعاً، هو إبن الصحراء الذي ألف الغبار والرمل. يشتري له أبوه بندقية، والبندقية رمز ذكوري، ويرى لأول مرة هناك وردة حمراء، والوردة رمز أنثوي، ويتعرف على لينا الشقراء الجميلة ذات العينين الخضراوتين وعلى عائلتها التي تشبه الأوربيين مجتمعين بالعيد يرقصون. ذكرنا أن البندقية رمزٌ ذكوريّ وبأن الوردة رمز أنثوي لننوه إلى أن البدوي عادة، إبن الجنوب، حين يسافر للشمال، إلى فوق، يتخيل نفسة ولو لاشعورياً بأنه ذكر فاتح سيدخل على أنثى. هكذا كان حال بطل رواية الطيب صالح “موسم الهجرة إلى الشمال” على سبيل المثال وكذلك بطل رواية “الحي اللاتيني” لسهيل إدريس. إن الذكر يريد أن يكون هو المقتحم الفاتح والمنتصب على القمة، حاله حال العصا أو البندقية، بينما لا ترى الأنثى ضيراً في قبول الآخر وجل قوتها هي أن تغوي الآخرين بشمّها حالها حال وردة حمراء تغوي بشمها. يبدو أن الرموز الذكرية فيها بعض الإعتداء والتهديد، بينما الرمز الإنثوية التي لا تقل الرموز الذكورية قوة تستمد قوتها من ذكائها وجمالها.
نقرأ في نهاية ذلك الفصل الذي يتكلم عن الرحلة للشمال بحثاً عن المرعى أن لينا الجميلة تودع هلال بقبلة ويتواعدان على أن يلتقيا في المستقبل. فماذا يقول هلال بعد تلك القبلة وذلك الوعد باللقاء المستقبلي؟ لنقرأ في الصفحة 128: “أصبحت آمالي كالآمال العظيمة التي كتبها الكاتب الانكليزي (تشارلس ديكينز) في روايته (الآمال العظيمة)، أصبحت كبطلها، استمريت بالجريان حتى وصولي للبيت”. أدعي أن في هذه السطور يكمن مفتاح مهم جداً لفهم الصراعات اللاشعورية التي تعتري هلال. دعونا في البدء نستعرض شيئاً من رواية (الآمال العظيمة) لتشارلس ديكينز.
ففي رواية ديكينز يعاني المستر ببس Mr Pips أيضاً من عقدة النقص وسبب ذلك طفولته الفقيرة اليتيمة في احدى نواحي انكلترا الريفية وكانت تسكن بقربهم في قصر كبير عائلة غنية كان المستر ببس يلاعب إبنتهم ولكنه كان يُعامَل بصفته الطفل الفقير الذي كل المطلوب منه هو أن يلاعب البنت ويجلب المتعة لها وكانت كثيراً ما تسيء معاملته ولم يكن يستطيع ليرد عليها. حين بدأ المستر ببس بالكبر انتقل للندن وفي لندن الكبيرة حاول أن يتنكر لماضيه كي يصير “جنتلمان” حتى أنه غير اسمه وحين قابل يوما ما بالصدفة احد معارفه من ناحيته الريفية ادعى أنه لا يعرفه وبأن اسمه ليس المستر بيب كما دعاه ذلك الشخص. أعتقد أن الكاتب (سيف شمس الدين الآلوسي) وفّق في تشبيه آمال هلال بآمال المستر ببس. نعم فكلاهما ينطلقان من شعور بالنقص تجاه أصولهم ويصبوان كلاهما للإنتماء لمجتمع يرياه أقوى وأفضل ولديهما ميل للتنكر لأصولهما.
kh saif shams aldinمن جهة اخرى هناك كلمات يكثر استخدامها في رواية (العودة إلى جذوري البدوية) وأود أن أثير انتباه القارئ لها وهي كلمات مثل: الضمير، والآمال. والضمير والآمال كلاهما مرتبطان في علم النفس التحليلي بما يسمى بالـ(أنا الأعلى). إن أنا الأعلى هو ذلك الجزء من الشخصية الذي اقترحه فرويد، وقال أنه يتكون في عمر السنة الخامسة أو السادسة من العمر حيث يحاول الطفل في هذا العمر تبني القيم التي يحترمها أبواه فيحاول أن يصوغ منها (أنا مثالية) يحاول أن يصل لها. فإذا كان أبواه يحمّلاه من المثاليات الشيء الكثير، ومن الآمال الشيء الكثير، فإن أناه المثالية، أو أناه العليا، تصير بعيدة عن الواقع وبذلك تصير بعيدة عن التحقيق، أي تتسع الفجوة بين أنا الواقعية، وأنا المثالية، فيشعر الشخص أنه مقصّر، أو ناقص. ولو تأملنا في (أنا الأعلى) لهلال فسنجدها أن أباه حمله الكثير من الآمال وأراده أن يكون متميزاً بشكل كبير، حمله آمال عظيمة، صعب عليه تحقيقها، منها أنه كان على هلال تعويض شعور أبيه بنقص الأولاد على سبيل المثال، فشعر بالذنب.
نرجع لبطلنا هلال ونواصل قصته. على غير عادة أهل البادية يدخله أبوه للمدرسة في إحدى المدن القريبة ويكون أول من يتعلم القراءة والكتابة من قبيلته. ثم يرسله أبوه إلى بغداد ليدرس القانون في جامعتها. وهناك يبدأ هلال بالبحث عن فندق وحين يقول له صديقه حسين الذي يدرس علم النفس في نفس الجامعة أن هناك فندقاً صاحبه كردي، يجيبه هلال: “بلا شك أنه نظيف”. ثم يتعرف هلال في بغداد على عازف عود مسيحي اسمه “داني”، وهو صاحب شعر أصفر طويل وأستاذ في معهد الموسيقى، ثم يتعرف –من جديد- على لينا التي كان قد التقاها في رحلته وهو طفل مع أهله إلى الشمال. لينا الآن طالبة معه في نفس الكلية ويعرف الآن أنها مسيحية.
ثم يتعرف على أبي عبدالله الذي يتجول في بغداد يبحث في نفايات مستشفياتها عن أطفال لقطاء كي يربيهم، وحين يتعرف عليه أكثر يعرف هلال أن أبا عبدالله اسمه نعمة، وبأنه هو بدوره كان لقيطاً رماه أهله في قمامة إحدى المستشفيات فوجده زوجان لا ينجبا الأطفال فتبنياه وربياه فصار طفلاً مميزاً نجح في المدرسة ودخل الجامعة وتخرج ليعمل في وزارة الخارجية فـ”جال البلاد، شاهد العالم بأسره، تقلد وظائف ومناصب عالية ومهمة.. ص235-236″، وكأنه ينتقم من شعوره بالنقص، ثم بعد ان توفيا والداه المتبنيان أفتتح داراً للأيتام وبدأ يبحث في النفايات عن أطفال لقطاء تركهم آبائهم كي يربيهم هو بدوره. تتوثق العلاقة بين نعمة (أبو عبدالله) وبين هلال ويوعد نعمة هلالاً بأن يجد له وظيفة في وزارة الخارجية ما إن يكمل دراسة الدكتوراه. كأننا هنا بأبي عبدالله يتبنى هلالاً.
حين نرجع لنتأمل فيمن تعرف عليهم هلال في بغداد نجد أنهم أربعة أشخاص: الكردي صاحب الفندق، وداني أستاذ الموسيقى المسيحي، ولينا المسيحية، وأبو عبدالله الذي لا يعرف أبويه الحقيقيين. لو سألنا هلالاً: من تعرف من أهل بغداد؟ لأجابنا: أعرف كردياً ومسيحيين، ولقيطاً. أليس ذلك بجواب غريب؟ نعم صاحب هلال في بغداد كذلك حسين، طالب علم النفس، لكن حسين ترجع أصوله إلى نفس المكان الذي ينتمي إليه هلال فحين ينزل حسين في العطل إلى أهله، يعود من ثم إلى بغداد وفي جعبته أخباراً عن أهل هلال كذلك. أما أن هلال لم يجد إلا هؤلاء في بغداد ليتعرف عليهم، أو أنه تجنب اللقاء بغيرهم، ذلك سؤال لا نعرف الإجابة الأكيدة له.
لو تطرفنا في صياغة رسالة لاشعورية للرواية فسنقول ربما: إن العربي المسلم، المنتمي أصلاً إلى البادية، حين يقدم إلى المناطق الحضرية، المتمثلة ببغداد، التي يسكنها أصلاً أناس ليسوا بعرب أو ليسوا بمسلمين أو يجهلون آبائهم الحقيقيين، أو التي ينبغي عليه التعرف على من فيها ممن ليسوا بعرب ولا مسلمين أو يجهلون آبائهم الحقيقيين ويتجنب من هم ليسوا كذلك، عليه كي يحاول العيش في هذه المنطقة الحضرية أن يدرس أما علم النفس، أو علم القانون، ليحل العقد النفسية التي تعتريه، وليكون قاضياً بين طرفي الصراع الذي يعتريه، الطرفين المتمثلين في الرواية بالبداوة من جهة وبالحضارة من جهة أخرى.
إن هذه الرواية عمل إبداعي جميل وفيه من الصراحة ما يؤلم ويصدم، وذلك هو المطلوب من العمل الأدبي. لم نحلل كل رموز الرواية هذه وكل خفاياها، فلم نتطرق مثلاً لعلاقة الرواية بنظريات علي الوردي في البداوة والحضر وازدواجية الشخصية العراقية، ولم نتطرق لعلاقة هلال بأبويه بالتحليل العميق، ولم نتكلم عن الجذور والأصول والهوية وآراء المفكرين من أمثال أمين معلوف مثلاً بهذه المفاهيم، ولم نعقد مقارنات مع أعمال مشابهة لروائيين ومفكرين عراقيين مثل عمل الكاتب سليم مطر الموسوم “ذكريات رجل لا يستحي”، بل حاولنا جهدنا أن تكون هذه المقالة خفيفة على القارئ ومثيرة لتفكيره وتأمله، ومشجعة على إقتناء الرواية وقرائتها، فهي عمل أدبي صريح وشجاع في هذا الزمن الصعب الذي نعيشه. فتحيّة للكاتب الشاب سيف شمس الدين الآلوسي على رائعته ونتمنى له دوام الإبداع.

شاهد أيضاً

نايف عبوش: نعمات الطراونة.. والتواصل العصري الحي مع التراث

لعل ما يقلق المهتمين بالتراث اليوم، هو الانحسار المستمر، في ثقافة التراث،وخاصة لدى شريحة الجيل …

صباح هرمز: مسرحيات يوسف الصائغ بين الخيانة و الانتماء
أولا: ديزدمونة وجدلية الشرق والغرب (ملف/6)

إشارة: رحل المبدع الكبير “يوسف الصائغ” غريبا في دمشق ودُفن هناك بعد أن قتلته السياسة …

شكيب كاظم: كانا يغيّران في قصيدهما أبو عبادة البحتري ونظيره أبو فرات الجواهري

وأنا أقرأ الكتاب النقدي المهم، ككل النتاجات النقدية والمعرفية للدكتور عبد الله محمد الغذامي، الموسوم …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *